الغزّيون في الغربة: الحياة بين عالمين متناقضين
التاريخ: 
12/01/2024
المؤلف: 

 

وأنتِ يا أماه

ووالدي، وإخوتي، والأهل، والرفاق

لعلكم أحياء

لعلكم أموات

"رسالة من المنفى"، محمود درويش

إن السؤال الذي وجّهه الشاعر محمود درويش إلى أمه في "رسالة من المنفى" تطرحه إيمان على نفسها وهي تحاول أن تتصل بأختها تسنيم، راجية من الله أن ينجح هاتفها هذه المرة في التقاط الشبكة، كي تطمئن على عائلتها التي تعيش في مدينة أصبح الموت عنوانها.

يمر كل يوم ثقيلاً على إيمان بثقل ما فيه من هواجس وأفكار، وتعيش أيامها مذعورة وخائفة من أن يكون أحد أفراد عائلتها أو أصدقائها خبراً عاجلاً، وهي ليست في غزة معهم، لكنها واحدة من أبناء هذه المدينة المغتربين في الخارج، تعيش حرباً أُخرى إلى جانب التي تعيشها عائلتها، فتقضي جلّ وقتها منهمكة في متابعة الحرب ومجرياتها، ولا ترى الصورة كأي إنسان آخر، إنما هي جزء من هذه الصورة، حتى لو كانت في بلد بعيد عن بلدها.

تعيش إيمان علي (31 عاماً) في ألمانيا منذ سنوات عديدة، تشاهد بصمت كيف تُهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وتقول: "لقد رأينا كل شيء في هذه الحرب، وهي إبادة جماعية، إذا صح القول، على مرأى العالم أجمع؛ فكل شيء يُقتل و يُدمَّر ويُحرَق: العجوز والطفل والمرأة، والحجر وحتى الشجر." عاشت إيمان حروباً كثيرة في غزة، وتربّت على مفرداتها، لكن هذه الحرب أشد وطأة عليها، لأنها تشاهد من وراء الشاشة موت الأصدقاء والأحبة، ومع ذلك، فهي مضطرة إلى الاستمرار في حياتها – غير العادية – على الرغم من كل ما تراه من مشاهد خارقة للطبيعة، لأنها تعيش في دولة لا تتعاطف مع الفلسطيني، ولا تعتبره إنساناً أصلاً، وتضيف قائلة: "في مكان عملي في ألمانيا، السؤال الوحيد إلي سألوني ياه: هل قادرة تشتغلي؟ ولو جاوبتهم إنه مش قادرة أشتغل، ببساطة حيشوفوا حدا تاني يحل محلي. أنا عايشة بين عالمين: عالم موجودة فيه جسدياً ومضطرة أشتغل فيه لأنه ما رح أقدر أعيش بدون شغل، وعالم موجود في قلبي وروحي وكياني، هو غزة."

اعتدتُ أن أتبادل الرسائل الطويلة مع إيمان بين الفيْنةِ والأُخرى، فأسأل عن أحوالها في الغربة التي أثقلت كاهلها، وأحوال عائلتها التي تعيش ويلات الحرب منذ أكثر من شهرين، على الرغم من خجلي من طرح هذا السؤال، بينما يعيشون هذه الإبادة الجماعية التي تنتهك كل شيء، وينزع فيها الاحتلال الحياة من كل شيء، ناظراً إلى الفلسطينيين كـ"حيوانات بشرية" ليس إلاّ، بحسب تعبير وزير "الدفاع" الإسرائيلي يوآف غالانت. 

قتْل الحواس، ومسْح الوجود..

تحدثني إيمان عن هول وقسوة المشاهد التي تشاهدها عائلتها، والتي قررت البقاء في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، ورفضت النزوح إلى الجنوب وسط تحذيرات الاحتلال، فكل الأماكن موت بالنسبة إليهم، ولو أخذ أشكالاً متعددة في مدينة أصبحت بلا كهرباء، ولا مياه، ولا طعام.

وفي أحد الأيام صباحاً، وحين كانت إيمان على رأس عملها، نجحت في الاتصال بأختها تسنيم البالغة من العمر 18 عاماً، وصوتها مجهد باكٍ، مليء بالحسرة والخوف والتوتر، فتلقّت هذه الإجابة: "إيمان إحنا طلعنا من بيت عمي، وهلأ مش عارفين وين بدنا نروح؛ الدبابات حاصرت المنطقة، وأنتِ عارفة شو بصير لما الدبابات تحاصرنا." أصبحت عائلة إيمان مشتتة تحت خطر الموت الذي يلاحقهم جواً وبراً وبحراً، ذلك بأن الدبابات الإسرائيلية المسعورة جاءت لتمسح ما تبقى من حياة في هذه المدينة، كما أن خيارات النجاة والسلامة أصبحت معدومة.

