كايد البندر: قاوم دمعته 27 عاماً
التاريخ: 
07/06/2023
المؤلف: 
ملف خاص: 

يُحكى عن سكان "حي القلعة" في قرية دير كيفا، التي تقع في قضاء صور في جنوب لبنان، أنهم يتسمون بـ "البأس والشجاعة"، وهذا مردّه، بحسب جيران هذا المعلم الأثري، إلى موروث ثقافي-تربوي تربوا عليه؛ فالقلعة لهم، هكذا يعتقدون، أو بالحد الأدنى هم مسؤولون عنها.

كايد البندر، أسير لبناني محرر من السجون والمعتقلات الإسرائيلية، ترعرع بين حجارة الصرح القديم وأقبيته ودهاليزه، وشارك في تنفيذ قرابة 200 مهمة في إطار جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جمول". وهو ينحدر من عائلة شيوعية، وحمل لقب أسير محرر خمس مرات.

ترك كايد، المولود سنة 1967 في الكويت التي أمضى فيها سنتين، مدرسته قبل إنهاء المرحلة الابتدائية، وانتقل إلى العمل مع والده الذي كان يشتهر في المنطقة بـإصلاح بواريد الصيد. تضع هذه الحرفة الصبي في صميم عالم السلاح والحديد، ثم يتعلم الفتى الشقي قيادة السيارة، ويأخذ "بيك آب" والده، ويصطحب معه أصحابه في جولات "سواقة" جنونية تصبح معها المطبات على الطريق أحد أسباب المتعة، وتشاء الأقدار ألاّ يحدث للفتية أي مكروه.

قربه من أبو كايد، الذي شارك في نقل السلاح إلى المقاتلين خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982، جعله يفتح عينيه على علاقة وثيقة تربط العائلة بعائلة شيوعي آخر مقيم بقرية فرون المجاورة يدعى خليل قوصان (أبو إبراهيم). وفي أجواء هذه العلاقة خطا الفتى أولى خطواته على درب التعرف على الاحتلال، فالمقاومة.

"هذا المشط لي"

في أوائل سنة 1983، جرى وضع عبوة ناسفة على الطريق بين قرية دير كيفا، والخط العام الرابط بين قريتي صريفا والغندورية، فعمدت قوات الاحتلال إلى مداهمة دير كيفا، وتحديداً "حارة القلعة" المطلة على مكان وجود العبوة؛ دخلت القوة المحتلة منزل كايد وقامت بتفتيشه، وعثرت في "الديبو" (مستودع صغير لحفظ المعدات) على "مشط كلاشن"؛ وقعت عين الإسرائيلي على كايد الذي بادر إلى القول: "هذا لي"، فأصعدوه "الهامر"، الذي كان مرتفعاً بعض الشيء على الصبي الصغير. يقول كايد: "رفعني الجنود بقوة ووضعوني بداخله، بعد أن شدوا شرائط البلاستيك على يديّ وشدوا أكثر العصبة على عيوني."

ضُرب الفتى بلا رحمة في مركز التحقيق في مدينة صور، وظل يتعرض للتعذيب على مدى يومين متواصلين، ومُنع من النوم، وحُرم من الماء والطعام. وقد بنى المحقق تنكيله بجسد الصبي على سؤال وحيد: "من أين لك هذا؟"، في إشارة إلى "مشط الكلاشنكوف"، ولمّا اقتنع برواية الأسير أنه "لمّه عن الأرض" تُرك في حال سبيله.

وعلى الرغم من قصر الاعتقال، فإن ما صادفه كايد من معاملة قاسية كان غريباً عليه، الأمر الذي دفع أبو كايد إلى إبعاد ولده البكر عن حرفة إصلاح البواريد، فانتقل إلى العمل في الأدوات الصحية.

اعتقال فوق "السطوح"

لم يمض وقت طويل على تلك الحادثة حتى داهمت قوات الاحتلال منزل كايد مرة ثانية، لكن لسبب مختلف، إذ إن أحد العملاء في المنطقة كان مكلفاً بمراقبة تحركات أحد المقاومين الشيوعيين الذي كان يتردد إلى بيت البندر.

