إجراءات وزارة العمل اللبنانية بحق اللاجئين الفلسطينيين: مع التوطين أم ضده؟

>> إجراءات وزارة العمل اللبنانية بحق اللاجئين الفلسطينيين: مع التوطين أم ضده؟

 إجراءات وزارة العمل اللبنانية بحق اللاجئين الفلسطينيين:

مع التوطين أم ضده؟

 

 

 

أدهم جابر

يعاني اللاجئون الفلسطينيون في لبنان منذ سنين جرّاء الحرمان بسبب السياسات الرسمية اللبنانية التي فاقمت الأوضاع المزرية للمخيمات الفلسطينية المنتشرة في أكثر من منطقة لبنانية.

واللافت للانتباه أن تلك السياسات تمت ترجمة بعضها في إطار تشريعات، حملت في بعض جوانبها نفحة عنصرية تسببت بوقوع المخيمات في حفرة "الحرمان المستدام". تلك السياسات والتشريعات التي أدرجها صانعوها، في خانة الخوف من توطين اللاجئين الفلسطينيين، وما يترتب عليه من تغيير ديموغرافي، وقد شكّلت هذه الهواجس المحور الذي استند إليه هؤلاء لاتخاذ كل إجراء ممكن، كاستغلال المواد القانونية التي من شأنها أن تزيد في حرمان اللاجئين، والامتناع من تطبيق القوانين التي تمنح اللاجئ حقوقاً ولو مجتزأة كما حدث مع الإجراءات التي اتخذتها وزارة العمل اللبنانية في الأيام الأخيرة، والتي أكدت على أكثر من صعيد، بأنها إجراءات تقود إلى التضييق على الفلسطينيين من دون الأخذ بخصوصيتهم كلاجئين يتمتعون بالحقوق المنصوص عليها في القوانين والاتفاقيات والمعاهدات الدولية المعمول بها في هذا الشأن.

اللاجئ في القانون الإنساني

لم يهمل القانون الإنساني الذي تضمن تعريفاً دقيقاً للاجئ، حقوق اللاجئين، وإن كان لا يزال، لا يستخدم هذا المصطلح على نطاق واسع. فاللاجئ بحسب الاتفاقية العالمية الخاصة بوضع اللاجئين، يتمتع بالحماية، وله حقوق منصوص عليها بحيث يجب عدم تجاوزها، والتي تفرض على الدول المضيفة، في أغلبية بنودها، التعامل مع اللاجئين بطريقة خاصة تراعي حقوقهم في ممارسة الشعائر الدينية والحق في العمل والعلم، حتى لو كانت الدولة المضيفة هي أحد أطراف النزاع. (1)

وإذا كانت هذه هي الحال بالنسبة إلى الدولة الطرف بالنزاع، فكيف بتلك التي لا تكون طرفاً فيه، وإنما اضطرت إلى استقبال آلاف اللاجئين أو النازحين لوقوعها على مقربة من الحروب والنزاعات المسلحة؟ كما هي الحال في لبنان، الذي وعلى الرغم من مرور عقود على الوجود الفلسطيني فيه، فإنه لا يزال تائهاً في التعامل مع اللاجئين، بحيث لم يصل إلى سياسة رسمية موحدة، ولا تمكن من سن قوانين واضحة لجهة تعامله مع ملف اللاجئين الفلسطينيين.

اللاجئون الفلسطينيون في القوانين اللبنانية

وضعت نكبة 1948 اللبنانيين أمام تحد كبير فُرض بفعل تدفق اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي اللبنانية. وفي البداية تعامل اللبنانيون مع الواقع الجديد من منطلق إنساني بحت، فقدموا العون للاجئين في إطار تصور عام بأن اللجوء موقت وأن الفلسطينيين سيعودون إلى بلدهم في فترة زمنية قريبة. لكن تمادي إسرائيل بانتهاكاتها ضد الفلسطينيين فاقم أعداد اللاجئين إلى لبنان في السنوات اللاحقة للنكبة، لذا كان على لبنان الرسمي أن يتعامل مع هذا الملف بما تفرضه ظروف الأمر الواقع.

