الأثمان المستقبلية المتوقعة في الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة الحرب على غزة
سنة النشر: 
اللغة: 
عربي
إنكليزي
فرنسي
عدد الصفحات: 
11

مقدمة

تعرض هذه الورقة، باقتضاب، تصوراً أولياً للآثار الاقتصادية المستقبلية للحرب الحالية على غزة، بناء على تقديرات ومعطيات نُشرت لغاية الآن في الإعلام والمؤسسات الاقتصادية الإسرائيلية. بهذا المعنى لا تهدف الورقة إلى عرض التكاليف المالية والآثار الاقتصادية الحالية للحرب، إذ تتوقع أن تكون للحرب آثار اقتصادية مستقبلية سلبية بالغة في عدة محاور في الاقتصاد الكلي الإسرائيلي، وستطال آثارها السلبية أغلبية شرائح المجتمع. وسيزيد تعامل الحكومة الحالية مع الجوانب الاقتصادية والتكاليف المالية للحرب، لغاية الآن، من حدة الأزمة المالية والاقتصادية، وسيطيل أمدها بعد انتهاء الحرب.

للحرب الحالية على غزة خصوصيات جعلت من الإسقاطات والأثمان الاقتصادية مرتفعة، وذلك على النحو التالي:

  • أولاً، دخلت إسرائيل الحرب بوضع اقتصادي غير مستقر نتيجة التصدع السياسي في المجتمع الإسرائيلي في العام المنصرم، والتراجع في الاقتصاد العالمي، وارتفاع الأسعار، والتضخم المالي العالمي، وارتفاع الفائدة البنكية.

  • تراجع عدة مؤشرات اقتصادية خلال العام الماضي، وتراجع مكانة الاقتصاد الإسرائيلي الدولية، والتهديد بتراجع التدريج الائتماني لإسرائيل.

  • الحرب على غزة هي من أطول الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ إنشائها عام 1948، بحيث تدنو من انتهاء الشهر الرابع في شباط/فبراير 2024، ونهايتها غير واضحة لغاية الآن.

  • بداية الحرب كانت عبر هجوم عسكري على بلدات إسرائيلية في جنوب البلاد، كما طالت الجبهة الداخلية، وأحدثت دماراً جدياً في البنى التحتية والمساكن في تلك البلدات، وتعطلت الحركة الاقتصادية بشكل شبه كامل في المناطق الجنوبية لفترة دامت أكثر من شهر.

  • بموازاة جبهة الجنوب فُتحت من اليوم الثاني للحرب جبهة محدودة في الحدود الشمالية لم تتطور إلى حرب، لكنها أدت، ضمن أمور أُخرى، إلى تعطيل الحركة المدنية والاقتصادية في بلدات الشمال.

  • لأول مرة تقوم إسرائيل بإجلاء أعداد كبيرة من السكان اليهود من منازلهم في البلدات الحدودية في الجنوب والشمال- قرابة 150 ألف مواطن- ونقلهم إلى مراكز إيواء في مناطق أُخرى، على حساب ميزانية الحكومة.

نعرض في الفقرات التالية أبرز الآثار السلبية المستقبلية المتوقعة في الاقتصاد الإسرائيلي الكلي بسبب الحرب على غزة. وبطبيعة الحال لا يمكن بناء تصور مستقبلي من دون أن نعرج باختصار على تكاليف الحرب الاقتصادية لغاية الآن.

تكلفة العمليات العسكرية

هناك تكاليف وخسائر اقتصادية ومالية مباشرة للعمليات العسكرية، وطبعاً هناك خسائر غير مباشرة تمتد على المديين المتوسط والبعيد. ومن أبرز التكاليف المباشرة كان تجنيد قرابة 360 ألف جندي احتياط في الأيام الأولى للحرب، ما يعني تحمل الحكومة تكلفة التجنيد، ويتحمل الاقتصاد الإسرائيلي خسارة الناتج بسبب عدم مشاركة هؤلاء في القوى العاملة.

