حرب حزيران وتأسيس الهزيمة المتوالدة
التاريخ: 
03/07/2017
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
خمسون عاماً على الاحتلال

انطوى الصراع العربي -ـ الإسرائيلي، في القرن العشرين، على واقعتين تاريخيتين: هزيمة 1948، التي أفضت إلى انتصار المشروع الصهيوني في فلسطين والتي أعطاها العرب، بدهشة وغضب، صفة: النكبة النكباء، كما لو كانت زلزالاً طبيعياً غير متوقع، يأتي ويذهب؛ وهزيمة 1967، التي أعطاها العرب صفة "النكسة"، والتي استقرت في مكانها، حتى أصبحت جزءاً من الواقع العربي، يعترف البعض بها باحتجاج مرير، ويرفضها البعض الآخر مستجيراً بصناعة كلامية  لا تغيّر من الهزيمة شيئاً.

تندرج هزيمتا 1948 و1967 اللتان يفصل بينهما عشرون عاماً، في المبدأ السياسي - التاريخي القائل: بالتحدي والاستجابة، من دون أن تتساويا في الأسباب والنتائج. فقد أرجع العرب، والمتفاؤلون منهم خاصة، الهزيمة الأولى إلى ثلاثة أسباب مشهورة: التخلّف والتجزئة والاستعمار. ففي الأول ما يعطّل الإمكانات العربية المتعددة، وفي الثاني ما يبدّد فضائل الوحدة وينشر رذائل الفرقة، وفي الثالث قوة عدوانية أجنبية، تحاصر العرب وتعضد "اليهود". لقد  كان في الأسباب الثلاثة، وفي زمن عربي بدا صاعداً، ما يصرّح "بضرورة الثأر"، وبمشاريع تهزم الهزيمة وتستقدم النصر الأكيد.

أنتج الصمود العربي المحمول على روح قومية صارخة، مقولات النصر المنتظر الأساسية: التقدم الاجتماعي الذي يصرع التخلّف الموروث ويهزمه؛ الوحدة العربية القادمة مع الاستقلال العربي الذي هزم "الاستعمار"؛  العمل العربي الموحّد الذي يجعل من التسلط الاستعماري أثراً من آثار الماضي. ومع أن حرب الخامس من حزيران / يونيو 1967 جاءت واستعد العرب لمجيئها، إذ  سبقتها الشعارات والأشعار والنظريات وهتافات الجماهير الصاخبة، إلا إنها انتهت إلى هزيمة أخرى، بل إلى الهزيمة الأشد ثقلاً والأكثر خطراً في تاريخ العرب الحديث. لقد  كان بين الهزيمتين فرق ومسافة، فالأولى كانت قابلة للتفسير، عند العرب المتفائلين، بينما بدت الثانية عصية على التفسير، وذهب مفسروها إلى تبريرات فاسدة، قوامها الاستعمار الخبيث وتآمر "القوى الرجعية"، بل رأوا في "بقاء الأنظمة التقدمية" تعويضاً عن الهزيمة - النكسة.

بيد أن الفرق الفعلي بين الهزيمتين تجلّى في الموقف العملي منهما: فالأولى استدعت مبدأ: التحدي والاستجابة، بوهم كثير أو قليل، بينما صرفته الثانية، كما لو أن التحدّي أمر ميؤوس منه، إن لم يكن "خطراً على الأمة"، وكانت الاستجابة إضعافاً للأنظمة، التي قاتلت ولم تقاتل، في انتظار زمن سعيد مقبل، غير قابل للتحديد، يعيد الأمور إلى نصابها.