اعترفت الدولة اللبنانية بالفلسطينيين كلاجئين، لكن هذا الاعتراف لم يدفعها إلى التعامل معهم وفق القوانين والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المعمول بها في هذا الإطار، فساد القوانين والتشريعات التي سنتها الدولة اللبنانية لمعالجة الملف، نوع من الالتباس أريد له أن يمنح الحسابات اللبنانية الضيقة المتعلقة بالاعتبارات الطائفية والمذهبية القدرة الكافية للتحكم فيه. وعليه فإن بدايات تعامل الدولة مع ملف اللاجئين كان بتشكيلها لـ "اللجنة المركزية لشؤون اللاجئين" سنة 1950، ثم تشكيل "المديرية العامة لإدارة شؤون اللاجئين الفلسطينيين في وزارة الداخلية والبلديات" بموجب المرسوم الاشتراعي 42 والمرسوم 927 بتاريخ 31/3/1959. غير أن التعامل مع إقامة اللاجئين في لبنان وتنظيم عملهم حدث للمرة الأولى سنة 1962 مع صدور قرارين عن وزير الداخلية آنذاك قضيا باعتبار اللاجئين فئة من الأجانب يتوجب عليهم الحصول  على إذن عمل قبل مزاولة أي مهنة، وذلك في تناقض واضح مع اعتراف الدولة بالفلسطينيين كلاجئين.

إن وضع اللاجئين الفلسطينيين القانوني في لبنان بقي على حاله إلى حين توقيع اتفاق الطائف، ففي هذه المرحلة تعيّن على لبنان أن يتعامل مع الوجود الفلسطيني على أساس أن عودتهم إلى بلادهم ليست قريبة وقد لا تكون مضمونة، لكن الحكومات اللبنانية المتعاقبة المسكونة بهاجس التوطين والمحكوم تعاملها مع مختلف الملفات حتى اللبنانية المحضة منها، بالحسابات الطائفية والمذهبية، سارعت إلى إصدار القوانين التي من شأنها أن تضيق الخناق على اللاجئين، بدلاً من أن تتعامل مع وجودهم من منطلقات إنسانية. وبالتالي فإن أول ما فعلته حكومة سنة 2001، كان إصدار قانون يمنع الفلسطينيين من التملك في لبنان، ثم قامت بتشكيل لجنة حوار لبناني- فلسطيني لمتابعة الملف سنة 2005، هدفها بموجب القرار رقم 89/2005، تحسين ظروف حياة اللاجئين الفلسطينيين وتأمين حياة كريمة لهم حتى عودتهم إلى ديارهم، وكانت أولى النتائج وفي السنة نفسها، إصدار وزير العمل اللبناني آنذاك لقرار يستثني الفلسطينيين من منع ممارسة بعض المهن المحصورة باللبنانيين دون غيرهم، وذلك بموجب المادة التاسعة من قانون العمل اللبناني، وقد أتاح ذلك للفلسطينيين ممارسة هذه المهن، باستثناء الوظائف الإدارية والمهن التي يتطلب ممارستها الانتساب إلى نقابات عمالية محصورة باللبنانيين.

وبعد 5 سنوات من الحوار، برز تحول لافت للانتباه بشأن القوانين اللبنانية الناظمة للوجود الفلسطيني مع إصدار المجلس النيابي اللبناني للقانون 129 الذي عدّل الفقرة الثالثة من المادة 59 من قانون العمل، وسمح للفلسطينيين بالعمل في بعض المهن، والقانون 128 الذي عدّل المادة التاسعة من قانون الضمان الاجتماعي وقضى بإعفاء الفلسطينيين من شرط المعاملة بالمثل، وسمح لهم بالاستفادة من تقديمات تعويض نهاية الخدمة (2).

