اقتحامات الاحتلال لمخيمات الضفة محاكاة مصغرة لجرائمه في غزة: مخيم طولكرم نموذجاً
التاريخ: 
07/03/2024
المؤلف: 

أنشأت سياسات الاحتلال الإسرائيلي حلقة مفرغة من القتل والتدمير مع كل اقتحام لمدن الضفة الغربية وقراها ومخيماتها، وخصوصاً الشمالية منها، كمخيمَي طولكرم ونور شمس في مدينة طولكرم، اللذَين يشهدان سلسلة اقتحامات عنيفة منذ بداية العام المنصرم، وتكثفت حدة التدمير بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر2023، والتي يعاني خلالها الفلسطينيون جرّاء الأذى والخسائر البشرية والمادية، وهو ما يشق عليهم تداركه، على الرغم من سعيهم المشهود لاستصلاح ما يمكن، والتشبث بوجودهم فيهما.

ونظراً إلى طبيعة اعتداءات الاحتلال على المخيمات، بالتوازي مع العدوان الشامل الذي يشنه على قطاع غزة، فإن مقاربتهما – على الرغم من تبايُن الشدة - أمر طبيعي، بل أيضاً تلقائي، يبديه حتى أطفال المخيم عند الحديث عما يدور حولهم، كعبارات "إحنا بقصف... زي غزة"،[1]  وخصوصاً أن وتيرة القتل والتدمير ارتفعت بصورة ملحوظة ضمن سياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال لسحق الحاضنة الشعبية للمقاتلين.[2]   

القتل العشوائي: تضخيم أعداد الضحايا

خلال أقل من أسبوعَين، بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، قتل الاحتلال في طولكرم 8 أطفال؛ 6 منهم معاً (أعمارهم بين 11 و16عاماً)[3]  بتفجير طائرة مسيّرة في أحد أزقة نور شمس، وكانوا ضمن 59 شهيداً ارتقوا في الربع الأخير فقط من سنة 2023،[4]  علماً بأن أغلبيتهم الساحقة عزّل غير مسلحين. ومنذ بداية سنة 2024 حتى لحظة صدور هذه المادة، قتل الاحتلال 21 فلسطينياً (منهم طفلان) في طولكرم ومخيميها.

وتصاعدت حدة الإصابات البليغة التي أوقعها الاحتلال بُعَيْدَ 7 تشرين الأول/أكتوبر أيضاً، "وتركزت في مواضع قاتلة في الجزء العلوي من الجسد، كالرأس والعنق والصدر" وفق إفادة المدير الطبي للمستشفى الحكومي في طولكرم، الدكتور إياد عقاد، مسببة إعاقات دائمة لهم أو بتراً لأطرافهم، واعتاد الأهالي تشييع الشهداء بعد انتهاء الاقتحام على عدة أيام، نتيجة الإصابات التي تقتلهم بعد فترة من مبيتهم في العناية المركزة.[5] 

ولم يكتف الاحتلال بإيقاع الجرحى فحسب، بل أيضاً لاحقهم باختطافهم من سيارات الإسعاف، أو الاعتداء عليهم بالضرب الشديد على مواضع جروحهم بعد تكبيلهم، كما أشار رائد ياسين، مدير إسعاف الهلال الأحمر في طولكرم، والتسبب بجروح إضافية لهم؛ إذ طعن أحد جنود الاحتلال جريحاً في عنقه داخل سيارة إسعاف.[6]  واعتاد جيش الاحتلال منع إسعاف الشهداء أو تأخيره وترْكهم ينزفون إلى أن يفارقوا الحياة، على الرغم من أنه كان في الإمكان إنقاذ عدد منهم بيُسر بعد معاينة إصاباتهم، وفق ما ذكر الدكتور عقاد، لكن الاحتلال حال دون ذلك، عدا عن تنكيله بأجساد بعضهم، كالشهيد عبد الرحمن عثمان؛ الذي نكلوا به، وربطوا ساقه بحبل، وجروه في أزقة المخيم،[7]  بينما اختطفوا جثامين عدد من شهداء المدينة.[8]  