وذات غروب، بينما كان كايد يجالس ابن عمه القادم من السفر على سطح المنزل، لاحظا دورية للاحتلال تشق طريقها في ممر ضيق صوب البيت، فأبلغ الشابان المقاوم بضرورة الاختباء، لأن دورية للاحتلال قادمة نحوهم. وبادرت أم كايد إلى الطلب من الضيف النوم بين أطفالها، وهو ما حدث؛ دخل الجنود المنزل، وشرعوا في السؤال عن الموجودين في البيت، ووصلوا إلى غرفة الأطفال، وحين أرادوا الدخول إليها تصدت لهم أم كايد، وصارت تصرخ في وجههم مانعة إياهم من دخول الغرفة "كي لا يوقظوا الأطفال". حدث هرج ومرج انضم الأطفال إليه، وعلا الصراخ، وارتفعت نبرة المشادات الكلامية، فاضطر الجنود إلى صرف نظرهم عن الغرفة. وصعدوا إلى السطح، حيث وجدوا كايد وابن عمه فاعتقلوهما واقتادوهما إلى مركز تحقيق صور حيث مكثا تسعة أيام.

...وآخر على "ذوقه"

تبدلت حياة الشاب بعد الاعتقال الثاني، وصارت "العين عليه"، وبات يصادف العملاء أينما ذهب، فظن أنه وُضع تحت المراقبة، وقاده التفكير إلى البحث في طريقة لاكتشافهم، فصار يتعمد التردد إلى قرية فرون، ويقطع مراراً حاجزها الشهير في محاولة لإثارة الشبهات حوله. وتأتيه الفرصة حين يطلب منه عنصر الاستخبارات الإسرائيلية في إحدى المرات التوجه إلى المركز العسكري في القرية للمراجعة، ففعل. وهناك تعرف إلى عدد من الوجوه، لكنه بعد أربع ساعات من الاستجواب الذي أراده على "ذوقه"، رمى بكلمة صغيرة بعدما عرض عليه المحقق التعامل معه. فطلب كايد مسدساً ليحمي نفسه، قائلاً: "أنتم لا تستطيعون مواجهة مجموعة صغيرة من الفدائيين، فكيف لي أن أحمي نفسي إذا ما اكتشف أحدهم أنني كنت هنا." غضب المحقق من طريقة الكلام، فقام من مكانه واقترب من كايد وركله بكل ما أوتي من قوة على خاصرته، فأوقعه أرضاً ثم رماه خارج المقر مطروداً.

انخرط الرفيق في المقاومة، وتكلف بمهمات في إطار "جمول"؛ يزرع العبوات، وينقل السلاح، ويخبر رفيقاً آخر يعرف الكتابة عن مشاهداته. فعلياً، صار المحرر ثلاث مرات مقاوماً، يقدم طلباً رسمياً بذلك، وهو ما سيتم لاحقاً.

"عم فونس عصافير"

كان كايد وضع عبوة ناسفة على طريق ترابية فرعية تمر عليها دورية للمشاة، وكان ينتظر طوال الوقت دوي الانفجار، وبقي على هذه الحالة عدة أيام. ولمّا لم يقع الانفجار ظن أن عطلاً ما طرأ على العبوة بسبب الأمطار، فتوجه في 8 كانون الأول/ديسمبر 1984، إلى مكان العبوة لمعاينته، وراح يزحف متتبعاً مسار الشريط الكهربائي الموصول بالبطارية. كل شيء كان سليماً إلى أن وصل إلى نقطة معينة ليتفاجأ بقدمين تقفان أمامه، فخبأ رأسه في الأرض ثم نظر إلى أعلى، وإذ بجندي إسرائيلي يصوب نحوه البندقية، وقد عاجله بالسؤال: "ماذا تفعل؟" رد كايد بسرعة: "عم فونس عصافير" (صيد العصافير عن طريق الضوء). لكن كايد لم يكن يحمل أي أداة إنارة، ولم يكن لديه بارودة صيد، فضحك الجندي قبل أن ينهال عليه ضرباً، إذ يبدو أن العبوة كُشفت، وأنه وقع في كمين.

وُضع الشاب عارياً في ممر هوائي داخل مقر الاستخبارات في صور مدة تزيد على أسبوعين، وكان الهواء البارد في ليالي كانون الأول/ديسمبر ينخر جسده الصغير، وكلما مرّ قربه جندي يقوم بركله وضربه بقوة. تعب كايد من شدة التحقيق، فاعترف بشأن العبوة، وبأنه هو مَنْ قام بزرعها.