وفي مراجعة لتعديلات القانونين 129 و 128 فقد طرأ تغيير على وضع العامل الفلسطيني في لبنان إلى حد ما، إذ أعفته من شرط المعاملة بالمثل لكنها أبقت على شرط حصوله على إجازة العمل بصفته أجنبياً "مميزاً" في نظر القانون، في حين اكتفت بإعفائه من دفع رسوم الإجازة علماً بأنه كان يدفع 25% فقط من تلك الرسوم، كذلك أبقت على وجوب تقديم العامل الفلسطيني للمستندات المطلوبة للحصول عليها، والتي نصّت على الاستمرار في حظر بعض المهن على الفلسطيني مع عدم إلغاء مبدأ المعاملة بالمثل في هذا الشأن (المهن الحرة). أما اللافت في تعديلات 128 فكان هو النص على وجوب دفع العامل الفلسطيني للاشتراكات عن الصناديق الثلاثة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بينما يحق له الاستفادة فقط من تعويض نهاية الخدمة من دون الاستفادة من ضمان المرض والأمومة ولا من التقديمات العائلية!

وهكذا دخلت التعديلات على قانون الضمان حيز التنفيذ، فبحسب مذكرة إعلامية حملت الرقم 437 صادرة عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في 22 أيار/مايو 2011، فإنه "مع الاحتفاظ بالأحكام العامة التي ترعى تطبيق قانون الضمان الاجتماعي، يخضع لفرع تعويض نهاية الخدمة اعتباراً من 2 أيلول/ سبتمبر 2010 اللاجئ الفلسطيني العامل على الأراضي اللبنانية المرتبط بصاحب عمل واحد أو أكثر، وذلك وفق الشروط: أن يكون مقيماً بلبنان، ومسجلاً في مديرية الشؤون السياسية واللاجئين- وزارة الداخلية والبلديات، وأن يكون مرتبطاً بصاحب عمل واحد أو اكثر، وحائزاً إجازة عمل وفق القوانين والأنظمة المرعية، على أن يستفيد اللاجئ العامل من تعويضات نهاية الخدمة دون سواها (3)، وللتوضيح فإن صاحب العمل الذي يريد تشغيل أحد العمّال اللاجئين يتعين عليه أن يدفع ما نسبته  21.5% من الأجر الذي يتقاضاه العامل، وهي المساهمة الكاملة لقاء الاستفادة من فروع الضمان الثلاثة، في حين أن العامل الفلسطيني لا يستفيد سوى مما يقابل 8% فقط، وعملياً فإن هذا كان أحد الأسباب التي عطّلت إلى حد كبير القانون 128 وقللت نسبة العمّال الفلسطينيين المنتسبين إلى الضمان.

أما بالنسبة إلى تعديلات 129 فلم تصدر فيها مراسيم تطبيقية لتنفيذها، علماً بأن الأصول القانونية المتبعة تفرض أن تدخل التعديلات حيّز التنفيذ تلقائياً. وبغضّ النظر عن ذلك فإن هناك إشكالية واضحة لجهة تعامل التعديلات مع الفلسطيني على أنه لاجئ في مرة فتلغي مبدأ المعاملة بالمثل، وأجنبي مميز في مرة أخرى فتبقي على شرط المعاملة بالمثل مع بعض الامتيازات، كعدم دفع رسوم إجازة العمل! ويضاف إلى هذا الالتباس ما يتعلق بمسألة  المستندات المطلوبة لحصول العامل الفلسطيني على إجازة العمل، وهي مستندات مثيرة للجدل، وقد يتعذّر على العامل الفلسطيني تأمينها باعتباره لاجئاً لا يملك، على الأقل، جواز سفر صادر عن دولة معترف بها رسمياً.

إذن، لم تشكّل التعديلات القانونية عاملاً مساعداً لعمالة اللاجئين الفلسطينيين، فالخلل ليس على مستوى تطبيق القوانين فحسب، بل يتعداه إلى اعتبار المشكلة في النصوص نفسها للقوانين المتعلقة باللاجئين أيضاً.

