"ترامب يتجاهل التحذيرات الدولية ويعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل"؛ "ترامب يطيح بنصف قرن من السياسة الأميركية"؛ "ترامب يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ويختار السياسة الانعزالية من جديد"؛ "وحده ضد الجميع"؛ "ترامب يعلن الحرب على الفلسطينيين".
هذه هي عناوين تعليقات بعض المحللين الفرنسيين على القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب - "أمير الفوضى" كما أطلق عليه المحلل في مجلة "أوريان 12 " الإلكترونية سيلفان سيبيل- بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل وعزمه على نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس.
زعيم "شجاع" شعاره "أميركا أولاً"
لقد أراد دونالد ترامب، السياسي القومي الشعبوي صاحب شعار "أميركا اولاً"، والذي سبق له أن ضرب عرض الحائط بالإجماع الدولي عندما قرر انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من "اتفاق باريس" الدولي حول المناخ، الظهور بصفته زعيماً "شجاعاً" و"رجل أفعال" في مواجهة رؤساء أميركيين سابقين، تعهدوا خلال حملاتهم الانتخابية بنقل السفارة لكنهم لم
يفعلوا ذلك بعد وصولهم إلى البيت الأبيض، إذ كانت تعوزهم "الشجاعة" لفعل ذلك كما قال في خطابه، معلناً أن القرار الذي اتخذه "كان ينبغي أن يتخذ منذ زمن طويل". وبذلك تنكر ترامب لسياسة أميركية متبعة تجاه القدس منذ الاحتلال الإسرائيلي للقسم الشرقي منها في حزيران/يونيو 2691 ، ضارباً عرض الحائط من جديد بالإجماع الدولي الذي يعتبر "باطلة" جميع الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل، منذ إعلانها، في 11 حزيران/يونيو 2691 ، ضمها للقدس الشرقية.
التنكر لقرارات الشرعية الدولية
لقد رفض المجتمع الدولي الاعتراف بكل التغييرات التي أدخلتها إسرائيل على وضع القدس الشرقية، إذ صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، منذ الرابع من تموز/يوليو 1691 ، قرار حمل الرقم 2222 يعتبر إجراءات إسرائيل الرامية إلى تغيير وضع القدس الشرقية باطلة. وفي 21 أيار/مايو 1691 ، أقر مجلس الأمن القرار رقم 222 الذي جاء فيه:"إن مجلس الأمن يعتبر كل الإجراءات والتدابير التشريعية والإدارية التي اتّخذتها إسرائيل، بما في ذلك مصادرة الأراضي والعقارات، والرامية إلى تغيير الوضع القانوني للقدس، يعتبرها إجراءات وتدابير باطلة ولا يمكنها تغيير هذا الوضع". كما طالب القرار إسرائيل "بالتراجع الفوري عن كل تلك الإجراءات والتدابير المتخذة والامتناع عن القيام بأفعال جديدة ترمي إلى تغيير وضع القدس". ثم أصدر المجلس نفسه، في 22 أيلول/سبتمبر 1611 ، القرار رقم 261 ، الذي أبدى فيه أسفه لعدم احترام إسرائيل القرارات الدولية الخاصة بوضع القدس.
عندما اتخّذت إسرائيل وجدد مجلس الأمن في مناسبات عديدة تأكيده على هذا الموقف. ف إجراءات بهدف جعل القدس الموحدة عاصمة لها، تبنّى مجلس الأمن، في 23 حزيران/يونيو 1613 ، القرار رقم 619 ، الذي يدعو إسرائيل، بصفتها الدولة المحتلة "إلى الاستجابة لهذا القرار ولكل القرارات السابقة التي اعتمدها مجلس الأمن، وإلى التوقف فوراً عن تطبيق سياستها الرامية إلى تغيير طابع مدينة القدس ووضعها". وفي 23 آب/أغسطس 1613 ، أصدر مجلس الأمن قراراً جديداً حمل الرقم 611 ، أكد فيه عدم شرعية كل الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع القدس، وطالب الدول التي نقلت بعثاتها الدبلوماسية إلى المدينة بسحبها منها.
