مذبحة غزة من منظور عالمي مقارن: هي الأفظع
التاريخ: 
08/11/2023

بغض النظر عن النتيجة السياسية والعسكرية والديموغرافية النهائية لحرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، فإن غزة ستدخل التاريخ بصفتها المكان الذي شهد أكبر عدد من المذابح في التاريخ، والتي نُفذت ضد ضحايا أغلبيتهم الساحقة من المدنيين، ومن خلال قصف جوي.

هناك مدن قُتل فيها عدد أكبر من المدنيين في قصف جوي، مقارنة بغزة (منها هامبورغ، ودرزدن، وهيروشيما، ونجازاكي)، لكن هذه المدن قُصفت خلال الحرب العالمية الثانية، التي كانت حرباً شاملة؛ هيروشيما قُصفت للحظة واحدة، وهامبورغ لمدة أسبوع، وكان في هذه المدن الأربع جيوش وبنية عسكرية ومصانع لها علاقة مباشرة بالمجهود الحربي. أمّا في غزة فإن القتل يطال ويستهدف، عن سابق إصرار وتصميم، المدنيين أساساً. في الحقيقة غزة هي المدينة الوحيدة في التاريخ التي تشكل نسبة الأطفال والنساء المقتولين فيها 68%، وإذا أضفنا إلى هذا نسبة كبار السن من الرجال فإننا نصل إلى نتيجة مريعة.

كما أن عدد هذه المذابح التي تشكل جرائم ضد الإنسانية وليس جرائم حرب ستدخل التاريخ بصفتها أول مذابح في التاريخ تتواصل على مدار الساعة ولمدة تقارب الشهر في بث مباشر على الهواء. عند حصار سراييغو الشهير الذي استمر 1425 يوماً، قصف الصرب سوق سراييغو (سوق ماركالي) في 28 آب/أغسطس 1995 بخمس قذائف هاون أدت إلى مقتل 43 شخصاً. شاهد العالم في بث مباشر صور القصف ومنظر القتلى والجرحى، كما يشاهد اليوم صور غزة الأكثر فظاعة من حيث العدد والفظاعة والزمن. استفزت صور سراييغو العالم بأسره، ما أدى إلى قيام حلف الناتو بشن حرب جوية على القوات الصربية حتى هزيمتهم. في المقابل، وفي مذبحة واحدة بين 500 مذبحة قامت إسرائيل بإلقاء قنبلة ضخمة على المستشفى الأهلي المعمداني وقتلت 500 مدني. ماذا كانت ردة فعل الغرب؟ لم يقصفوا القوات الإسرائيلية كما قصفوا القوات الصربية، وإنما قاموا بتحميل "حماس" المسؤولية، على الرغم من أنهم يعرفون أن صواريخها البدائية الصنع (التي وصفها الرئيس الفلسطيني بالعبثية) تستطيع بالكاد أن تقتل شخصاً واحداً.

هذه المذابح هي أيضاً أول مذابح في التاريخ تحظى بدعم كامل من "الديمقراطيات الغربية" الرئيسية (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا) ودونما أي تعاطف يُذكر مع الضحايا، على الرغم من أنها تُبث على الهواء بشكل مباشر وليس هناك أي شك في هوية مرتكبيها. وهذا الدعم ليس سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً فحسب، بل هو دعم عسكري أيضاً، وفي معظم الأحيان مخالف لرغبة شعوب هذه الدول التي تتظاهر في الشارع ضد مذابح غزة، وضد موقف قادتها المتواطئين مع إسرائيل. خلال الحرب الفيتنامية، وبعد أن تسربت أخبار مذبحة واحدة فقط قام بها الجيش الأميركي، وهي مذبحة قرية "ماي لاي" الفيتنامية قامت الدنيا ولم تقعد في العالم وفي الولايات المتحدة، بينما في حالة غزة يعمد كل من بايدن وماكرون وشولتز وسوناك وميلوني إلى تصوير المذابح على أنها دفاع عن النفس، موظفين وسائل الإعلام الغربية لهذه المهمة.

في حصار سراييغو الشهير الذي استمر 1425 يوماً قُتل ما مجموعه 13.952 شخصاُ خلال الحصار، بينهم 5434 مدنياً، أي ما يقارب 4 قتلى مدنيين يومياً، بينما في غزة يموت جرّاء القصف ما لا يقل عن 355 شخصاً يومياً جميعهم من المدنيين الأبرياء، وهذا الرقم لا يشمل مَن هم تحت الأنقاض، والذين يتجاوز عددهم 2000 شخص. خلال حصار مدينة ستالينغراد نفسها الذي استمر 162 يوماً، والتي تحولت إلى أيقونة مقاومة ضد النازيين وبشاعتهم، قُتل في المدينة المكتظة بالجنود 40.000 مدني، أي بمعدل 247 مدنياً يومياً، أي أقل من معدلات القتل في غزة. وفي معركة الفلوجة الثانية، التي تُعتبر أكثر الأحداث دموية في حرب العراق، إذ تعرضت المدينة للقصف والحصار مدة 46 يوماً، فقُتل 1400 مدني، أي بمعدل 31 قتيلاً مدنياً يومياً. وخلال الحصار والقتال في مدينة الموصل، واللذين استمرا 9 أشهر، فيما يعتبر أعنف حلقة في مسلسل الصراع مع تنظيم حركة داعش، قُتل ما يقارب 10.000 مدني، أي بمعدل 37 مدنياً في اليوم. وفقط في حصار مدينة لينينغراد الطويل الذي استمر لسنوات كان معدل القتلى من المدنيين في اليوم الواحد أكثر من معدل القتل في غزةـ، لكن معظم هؤلاء قُتلوا جرّاء الجوع والبرد والمرض.  

حتى الروس في أوكرانيا الذين يصفهم الغرب بأسوأ النعوت، ومنها أنهم برابرة، فإنهم سمحوا بممرات آمنة وبتوصيل المواد الغذائية، على عكس غزة المحرومة من الماء والغذاء والكهرباء، وحتى من الطاقة الضرورية لتزويد مولدات المستشفيات بالكهرباء. 

في الختام، فإن القتل في غزة، والذي يأخذ شكل الإبادة الجماعية، لم ينجم عن ضعف في "احترافية" الجيش الإسرائيلي، أو قصور في القدرة على تحديد الأهداف الدقيقة، أو بسبب الغموض في تحديد ماهية المذبحة، إنّما عن سابق إصرار وتصميم من جانب ثلاثة أطراف: الحكومة والجيش الإسرائيلي ومَنْ يريدون الانتقام من تمريغ "حماس" أنفهم في التراب وترميم "صورتهم القوية"، وشغف الجمهور الإسرائيلي المسكون بفكرة استثنائية اليهودي، وتواطؤ قادة "الديمقراطيات الغربية" الفاسدين.

منذ عام 1948، أظهر التاريخ أن إسرائيل لا تلتزم القواعد المنظمة للحرب بحسب القانون الدولي، وأنها تنفذ ما تريد طبقاً لحساباتها ومصالحها وأهدافها، لأنها تشعر، بفضل الدعم الأميركي غير المشروط، بأنها حالة استثناء عصية على المساءلة والعقاب في المنظومة الدولية.

عن المؤلف: 

صالح عبد الجواد: مؤرخ فلسطيني يعمل أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة بيرزيت.