العمالة الفلسطينية وحقيقة تهديدها للعمالة اللبنانية

انطلق وزير العمل اللبناني، بإجراءاته تحت شعار: تطبيق القانون لحماية العامل اللبناني من منافسة العمالة الأجنبية، وقد نال ذلك استحسان بعض اللبنانيين، بينما رفض الإجراءات آخرون رأوا أنها لم تلحظ خصوصية اللاجئ الفلسطيني العالق في لبنان بلا حول ولا قوة. ومن هنا فإن أغلبية التصريحات التي أدلى بها وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان في معرض تعليقه على الإجراءات التي اتخذتها وزارته، كانت تصب في خانة اعتبار ان الإجراءات تهدف إلى تطبيق القانون بنصه الحرفي، وذلك من دون اللجوء إلى سلطاته الاستنسابية في شأن عمالة اللاجئين الفلسطينيين لتدارك النقص في نص القانون 129، وبالتالي إبداء الأهمية بالنسبة إلى خصوصية اللاجئ الفلسطيني الذي لا تشبه ظروفه أي ظروف عامل أجنبي آخر.

وهنا يجدر القول إنه، بشأن حماية العمالة الوطنية، فإن هذا التبرير ليس موفقاً من وزير العمل اللبناني، ذلك بأنه نظراً  إلى واقع العمالة الفلسطينية في لبنان، فالواضح أنها لا تشكّل أي تهديد فعلي وحقيقي للعمالة اللبنانية. ووفقاً لرئيس لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني الوزير السابق حسن منيمنة، فإن التعامل مع هذا الأمر يجب أن ينطلق من السؤال عن الحجم الفعلي للعمالتين اللبنانية والفلسطينية، فبحسب الأرقام الأولية لإحصاء تجريه لجنة الحوار حالياً، فإن حجم القوة العاملة الفلسطينية في الفئة العمرية بين 15 إلى 64 عاماً هو في حدود 55 ألف عامل تقدّر البطالة في صفوفهم بنحو 23%، وبالتالي فإن عدد العاملين يقارب 42 ألف شخص، ولو تم توزيع هذا العدد على مئات المهن في لبنان، يتضح أن هؤلاء لا يشكّلون خطراً فعلياً على العمالة الوطنية. وفي المقابل، هناك نحو مليون عامل لبناني يعملون في عدة دول بينها دول الخليج، وهم من النخب ومعظمهم من أصحاب الاختصاصات والمهن الحرة، التي هي في الأساس مهن محظورة على الفلسطينيين في لبنان، وفي هذا السياق كيف يمكن للعمالة الفلسطينية أن تهدد العمالة الوطنية؟

ويلفت منيمنة إلى أن الهجرة اللبنانية قديمة وتعود إلى القرن التاسع عشر ولم يتسبب بها اللاجئون الفلسطينيون، وعليه فإن المشكلة ليست في اللاجئين وعمالتهم، بل في لبنان الذي يعيش أزمة اقتصادية حادة تنعكس على مختلف القطاعات، وذلك بوجود الفلسطينيين أو غيابهم. لذلك فإن المفروض هو البحث عن أسباب الأزمة ومعالجتها بدلاً من تسليط الضوء على النقطة الأضعف، أي العمالة الفلسطينية، لتصويرها على أنها سبب هذه الأزمة. في حين أن العكس قد يكون هو الصحيح، ذلك بأن مقاربة ملف العمالة الفلسطينية من منطلق الأثر السلبي والإيجابي يوضح أن الأثر الإيجابي يفوق السلبي، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار مساهمة اللاجئين الفلسطينيين في نمو الاقتصاد اللبناني، والمترتبة عن حجم الودائع المالية الفلسطينية في المصارف اللبنانية، والأموال الواردة من فلسطينيي الخارج إلى أقاربهم في الداخل اللبناني، والتي تقدّر بحسب مصادر مختلفة بنحو 350 مليون دولار سنوياً، يضاف إليها الأموال التي تصرفها "الأونروا" على اللاجئين والمقدرة بين 70 إلى 80 مليون دولار، وأيضاً الأموال التي تنفقها الدول المانحة على الجمعيات والمنظمات المعنية بمساعدة اللاجئين في المخيمات. وعليه فإن كل هذه الأموال تؤدي دوراً مهماً في نمو الاقتصاد اللبناني.