بقيت إيمان على تواصل مع شقيقتها على الهاتف في أثناء رحلة بحثهم عن مكان أقل موتاً، حتى وصلوا إلى مدرسة تؤوي نازحين من المنطقة، فأخبرتني: "لمّا دخلوا أهلي على المدرسة قلبي نخزني، حسيت إنه راح يصير إشي، فأصريت على أختي مرة ومرتين وثلاثة إنهم يدخلوا على أي غرفة من غرف المدرسة، وما يضلّوا بالساحة." وفعلاً، لم يخيبها إحساسها؛ فبينما كانت تتحدث إلى أختها، قصف الاحتلال ساحة المدرسة فجأة، ولم تتوقف الأصوات المرعبة والهائلة، ومن هولها، شعرت إيمان بأن الأرض تهتز تحتها كما اهتزت المدرسة، ونال الألم من جسدها، وقبض القهر روحها العاجزة عن القضاء على مشاهد الخوف والذعر في أعين عائلتها، وهي تسمعهم يتشهّدون ويصرخون. إن الناجين في بلاد الاغتراب تقتلهم الحياة وعقدة النجاة... لكنها الغربة. 

رفاه النجاة من الموت..

"الحمد لله يا إيمان، إحنا عايشين، عايشين"، هكذا كانت تقول تسنيم، فالهروب من الموت أصبح أمراً يستحق الاحتفال. أرادت تسنيم، التي أنهت الثانوية العامة في السنة الماضية بمعدل 96.5%، أن تكمل حلمها في دراسة تصميم الأزياء، وتقول إيمان: "لو تشوفي رسماتها بالأزياء بتجنن، لدرجة إنها صممت فستان كامل من الصفر وخيّطته." لكن تسنيم عرفت اليأس والبأس، ورأت في مقتبل عمرها ما يمكن أن يكفيها أعماراً كاملة بعد ذلك؛ إنها الحرب تقتل الآمال والأحلام، وتشوه الذاكرة، وتمسح الوجود ليبقى الحلم الأول والأخير هو النجاة من الموت فقط.

بعد أن خفّت وتيرة القصف، خرجت عائلة إيمان من المدرسة للذهاب إلى بيت أحد أقاربهم، وهنا أخبرتني: "وأنا معهم على التلفون، سامعة صوت أخوي وهو بحكي ’هاتوا قشاط نربط على رجله‘، فبحكيلها: ’مين تصاوب يا تسنيم؟‘، فحكتلي بسرعة: ’ابن عمي تصاوب‘، وسكرت الخط." وذهبت إيمان بعد ذلك لتكمل عملها، بعد أن بلغت دموع القهر والهلع ذروتها. 

لا يمكن الوصول إلى الرقم المطلوب حالياً..

فقدت إيمان الاتصال بعائلتها لمدة خمسة أيام تقريباً، وكانت تحاول الاتصال عشرات المرّات في الدقيقة، وترسل عدة رسائل لا يستلمها أحد، وتقول لي إن هذه الحرب أعجزتها قبل أوانها، فهي ليست مجرد حرب، بل أيضاً فيها كثير من التفصيلات التي تقتل الإنسان المغترب، وتجعله جثة لم يحِن موعد دفنها. وكانت تسمع يومياً أخبار حي الشجاعية، وكيف تغوّل السرطان في أجزائه، ووصل إلى مراحل متقدمة، فأصبح الحي مرتعاً للدبابات الإسرائيلية، بل أيضاً لم يتوقف الاحتلال يوماً عن مسحه بالأحزمة النارية. وبالنسبة إلى من لا يعرف الحزام الناري؛ فهو دفعة كبيرة من الصواريخ الثقيلة، تطلقها الطائرات الحربية في آن ومكان واحد. 

دقائق من الجنة..

"إيمان إحنا بخير"، كانت رسالة واحدة كفيلة بأن تعيد روح إيمان إلى جسدها، بعد سيناريوهات عديدة ظلت تدور في رأسها، وهي خائفة من أن تصل إليها رسالة تُنعى فيها عائلتها. فهل من شيء أقسى على الإنسان من أن ينتابه شعور الفقد حتى قبل وقوعه؟ وهل هناك أقسى من أن يُحرم الإنسان لحظةَ وداع واحدة وأخيرة؟

أخبرت تسنيم شقيقتها، بعد أن تمكنت من الاتصال بها مجدداً، تفاصيل ما تعرضت له عائلتها في أثناء الخروج من المدرسة، وما عاشوه من حسرة وألم وخوف في بيت أقاربهم. لقد تحولت الشوارع في غزة إلى مقبرة كبيرة فيها جثث رجال ونساء وأطفال متناثرة في كل مكان من دون شواهد، فلا أحد يعرف من هم الشهداء الملقون على الأرض. وتصف تسنيم هذه اللحظات بأهوال يوم القيامة، فكانوا يسيرون بخوف وتَيْهٍ فارين من صوت الموت الذي يلتف على كل مَنْ في غزة، وقد رأوا مشاهد لا مثيل لها، ولا تتمكن الكلمات من وصفها نظراً إلى مستوى الجحيم والدمار الواضحَين وضوح الشمس، واللذين لحقا بغزة.

وهنا تردف إيمان قائلة: "كانوا أهلي خايفين على أختي الصغيرة لولاّ، عمرها 13 سنة، تشوف هاي المشاهد إلي ما بيستوعبها عقل بشري، وطول الوقت يحكولها ما تشوفي الأرض، إرفعي عيونك واطّلعي على السما."