وفي 12 تشرين الأول/أكتوبر 1663 ، وخلال أحداث الانتفاضة الأولى، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 912 الذي يدين أعمال العنف التي لجأت إليها قوات الأمن الإسرائيلية ضد
المواطنين الفلسطينيين في الحرم القدسي، والتي أدت إلى سقوط قتلى وجرحى، ويدعو إسرائيل إلى " احترام اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين في زمن الحرب، المقرة في 12 آب/أغسطس 1666 ، والتي تنطبق على الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1691 ". ثم أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 6 شباط/فبراير 1666 ، قراراً تؤكد فيه مواقفها السابقة فيما يتعلق بعدم شرعية كل الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير معالم القدس ووضعها. وأكد قرار دولي جديد، صدر في 1 كانون الأول/ديسمبر 2333 ، بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، بأن "قرار إسرائيل بفرض قوانينها، وتشريعاتها وإدارتها، على مدينة القدس تعتبر غير شرعية، وباطلة". كما عبرت الجمعية العامة عن أسفها لقيام بعض الدول بنقل بعثاتها الدبلوماسية إلى القدس.
اعتبارات داخلية وراء خطوة ترامب
أشار محللون عديدون، لدى حديثهم عن الدوافع التي دفعت ترامب إلى اتخاذ هذا القرار، إلى اعتبارات تتعلق بالسياسة الداخلية الأميركية، إذ أشار فريدريك أوتران المحلل في صحيفة لى تدنت إ "ليبراسيون" الباريسية إلى أن بعض الاستطلاعات بينّت مؤخراً أن نسبة تأييده 53 في المئة، وأن قضية الاتصالات مع روسيا أضعفت مكانته، الأمر الذي دفعه إلى استخدام مسألة القدس "لأسباب سياسية داخلية ولحرف انتباه الجمهور عن التحقيقات الجارية مع أقرب معاونيه لعرقلتهم سير العدالة، وأنه لم يكن صدفة أن يقوم بخطوته هذه قبل أيام قليلة من الحكم على مستشاره السابق للأمن القومي بتهمة الكذب على جهاز ال ف ب آي".
فقراره بشأن القدس، سيرضي قاعدته الانتخابية التي تتشكّل من الأنجليكانيين من أنصار "الصهيونية المسيحية" ومن القوميين المتطرفين ومنظمات اللوبي الصهيوني، مثل "أيباك"، التي أعلن في خطابه أمام مؤتمرها في آذار/مارس 1129 ، أنه "عندما سأصبح رئيساً سأقوم بنقل السفارة إلى القدس عاصمة الشعب اليهودي الأبدية". "إن ستين مليوناً من الأنجليكانيين يترقبون هذا الوعد ، لأنه في حال قيام دونالد ترامب بنقل السفارة إلى القدس سيخلده التاريخ، وسنذكره إلى الأبد لفعل الشجاعة الذي أقدم عليه"، كما قال يوم الثلاثاء في 3 كانون الأول/ديسمبر الجاري لقناة "فوكس نيوز" الكاهن المتطرف جون شارل هوج رئيس "منظمة المسي حيين المتحدين من أ جل إسرائيل".
ما هو مصير "صفقة القرن"؟
يتفق المحللون على أن البيت الأبيض يراهن غالباً على أن حلفاء واشنطن من الأنظمة العربية سيقومون، على الرغم من الضجة التي ستثيرها خطوة ترامب في العالم العربي، بالحد من المعارضة التي ستنشأ بحيث تقتصر على إدانات لفظية، معتبرين أن هذه الأنظمة معنية بالحفاظ على علاقاتها مع ترامب بشأن ملفات أكثر إلحاحاً كالملف الإيراني، ناهيك عن أنه هة الجيو لمواج لم يسبق للقضية الفلسطينية أن كانت أكثر تهميشا في عالم عربي مشغول "با استراتيجيّة بين الرياض وطهران والحرب في سوريا وظهور الجهاد الراديكالي وتعددّ -المواجهات المسلّحة وانتشار الفوضى"، كما لم يسبق لإسرائيل أن "أقامت مع قوى عربيّة من الصفّ الأوّل علاقات قرب وتفاهم واضحة بهذا القدر وقائمة على مصالح ظرفيّة متقاربة". وكان صهر ترامب جاريد كوشنر قد قال في منتدى بواشنطن يوم الأحد في 5 كانون الأول/ديسمبر الجاري: "إن بلداناً عديدة في الشرق الأوسط تريد الشيء نفسه: تريد التطور الاقتصادي، والسلام لكل الشعوب. فهي تنظر إلى التهديدات الإقليمية، وأعتقد أنها ترى أن إسرائيل، عدوها التقليدي، تحوّل في الواقع إلى حليف طبيعي بسبب إيران و"داعش" في العراق والمشرق."