نُقل إلى معتقل أنصار؛ بداية شعر بالخوف من "اسم المعتقل"، فلا يوجد قرية إلاّ واعتُقل أحد أبنائها وزُجَّ به في معتقل القهر "أنصار". لكن سرعة انخراطه في يوميات الأسرى خففت عنه قساوة المكان. كان الأسرى موزعين على أقسام عبارة عن خيم منصوبة، ومحاطة بأبراج مراقبة وكشافات وأسلاك شائكة، وكان يأتي الصليب الأحمر الدولي لزيارته، فيحمّله رسالة شفهية إلى ذويه. وفي المعتقل يتعرف كايد إلى مقاومين فلسطينيين ولبنانيين، وبعد أن يمضي شهرين في "أنصار"، يتم نقله إلى عتليت بعد قرار الانسحاب في شباط/فبراير 1985 من المنطقة، وانكفاء العدو إلى عمق الشريط الحدودي المحتل.

إلى فلسطين در

في الطريق إلى عتليت كان كايد معصوب العينين، ومكبل الرجلين واليدين، يجلس في باص كبير إلى جانب زميل له، وجرى وضع أسير ثالث على ركبتيهما، فلم يتمكن من مشاهدة المناطق الفلسطينية المحتلة، لكنه أدرك من المسافة الطويلة التي قطعها الباص "أنني صرت في فلسطين". مئات الأسرى الذين نُقلوا إلى عتليت "كانوا بمثابة رهائن للمقايضة". لم تختلف ظروف التوقيف كثيراً بين أنصار وعتليت لأن "إدارة المعتقل كانت واحدة، والذي تبدل هو المكان". ففي البداية "وضعوني في قسم عبارة عن إسطبلات (كان يستخدمه الجيش البريطاني في أثناء احتلاله لفلسطين)، ثم نقلوني إلى قسم آخر فيه العديد من الخيم."

لمّا جرى نقله إلى فلسطين المحتلة، ودّع رفاقه الأسرى المفرج عنهم من "أنصار"، وتكرر الأمر في عتليت، حين تم الإفراج عنه في أيار/مايو 1985 مع الدفعة الأولى من الأسرى، بموجب اتفاق التبادل. لكن كان على كايد و118 أسيراً لبنانياً الانتظار حتى 11 أيلول/سبتمبر من العام نفسه كي يعودوا إلى لبنان.

أيضاً إلى "جمول".. وفلسطين

العودة إلى دير كيفا بعد أن تحررت جعلته يملك هامشاً "أكبر فيما يتعلق بالعمل على الأرض وبمواجهة مواقع الاحتلال." فيتفرغ في "جمول"، وينتسب رسمياً إلى الحزب الشيوعي اللبناني، ويخضع لدورات عسكرية مكثفة، ثم يذهب إلى الاتحاد السوفياتي، ويتدرب في أحد معسكرات الجيش الأحمر، ويتخرج من هناك بصفة ضابط، ويعود بعدها إلى الجنوب ليتسلم مسؤولية الإشراف على عدة عمليات. وفي صريفا يتعرف في "حي موسكو" على رفيقة دربه ابتسام، ويقع في غرامها، وفي أثناء وجوده في أحد مراكز المقاومة في صيدا يفكر كايد في إرسال رسالة إلى حبيبته مع رفيق له، فيكتب ويكتب، لكن ما كتبه كان "بدو مين يفك ألغازه"، فلم يكن مفهوماً من الرسالة إلاّ حروف الجر "في، على"؛ يضحك كايد ويقول "أتمنى لو أني لم أترك المدرسة كي أحكي لابتسام عن مشاعري تجاهها."

"Stop, Stop"... صرخ بينما كان يهم لرفع يديه حدود كتفيه، شارحاً صدره، وناحياً بجسده إلى الأمام. مجموعة من الجنود يطلقون الرصاص نحوه، فتخترق رصاصة الجزء العلوي من جسده، ويقع في أرض الحجرة الصغيرة. ينهض ثم يصرخ، فيُصاب برصاصة ثانية، ويقع، ثم ينهض ليصرخ فيُصاب. تكرر المشهد سبع مرات إلى أن توقف الجنود عن إطلاق النار. "كل المخربين ينزل من فوق وإيدك فوق راسك"، نادى جندي عبر مكبر للصوت بلغة عربية مكسرة.

