حزب "فرنسا الأبية" وفلسطين الممثَّلة في البرلمان الأوروبي
التاريخ: 
04/06/2024
المؤلف: 

لم تتحول قضية عالمية، من قبل، إلى مسألة محلية في أوروبا، وخصوصاً فرنسا، كما هو حال القضية الفلسطينية في الأشهر الثمانية الأخيرة؛ ففلسطين هي تفصيل محلي جداً بقدر ما هو دولي جداً لدى القوى السياسية في فرنسا، إذ إن مدى تقارُب الأحزاب من بعضها أو تباعدها، يحدده أولاً الموقف من هذه القضية، وقد صارت شأناً فرنسياً شهد وقفات تضامنية وتظاهرات احتجاجية في شوارع العاصمة وساحاتها، والبلد بالكامل، كما لم تشهده قبلها مسائل محلية ووطنية على كثرتها وزحمتها في بلد معروف بالإضرابات والاحتجاجات، ومجتمع وريث لثورة أيار/مايو الطلابية سنة 1968.
وإن هذا الكمّ من التظاهرات التضامنية على أشكالها، ونوعها، جعل من فلسطين موضوعاً أول يشكّل اصطفافات حزبية في هذا البلد النشيط سياسياً، وهذه الاصطفافات قرّبت اليمين المتطرف وحزبه من الحزبَين الكلاسيكيَين، الاشتراكي والجمهوري، وكذلك من الحزب الحاكم؛ الماكرونية المصرفيّة، كما رفعت من شأن الحزب الفتيّ "فرنسا الأبية" في أقصى اليسار، مقرّبة إليه أحزاباً مجاورة في يساريتها، كالشيوعي والخضر والجديد المناهض للرأسمالية، بالإضافة إلى جمعيات فاعلة في قضايا عديدة، ومنها النساء والعمال والطلبة، والنقابات، وخصوصاً الكنفدرالية العامة للعمل.
ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر لم تتوقف الهجمات على "فرنسا الأبية"، بدءاً برفْضها وصف "طوفان الأقصى" بالعملية "الإرهابية"، وهو التوصيف الذي صار عرفاً فرنسياً ضرورياً لاستهلال أي حديث عن فلسطين، مروراً بتصاعُد خطاب تضامنها مع الفلسطينيين، شعباً ومقاومة، بل أيضاً نقل أصواتهم إلى فرنسا، شارعاً وإعلاماً وبرلماناً، وجعلها متناً لفعلها السياسي اليوم، والوقوف بشجاعة وشراسة دفاعاً عن موقفها هذا، وأخيراً وليس آخراً - ربما لإغاظة الفاشيين وحاشيتهم - ترشيح الفرنسية ذات الأصول الفلسطينية، ريما حسن، في قائمة الحزب للانتخابات البرلمانية الأوروبية في التاسع من هذا الشهر.
ومنذ اليوم الأول من الحرب الإبادية، تحمل "فرنسا الأبية" لواء التضامن مع الفلسطينيين؛ فيحضُر العلم الرباعي الألوان إلى جانب راياتها، بألوانها البنفسجية والوردية، في كل تجمعاتها، مهما يكن موضوع هذه التجمعات، وآخرها كان رفع نائب من الحزب للعلم في قاعة البرلمان، في وَسط مليء بالعدائية، من الماكرونيين رعاة الرأسمالية، إلى أحفاد المتعاونين مع النازية، وبقايا الحزبَين البرجوازيَين المهترئَين.
كما أن فلسطين حاضرة في تجمعات الحزب الجماهيرية في لقاءات أعضائه الإعلامية، وفي صفحاته على وسائل التواصل، بصفتها أحد العناوين الأولى والكبرى التي يمثلها هذا الحزب، الذي صار في تمثيله القضية الفلسطينية أوروبياً نموذجاً لباقي دول هذه القارة وقواها اليسارية. كما قام الحزب بدمج القضية في برامجه وخطاباته لتكون مكوناً أساسياً لها، وأدخل إلى قائمته ابنة مخيم النيرب، التي ستحمل إلى الاتحاد الأوروبي مشاريع، بدأت من الآن التحضير لها، وهي عبارة عن مجموعة اقتراحات لإجراءات عقابية ضد إسرائيل.
