جولة على "حرية الرأي والتعبير" في الإعلام الغربي: غزة تُسقط الأقنعة
التاريخ: 
18/10/2023
المؤلف: 

لطالما تغنّت وسائل الإعلام في الغرب بديمقراطيتها وباعتناقها مبادئ حرية الرأي والتعبير، ولطالما ادّعت نقل الوقائع والحقائق بشفافية ومن دون تحيّز. لكن هذه الوسائل تتجاوز معاييرها المدعاة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. هنا، لا تعد حرية التعبير ولا الشفافية ولا الحياد معايير معتمدة، إذ تُستبدل على الفور، بشعارات: معادة السامية، وتأييد الإرهاب.  

ولعل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة أظهرت بصورة لا لبس فيها انحياز وسائل الإعلام الغربية إلى جانب ما ترتكبه إسرائيل من مجازر بحق الشعب الفلسطيني في غزة، وتعاميها عن جرائم حرب تُرتكب على مرأى من العالم.

ومنذ بدء الحرب اتخذت وسائل إعلام غربية سلسلة من إجراءات عقابية بحق عاملين لديها، فتم فصل مراسلين، بينما أوقف آخرون موقتاً عن العمل.

وفي جولة سريعة على بعض نماذج "حرية تعبير" في الغرب نورد ثلاثة من هذه الإجراءات العقابية المجحفة:

(BBC) بالعربية: "هيئة الإذاعة البريطانية توقف 6 صحافيين في خدمتها العربية عن العمل موقتاً إلى حين الانتهاء في تحقيقها في منشورات وتغريدات لهؤلاء حول العدوان الإسرائيلي على غزة." وبحسب ما ورد في صحيفة "العربي الجديد"، فإن هذا التحقيق  يأتي "في وقت يشنّ إسرائيليون ومناصرون للاحتلال حملة على الهيئة بسبب رفضها تصنيف حركة حماس 'حركة إرهابية'". والصحافيون العرب الذين وردت أسماؤهم في قائمة التحقيق هم: مراسلة الشؤون الدينية اللبنانية سناء الخوري؛ مديرة البرامج اللبنانية ندى عبد الصمد؛ المراسلة المصرية سالي نبيل؛ الصحافي والمنتج المصري محمود شليب؛ الصحافية في مكتب القاهرة المصرية سلمى خطاب؛ المتعاونة آية حسام؛ المراسل الرياضي عمرو فكري.

ويُحاسب هؤلاء على تغريدات نشروها تُظهر من وجهة نظر "البي بي سي" تحيّزاً إلى جانب "حماس". وتشير "العربي الجديد" إلى أن المحرض الرئيسي ضد الصحافيين العرب هو موقع "كاميرا" الذي يرصد تغريدات ومنشورات الصحافيين العرب العاملين في المؤسسات الغربية، ويتقدم بشكوى إلى مؤسساتهم في حال رصد ما يعتبره منشورات "معادية للسامية".

شبكة (MSNBC) الأميركية: واتخذت شبكة (MSNBC) الأميركية أجراء مماثلاً فأبعدت ثلاثة من أبرز مذيعيها من المسلمين، وهم من أبرز المتخصصين بالقضية الفلسطينية، عن الشاشة تزامناً مع انتقادات إسرائيلية وأميركية للشبكة. والمبعدون هم: مهدي حسن وأيمن محيي الدين وعلي فيلشي.

وعلى الرغم من أن مصادر الشبكة نفت ما تردد عن إبعادها المذيعين الثلاثة، فإن المتابعين أكدوا خبر الاستبعاد وعدم ظهور المذيعين كما جرت العادة. وتأتي خطوة الشبكة بعد تعرضها لهجوم حاد إسرائيلي وأميركي، كان أبرزها ما ورد على لسان مدير رابطة مكافحة التشهير (ADL)، المعنية بمكافحة معاداة السامية والعنصرية جوناثان غرينبلات خلال استضافته في برنامج "مورنينغ جو" (Morning Joe)، عندما تساءل عمن يكتب النصوص في الشبكة؟ هل هي حركة "حماس"؟

كما انتقدت صحيفة (National Review) الشبكة المذكورة، متهمة إياها بأنها عملت خلال الأسبوع الماضي على تبرير العنف الذي ارتكبته "حماس" على أنه نتيجة للعدوان الإسرائيلي، مشيرة إلى ما ورد في تحليلات محيي الدين عن الهجوم أنه "نتيجة حتمية لسياسات إدارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو". بينما ذكر جون ليفين  (Jon Levin)، من (New York Post) أن المراسلين الثلاثة عملوا سابقاً في محطة الجزيرة القطرية، في إشارة إلى ميولهم السياسية.

صحيفة الغارديان (Guardian) البريطانية: وفي خبر آخر يتعلق بحرية التعبير في الصحافة البريطانية، أقالت صحيفة الغارديان (Guardian) رسام الكاريكاتور ستيف بيل على خلفية نشر أحد رسومه المتعلقة بالحرب الدائرة في قطاع غزة، والتي اعتبرتها الصحيفة شكلاً من معاداة السامية. ويُعتبر هذا الإجراء العقابي الأبرز في الصحيفة منذ بدء الحرب.

وذكرت صحيفة التليغراف  (The Telegraph)أن الرسم الكاريكاتوري لبيل أثار ردات فعل عنيفة. وصرّح بيل بأنه فُصل من عمله بعد اتهامه بأن رسمه معادٍ للسامية، وأضاف الرسام الذي عمل في الصحيفة على مدى أكثر من أربعة عقود، أن الصحيفة رفضت نشر مزيد من رسومه الكاريكاتورية معتبراً أن قرار فصله شكّل صدمة كبيرة له.

ويصوّر الرسم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مرتدياً قفازات الملاكمة وهو يستعد لإجراء عملية جراحية على جذعه، الذي يحمل رسماً لقطاع غزة. وجاء في التعليق على الرسم: "يا سكان غزة، اخرجوا الآن." وأثار الرسم انتقادات واسعة النطاق، إذ وصف أحد أعضاء البرلمان من حزب المحافظين الصورة بأنها مسيئة جداً.

 

 

دافع بيل، من ناحيته، عن رسمه الكاريكاتوري معتبراً أنه من المستحيل أن يطرح موضوع الحرب حالياً في صحيفة الغارديان من دون أن يُتهم زوراً بمعاداة السامية. وأوضح أن ما رسمه يشير إلى شخصية دافيد ليفين من ستينيات القرن الماضي، والذي يُظهر الرئيس الأميركي حينها، ليندون جونسون مع ندبة على جذعه على شكل خريطة فيتنام، نافياً أن يكون قد قصد إشارة إلى رواية شكسبير.

وفي تصريح آخر لصحيفة The Morning Star اعتبر بيل أن "الغارديان" على ما يبدو بات لديها إجراءات جديدة لفحص المحتوى، وأنه بات من المستحيل الحفاظ على الحرية التي يتمتع بها رسام الكاريكاتور.

هي نماذج ثلاثة، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، بل هي فاتحة لإجراءات عقابية وانتقامية ستطال وسائل إعلام وعاملين فيها، ومواقع التواصل الاجتماعي. هي سياسة تجريم الضحية وتبرئة الجلاد، التي تجتاح الإعلام الغربي.

 

المصادر:

عن المؤلف: 

سناء حمودي: أكاديمية فلسطينية.