"شارع التحرير عمارة 48": اختزال الماضي في قصص مصورة
التاريخ: 
06/06/2023
المؤلف: 

"شارع التحرير عمارة 48" عنوان معرض القصص المصورة "كومكس" في مدينة رام الله، والذي شارك فيه 18 فناناً وفنانة محليين وأجانب. اختزلت القصص المشاركة أحداث النكبة، وتزامنت مع ذكراها الـ 75، وجاء العنوان مختزلاً لمخيال شعب بأكمله، ذلك بأن "شارع التحرير" يأتي كمجاز لفلسطين المحررة، أمّا الجزء الثاني من العنوان "عمارة 48" فهو اختزال لفعل النكبة. كذلك تتناغم القصص المصورة مع هذا النهج، الذي يشهد تسطيحاً في بعض مواضعه ليعود إلى التكثيف التقليدي في مواضع أُخرى، ثم يقفز إلى الحقائق، ثم المخيال الذي يشهد على حالة البتر التي فرضتها بعض القصص، والتي سوف نعرضها في هذا المقال. 

تعرض حنين نزال في عملها تواريخ مفصلية في حياة الفلسطيني؛ 1948، و1967، و1987، فنرى النكبة والنكسة، ويظهر الراديو، والصحيفة، ومشهد الدبابات والجنود، وتوابيت الشهداء، والجنازات، وحفلات الزواج والميلاد، والحقائب، والطرقات الوعرة التي أُجبر الفلسطينيون على عبورها خلال فترات التهجير، وكلها ظهرت بطريقة تقليدية تحاكي أعمالاً فنية سابقة بدون إضافة تعكس خروج الفنان عن المألوف عند استحضاره التاريخ الفلسطيني، باستثناء كونها ظهرت على شكل قصة مصورة. أمّا عزيز عزيز فيُظهر قصة التهجير في إطار فيديو متحرك، كأنما فعل التهجير ما زال قائماً. وتكرر كرمل خليل في قصتها إظهار الراديو، صاحب السلطة العليا على الجمهور العربي، ومصدر أخبار التهجير والقتل واحتلال فلسطين والتظاهرات وقناة السويس، بغض النظر عن صدقيته من عدمها، وهذا ما يمثل الحاضر، ذلك بأن الماكينة الإعلامية ما زالت هي المسيطرة وإن بأدوات مختلفة. هذا المشهد وغيره في المعرض عبارة عن مشاهد مستهلكة، باستثناء بضعة أعمال انعكست بطريقة تتناغم مع عصر الصناعة والتكنولوجيا، وهذا ليس انتقاصاً من الأعمال، بل على العكس قد يكون تكرار بعض المفاصل بأساليب جديدة ضرورة لترسيخها.

 

 

وفعل الترسيخ يظهره خالد لداودة من خلال تكرار مشهد النكبة وأوراق الطابو والخيام التي شهدت تبدلاً مستمراً. وكان لهذا الفعل أثر في أوراق الطابو التي ضاعت وتساقطت أجزاء منها في رحلة التيه التي تظهر من خلال رسم المتاهة، وأساليب البحث عن طريق للنجاة، والتي لم يرسمها المهاجر فحسب، بل رسمتها أيضاً الأنظمة والسلطات والاستعمار لتقود المهاجر إلى أروقة المحكمة الدولية السياسية الجنائية كما تُعنوَن القصة، لإرجاع حقوق الفلسطينيين، والتي يتعاظم فيها السقوط. وتستحضر ليلى عبد الرزاق حدث النكبة مختزلاً بالشتات، واللجوء، والحدود، والتاريخ، والذاكرة التي تتبلور لديها من خلال الطريق المتفرع للمهاجر الذي يتمسك ببقجته، وبطفله الرضيع الذي كبر في طريقه، وعندما وصلا معاً إلى الضفة الأُخرى وجدا أمامهما مركز الجالية الإسلامية، من دون أن يظهر النقيض لهذا. أمّا شهد الروزي فقد طرحت النكبة من خلال الحلم المستمر بالعودة، والسؤال المتكرر لدى الأجيال: متى سنعود؟ على الرغم من مضي الزمن وتبدل الأحداث، من ميلاد، وزواج، وموت، فإن مفتاح البيت ما زال معلقاً على الجدران بعكس ورقة الطابو التي فتتها الزمن والواقع.

