معرضان متمردان لمجموعة شبابية في مرآب العمارة 106 في القدس
التاريخ: 
12/09/2023
المؤلف: 

تشهد هذه الأوقات تمرداً من مجموعات فنانين فلسطينيين شباب على نُظم ومعايير الغاليري والمراكز والمؤسسات الثقافية، ونرى أن كثيراً من المعارض أصبحت تُقام في كثير من الأحيان في هامش عفوي بعيد عن الرسمية والقوالب الجامدة.

هذه المعارض التي لطالما اعتُبرت أمكنة يمكن للناس أن يكتشفوا فيها العالم من منظور الفنان إذا استطاعوا أو تجرأوا على الوصول إليها، إذ يواجهون فيها مواضيع وأساليب تفكير ووجهات نظر بشأن العالم وقضايا واقعهم ومجتمعاتهم يمكن أن تكون مزعجة، أو محفّزة، أو حتى استفزازية، أو مبهمة. وإذا اعتبرنا أن المعارض الفنية هي فضاءات تساعد على التفكير في واقعنا، وذلك في حال تعامل الفن بشكل ملموس مع الواقع الذي يخرج منه، بحيث يصبح أقرب إلى المجتمع الذي يعبّر عنه، هذا يعني أن المعارض الفنية لديها القدرة على التأثير، سواء بصورة إيجابية أو سلبية، إذا كانت متاحة لجميع الفئات، لكونها تمتد وتعكس أجزاء متنوعة من الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتلفت النظر إلى مكونات وتشعبات هذه المحاور الرئيسية وغيرها، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

 

 

أتناول في هذا المقال نموذجاً من هذه المعارض، والذي حظيَ بنسختين، الأولى كانت في 25 شباط/فبراير 2023، والثانية في 26 آب/أغسطس 2023، في قرية شعفاط، شمالي البلدة القديمة في القدس، والتي تقع ضمن نفوذ بلدية الاحتلال الإسرائيلي، أُقيم المعرض بنسختيْه في مرآب العمارة 106، حيث تم استخدام المرآب بكامله، ومن دون إجراء أي تعديلات عليه، وحمل معاييره الخاصة المختلفة عن معايير أي غاليري لمدة يومين، ثم لمدة يوم. حملت النسخة الأولى من المعرض اسم "كراج" والنسخة الثانية اسم "تماس".

 شمل المعرض الأول " كراج" 15 عملاً فنياً لخمسة من الشباب الفلسطينيين حديثي التخرج، وهم: علاء بدران، وسجى قطينة، ودارينا جبر، وريما ياسين، وعبد هشلمون. أما المعرض الثاني " تماس"، فاشتمل على 13 عملاً، وبمشاركة 13 فناناً وفنانة، وهم: دارينا جبر، وعلاء بدران، وياسمين طمس، وسجى قطينة، وسجى بادوسة، وجوان أبو ريا، ونديم مازن، وتسنيم الهندي، ونظيمة الأسمر، ونسرين طحان، وحنين سعيد، ونورا سعيد، وشيماء شيخ علي.

 

 

احتضن المرآب أعمالهم الفنية المتنوعة، والتي عكست في المرحلتين موضوعات أساسية، مثل التماس وعدم المساواة والقمع والتهميش، إلى جانب الواقع الاجتماعي والسياسي والاضطهاد، وكل هذا ليس بمعزل عن المكان وذاكرة الأجداد، وعنف المستعمر، وفكرة التماس ذاتها بالنسبة إلى الفنانين والمتلقّي، والتي تُعتبر حدثاً واقعياً يومياً، مثل التماس في جنازة شيرين أبو عاقلة، حيث وقفت الجنازة وتم أداء التحية للشهيدة قرب منطقة المعرض، والتماس في حرق الشهيد أبو خضير، والتماس بين القدس الشرقية والغربية، والتماس في كل ما يجري من أحداث هدم وتهجير وحبس لسكان القرية، وفعل التماس، كونه يومياً في هذا الحيز كأنما جاء المعرض بنسختيْه كأداة مقاومة. بدأت فكرة هذا المعرض، بحسب ما تشير سجى قطينة، بالتخيل والهدم، وبعد نقاشات طويلة، انبثقت من مخيال مجموعة من الفنانين الذين يعيشون تحت الاستعمار، تحولت فكرة المعرض إلى واقع من خلال العمل والتفكير التشاركي، سواء في الأعمال الفنية، أو المجهود والترتيب للمعرض، ولم يكن القائمون على المعرض يحملون أي توقعات لهذا المعرض، من حيث الجمهور أو الظهور، ولم ترتبط فكرة المعرض والمكان بشخص أو مؤسسة أو ثيمة محددة، بل هو فكرة عامة، بحيث يستطيع كل الفنانين استخدام أي مساحة لعرض أعمالهم كما فعل هؤلاء الفنانون. وتضيف قطينة "أصبحنا نفكر في أن أي مكان من الممكن أن يتحول إلى معرض لنا أو لغيرنا." 