ولعل هذا الحسبان السلطوي، الذي يبدأ بالسلطة وينفي التراب الوطني، والذي يشكل الدفاع عنه مسوّغاً لوجود الدولة، هو الذي منح هزيمة حزيران / يونيو استقراراها، فبدت واقعاً قريباً من البداهة يجب الاعتراف به بكلمات متقاطعة أو بتبرير بائس. أصبحت هذه الهزيمة ولوداً، تتناتج في غيرها، وغدا زمنها مرناً "مفتوحاً"، يحيل على تاريخ محدد هو الخامس من حزيران / يونيو 1967، ويحيل، في الوقت نفسه، على أزمنة لاحقة، لا سبيل إلى تحديدها. وتكَشَّف ذلك التناتج المفتوح في حصار المقاومة الفلسطينية المسلحة التي ظهرت سنة 1965، والتي كان في صعودها حصار للأنظمة العربية، وفي الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت في سنة 1975، ولا تزال قائمة، كما لو أن  هذه الحرب المدمرة، والتي لا ضرورة لها، كانت مجالاً لحرب عربية - عربية، عبّر عنها الراحل اللبناني مهدي عامل حين تحدّث عن: "الحرب العربية الأهلية في لبنان"، في انتظار دخول "الجيش الإسرائيلي" إلى بيروت، الذي كان تتويجاً للهزائم المتنوعة التي سبقته.

ألغت هزيمة حزيران / يونيو مبدأ: التحدي والاستجابة، وجعلت المنتصر أكثر انتصاراً، والمهزوم أكثر هزيمة، منجزة "واقعة تاريخية غير مألوفة"، على اعتبار أن المهزوم، مهما تكن أحواله، يرفض الهزيمة، متوسلاً ما استطاع من الأدوات والوسائل. ولهذا اخترع العرب حروبهم الصغيرة، ليبرهنوا أنهم يخوضون الحرب ولم يغادروا أرضها. فعلاوة على الحرب اللبنانية، كان هناك الخلاف السوري - العراقي. والخلاف  المصري - الليبي، وحروب السودان، والخلاف الجزائري - المغربي، و"حروب المخيمات الفلسطينية في لبنان"، التي قاتلت المقاتلين الفلسطينيين، لأنهم "يقاتلون" في سبيل فلسطين "خارج أرضهم".

وواقع الأمر أن حرب حزيران / يونيو لم تنه الحروب، بل غيّرت مواقعها وأهدافها، فانتقلت من حرب بين إسرائيل والأنظمة إلى حرب، صريحة أو مضمرة، بين الأنظمة وشعوبها، إذ كان لزاماً على القوى العربية، المتطلعة إلى نصرة فلسطين وشعبها، أن تعترف بما تعترف به الأنظمة، وأن تقاتل القوى التي تختارها الأنظمة، وألا تستجيب إلا لما يُؤَمّن استقرار الأنظمة ودوام الحال. ولعل سياسات الأنظمة المهزومة المتنوعة، هي التي استغنت عن كلمة "الشعب"، الذي يعترف بحقوقه وواجباته، واستعادت ثنائية: الرعية والسلطة، إذ الأولى كم بشري خانع واجبه الإذعان، وإذ الثانية متسلط وحيد، يقف فوق "رعيته" ويتحدث باسم البشر جميعاً. لذا بدا الاستبداد، بعد حرب 1967، وكما أظهرت الرواية العربية، سيد المرحلة ومجلى لروح الزمان، الأمر الذي أنتج، بلغة علماء السياسة، "أنظمة الخوف"، التي يقف على رأسها مرجع وحيد لا يخاف إلا من شعبه، وعلى شعبه أن يرهبه وأن يخاف منه. صارت "صناعة الخوف" هي الصناعة الأساسية المعترف بها، لدى أنظمة "لا تعترف بالهزيمة"، وتعترف بضرورة احتكار السلطة والقرار الوطني والقومي. وكان على هذه "الأنظمة الاستثنائية" أن "تحارب" السياسة وحرية الأحزاب السياسية وحرية القول والمبادرة، على اعتبار أنها أمور فاسدة تفضي إلى إضعاف المجتمع وقواه اللازمة، وهما عنصران ضروريان من "أجل المعركة المصيرية القادمة".