وبالإضافة إلى هذه الحقائق، فلو عدنا إلى التاريخ للبحث في كبريات المؤسسات والشركات اللبنانية في قطاعات المصارف والتأمين وسواها، لوجدنا أن المساهمة الفلسطينية فيها كانت كبيرة، وهذا كله يخفف من نتائج أي أثر سلبي للوجود الفلسطيني في لبنان، ويجعل منه فاعلاً في تنمية وتحريك عجلة الاقتصاد اللبناني، لذلك فإن كل محاولة للتقليل من أهمية دور اللاجئين في نمو الاقتصاد اللبناني، وعدم أخذ كل هذه الحقائق الاقتصادية في الحسبان بهدف مساواة العمالة الفلسطينية بالعمالة الأجنبية الأخرى، هو كلام غير منطقي، لأن الفلسطينيين ينفقون أموالهم في لبنان، بينما تصرف العمالة الأجنبية الأخرى أموالها في الخارج.

في مواجهة التصعيد الفلسطيني، لم يقرأ اللبنانيون المعترضون على إجراءات الوزارة على أنها تصب في خانة الإساءة إلى العامل الفلسطيني اللاجئ، وذلك باعتبار أن اللاجئ الفلسطيني يحظى بحقوق لا يتمتع بها سواه من المقيمين على الأراضي اللبنانية، وفي الوقت نفسه، وجد هؤلاء أن المطالبات الفلسطينية واللبنانية تخدم مشروع توطين اللاجئين في لبنان من بوابة التجنيس الجزئي، وهذا الأمر أثار ردات فعل قاسية، الأمر الذي أدى إلى نشوب ما يشبه الحرب الكلامية بين طرفين كل منهما يرى أن الطرف الآخر هو الذي يعمل من أجل التوطين وإن اختلفت طريقة نظر كل منهما بشأن الأسلوب المتبع لتحقيق ذلك. وبالتالي تمّ حرف القضية الأساسية في بعض الأحيان عن مسارها، لربطها بمشاريع سياسية إقليمية ودولية بحيث لم تعد مجرّد موضوع يتعلق بعمل اللاجئ الفلسطيني، بل بتجاذبات طائفية وسياسية لبنانية والأخطر ربطها بطبيعة الوجود الفلسطيني في لبنان، وبأنها "تحمل رسائل أولها أن لبنان الرسمي الرافض بشكل قطعي لتوطين اللاجئين يمارس سياسة تمييزية ضد اللاجئين الفلسطينيين بهدف تهجير العدد الاكبر منهم الى خارج لبنان انطلاقاً من فرضية عدم قدرة لبنان على مواجهة الادارة الاميركية، وثانياً باتجاه الخارج بتقديم أوراق اعتماد بعض السياسيين اللبنانيين لدى الادارة الاميركية وتسهيل أمر تمرير المشروع الاميركي في لبنان لجهة المساهمة في إنقاص عدد اللاجئين عبر تهجيرهم خارج لبنان، وثالثاً محاولة البعض استخدام الفلسطينيين في لبنان وزجهم في التجاذبات الداخلية لحسابات تتعلق بالكسب الطائفي والمذهبي". (5)

وفي المقابل، لم يقتنع المؤيدون اللبنانيون لإجراءات وزارة العمل بالتعليقات الفلسطينية وكالوا الاتهامات للفلسطينيين وللذين يؤيدونهم، بالعمل على تطبيق مشاريع مشبوهة. وقد عبّر وزير العمل اللبناني السابق سجعان قزي بمقال في جريدة "الجمهورية" عن حقيقة تلك الإتهامات بقوله: "بعيداً عن المزايدات، إن جوهر المشكلة اليوم مع اللاجئين الفلسطينيين ليس العمل في لبنان، بل الوجود في لبنان، وليست الاقامة المؤقتة بل التوطين، بالقطعة حتى نصل قريباً ونراه مكتملاً كالبدر ولا ينقصه سوى التجنيس". (6)