ولكن ماذا عن "صفقة القرن"؟
في خطابه أشار دونالد ترامب إلى أن قراره بشأن القدس لا يعني أن الولايات المتحدة "تتخذ موقفاً بصدد القضايا الحساسة موضع الصراع، بما فيها حدود السيادة الإسرائيلية على القدس، أو ترسيم حدود غير متفق عليها"، وأنها "تبقى مصممة على المساعدة في تسهيل التوصل إلى اتفاق سلام مقبول من الطرفين"، وأضاف: "أنوي أن أفعل كل ما في وسعي للمساعدة على التوصل إلى مثل هذا الاتفاق" و "أدعم حل الدولتين إذا اتفق الطرفان عليه". وطالب الإسرائيليين والفلسطينيين بالتزام طريق "التفاهم والاحترام المتبادل".
وقبل شهر من خطابه البارحة، سُرّبت أخبار بأنه سيقدمّ قريباً "خطّته للسلام" في الشرق الأوسط، وأن دولاً عربية قد تعهدت بالضغط على الفلسطينيين كي يقبلوها. ووفقاً لهذه الخطّة، التي أطلق عليها اسم "صفقة القرن"، سيمنح الفلسطينيون دولة غير متواصلة جغرافياً في قطاع غزة وفي المنطقتين أ و ب في الضفة الغربية، على أن تحتفظ إسرائيل حالياً بسيطرتها على المنطقة ج التي تبلغ مساحتها نحو 91 في المئة من مساحة الضفة الغربية
وتبقي على قواتها في غور الأردن وتحتفظ بسيادتها على القدس الموحدة ويتم تأجيل البحث في قضية اللاجئين الفلسطينيين.
فهل يمكن أن يقبل الفلسطينيون بهذه "الصفقة"، علماً بأن مستقبل السيادة في القدس الشرقية، بما فيها الحرم القدسي، وقضية اللاجئين الفلسطينيين كانتا القضيتين اللتين أفشلتا قمة كمب ديفيد، في تموز/يوليو 1111 ، بين الزعيم الراحل ياسر عرفات ورئيس الحكومة السابق إيهود باراك؟ وهل يمكن أن يجد ترامب زعيماً فلسطينياً قادراً على تمرير مثل هذه "الصفقة" على شعبه؟
بحسب شبلي تلحمي الباحث في معهد "بروكينغز" من الصعب أن يعود الفلسطينيون، بعد خطوة ترامب، إلى طاولة المفاوضات من جديد، وهو يعتبر أن "فريق ترامب بعد أن تيقن من أن "صفقة القرن" ليست في متناول اليد، بحث عن وسيلة لتحميل مسؤولية الإخفاق على غيره"، فشجع رئيسه على اتخاذ هذا الموقف بشأن القدس.
لقد أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس البارحة، في تعليقه على قرار ترامب، أن الولايات المتحدة الأميركية فقدت موقعها "كوسيط" يفترض به الحياد في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. والشعب الفلسطيني، الذي نزل إلى الشوارع معبراً عن غضبه، ينتظر اليوم الاستراتيجية السياسية والكفاحية الجديدة التي ستعتمدها قيادته بعد أن أنكر ترامب أي حق للفلسطينيين على المدينة التي يطالبون بتحرير قسمها الشرقي كي يكون عاصمة لدولتهم العتيدة، وقضى على فرص التوصل إلى سلام وزرع خطر تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني.
ملاحظة:
المقالات الواردة أدناه مأخوذة من المواقع الإلكترونية للصحف:
Frédéric Autran, “ Trump et Jérusalem : une décision pour détourner l’attention »,
Libération, 6 décembre 2017.
Gilles Paris, « Jérusalem : Trump choisit l’isolement diplomatique »,
LE MONDe, 7.12.2017 .
« Proche-Orient. La déclaration de guerre faite par Trump aux Palestiniens », L'Humanité, 6 Décembre, 2017.
Lorenzo Clément avec AFP, « Sourd aux mises en garde internationales, Trump reconnaît Jérusalem comme capitale d'Israël », 6 Décembre, 2017, Humanite.fr.
Sylvain Cypel, « Jérusalem. Donald Trump rompt avec cinquante ans de politique américaine » Orient XXI ,Magazine ,7 décembre 2017.
كما يمكن الرجوع إلى كتاب وليد الخالدي "القدس مفتاح السلام" الصادر مؤخراً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