ترك الشاب خلفه بقعاً من دمه مجبولة بالغبار والتراب، ونزل بصعوبة من "علية" المنزل المهجور في أطراف قرية دير سريان. الهدوء الذي كان يخيم على المكان تلاشى، وتعالت أصوات الجنود والقذائف والرشاشات، مع تحليق للطائرات المروحية التابعة لجيش الاحتلال. تمضي اللحظات، ويختفي صوت النيران الذي يتردد صداه في أودية مجرى نهر الليطاني، بينما يتواصل صوت الصراخ الحاد للجريح الموجوع.

حطت الطائرة المروحية في حقل مجاور، ووُضع كايد على الحمالة وقام الجنود بحمله إلى الطائرة التي نقلته الى مستشفى رمبام في حيفا. في أثناء التحليق، يفتح عينيه مرتين فيلاحظ بندقية أحد الطيارين مرمية قربه، يهم لالتقاطها إلاّ إن جسده يخذله. خُيّل لقائد العملية أن في الإمكان متابعة المهمة، لكنه مصاب والعملية فشلت. العبوة التي زرعها بنفسه في ممر الماء (العبّارة) تحت طريق الأسفلت، حيث تمر دوريات الاحتلال، لم يقم بتفجيرها، ومجموعة الإسناد، التي كان عليها تأمين الحماية للمجموعة المهاجمة، لم تتحرك حين حوصر المنزل بالجنود ودبابتي ميركافا، ورماة صواريخ "ستريلا" لم يتعاملوا مع طائرتين مروحيتين شاركتا في الهجوم على المنزل نهار إلقاء القبض على مجموعة "الشهيدة الشيوعية لولا عبود" في 10/9/1988.

تحقيق فوق سرير المرضى

جاء إلى المستشفى ضابط التحقيق الملقب بـ "سيمون" بعد 15 يوماً على الاعتقال. رفض كايد الرد على الأسئلة، وأصر على تجاهل التحقيق. يمر شهر، فينقلونه إلى سجن الجلمة، ومنه إلى محكمة قريبة حيث يستجوبه القاضي. يعود إلى سجن الجلمة وبينه وبين المستشفى يتابع علاجه، وما إن ينتهي من العلاج حتى يُنقل إلى مقر التحقيق التابع للاستخبارات العسكرية، إذ كانت الغاية من وراء نقله إلى مركز التحقيق تأكيد المعلومات التي وصل إليها الضباط بعد مرور شهرين على العملية. استفاد كثيراً من تجاربه السابقة، مع العلم بأنهم لم يعودوا إلى الاعتقالات القديمة، وإنما كان التركيز منصباً على الدورات العسكرية، والتحضير للعملية، وأهدافها، فأحضروا له الخرائط الجوية، وقاموا برسم المسار الافتراضي للعملية.

"منيح ما تعلمت بالمدرسة"

تركز الحديث على الدورات العسكرية، وخشية استهداف مواقعها "اعترفتُ لهم بمشاركتي بدورة في الاتحاد السوفياتي". حاول المحققون الدخول إلى تفاصيل دورة "موسكو"، لكن البندر استفاد من عدم معرفته بالقراءة والكتابة، وكانت حجته أنه لا يحفظ الأسماء الروسية جيداً، وإذا طلب منه المحقق كتابة ورقة، كان يرد بأنه "أمّي". لقد استغل الأمر تماماً، وكان كلما يُسأل عن اسم، أو عن مكان، حتى لو كان ذلك في الاتحاد السوفياتي، كان يجيب "لا أعرف القراءة ولا الكتابة." يئس المحقق من "جهل" كايد، الأمر الذي اضطره إلى تركيز سؤاله على المشاركين معه في الدورة، فسمى له كايد عشرة أطفال من جيرانه في حي "القلعة" على أنهم كانوا معه يتدربون على سلاح الرشاشات. يُقفل ملف التحقيق، ويُترك قرابة أسبوعين في الزنازين كإجراء انتقامي، ويُنقل بعدها إلى مستشفى سجن الرملة، ومنه إلى سجن عسقلان.

لقاؤه بوليد دقة

حكمت المحكمة العسكرية في اللد على كايد بالسجن 20 عاماً، وخلال المحاكمة رفض الوقوف للقاضي، فسحبوه بالقوة من داخل المحكمة وحاولوا ضربه. بعدها نُقل إلى سجن عسقلان أواخر سنة 1989.