يضيف محمد سباعنة في سياق تجربة اللجوء والتهجير، المخيم والسياج وحقيقة الفلسطيني المعلق في فضاء مفتوح إلى ما لا نهاية، الأمر الذي يحول دون بناء علاقة متكاملة مع أي مكان على أمل العودة إلى المكان الذي هُجّر منه اللاجىء لتسكنه عائلة وأطفال جدد يلعبون في ملاهٍ أقيمت على الأرض المسلوبة قسراً. فلم يمنع هذا السلب والزمن المتسرب من خلال ساعة الرمل ساكن المخيم من التفكير في بناء بيت على أرض يمتلكها، لكن الحلم سرعان ما بددته تقسيمات المناطق أ، ب، ج، التي يُمنع الفلسطيني من البناء على معظمها؛ فهل في تسرب الزمن وتبدد الأحلام دلالة أو دافع لتفتيت ذاكرة الماضي بأمكنته؟ أم أن طغيان فكرة المؤقت حولت اللاجيء إلى زومبي يعيش في الهامش في المخيم المختنق بين كابوس المستوطنة وجدار الفصل الذي يفكك حياة الفلسطيني، وبين حلم العودة المحاط بالأسلاك الشائكة والقتل وأكوام الشهداء، إلى جانب صور العائلة والأم المنتظرة، وهذا ما عكسته حلا سيف. ثم تأتي القفزة من مشهد المخيم إلى مشهد المدينة بمبانيها، التي تظنها آمنة عند نور طوطح، لكن سرعان ما ينقلب المشهد إلى الدمار بفعل انفجار بعثر المكان لتغرق المدينة في الرعب الظاهر في عين الطفل الدامية، وهروب الفتاة وخوفها وبؤسها، ثم ظهور الطفل مغطى العين، كأنما مشهد الدمار والموت يتبع المهجّر أينما حل. وتكمل سارة شحادة فعل التهجير واللجوء عن طريق البحر، والغرق، وقوارب النجاة، والجثث المبعثرة على شواطئ الدول الأوروبية، وفي ذلك فعل تسطيح حقيقي لمقارنة أزمة اللاجئ الفلسطيني بباقي اللاجئين حول العالم، لا لكون طرف يتفوق على آخر في المعاناة، وليس تقليلاً من شأن أحد، بل لأن فعل التهجير الذي حل بالفلسطيني هو نتاج استعمار قائم من 75 عاماً مقارنة بأزمة اللاجئين الآخرين في العالم، وتستكمل شحادة أجزاء قصتها بعرض المخيم، والجزر، ومحلات المدن الأوروبية التي تدل أسماؤها على أنها باهظة الثمن، أي أن اللاجئ ان لم يمت من مخاطر الطريق سيموت جوعاً بسبب كلفة الحداثة وقسوتها.

وتستمر هبة حمدان في طرح هرب اللاجئين عن طريق البحر، ومشهد الطفل إيلان الذي شاهدناه على سواحل اليونان بعد أن مات غرقاً، وفي طرف القصة أكوام الجثث على الشاطئ، والدموع، والحزن، وجميعها تتزامن مع العين الجاحظة الذكية الحالمة المتعجبة التي تدفعك إلى التفكير في هاري بوتر بعيداً عن الموت، ثم تنقلب الصورة إلى جرافة عسكرية، ومدرسة إسرائيلية يُدرّس فيها المستعمر أبناءه على الكراهية والظلم في إطار الدين والواجب الوطني لإسرائيل. ويعكس معين حماد نتائج النكبة المستمرة، مثل قضية الأسرى، من خلال نموذج المرأة الشابة، الأم التي تقبع داخل جدران الوحدة والبرد. هذا الحدث سلخ المرأة الفلسطينية عن حياتها وانعكس بؤسها بطريقة تقارب البؤس الذي أحاط ببائعة الكبريت. هذه العفوية في الطرح عكست القصة بعمقها بدون كلمات، على عكس بعض الأعمال التي تحتاج إلى كلمات لتوضيحها للمتلقي، وهذا يقودنا إلى مدى أهمية وجود النصوص من عدمها في القصص المصورة، ومن يقرر ذلك، وكيف؟ 

أمّا سيث توبوكمان فقد أنتج الواقع الذي آلت إليه الأحوال بعد النكبة، وظهر في عمله شبح الاستيطان، وجدار الفصل الملتف حول الضفة الغربية كالأفعى، وطرحه فكرة العزل والغيتو، وأبراج المراقبة، وطاولة المفاوضات، والعراقيل التي توضع أمام الفلسطيني. وتعكس قصته ما وصلت إليه الأحداث في فلسطين، حيث مسيرة الأعلام وشرعيتها للإسرائيلي، في مقابل حرمة العلم للفلسطيني الأعزل الذي يتعرض للقتل بشتى الوسائل، بينما المستوطن المسلح محميّ من الجيش.