لكن الحديث عن التوطين والتجنيس، لا يجد ما يسنده عملياً، وذلك بدليل غياب المشاريع الحقيقية في هذا السياق، فبالنسبة إلى منيمنة فقد مضى نحو 71 سنة على الوجود الفلسطيني في لبنان، وطوال هذه الفترة لم تشهد الساحة اللبنانية على ولادة أي مشروع توطيني جدي للاجئين الفلسطينيين في لبنان، ولم تتخذ أي خطوات في هذا الاتجاه، وذلك على الرغم من أن الفلسطينيين شكّلوا في بعض الفترات قوة لا يستهان بها على الصعيد السياسي وعلى مستوى إدارة البلد، وذلك يعود إلى سببين رئيسيين: الأول هو أن الفلسطينيين أنفسهم يرفضون التوطين بشكل قاطع، وما جرى في تسعينيات القرن الماضي خلال مرحلة التجنيس، خير دليل على ذلك، إذ رفض أهالي إحدى القرى الجنوبية القريبة من القرى السبع،  الذين يحملون جنسيات فلسطينية التقدّم بطلبات لتجنيسهم، لأنهم يرغبون في العودة إلى بلادهم، علماً بأن الفرصة أمامهم كانت متاحة للحصول على الجنسية اللبنانية، وعليه فإننا أمام موقف فلسطيني رافض قطعياً للتوطين ومتمسك بحق العودة، وهذا ما نلاحظه ليس في المواقف والتصريحات فحسب، بل يمكن لمسه على الأرض من خلال شعارات العودة المرفوعة في كل المخيمات الفلسطينية، وموقف أهل تلك المخيمات، الذين يعبّرون باستمرار عن الرغبة في العودة إلى بلادهم. أمّا السبب الثاني فيتعلق بالاجماع اللبناني على رفض التوطين جملة وتفصيلاً، وهذا الأمر منصوص عليه في الدستور ويعدّ بنداً أساسياً في كل التفاهمات والتوافقات اللبنانية اللبنانية من جهة واللبنانية – الفلسطينية من جهة أخرى. لذلك لم يكن هناك مشاريع جدية للتوطين، باستثناء ما يجري الحديث عنه في المرحلة الراهنة والمتعلق بـ "صفقة القرن"، وهي صفقة تحمل في طياتها مشروع توطين ليس فقط في لبنان، وإنما في كل الدول المضيفة للفلسطينيين، لكن ومع أن المشروع قد وضع مصير اللاجئين بين احتمالين إما التوطين أو إيجاد دولة بديلة لهم، إلا أن احتمالات نجاحه ليست كبيرة، ثمّ حتى لو تم تمرير هذا المشروع، فالدولة اللبنانية يمكنها رفضه، إذ لا يمكن لأي جهة أن تفرض التوطين على لبنان، وعليه فإن على أصحاب نغمة "التوطين" أن يوقفوها لأنهم يعلمون جيداً أن رفض لبنان يُفشل أي مشروع للتوطين، لذلك فإن التوطين بات اليوم وسيلة يستخدمها السياسيون في لبنان للحشد وكسب تاييد الجماهير والتحريض لإظهار بطولات وهمية، وفي الوقت نفسه، استغلال التوطين لحرمان اللاجئين الفلسطينيين من أبسط الحقوق الإنسانية وعدم مساعدتهم والاعتراف بحقهم في حياة كريمة كلاجئين معترف بهم بموجب القوانين والاتفاقيات والمعاهدات الدولية. 