المسعفون والصحافيون: في مرمى النيران بلا تمييز

لطالما عرقل الاحتلال عمل الطواقم الطبية،[9]  لكنه منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، بات أكثر عنفاً، فصار يحاصر مستشفى ثابت الحكومي - ومستشفى الإسراء أحياناً - في مطلع اقتحاماته، ويعرقل نقل المرضى والسيدات الحوامل إليه،[10]  ويمطر المستشفى بقنابل الغاز، وذلك بالتزامن مع استهداف مستشفيات قطاع غزة، وهو ما عمّق شعور المواطنين بتغلب نزعة الانتقام والحقد لدى الاحتلال في تعامله معهم أينما كانوا، ومن دون مبرر؛ فسيارات الإسعاف صارت عرضة لتفتيش الاحتلال في كل أنحاء المدينة، أمّا تلك المتوجهة من أجل إسعاف المصابين، فقد اعترضها الجنود واستهدفوها بنيرانهم مراراً، وأخرجوا بعضها عن الخدمة، على الرغم من تنسيقها مع الصليب الأحمر والارتباط لمرورها، كما هاجموا المسعفين باعتقالهم وتفتيشهم ومصادرة هواتفهم وجرحهم، فتسببوا بإصابة مسعفَين من الهلال الأحمر بشظايا،[11]  وأطلقوا النار في اتجاه مسعفَين آخرَين، على الرغم من تبليغهما من جانب الارتباط العسكري الإسرائيلي بالحضور لإخلاء جثمان شاب قتلوه، ثم باغتوهما بالرصاص، كما ضيّقوا على المسعفين المتطوعين في مراكز الإسعاف الميدانية في المخيمَين، فهاجموا المراكز، وجرحوا واعتقلوا بعض من فيها.[12] 

كما طالت الانتهاكات الصحافيين، باستهدافهم بالرصاص الحي، والاعتداء عليهم، وتهديدهم في أثناء عملهم؛[13]  إذ قتل الاحتلال الصحافي إبراهيم محاميد في أثناء محاولته انتشال طفله الشهيد طه (16 عاماً) من أمام منزله في نور شمس بعدما أطلقوا النار عليه،[14]  كما أطلقوا النار على سيارة مصور "قناة فلسطين" فادي ياسين في أثناء وجوده فيها،[15]  واعتقلوا بعض صحافيي المدينة، كالمصور حمزة صافي، والصحافي سامي الساعي. 

تشويه المكان وتعذيب المتحرك فيه: إيلام الفلسطينيين للجم مقاتليهم

إن تدمير مشهد المخيمَين العام، واستهداف كل معالم الحياة فيهما، بدءاً بالبنية التحتية، ووصولاً إلى الشواهد الحجرية التي حملت صور الشهداء، هي سمة ملازمة للاقتحامات، إذ مسحت جرافات الاحتلال كثيراً من معالمها فوق الأرض، وهشمت ما تحتها، فطالت شبكات المياه والصرف الصحي، وأتلفت خطوط الكهرباء والاتصالات - الإنترنت التي يحتاج ترميمها إلى تكاليف ضخمة، وفق لجنتَي المخيمَين الشعبيتَين، وطواقم البلدية التي تستنزف طاقتها في إعادة التأهيل المتواصلة[16]  بُعَيْد الاقتحامات، إذ لا يتجاوز الفارق الزمني بينهما أياماً أو ساعات.

كما أن استهداف المنشآت العامة، كرياض الأطفال والنوادي ومرافق ذوي الإعاقة والمتاجر والمركبات، شلّ حياة السكان الذين فقدوا مراكز حيوية ومصادر رزقهم، غير أن تفجير المنازل وإحراقها، أو هدمها كلياً/جزئياً، بالإضافة إلى اقتحام جميع منازل المخيم تقريباً، وإتلاف محتوياتها من أثاث وأجهزة وملابس، كله كان نقطة مفصلية في سير الاقتحامات، التي بدا جلياً أن هدفها تشكيل معاناة صادمة لكل عائلة، وتوليد حالة استنكار جماعية يلفظ عبرها أهالي المخيمَين الكتيبتَين إلى خارج حيزهما، أو إفراز حالة استياء عامة مما آلت إليه أحوالهم، وتحميل الكتيبة وزر هذه الخسائر.