كما استعمل الجيش الإسرائيلي كميات هائلة من الأسلحة والذخائر والمعدات، وخصوصاً الصواريخ الذكية وصواريخ القبة الحديدية ذات التكلفة العالية. وطبعاً سيحتاج الجيش إلى إغلاق الفجوات في المخزون، ما سيرفع المصاريف العسكرية أيضاً بعد الحرب. كل هذه العوامل جعلت من التكلفة الاقتصادية العسكرية المباشرة وغير المباشرة للحرب عالية جداً وغير مسبوقة في تاريخ الحروب الإسرائيلية.

وبحسب تقديرات وزارة المالية، فإن اليوم الواحد لـ 100 ألف جندي احتياط يكلف خزينة الدولة بشكل مباشر حوالي 70 مليون لدفع رواتبهم. وهذا ليس الرقم النهائي، إذ إن هناك تكلفة إضافية تتعلق بإيواء هؤلاء الجنود وإطعامهم، وبالتالي فإن الرقم أقرب إلى 100 مليون شيكل يومياً. وهناك أيضاً تكلفة غير مباشرة تنعكس في خسارة الناتج، والتي تقدر أيضًا بـ 100 مليون شيكل يومياً، لذا، فإن التقديرات عن تكلفة إجمالية تبلغ نحو 300 مليون شيكل يومياً. ووفقاً لتقديرات وزارة المالية، فإن تكلفة كل يوم حرب، من المعدات والذخائر وجنود الاحتياط، يصل إلى مليار شيكل.[1]

وتتحدث تقديرات بنك إسرائيل ووزارة المالية، لغاية الآن، عن تكلفة مالية للحرب على غزة تصل إلى 250 مليار شيكل، وتشمل التكلفة العسكرية والخسائر المالية المباشرة وغير المباشرة للحرب،[2] بما فيها تكاليف إيواء سكان الجنوب والشمال في مناطق بديلة.

وسيكون لهذه التكاليف والخسائر المالية والاقتصادية تأثير مستقبلي في الاقتصاد الإسرائيلي الكلي، نعرضه في الفقرات التالية.

تراجع النمو الاقتصادي

من أبرز الآثار السلبية للحرب على غزة هي التوقعات بتراجع النمو الاقتصادي في إسرائيل. فمنذ بداية الحرب، وخصوصاً في أول شهرين، كان هناك تراجع في الاستهلاك والإنتاج والاستثمارات، وتعطيل الاقتصاد بشكل كامل في منطقة الجنوب، وبشكل جزئي في منطقة الشمال، وهذا كله يؤدي إلى انخفاض في جباية الضرائب، وإلى تراجع في النمو الاقتصادي. في المقابل، من المتوقع أن يخفف الارتفاع في مصروفات الحكومة نتيجة الحرب حدة التراجع في النمو الاقتصادي.

ويتوقع بنك "جي بي مورغان" انكماش الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 11% في الربع الأخير من عام 2023 على أساس سنوي. وتتحدث معطيات وزارة المالية وبنك إسرائيل عن تراجع النمو في عام 2023 من 3% وفقاً للتقديرات السابقة، إلى 1.5%، كما تتوقع التقديرات تراجع النمو لعام 2024 من 3% الى قرابة 1.7%،[3] وإذا أخذنا الزيادة الطبيعة للسكان بعين الاعتبار فإن الحديث عن نمو صفري في عام 2024.