 

 

ما يريده اللاجئون الفلسطينيون:

في ظل التجاذب الجاري ما الذي يريده اللاجئون ولماذا يرفضون إجراءات وزارة العمل؟

إن الرفض الفلسطيني لإجراءات وزارة العمل اللبنانية، ينطلق أساساً من اعتبارات الإجراءات ضد اللاجئ الفلسطيني بأنها ظالمة وجائرة وغير عادلة لكونها لم تلحظ خصوصية اللاجئ الفلسطيني الذي لا يشبه وجوده في لبنان أي وجود أجنبي آخر، فاللاجئ الفلسطيني الموجود في لبنان منذ نحو 71 سنة وهو غير قادر على الرجوع إلى بلده، وفي الوقت نفسه هو عاجز عن السفر إلى دولة أخرى، لا يجب أن يخضع لشروط الحصول على إجازة عمل شبيهة بتلك التي يتوجب على الوافد الأجنبي الذي يأتي إلى لبنان بإرادته بغرض العمل. وهنا وجب استثناء اللاجئ الفلسطيني من إجازة العمل ومن مبدأ المعاملة بالمثل والعودة إلى تطبيق القانونين 129 و 128 مع ضرورة صدور مراسيم تطبيقية لهما لتصويب الخلل الناجم عن تنفيذ الإجراءات المذكورة. وعليه فإنه يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات حول إجراءات وزارة العمل:

·        إن تكريس شرط حصول العامل الفلسطيني على إجازة عمل والتعامل معه على أساس أنه أجنبي، يؤدي على المدى البعيد إلى التخلص من اللاجئين والقضاء على حق العودة، خصوصاً في هذه المرحلة بالذات، إذ بدت إجراءات وزارات العمل بالنسبة إلى البعض، وكأنها استهداف مقصود للقضية الفلسطينية والأونروا وحق العودة.

·        إن حجة وزارة العمل اللبنانية عن رغبتها في حماية العمالة اللبنانية ليست مدعمة بالأرقام والوقائع على الأرض، إذ إن أبلغ التقديرات تشير إلى أن العمّال الفلسطينيين لا يشكلون سوى ما نسبته 7% من إجمالي القوى العاملة في لبنان، وهنا تجدر الإشارة إلى أن اللاجئ الفلسطيني، وبخلاف ما يشاع، يساهم في تحسين عجلة الاقتصاد اللبناني لأنه ينفق ما يتقاضاه في لبنان بعكس أي عمالة أجنبية أخرى موجودة في البلد.

·        إن "تطبيق وزارة العمل لإجراءاتها ضد الفلسطينيين سيساهم في تعقيد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المخيمات، فالآن يبلغ معدل الفقر نحو 71%، لذلك فإن الإجراءات ستكون لها انعكاسات خطيرة على الأوضاع الاجتماعية في المخيمات وقد توّلد مشكلات أمنية لبنان في الغنى عنها.

·        أثّرت إجراءات وزارة العمل اللبناني على الحوار اللبناني - الفلسطيني سلبياً، لذلك لا بد من التأكيد على أن رغبة الفلسطينيين بعدم التصعيد، لا يجب أن تؤدي إلى جعلهم يدفعون فاتورة التجاذبات السياسية اللبنانية الداخلية. لذلك لا بد من معالجة هذا الملف بلا تأخير لتدارك أي تداعيات سلبية له.

·        على لبنان الرسمي أن يدرك أن الفلسطينيين يعيشون في بلد شقيق وأنهم لا يرغبون سوى بحياة كريمة توفر لهم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية الكاملة على قاعدة رفض التوطين وبما يتماشى مع مقدمة الدستور اللبناني.

·        على الدولة اللبنانية أن تتنبه لما يُحاك للمنطقة في إطار ما بات يعرف بصفقة القرن.

غير أنه على الرغم من عدم الرغبة في التصعيد إلا ثمة من يرى في الجانب الفلسطيني أن الفرصة باتت اليوم سانحة أكثر من أي وقت مضى، للمطالبة بكامل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً أن هذا الملف يفتح للمرة الأولى بهذا الشكل منذ نحو 71 عاماً، على أن تنطلق المطالب من نقطة اساسية وهي رفض التوطين بمختلف أشكاله.