فالاستيلاء على منازلهم طوال الاقتحام، وسلب محتوياتها أو تدميرها وإذلال أهلها وترويعهم، واحتجازهم في إحدى الغرف، أو إخراجهم من المخيم قسراً،[17]  واعتقال مئات المواطنين، بعضهم فتية أطفال، والتنكيل بهم وترقيمهم، واحتجازهم في منشآت محلية للتحقيق، قبل نقل بعضهم إلى معسكر الاحتلال، والإفراج عمن تبقى بحالة تستدعي تدخلاً طبياً أحياناً، كلها ممارسات تتم، كما في غزة، تحت مبرر "محاربة الإرهاب"، وتطبَق على عموم الفلسطينيين، مطالِبة إياهم بتسليم المقاتلين، ضمن توجه واضح إلى جعل المخيمات غير صالحة للسكن، وترهيب اللاجئين، ومطالبتهم بتركها، وتذويب حالة المقاومة التي مثلتها الكتائب في بداية تشكلها. 

عزل المدن: وقف لعجلة الحياة وفصل الفلسطينيين عن واقعهم

على الرغم من تركز الاقتحامات الموسعة في المخيمات، فإنها تلقي بظلالها على مدنها وقراها المحيطة، إذ تسودها مع الاقتحام حالة تشبه منع التجول، يعاني خلالها المواطنون جرّاء نفاد حاجاتهم الأساسية؛ من غذاء ودواء، ويصعب الخروج لتوفيرها خوفاً من استهدافهم العشوائي بالرصاص، أو الاعتقال والتنكيل.

ومع إغلاق الاحتلال الحواجز المحيطة بالمدن لأيام أو أسابيع، هوى نشاط هذه المدن التجاري، وقلّ الوافدون منها وإليها، وتعزز ما يشبه الحاجز الشعوري مترافقاً مع المكاني، ليتركز تأثير الاقتحامات في الحيز الجغرافي الذي تحدث فيه من دون محيطه، كآلية لتفتيت الشعور الجمعي الفلسطيني، وما تبقّى من تماسكه.

ويبدو أن الاحتلال يستخدم الآلية نفسها داخل المدن بعد إخفاقه في تقويض الكتائب، عبر تكثيف عمليات "طنجرة الضغط"،[18]  التي تعتمد على تطويق قوات خاصة للاحتلال مبنى في رقعة محددة بصورة مباغتة، واغتيال أحد "المطلوبين" فيه، من دون التوغل في المنطقة أو المخيم الذي تجري فيه العملية، بحيث تحافظ بقية أجزاء المدينة أو المخيم على الحد الأدنى من حركتها الطبيعية على الأقل، وتتراوح سياسة الاحتلال في الوقت الحالي بين العمليات الخاطفة والاقتحامات الموسعة بما يخدم الهدف ذاته.

 

[1] مقابلة أجريتها مع أطفال من مخيم نورشمس بعيد أحد اقتحامات الاحتلال للمخيم، "يوتيوب":

https://www.youtube.com/shorts/7IH5qUmDmkQ

[2] خليل موسى، "إسرائيل تضرب الحاضنة الشعبية للمقاومة في الضفة الغربية"، "أندبندنت عربية"، 20/1/2024. 

[3] الأطفال هم: يوسف عمر إبراهيم زغدد (11 عاماً)، وعدي مأمون خالد أبو الهيجا (15 عاماً)، ومجاهد محمد يوسف سعايدة (15 عاماً)، وعلي عبد الله أبو خزنة (14 عاماً)، وساري عدي طه سدة (15 عاماً)، وطه إبراهيم محمد علي محاميد (16 عاماً) وجميعهم من نور شمس، بالإضافة إلى الطفلين؛ محمد عدوان (16عاماً) من فرعون، وعمر أسمر (15 عاماً) من زيتا.