يظهر سمير حرب صورة أُخرى لصاحب الأرض الذي يمضي حياته في أرضه يحرسها بعينه التي لا تنام، كنموذج أبو محمود الذي أمضى عمره في صف السناسل في بتير ليحميها، ويفرض شكل من الحدود الطبيعية بغرض الاهتمام بها. توفي أبو محمود وبقيت السناسل التي تمثل علاقة الفلاح بالحجر والأرض، والتي لم ولن تنقطع حتى لو تم الاستيلاء على المكان. وهو ما تشهد عليه قصة فؤاد اليماني الذي جسد منزل خليل السكاكيني في القدس في حي القطمون، وما آلت إليه حالة المنزل من خلال الحوار بين الراوي واليهودي، الذي تدرج في الأسئلة التي انعكست من خلال أجزاء الجسم، ولكل جزء دلالاته، فمثلاً عندما سُئل المستعمر عن مرجعية المكان قال: كان المكان أرضاً جرداء قبل أن يُبنى البيت. وظهرت اليدان في حركة تصف خلو المكان، ليرد الراوي: ومن بنى البيت؟ تقاطعت ملامح الجسد وشحوبه ودهشته وهشاشته وإخفاقاته مع أسئلة المكان وحقيقة وجود ساكن من عدمها. كل ذلك يعكس عمق نكران هوية المكان وسكانه الأصليين عند المستعمر، وفي حال اعترافه ببعض من الوجود فإنه يختزله في أرقام يطرحها عمر شلايل من خلال عدد القرى المهجرة والمدمرة، وعدد الشهداء، والأسرى، واللاجئين، والمخيمات، فقط من خلال الأرقام التي تجرد من الأنسنة.

حتى عازف البيانو تحول إلى شيء مجرد بعد سلخه عن البيانو، الأمر الذي تظهره شهد الشمالي من خلال إظهار توقف الزمن عنده في بيته الذي حرقه المستعمر، ووجود البيانو الذي ما زال حاضراً في ذاكرة الفنان، فمهما يحاولون سلخه عن بقايا المنزل وجره إلى مكان آخر لن يستطيعوا لأن جذور البيانو ثابتة في المكان. ويعود أحمد أبو ندى من التشييء إلى الأنسنه من خلال الحلم؛ النجوم والسماء والفضاء والبؤس والضياع، مجسداً في شخصية ناجي الحالم والأم البائسه التي تصرخ: "ناجي وينك يا ابني؟" هذا الابن الذي تلاشى كشهاب في العدم؛ فهل يتلاشى الفلسطيني المهجر مع تسرب الزمن، أم أن التلاشي كما يعكسه ميشيل جبارين هو فعل حر: "انا روحي حرة وما بتمتلك"، إلى أي حد يستطيع التابع الذي يعيش تحت الاستعمار أن يدعي حريته وهو يناضل منذ لحظة تشكله في بطن أمه إلى أن يخرج إلى الحياة ويبدأ نضاله في الشارع حاملاً كوفيته وحنظله في وجه الظلم. أمّا إيثان هتنر فيتساءل: "ماذا يحتاج الفلسطيني ليكون قادراً على إنهاء الفصل العنصري؟" هل الفصل العنصري هي المعضلة الوحيدة للفلسطيني الذي يقبع تحت الاستعمار، وخصوصاً أن قصته محملة بمشاهد عنف المستعمر، ومشاهد مقترحة للكفاح من وجهة نظر الآخر الذي يرى أن في إمكان الضحية وجلادها أن يكونا في الكفة نفسها. هذا التسطيح لمشهد العنف الاستعماري والمقاومة السلمية للضحية لا يعكس حقيقة الواقع والصراع، وفكرة استمرارية الكفاح السلمي في ظل مشاهد العنف والمصافحة ما هي إلاّ اداة للسلطة متزامنة مع بعض رموز الهوية مثل الكوفية، والأثواب المطرزة، بالإضافة إلى الشمبانزي الذي لا يمثل ثقافة الفلسطيني، وهذا الدمج من جانب إيثان يجعلنا نستنتج أن الفنان لا يفهم الواقع الفلسطيني، أو أن الفنان يريد أن يوجه مخيال المتلقي ليتلاءم مع نهج السلطة.