في ظل الاتجاهات السائدة حول هذا الملف، يصر وزير العمل اللبناني على تطبيق القانون، وذلك على الرغم من كل التبريرات والحجج التي قدمت إليه والتي تثبت خصوصية اللاجئ الفلسطيني، غير أن ذلك لم يبدّل في موقفه على الرغم من تمتعه بسلطات استنسابية كان بإمكانه أن يستخدمها لاستثناء العامل الفلسطيني من إجراءات الوزارة.

في المحصلة، فإن إجراءات وزارة العمل  ضد اللاجئين الفلسطينيين هي تجاوز لحقوق الإنسان، وخرق ليس للمعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق اللاجئين فحسب، بل أيضاً للقوانين والاتفاقيات اللبنانية نفسها، فهي على قساوتها، شكّلت مناسبة لبعض اللبنانيين لاعتماد لهجة تصعيدية ضد اللاجئين وولّدت اصطفافات حادة، نتج عنها كلام ليس في محله. لذلك فإن الخروج من هذه المشكلة قد لا يكون إلا بالعودة إلى طاولة الحوار تحت مظلة لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني للتوافق على رؤية موحدة لبنانية - فلسطينية للوجود الفلسطيني في لبنان، تؤدي إلى تبني الوثيقة السياسية التي كانت قد أقرتها القوى السياسية الأساسية في لبنان (وضمنها حزب القوات الذي ينتمي إليه وزير العمل)، تحت عنوان "رؤية لبنانية موحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان"،  ووضعها حيز التنفيذ بمرسوم تنظيمي يصدر عن مجلس الوزراء اللبناني.

 

النص الحرفي لوثيقة "رؤية لبنانية موحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان"، مجموعة العمل حول قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، التي توافقت عليها القوى السياسية الأساسية في لبنان.

 

 

المراجع

 

1-  الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين، اعتمدها في 28 تموز/ يوليو 1951 مؤتمر الأمم المتحدة               للمفوضين بشأن اللاجئين وعديمي الجنسية، الذي دعته الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى الانعقاد بمقتضى قرارها رقم 429 (د-5) المؤرخ في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1950 تاريخ بدء النفاذ: 22 نيسان/ أبريل 1954 وفقاً لأحكام المادة 43.

للمزيد من المعلومات أنظر الرابط التالي:

https://www.hlrn.org/img/documents/Refugee%20Convention%201951%20ar.pdf

 

2-  الجمهورية اللبنانية، مجلس النواب، أقسام مشروع الخطة الوطنية لحقوق الإنسان، التشريعات الداخلية.

للمزيد أنظر الرابط التالي:

https://bit.ly/2NGmCHs

 

3-  مذكرة إعلامية رقم 437 تاريخ 22/5/2011، صادرة عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حول إخضاع وإفادة اللاجئين الفلسطينيين العاملين في لبنان من أحكام قانون الضمان الإجتماعي – فرع نهاية الخدمة.

أنظر الرابط:

https://www.cnss.gov.lb/index.php/pubcirculars/pubcirc0437

 

4-  "الفلسطينيون لا يدفعون تكاليف إجازات العمل ويستفيدون من تعويضات نهاية الخدمة موفدون فلسطينيون لحل الأزمة... والتفتيش يعاود مهماته مع انتهاء الإضراب"، مقال جريدة "النهار"، منشور في تاريخ 20 تموز/يوليو 2019

رابط مختصر:

https:// https://bit.ly/2GCeQJp

 

5-  "إجراءات وزارة العمل ضد العمّال الفلسطينيين في لبنان.. صراعات طائفية ومذهبية واللاجئ الفلسطيني هو الضحية"، فتحي كليب، مقال، جريدة البناء، منشور في 20 تموز/ يوليو 2019.

أنظر الرابط التالي:

https://www.al-binaa.com/archives/article/216365

 

6-  "اتفاق قاهرة مدني"، سجعان قزي، مقال، جريدة الجمهورية، منشور في 22 تموز/يوليو 2019

للمزيد أنظر الرابط:

https://www.aljoumhouria.com/news/index/480260