أُصيبت تسنيم بشظية لحظةَ قَصْفِ المدرسة، وعن هذا، تقول إيمان: "أختي وقت ما طلعت من المدرسة وبتحكيلي إيمان الحمد لله إحنا عايشين، كانت صايبتها شظية، بس ضلت ماسكة حالها وما صرّخت من الوجع عشان ما أقلق وأخاف عليها." كما أُصيب شقيق إيمان (27 عاماً) بشظية استقرت في رجله لعدة أيام، ولم يتمكن من إخراجها لعدم توفر الإمكانات، كما أُصيبت زوجة ابن عمها بشظايا في مختلف أنحاء جسمها أدت إلى استشهادها.

إن الأكثر حظاً في غزة هو من يجد قبراً ليكرم فيه الميت، ولم يكن لعائلة إيمان نصيب في ذلك، فاضطروا إلى دفن زوجة ابن عمهم داخل المنزل الذي ذهبوا إليه، والذي يؤوي 75 شخصاً لم يتمكنوا من الخروج منه، نتيجة كثافة القصف والقنص المفاجئ. وتردف إيمان: "لأنهم ما كانوا عارفين وين بدهم يدفنوا زوجة ابن عمي وما قادرين يطلعوا من المكان، ضلت الجثة معهم ليلة كاملة، وكان في كثير أطفال في البيت، وما ضل حل إلاّ إنهم قاموا جزء من بلاط البيت ودفنوها تحته." 

محاولات للنجاة..

في أحد الأيام، تقدمت الدبابات الإسرائيلية صوب المنزل الذي يؤوي عائلة إيمان ومن معها، وبدأ جنود الاحتلال ينادون عبر مكبرات الصوت: "في حدا هون؟"، فعمَّ الصمت والخوف المكان، ولم ينطق أحد منهم بكلمة واحدة خوفاً من أن يضرب الاحتلال المنزل ويقتل كل من فيه. تقول تسنيم لإيمان: "بس صاروا ينادوا، أعطينا إشارة لبعض إنه ما نحكي، وكان في طفل بيبي صار بدو يبكي، فأخد رجل من الموجودين مخدة وكتم على الطفل، فإمه نظرت للرجل بطريقة غريبة، فقال لها: ’واحد يموت ولا 75 يموتوا‘."

هذا أحد المشاهد التي لا توثّقها الكاميرات، لكنه يبقى عالقاً في الوجدان حتى مع مرور الزمن، وكل يوم يمر يكون قاسياً على عائلة إيمان، إذ يبحثون عن وجهة في هذا العمى الكامل، مشتتين تحت خطر القصف، وينتقلون من منطقة الموت المحتم إلى منطقة الموت البطيء، ويبحثون عن محاولات متكررة للنجاة في ظل انعدام فرصها. 

عقدة النجاة..

أمّا إيمان، فحالها كحال كثيرين من أبناء غزة المغتربين؛ فُطرت روحها، وسئمتْ عدّ أيام الإبادة، وهي تنتظر اليوم الذي تنجو فيه عائلتها كي تلتقيهم مجدداً، ولم تستطع أن تتمالك دموعها وهي تستذكر كيف تحولت غزة بغمضة عين إلى بيت عزاء كبير، ولم تكن تتخيل أن عائلتها ستعيش أوضاعاً إنسانية صعبة كهذه، وأن قائمة الفقد من الأهل والأصدقاء ستطول.

وهنا تقول إيمان: "بخجل أنام وأهلي مش نايمين، والنَفَس إلي بتنفسه بحسه ثقيل عقلبي، وإذا بشرب أو بوكل بحس إنه سم نزل على معدتي، وخسرت في هاي الحرب 17 كيلو من وزني، وطول الحرب كانت تيجيني نوبات هلع فظيعة، وضيق في النفس، وألم في منطقة الصدر والكتف، وصارت أمنياتي حالياً متبلورة بأمنية ’يا رب نجّي أهلي واحميهم‘ وما بدي شي من الدنيا."

إنها تشتهي، كما الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، حين يقول في قصيدة "الشهوات": "شهوة أن أرد على الهاتف المتأخر ليلاً بدون التوجس من كارثة."

أستمع يومياً إلى عشرات القصص عن غزة والحرب، وهذه القصة واحدة مما سمعتُ، على لسان إيمان، "الفتاة المغتربة التي تعيش في ألمانيا"، والتي تستحق أن تدوَّن.

إن الغزيين ينجون في الغربة من قصف أو موت تحت الركام، لكنهم ربما لا ينجون من الموت خوفاً وقهراً على عائلاتهم، كما حدث قبل أسابيع مع شذى الكفارنة (23 عاماً) التي توفيت بسكتة قلبية، وسمر الشيخ (30 عاماً) التي توقف قلبها فجأة، وذلك بسبب الألم والخوف على عائلتيهما.

عن المؤلف: 

يمنى حميدي: طالبة حاصلة على منحة شيرين أبو عاقلة في الجامعة الأميركية في بيروت.