شكّلت حرب حزيران / يونيو، في لحظة أولى، هزيمة للأنظمة العربية، ومثّلت، في لحظة تالية، هزيمة للشعوب العربية، المحاصرة بالإحباط والأحكام العرفية، ذلك بأن في هذه الهزيمة انتصاراً للأنظمة، التي قاتلت ولم تقاتل، وتحوّلت إلى "قوى رجعية جديدة"، بلغة قديمة ألغاها الزمن المهزوم. غير أن جوهر الهزيمة تمثل في تكامل علاقات متعددة، قوامها هزيمة ما هو وطني، ما دام الاحتلال لا يقابل بالمقاومة، وإنما  بالاعتراف المعلن أو الصامت، وهزيمة الإرادة الوطنية الجماعية التي انتهت إلى يد سلطة مفردة، تتحدث عن معركة مؤجلة، وهزيمة العقلاني ـ الديمقراطي، لأن العقل يقضي بالدفاع عن الوطن وتأكيد كرامة المواطنين، بقدر ما يأمر العقلاني ـ الديمقراطي بوحدة المجتمع والسلطة في محاربة العدوان الخارجي.

أفضى تدمير العلاقات الوطنية المجتمعية إلى سبات اجتماعي- نسبي، يقترب من الموات، وهزمت الأنظمة المهزومة معطيات الحداثة الاجتماعية، قبل أن تنتج عقولاً قاصرة، ترى في هزيمة الحداثة واجباً مقدساً يحجب "إسرائيل والحق الفلسطيني". كان في هزيمة حزيران / يونيو، كما في السياسات السلطوية المرتبطة بها، ما جاء بانتقام متأخر من طه حسين، الذي رفع راية العقل والعقلانية، ومن الشيخ محمد عبده الذي اعترف بالتطور وحاذر التكفير، ومن قسطنطين زريق الذي وحّد بين الديمقراطية والقومية، وساطع الحصري، الذي نظر إلى قومية عربية حديثة، تبنى على التربية والتعليم والانفتاح على تجارب البشرية المتحضرة.

ولعل اتساع الدمار الذي ألحقته الأنظمة بالمجتمعات العربية، هو ما جعل من هزيمة حزيران / يونيو هزيمة مفتوحة، واستبعد إمكانية الرد عليها، لأنه  أمر يحتاج إلى إرادة مجتمعية جامعة، لا تقبل به "مراجع مفردة" أدمنت هندسة الخراب. ولهذا بدا حديث البعض عن "نهضة عربية جديدة"، في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، مثيراً للسخرية، إذ لا يمكن استنهاض مجتمع انهارت مؤسساته التعليمية القضائية ونشرت سلطته الخوف والإحباط. ولم يكن الأمر مختلفاً حين تكلّم بعض آخر عن "أزمة حركة التحرير العربية"، ذلك بأن مفهوم الأزمة له علاقة بالمسؤولية، وتجددها لا ينفصل عن استمرارية الأنظمة العربية، التي لا تعترف بالأزمة ولا بما يشبهها.

ربما يكون في الوضع الشاذ "للأمة العربية" في تعاملها مع الهزيمة، ما يعارض دروس التاريخ واجتهادات المؤرخين: فمن المفترض أن الهزيمة تستنهض الإرادة القومية الجماعية، وهو أمر لم يتحقق، بسبب انهيار المشروع القومي، قبل الهزيمة وبعدها، وذلك الركود المستبد الذي هو تعطيل للتاريخ. من المفترض أيضاً أن الانتصار الكبير يربك صاحبه، أي الطرف الإسرائيلي، ويضع المهزوم على بداية طريق "عقلاني" جديد. "فقد يصنع المنتصرون التاريخ لكن تقدمه يأتي من مقاومة المهزومين،"(1) . فالانتصارات الكبيرة تنطوي على أخطاء كبيرة، كما يقول المؤرخ الألماني راينهارت كوزليك، لكن "العرب" المهزومين رفضوا استنتاج المؤرخ وبرهنوا أن "الهزيمة الكبيرة" أعادت صنعهم وأخذت بيدهم إلى ثنائية العجز والاستنقاع، لأن القائمين على شؤونهم انتبهوا كثيراً إلى حياة سلطاتهم، وقذفوا بحياة الأوطان إلى مواقع هامشية. ولا غرابة في أن ينتهي الاستنقاع، الطويل العهد، إلى "احتضار العالم العربي"، بلغة الذين يتأسون على الواقع العربي، وأن تتلقى الهزيمة المتجددة حياة مستمرة.