ارتفاع العجز في ميزانية الحكومة

من المتوقع أن يرتفع العجز في ميزانية الحكومة نتيجة تراجع النمو الاقتصادي والاستهلاك، وانخفاض إيرادات الحكومة، وخصوصاً من الضرائب، وارتفاع مصاريف الحكومة لتغطية تكاليف وخسائر الحرب وإعادة الإعمار، وخصوصاً في منطقة الجنوب، حيث بلغت قيمة الضرر المدني في بلدات الجنوب، وفقاً تقديرات أولية، قرابة 6 مليار شيكل (قرابة 1.5 مليار دولار). كما سيكون ثمة حاجة إلى تمويل المصاريف العسكرية للحرب، واستكمال مخزون المعدات والسلاح والذخيرة، ما يتطلب زيادات كبيرة في ميزانية وزارة الأمن.

ووفقاً لمعطيات وتقديرات وزارة المالية، قبل اندلاع الحرب، كان من المتوقع أن يصل العجز في الميزانية الحكومية في عام 2023 إلى 1.3% من الناتج المحلي، وفي عام 2024 قرابة 1.1%، أمّا بعد اندلاع الحرب من المتوقع أن يصل العجز في عام 2023 إلى 3%-4%، وفي عام 2024 إلى قرابة 6%.

ومن المتوقع أيضاً أن ترتفع نسبة الدين الخارجي من الناتج المحلي إلى قرابة 70%، مقارنة بـ 60% في السنوات الأخيرة، وهي النسبة الأعلى التي يمكن لإسرائيل بلوغها من دون إلحاق ضرر بتدريج الائتمان الدولي، وفقاً لتقدير موقف نشره مركز أهارون للسياسات الاقتصادية.[4]

التضخم المالي

شهد عام 2023 ارتفاعاً في التضخم المالي في إسرائيل، وكانت التوقعات أن يصل إلى قرابة 4%، ما دفع عميد بنك إسرائيل إلى رفع الفائدة البنكية الأساسية عدة مرات في العام الأخير لتصل إلى قرابة 4.5%، بعد أن لامست الـ 0.5% في العقد الأخير.

وللحرب على غزة تأثيرات متناقضة في التضخم المالي، فمن جهة هناك عوامل تدفع إلى تراجع التضخم، أهمها انخفاض الاستهلاك العام والركود الاقتصادي المتوقع بعد الحرب، لكن من جهة أُخرى من المتوقع أن يستمر تراجع سعر صرف الشيكل في مقابل الدولار، أي ارتفاع أسعار السلع والخدمات المستوردة، وأن تؤدي الحرب إلى نقص في العديد من المنتوجات الزراعية بسبب تركيز الفروع الزراعية الإسرائيلية في منطقة الجنوب، وكذلك توقعات بارتفاع عالمي لأسعار النفط ما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار المحروقات في إسرائيل.

هذه العوامل المتناقضة ستخلق ضغوطاً باتجاه تضخم مالي في المديين القريب والمتوسط، لذا من المتوقع أن تستمر معدلات التضخم المرتفعة نسبياً في الاقتصاد عام 2023 وعام 2024، وأن تبقى نحو الـ 3%. 

ومن المتوقع أن يبدأ عميد بنك إسرائيل بخفض الفائدة البنكية الأساسية، ولو بجرعات صغيرة، بغية تخفيف النتائج الاقتصادية السلبية في الاقتصاد الإسرائيلي، ومواجهة احتمال الركود الاقتصادي، وتوفير مصادر تمويل للشركات الإسرائيلية لمواجهة نتائج الحرب، وتخفيف العبء على المواطنين. وفعلاً قام بخفض الفائدة البنكية الأساسية نهاية العام المنصرم بنسبة 0.25%.

تعديل ميزانية الحكومة

في ظل هذه الأوضاع، اضطُرت الحكومة الإسرائيلية إلى رفع ميزانية عام 2023 بـ 30 مليار شيكل لتبلغ قيمتها الإجمالية 510 مليارات شيكل، تموَّل بواسطة رفع عجز الحكومة والقروض. كذلك أعادت وزارة المالية بناء الميزانية العامة لعام 2024 وأَقْلَمَتْها مع حالة الحرب، وطرحت تقليصات في الميزانية ورفع الضرائب. واقترحت وزارة المالية تقليص 3% من ميزانية الوزارات كافة، ورفع قيمة الضريبة المضافة من 17% إلى 18% بداية عام 2025، ورفع مجمل ميزانية عام 2024 بـ 69 مليار شيكل لتصل إلى 585 مليار شيكل، ورفع العجز المالي للحكومة إلى نسبة 5-6% من الناتج المحلي في عام 2024 وعام 2025، ومن المتوقع أن يصل الدين الخارجي إلى نسبة 70% من إجمالي الناتج المحلي. 