هذا المعرض محمل بالدلالات، فما هي هذه الدلالات وكيف انعكست على سياق المعرض؟ 

لم يكن هناك ثيمة محددة للمعرض، بل حوارات تشاركية أنتجت أعمالاً فنية، انبثقت من تجارب متنوعة وتفاصيل حياة يومية عادية جمعت الفنانين، وجميعها اختلط ليظهر المعرض بنسختيْه وسرعته وبساطته. وبحسب ما قال علاء بدران، للمعرض بنسختيه لغة بصرية خاصة، لكن كان ثمة محاولة لمواءمة الأعمال مع المكان الذي تم فيه العرض، من خلال طرح قضايا مشتركة. كون المعرض في مرآب للسيارات، أو كونه في شعفاط، له دلالات خاصة. فقد خضع المكان لعنف المستعمر وما زال، وصودر من شعفاط ما يقارب 47% من أراضيها لمصلحة بناء المستوطنات والقواعد العسكرية وجدار الفصل العنصري،[1]  هذا العنف نتجت منه 5 خرائب محيطة بالقرية، دُمرت وتآكلت، ومنعت بلدية الاحتلال ترميمها، أو استصلاحها. هذا العنف بحق المكان والزمان والشخوص يولّد رغبة مستمرة في التمرد عند الفرد، والذي ينعكس في مخرجات حياته، إذ تشير دارينا جبر إلى أنه حيث يكون التماس تُخلق ردة الفعل بأشكالها المتعددة، والفن جزء منها.

ما الذي دفع مجموعة من الفنانين الحديثي التخرج إلى استخدام مرآب بناية سكنية بصورة غير مألوفة لعرض أعمالهم الفنية؟

أحد أهم الدوافع إلى قيام المعرض في المرآب بنسختيْه هو رغبة الفنانين في كسر قوالب المعارض النمطية، وإنشاء خط جديد، أو سلسلة معارض فنية في القدس تدعم الفنانين الناشئين وتشجعهم وتساعدهم في بداية طريقهم، بدلاً من التوجه إلى المؤسسات بشكل عام، أو إلى بلدية الاحتلال. ولأن الفنانين القائمين على المعرض يسكنون في القدس، فإنهم يستطيعون الحصول على تمويل من بلدية القدس التابعة للاحتلال، وهذا ما كان مرفوضاً قطعياً بالنسبة إليهم، وأرادوا عكس نموذج للفنانين المحيطين بأنهم قادرون على الإنتاج من دون تمويل من المحتل. بالإضافة إلى ذلك، هم يرفضون، إلى حد ما، وليس بالمطلق، الغرق في بيروقراطية العلاقة بين الفنانين والمؤسسات والمراكز الثقافية والممولين الفلسطينيين والأجانب، والتي يشوبها الكثير من الجدل والقيود والمتطلبات من الطرفين، ليس في هذا المعرض، أو مع هذا الفنان أو ذاك، بل بصورة عامة، وكان لهذا أثر، ولو بشكل جزئي، في قرار القائمين على المعرض، والذين سمعوا من فنانين سابقين أو زملاء عن العلاقة الشائكة بين المؤسسات والمراكز الثقافية والفنانين، والتي تتراوح بين المرونة والقيود، بحسب ما يصرّحون، ومن هنا جاءت رغبتهم في إنتاج معرض جماعي بتكاليف ذاتية. ويضيف علاء بدران أن هذه المحاولة هي نتاج إيمانهم بأنهم الجيل الذي سيبني ما هو جديد ويحقق استقلالية عن كل ما هو مرتبط بأي سلطة، سواء الاستعمار أو السوق. واستخدام المساحة العامة والمفتوحة للجميع، بما يمثل، بالنسبة إليهم، جزءاً من ردة الفعل على التماس اليوم، والذي انعكس من خلال بصمة خاصة لكل فنان على تنوّع مناطق سكناهم وأعمالهم الفنية.

 

 

تحديات إنتاج معرض ذاتي التمويل:

يشير بدران إلى أن قلقهم تركّز في البداية على الترويج والدعاية وتكاليفها، لكن سرعان ما تبدد هذا القلق بعد أن تطوع بعض الأصدقاء والمعارف من ذوي الاختصاص بالنشر والترويج. ويضيف علاء "واجهنا تحديات تقنية ومادية لشراء حاجات المعرض، بالإضافة إلى التحدي في كتابة النصوص، لكن مع هذا، تحولت هذه التحديات إلى رغبة في النجاح والإنجاز، فأصبحنا كُتّاب نصوص، وعمال كهرباء لإصلاح بعض التقنيات في المرآب، وعمال دهان لتغطية بعض الجدران، بهدف إنتاج المعرض بالصورة التي ظهر عليها، هذه التحديات أظهرت لنا صعوبة إنتاج معرض في ظل وجود حاجات كثيرة وإمكانات قليلة، لكننا استطعنا إنتاجه في ظل هذه المعيقات. وكانت من مخرجات المعرض: سلسلة ملصقات، وفيديوهات، وأعمال تركيبية، وسلسلة صور، وسلسلة لوحات، ورسوم توضيحية.