[4] استشهد من طولكرم خلال العام الماضي 73 فلسطينياً، منهم 13 طفلاً.

[5] آخرها كان الشهيد إبراهيم محاميد الذي استشهد بتاريخ 29/2/2024 في إثر إصابته بجروح جراء رصاص الاحتلال الذي أطلقه عليه في أثناء محاولته إسعاف ابنه طه الذي استشهد بتاريخ 19/10/2023.

[6] "نقيب أطباء طولكرم يروي لوطن ما تعرض له الجرحى من اعتداءات..جندي من جيش الاحتلال طعن جريجاً في عنقه داخل مركبة الإسعاف وقال له ʾسأقتلكʿ"، "وطن"، 27/12/2023.

[7] وفق شهادة وفاء أبو حميش من مخيم طولكرم، قتل جنود الاحتلال عبد الرحمن على باب منزلها بعدما ألقى كوعاً محلي الصنع في اتجاههم، وهددها جيش الاحتلال بقتلها وجميع من في المنزل إذا حاولوا الاقتراب منه، ومنعوا الإسعاف من الوصول إليه إلى أن ارتقى.

[8] بلغ عدد شهداء طولكرم الذين صادر الاحتلال جثامينهم منذ بداية 2024 ثلاثة جثامين، فيما صادر أربعة جثامين العام الماضي.

[9] "بيان│جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني تحذر من خطورة الاعتداءات التي تعرضت لها طواقمها اليوم في نابلس وطولكرم"، جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، 24/7/2023.

[10] "استهداف متواصل لمشفى طولكرم وطواقم الإسعاف من خلال تفتيشهم وإعاقة عملهم"، "الفجر" عبر "يوتيوب"، (د.رضوان بليبلة أشار إلى عرقلة الاحتلال دخول المرضى وسيدة حامل للمشفى)، 7/12/2023.

[11] أصيبت ضابطة الإسعاف صفية بلبيسي بشظايا في اليد، وضابط الإسعاف عبد الله نعيرات بشظايا في قدمه مسببة له الكسور، وهما من طواقم الهلال الأحمر، وأصيب مسعفان من إسعاف الشفاء (إسعاف خاص) فتحي نصر الله بشظية في الأذن وعلي سفاريني في اليد، خلال عملهما، ووُصفت حالتهم جميعاً بالمتوسطة.

[12] كالمسعفة في مخيم طولكرم، إيمان سالم، التي أُصيبت في ظهرها، والمتطوع هاني صوّان، الذي ما زال معتقلاً حتى الآن.

[13] هاجمت قوات الاحتلال الصحافيين في أثناء تغطيتهم، واحتجزت الصحافي إيهاب الضميري واعتدت عليه في أثناء أداء رسالته على الهواء، واحتجزت معه الصحافية فيحاء خنفر، وصادرت هواتفهما، وحذفت ما وثّقاه من حصار للمخيم قبل الإفراج عنهما.

[14] مشاهد توثق إعدام الاحتلال للطفل طه محاميد، ومحاولة والده إنقاذه وإصابته بالرصاص، "إنستغرام".

[15] "قوات الاحتلال تطلق النار على الصحفي الفلسطيني فادي ياسين داخل سيارته في طولكرم"، "الجزيرة مباشر" عبر "يوتيوب"، 19/1/2024.

[16] "تدمير البنية التحتية في مخيم طولكرم يفاقم معاناة اللاجئين"، "وطن"، 10/2/2024.

[17] "الاحتلال يجبر مواطنين على إخلاء مخيم طولكرم"، "وفا"، 17/1/2024.

[18] "’طنجرة الضغط‘.. استراتيجية الاحتلال في استهداف المقاومين بالضفة"، مركز رؤية للتنمية السياسية، 7/9/2022.

 

عن المؤلف: 

تقى حنون: صحافية فلسطينية.