أسواق العمل

يتفاوت تأثير الحرب في أسواق العمل بحسب الفروع الاقتصادية؛ فمع بداية الحرب منعت إسرائيل دخول العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى إسرائيل، وغادر معظم العمال الأجانب البلاد. ونتيجة ذلك كان هناك ضرر في الفروع الاقتصادية التقليدية، مثل البناء والبنى التحتية والصناعة التقليدية والزراعة. ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تراجع عدد بناء الشقق والمنازل في إسرائيل، وارتفاع في أسعار العقارات، وأن يسبب ضرراً لشركات البناء بسبب تعطل العديد من المشاريع، بالإضافة إلى تراجع الناتج الزراعي وارتفاع أسعار الخضار والفاكهة والمنتوجات الزراعية.[5] 

في المقابل هناك أضرار في قطاع التقنيات الحديثة والصناعات المتطورة ناتج من تجنيد قوات الاحتياط، وتجنيد عدد كبير من العمال في هذا القطاع، ناهيك عن خروج آلاف الإسرائيليين من أسواق العمل بسبب الإصابات الجسدية والنفسية في الحرب.

بطبيعة الحال، فإن تأثيرات الحرب في سوق العمل متنوعة ومختلفة إلى حد ما بين القطاعات الاقتصادية؛ فمن جهة، كما أوضحنا، سيكون تأثيرها سلبي في القطاعات التقليدية، مثل البناء والبنى التحتية والزراعة والصناعات التقليدية نتيجة النقص في الأيدي العالمة، وستؤدي إلى توقف شبه تام لقطاع السياحة لعدة أشهر، وإلى تراجع ما في قطاع التقنيات الحديثة. في المقابل سيكون هناك انتعاش في قطاع الصناعات العسكرية كافة، وزيادة في عدد الطلبات وعدد العمال، وخصوصاً من وزارة الأمن الإسرائيلية، بالإضافة الى ارتفاع عالمي في الطلب على الأسلحة والمعدات العسكرية والذخائر.

من الصعوبة بمكان التكهن بمستويات البطالة والمشاركة في أسواق العمل للعام الحالي (2024)، والتقديرات الحالية لا تتحدث عن ارتفاع في مستويات البطالة بسبب التأثيرات في اتجاهات متناقضة وفقاً لمختلف الفروع الاقتصادية.

وبناء على تجارب الماضي، وموقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، والقطاعات الاقتصادية، من المتوقع أن تسمح الحكومة بعودة العمال الفلسطينيين إلى سوق العمل الإسرائيلي خلال الأشهر المقبلة، إذا لم يكن هناك تدهور في الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية، لأنه الخيار الاقتصادي الأفضل والأنجع لسوق العمل الإسرائيلي، وطبعاً لدوافع أمنية عبرت عنها المؤسسة الأمنية في الأشهر الأخيرة.

فروع التقنيات الحديثة: آثار مختلفة إيجابية وسلبية

أدت الحرب إلى تراجع جدي في الاستثمارات في قطاع التقنيات الحديثة الذي يعد قاطرة النمو في الاقتصاد الإسرائيلي، وإلى انخفاض مستويات التشغيل فيه. وفي استطلاع نُفذ بعد أسبوعين على اندلاع الحرب على عينة من 500 شركة مبادرات حديثة (Startups)، من قبل معهد "ستارت أب نيشن- شعب المبادرات الحديثة" وسلطة الابتكار الحكومية، تبين ما يلي:[6]

  • 80% من الشركات الحديثة المشاركة في الاستطلاع قالت أنها تضررت منذ بداية الحرب؛ و70% تعرضوا لأضرار فيما يتعلق بالاستمرارية الوظيفية لنشاطات الشركة، ويعود ذلك جزئياً إلى تجنيد موظفين في وظائف مركزية في قوات الاحتياط.