جمهور المعرض:

أصبح الفن سلعة في أيدي الكثيرين من تجار الفن، وصار تجارة باهظة الثمن، تستقطب النخبة والمهتمين القلة، وتقصي الجمهور العادي الذي يرى أن الفن بذخ وحكر على فئة دون غيرها، والاقتراب منه لا يُعد أولوية لديهم؛ لذا، نشهد عزوفاً عن العرض، مصدره القلق من الخسارة المادية والحرج الذي قد يتعرض له متلقّي الفن العادي الذي لم يعتَد هذا المشهد.

لذا، كان أحد أهم أهداف القائمين على المعرض بنسختيْه، التمرد على هذه النمطية السائدة بشأن متلقّي المعارض الفنية، بحيث يصبح الفن للكل، وليس حكراً على أحد، لذلك جاءت محاولة كسر القوالب الجامدة من ناحية العرض والمكان، وركز الفنانون على إرسال الدعوات بشكل أكبر ومكثف لكل شخص من خارج إطار الفن، قبل الفنانين والمتخصصين. وقد تحقق ذلك نوعاً ما بالنظر إلى العدد الكبير من الزوار والفنانين والنقاد والجيران والمجتمع المحيط وسكان العمارة.

 

 

يضيف بدران: "سمعنا الكثير من التساؤلات من سكان العمارة، وأغلبيتها كانت بشأن ما إذا كان في إمكانهم زيارة المعرض أم لا؟ وشهدنا أيضاً على مدى تفاعُلهم وانخراطهم في المعرض، سواء بالتجول فيه أو المساعدة في توفير بعض اللوجستيات، بالإضافة إلى وضع سياراتهم خارج المرآب المخصص لكل شقة، من دون أي اعتراض أو تذمر لمدة يومين، وهذا يعكس تقبُّلهم وإمكانية تعامُلهم مع الفن إذا كان متاحاً وبعيداً عن القوالب الجامدة. وتقول دارينا جبر إن هذا المعرض جاء كمحاولة للتمرد على أنفسنا، وعلى معايير عرض الأعمال الفنية المتعارف عليها، أردنا عرض ما نحب، وكيف نحب، وكان ذلك مشوقاً لأنه كان لدينا مساحة حرة تماماً لتبادل الأفكار والنقاش، بعيداً عن الحواجز والتعقيدات، واستطعنا من خلالها إيصال مشاعرنا وأفكارنا.

خرج المعرض من مرآب، ومن الممكن أن يقام في المطعم، أو في صالون حلاقة، أو على جدران الشارع، أو في الحديقة، أو في الملعب، هذا يعني أن عرض الأعمال الفنية غير مرتبط بالغاليري، أو المتحف، أو المؤسسات الفنية والثقافية، بل هو مرتبط أكثر بفكرة الصمود والتشاركية في المخيال والأفكار، في ظل تغوُّل سوق الفن وأماكن العرض، والتي تعطي للفنانين المساحة لتجربة كل شيء، وتفتح أمامهم الباب، ربما للانعتاق، في وقت ما، من هذه الدائرة السلعية بسلطتها وقيودها. وهذا يفتح الباب للعديد من التساؤلات التي أختم بها هذا المقال: هل تستطيع المعارض في الهامش العفوي إثبات وجودها وفرض معايير خاصة بها؟ وهل يستطيع الفنانون النجاة من فخ السوق من خلال إنتاجاتهم وعرضهم في الهامش العفوي؟ وما هو دور المؤسسات الممولة للفنانين في مثل هذه المعارض؟ وهل سيصبح الفن أقرب، وفي متناول الجمهور؟ وهل حالة التماس اليومي التي يفرضها عنف المستعمر تدفع الفن إلى المقاومة، سواء المنفردة أو الجماعية في الهامش العفوي كما دفع عنف المستعمر الأجيال إلى فعل المقاومة المنفرد بأدوات المقاومة البسيطة التي نشهدها يومياً؟

 

[1] صدى البلد، مؤسسة إعلامية،                                                                                                                                        

عن المؤلف: 

رهام سماعنة: كاتبة وباحثة في الموسوعة الفلسطينية، وتتركّز اهتماماتها على البحث في الحقل الفني.

انظر