ولا يمثل حزب "فرنسا الأبية" الخطابَ التضامني مع فلسطين في فرنسا وحسب، ولا يكتفي بتوسيع ذلك إلى أوروبا عبر علاقاته الرفاقية مع تيارات يسارية مجاورة، بل أيضاً يحمل قضية الفلسطينيين إلى البرلمان، عبر ترشيح الفلسطينية، ريما حسن، لتمثل فلسطين بقدر ما تمثل فرنسا، ويمثل الحزب عن طريقها هي وباقي مرشحيه، برئاسة مانو أوبري، فلسطين بقدر ما يمثل فرنسا. وليس الحديث هنا عن تضامن عاطفي وتلقائي أو انتقائي وموسمي، إنما هو جوهري ومستديم في سياسة أقصى اليسار الأوروبي والفرنسي تحديداً، وخصوصاً هذا الحزب الذي تأسس حديثاً سنة 2016.
وتشهد أوروبا وباقي العالم مستويَين من التضامن مع القضية الفلسطينية: أولهما التضامن التعاطفي مع الضحايا، وقد أتى متأخراً بعد عَظَمَة الأرقام وفداحة الحرب وبشاعة صورها وحقائقها، كما بدأت تصل خلال أول شهرين من الحرب، لتكثر التظاهرات وتتخذ أشكالاً عديدة، لكنها بصورة عامة تضامن مع الضعيف الخاضع لمحاولة إبادة، وهذا نراه لدى الحذرين من اتخاذ مواقف، كالفنانين والإعلاميين والدبلوماسيين وغيرهم، وبعضهم يوقّع على بيانات، والبعض الآخر ينشر "بوست" أو "ستوري"، وآخر يعلّق بملصق لبطيخة أو العلم الفلسطيني. وفي مقابلهم، هناك تضامُن واعٍ للذات ولموضوع التضامن، وهو تضامُن سياسي وكفاحي وفكري وتاريخي وليس إنسانياً بمعنى التعاطف والاستعطاف، ويكون أساساً من أقصى اليسار.
لا توجد ملصقات لبطيخٍ على قمصان برلمانيي "فرنسا الأبية"، إنما فقط المثلث الأحمر، وذلك ليس الآن وحسب، بل أيضاً منذ الأشهر الأولى للحرب، مع بروز المثلث كرمز، لا للقضية الفلسطينية بصفتها مسألة مستضعَفين معرَّضين لحرب إبادة، إنما بصفتها كذلك وأولاً قضية عدل وحق، لها مقاتلوها وفدائيوها، ولها فصائل مقاوَمة أبرزُها يصنع عملاً إعجازياً في مقاتلة المستعمِر الحربي، وجعل عبر تسجيلاته لعمليات المقاومة المثلثَ الأحمر رمزاً للقضية الفلسطينية بصفتها قضية مقاومين وأصحاب كرامة تتمناها الشعوب، ليكون التضامن كما نراه الآن على صور وفيديوهات قائد "فرنسا الأبية"، جان لوك ميلانشون، ورفاقه من قيادات الحزب وبرلمانييه وناشطيه، وأصلاً أحاله إلى حق الفلسطينيين في المقاومة المسلحة، وإن نفّذتها كتائب إسلامية، لا ماركسية، بتعليق المثلث الأحمر على صدورهم.
إن التضامن الأكثري مع القضية الفلسطينية، غربياًّ، يكتفي بموقع الضحية لأهالي هذه القضية، ومنه من يرفض فعل المقاومة الذي يمكن أن يعكّر التضامن المسالم وغير المستلزم لوعيٍ فكري، والمكتفي بالعاطفة، ولا بأس بهذا عموماً. أمّا التضامن الأقلّي، فهو لموقع المقاوم تضامن واعٍ لحق المتضامَن معه في المقاومة، بما فيها المسلحة، ويقدّمه ويشرحه ويجادل من أجله، ويعلّق رمزه على صدره، ويحمله من منصة إعلامية إلى مقعد برلماني، وإلى شوارع المدن وساحاتها.
لفلسطين اليوم عالميتها، وهي حالة إنسانية تمثيلية للحق والعدل، وكذلك للمقاومة من أجلهما، وهذا كله اليوم جزء من هوية اليسار الأوروبي، وخصوصاً "فرنسا الأبية".

عن المؤلف: 

سليم البيك: كاتب فلسطيني.