منذ اليوم الأول لدخوله الغرفة 13 في سجن عسقلان، حيث كان وليد دقة، نشأت علاقة انسجام بين الرفيقين تحولت إلى علاقة مع الأهل. فتبنّت أم وليد دقة كايد، الذي صار ابنها اللبناني، وكانت كلما أتت إلى الزيارة ومعها شيء لوليد، لا بد من أن يكون معها الشيء نفسه لكايد. وتشارك الصديقان الهموم العائلية والشخصية، وحرّض وليد كايد على الدراسة وتعلم الكتابة، وفعلاً، لم تمر أشهر حتى شق طريقه "للتعبير عن مشاعره".

الحب سلاحه..

كل الوقت في المعتقل يفكر في حبيبته ابتسام، فلا يمر يوم من دون أن تخطر في باله؛ تذكّر كيف ودّعته في قريتها، ومن منزل أهلها تحديداً الذي يقع عند أطراف واد عميق يتصل بمجرى الليطاني عندما انطلق ومجموعته قبل ليلة ونهار من الوصول إلى دير سريان. "كانت تعيش الحياة التي كنا نعيشها بكل تفاصيلها"، وكما في الانطلاق نحو تنفيذ العمليات، كانت تنتظره دائماً، وما إن تراه عائداً حتى يرتاح قلبها. بالنسبة إليها، "الانتظار ليس مرتبطاً بالمدة"، لذا اعتبرت عملية كايد الأخيرة التي أدت إلى وقوعه في الأسر للمرة الخامسة، وجعلته يتأخر عليها عشر سنوات، وقتاً لانتظار البطل، على الرغم من أنه أرسل إليها أكثر من مرة رسالة يطلب منها فيها "تلاقي حياتها"، فكانت ترد عليه بالقول: "إنني مستعدة لانتظارك كل العمر."

أنهى كايد رحلته مع "محو الأمية"، بالتدريج، في طلب التعديل على النص من الفقرة إلى الكلمة إلى الحرف، لتذيَّل الرسالة أخيراً بتوقيع صاف للمرسِل "كايد البندر"، الذي صار نشيطاً على هذا الصعيد، وربما حاول التعويض عن خلل "رسالة حروف الجر".

..... ودموعه

تتركه في بيته الجميل في دير كيفا بين الأشجار التي اختارها بعناية لتزين حديقته، يعتني بها كما يعتني بزوجته ابتسام وأولاده الثلاثه محمد ورنا ورزان. لم يتعب كايد، وإن بدت على وجهه ملامح التقدم في العمر.

"جار القلعة"، الذي يشيد ضريحاً لوالده قرب منزله، يحجز نفسه للقضية، ويواظب على حضوره في النشاطات الحزبية والوطنية. لا يكلّ القيادي الجنوبي وعضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي اللبناني من المشاركة، وهو الحاسم في قناعاته ومواقفه، ولا يقبل بالمساومة عليهما.  

تسأله عن وقع خبر استشهاد أخيه خليل، الذي اغتالته مروحية تابعة للعدو بغارة استهدفت سيارته سنة 1996، فيجيبك بكثير من القوة والتماسك: "إن الرفاق في المعتقل بلّغوني بذلك بعدما نعته جبهة المقاومة". "هل تأثرت؟" يزيح بنظره قليلاً ثم يقول: "كان خليل شديد الاندفاع"، تقترب أكثر من إنسانية هذا المقاوم الشجاع الصلب والمتماسك، تستعد لسؤاله، لكنك تتركه يتابع، "طلبت منه أن يظل بعيداً عن الأحداث.. طلبت منه أن يعتني بنفسه."

يحترق الكلام في فم كايد، يغص، ويتوقف، ثم ينفجر في البكاء على أخيه الصغير لأول مرة بعد 27 عاماً على الاستشهاد.

عن المؤلف: 

نبيه عواضة "نيرودا": صحفي لبناني وأسير محرر.

انظر

ياسر المؤذن، الصورة من صفحة  الفيسبوك"لحركة فتح مخيم اليرموك".
نبيه عواضة
وليد دقة، لوحة لسهاد الخطيب.
أيهم السهلي
أرشيف جريدة الاتحاد، 17 أيلول 1999
عبد الناصر فروانة
مصدر الصورة: أرشيف ملصق فلسطين، الاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين، 1985.
عدنان جابر
مصدر الصورة: أرشيف ملصق فلسطين، ١٩٩٥.
نبيه عواضة
أرشيف ملصق فلسطين، الفنان حسن الطيبي 2012
عبد الناصر فروانة
الصورة: ملصق بعنوان " الأمل" للفنان سليمان منصور، ١٩٨٠، ملصق أرشيف فلسطين
عبد الناصر فروانة