وقرابة نصف الشركات تقول إن هناك تراجعاً في أداء الموظفين الذين لم يجندوا في الاحتياط لعوامل عديدة ناجمة عن حالة الحرب.

  • 40% قالو إن هناك ضرراً اقتصادياً ومالياً نتيجة الحرب، على غرار إلغاء عقود استثمار أو تجنيد مستثمرين.

  • 60% قالوا إن هناك ضرراً بمصادر التمويل والاستثمار.

وفي استطلاع آخر نُفذ بمشاركة شركات تقنيات متطورة، اتضح أن قرابة 50% من الشركات تعاني من بوادر إشكاليات في السيولة النقدية، وفي تجنيد استثمارات جديدة.[7]

ووفق التقديرات فإن عام 2024 سيكون عاماً صعباً على قطاع التقنيات الحديثة في إسرائيل، من حيث تجنيد الاستثمارات الأجنبية التي تشكل معظم الاستثمارات في هذا القطاع، وخصوصاً للشركات المخاطرة الناشئة.[8] كما من المتوقع أن يتراجع عدد العاملين في هذا القطاع، وأن يكون ثمة موجات إقالة عمال بسبب الحرب، ولأسباب تعود إلى التراجع العالمي في هذه القطاعات.[9]

تراجع تدريج الائتمان الإسرائيلي

هناك احتمالات جدية لأن يحدث تراجع في تدريج الائتمان الإسرائيلي لدى شركات تدريج الائتمان العالمية في عام 2024، نتيجة تراجع أداء الاقتصاد الإسرائيلي وزيادة المخاطر.

فعلى سبيل المثال، حذرت شركة "موديز" من أن المواجهة العسكرية من شأنها أن تؤدي إلى إضعاف مؤسسات إسرائيل مادياً، وخصوصاً أدوات صنع السياسات، إذ تشعر "موديز" بالقلق إزاء عدم الانضباط المالي في أعقاب الحرب، وهناك حالة من عدم اليقين بشأن الزيادة الدائمة التي تتراوح بين 15 إلى 20 مليار شيكل في الإنفاق الحربي السنوي في السنوات المقبلة.[10]

تلخيص

من الصعوبة بمكان تقدير إسقاطات الحرب الاقتصادية كافة في هذه المرحلة، وآثارها في مختلف الفئات في المجتمع الإسرائيلي، فهي متعلقة بتطورات المعارك على الأرض والفترة الزمنية للحرب، ناهيك عن إمكان توسيع جبهة ثانية في الشمال، الأمر الذي سيغير جميع التقديرات.

إن الآثار الاقتصادية للحرب لغاية نهاية كانون الأول/ديسمبر 2024 ستكون واسعة النطاق، وتشمل أضراراً كبيرة للنشاط الاقتصادي، المحلي والدولي (الصادرات والاستثمارات الأجنبية)، إلى جانب زيادة كبيرة في النفقات الحكومية للاستهلاك وميزانيات الطوارئ لدعم الأشخاص الذين تم إجلاؤهم، والخسائر في النشاط الاقتصادي، وانخفاض الإيرادات الحكومية. كل هذا يهدد الاستقرار الاقتصادي الذي قد ينحرف عن مسار النمو في السنوات الأخيرة.