 

 

أمّا جيانلوكا كوستانتين فيطرح أيقونات فلسطين التي فقدت حياتها في العصر الحالي بسبب عنف المستعمر، مثل شيرين أبو عاقلة، وإياد الحلاق، وعماد حشاش، ويطرح شكل الشرعنة لهذا العنف من خلال البيت الأبيض. وهذا العنف في طرح دانيا عمري حوّل المكان إلى غابة وأقفاص في داخلها اليافع ووالده يحاولان النجاة أمام حيوانات الغابة، لتنتقل إلى مشهد الجلوس تحت الشجرة بحضور العائلة الممتدة، وجميعهم يحدقون في بقايا المنزل المتبقي وشبح المستوطنة الحاضر، ويظهر في زاوية من زوايا القصه الوجه الشاحب للمرأة بين الكلى وبعض أجزاء الجسم، وإلى جانبها تصريح الدخول إلى إسرائيل، وشباك الانتظار، والصف الطويل، وأكوام الحجارة، والورد، وابتسامة المرأة؛ كم من التناقضات التي جمعت فيها بقايا إنسان يعيش تحت الاستعمار.

على امتداد المعرض شهدنا حضور المخيال في القصص المصورة، لكن المخيال الحاضر في قصة حمزة أبو عياش بدا عنيفاً بما أحدثه من قطيعة مع الماضي من خلال شخصيتين أيقونيتين، هما دلال المغربي وناجي العلي، إذ يرسم المخيال مستقبل إسرائيل في 2948 كقوة مسيطرة على النظام العالمي الجديد، وحاكمة للنظام القديم، مع تماهي الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني مع النظام الجديد، وإخفاء الهوية، وتحقق نبوءة بن - غوريون "موت الكبار ونسيان الصغار"، ويبدأ قصته بتحطم القطار الأرضي، ونداء الإغاثة للصليب الأحمر الذي أعلن موت جميع راكبيه باستثناء ذات الشعر الأحمر، التي تحاكي شخصية دلال المغربي وقد تضررت بشدة، بحسب ما أجمع أصحاب مصانع الألبان، إذ إن علاج الفتاة سيكلف أكثر من جميع العلب التي ستنتجها طوال حياتها، لكنهم مضطرون إلى إرسالها إلى منشأة إعادة تدوير الجثث التي يعمل فيها ناجي العلي، الذي سيقوم بتركيب جسد دلال المواطنة من الدرجة السابعة بعد أكثر من عام من الصناعة، بعد أن اكتملت وعادت بهيأتها الجديدة وبرمز النجمة الثمانية، وفي ذلك دلالة على أنها، وأننا، سنخرج بعلامة المستعمر في وقت ما. لا أستطيع التوافق مع هذا الطرح على الرغم من منطقيته كونه مخرجاً من مخرجات الصناعة الواقعة تحت الاستعمار، لكنه كان طرحاً استثنائياً.

وفي ختام هذا العرض لمعرض الكوميكس بما حمله من مضمون، وطريقة عرض تزامنت مع فكرة تعريف الفنانين المشاركين إلى جانب قصصهم باللغة الإنكليزية لجمهور فلسطيني محلي، فإننا نستطيع الادعاء أن المعرض محمل بأبعاد متنوعة من التناقضات، إلى جانب الثيمة الأساسية التي بني عليها، وهي حدث النكبة ومخرجته من تهجير واقتلاع، بالإضافة إلى مخيال ما سيكون عليه المستقبل بطريقة تراجيدية في بعض مواضعه، وبطريقة فنتازية في مواضع أُخرى. وهذه الصناعة تؤثر، في مجملها، في تكوين الجيل، وبحسب دولوز إن "الواقع هو ما يحدث بالفعل في مصنع ما، وفي مدرسة ما، وفي الثكنات، وفي أي سجن، وفي أي مركز شرطة"، وفي أي موقع ثقافي، وفي ظل كل هذا يحق لنا التساؤل إن كان إنتاج أي معرض، مهما يكن نوعه، يتم بالتواطؤ مع المصالح السياسية والاقتصادية؟ أم أنه قادر على الانفصال عن هذه المصالح؟ وإلى أي حد؟

عن المؤلف: 

رهام سماعنة: كاتبة وباحثة في الموسوعة الفلسطينية، وتتركّز اهتماماتها على البحث في الحقل الفني.

انظر