يقول كارن روس، المعلّق السياسي على قضايا العالم الراهنة، في مقدمة كتابه "الثورة بلا قيادات"، ملامساً الزمن العربي الراهن: "إنه زمن يتسم بقدر هائل من اللاستقرار وانعدام اليقين [....] تزعم الحكومات بأنها توفر الاستقرار، لكن ذلك عرض زائف، لأن القمع لا يتمخض إلا عن المعارضة؛ هو استقرار قوامه ثمن مرعب للأرواح والمعاناة الإنسانية"(2). وإذا كان المعلق الإنجليزي قد تحدث عن القمع، فإن كتاب "لماذا تسقط الأمم"، يتطرق في مقدمته إلى وجه آخر من البؤس العربي، عنوانه الفساد والركود القاتل، فهو يقول: "لم تمتد الثورة الصناعية والتكنولوجية إلى مصر التي حكمها العثمانيون، وعاد وحكمها بطريقة مماثلة حسني مبارك وعائلته" (3) . طرح الكتاب السؤال التالي: لماذا يعيش المصريون في فقر عميم؟ سائلاً، ضمناً، عن أسباب ركود يضع المجتمع خارج التاريخ.

قد يكون في الإشارة إلى الكتابين استطراد نافل، لكنها، فعلياً، مرتبطة بهزيمة حزيران / يونيو التي كاد العجز السلطوي العربي المتواتر يدفع بالعرب إلى خارج التاريخ، ويقترح "تاريخاً غريباً" من اختصاص العرب وحدهم. ذلك بأن في وضع الهزيمة العربية ما يطرح سؤالين: كيف يقاتل مواطنون لا علاقة لهم بالقرارات التي تخص وطنهم؟ وعمّ يقاتل المواطن العربي إذا كان رئيسه مختصاً بنهبه وقمعه واختلاس حقوقه؟

ذكر المؤرخ الفرنسي هنري لورنس في كتابه "مسألة فلسطين"، الذي ترجم إلى العربية في عدة أجزاء، سؤالاً وجّهّه مسؤول إنجليزي إلى القائد الصهيوني بن غوريون: "كيف تريدون دولة يهودية خالصة وأنتم محاطون بأعداد هائلة من العرب؟" أجاب القائد الصهيوني: "المطلوب منكم الموافقة، أما المحيط العربي فنحن نتكفّل به." تبدو كلمة نتكفّل به غامضة وتحتمل أكثر من تأويل(4).

 

المصادر

 Wolfgang Schivelbusch, The Culture of Defeat: On    NationalTrauma, Mourning and Recovery (London: Granta Books, 2003), pp. 3-5

كارن روس، "الثورة بلا قيادات: كيف سيبادر الناس العاديون إلى تولي السلطة وتغيير السياسة في القرن الواحد والعشرون" (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، 2017)، مقدمة الطبعة العربية، ص 9.

 Daron Acemoglu and James Robinso, Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty (New York: Crown Business, 2012), p. 4.

هنري لورانس: "مسألة فلسطين (المجلد الثاني): 1922 – 1947 رسالة مقدسة للعالم المتمدن" (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة في مصر، 2007)، ص 274.

اقرأ المزيد