يضاف إلى هذا عدم ثقة قطاع الأعمال وكبريات الشركات بالإدارة الاقتصادية والمالية للحكومة. فقد اختارت الحكومة الحالية التعامل مع التغيرات الاقتصادية نتيجة الحرب بالأدوات الاقتصادية التقليدية نفسها، عن طريق تقليص الميزانية ورفع العجز، ولم تذهب إلى فرض ضرائب إضافية جدية على الدخل، وخصوصاً على الطبقات الغنية، أو على الشركات، ولم تراجع تقسيم الموارد، واستمرت في الالتزام بالمقاربات الاقتصادية القائمة.

وأقرت الحكومة تقليص 3% من ميزانية الوزارات كافة في ميزانية 2024، لكنها أبقت في المقابل على كل الميزانيات الخاصة، وفقاً لاتفاقيات التحالف، وتحديداً الميزانيات المخصصة للاستيطان وتلك المخصصة للشرائح المتدينة-الحريدية. لا تريد الحكومة زيادة الدين العام بشكل كبير ولسنوات عديدة، لكنها تستمر في الالتزام ببنود التحالف الحكومي، وتخصيص ميزانيات خاصة لأحزاب التحالف. وهي بذلك تضيف عقبات وإشكاليات مستقبلية للحالة الاقتصادية، ولا تقلل من عدم اليقين الاقتصادي. وكل هذا سيزيد من الضائقة والأزمات الاقتصادية، ويمكن أن يطيل أمد الأزمات الاقتصادية ويجعلها أكثر عمقاً بعد انتهاء الحرب على غزة بفترة طويلة. 

 

[1] يوآف زيتون وآخرون، "الحرب الأغلى – وأهداف إسرائيل لم تتحقق بعد: تقييم حال بعد ثلاثة أشهر"، "واينت"، 7/1/2024.

[2] باروخ حزكي، "محافظ بنك إسرائيل: هذا سيكون ثمن الحرب في غزة"، "القناة 7"، 22/1/2024.

[3] أدريان بيلوت، "جي بي مورغان يحذر: العجز الإسرائيلي قد يقفز إلى 100 مليار شيكل خلال عامين"، "كلكاليست"، 14/1/2024.

[4] تسفي أكشتين وآخرون، "تأثير الحرب في غزة على الاقتصاد الإسرائيلي واقتراحات للسياسات المطلوبة"، مركز أهارون للسياسات الاقتصادية، جامعة رايخمان، 24/1/2024.

[5] شلومي طايطلباوم، "الحكومة تعتمد على العمال الأجانب بدلاً من الفلسطينيين، وتساهم بذلك في تفاقم المشكلة"، "كلكاليست"، 4/1/2024.

[6] سلطة الابتكار، "استطلاع أولي حول آثار الحرب على قطاع التقنيات الحديثة الناشئة"، موقع "الابتكار"، 20/10/2023.

[7] "أزمة التكنولوجيا الفائقة: معظم الشركات الناشئة تعتقد أنها لن تكون قادرة على تجنيد مزيد من الاستثمارات"، موقع "آيس"، 20/12/2023.

[8] عوزيئيل كوبي، "تقديرات أن عام 2024 سيكون عاماً قاسياً فيما يتعلق بالتوظيف والشركات الناشئة"، بحدري حريديم، 17/1/2024.

[9] نتنائيل غانتس، "بعد تجميد عمليات تسريح العمال في مجال التكنولوجيا المتقدمة خلال الحرب، تشير المعطيات إلى أن موجة جديدة تقترب"، "ذي ماركر"، 24/1/2024.

[10] "محاضرة لرئيس قسم الاقتصاد بكلية الإدارة (كلية لمنهال)، إيلان ألون: العواقب الاقتصادية للحرب: كم ستكلفنا؟"، كلية الإدارة، همخلالة لمنهال.

1
عن المؤلف: 

امطانس شحادة: كاتب فلسطيني، مدير البرامج البحثية في مركز مدى الكرمل في حيفا، حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من الجامعة العبرية في القدس. متخصص في الاقتصاد السياسي.