الإطار النظري للرواية الشفوية: ثلاث ناجيات من النكبة
نبذة مختصرة: 

يؤكد كاتب هذه المقالة أهمية الرواية الشفوية، ويرى أنها تقرر صدقية المصادر المكتوبة، وذلك من خلال رواية قصة ثلاث ناجيات من حرب النكبة، وصفن في أثناء المقابلة معهن كيف تأثرت عائلاتهن بهذا الحدث المأسوي، كما ذكرن المسارات المتعددة التي اتخذنها مع أُسرهن بعد تهجيرهن من قراهن، وكيف ظل الحلم بالعودة يرافقهن.

النص الكامل: 

التاريخ الشفوي هو التاريخ الحي الذي شهده وخبره شخص ما ويعيش في ذاكرته (ركس، ص19)،[1] وهو كذلك التسجيل الرسمي لهذه الذاكرة من طرف الباحثين والمؤرخين الشفويين. وهناك جدل دائم بين المؤرخين الشفويين الذين يرفعون من شأن الرواية الشفوية في مواجهة المصادر المكتوبة، والمؤرخين التقليديين الذين يقللون من شأن الرواية الشفوية. وأميل إلى أن الرواية الشفوية تقرر صدقية المصدر المكتوب: فهي إمّا تعززه، وإمّا تقلل من شأنه، وإمّا تنقضه، لأنها تؤدي دور شهادة شاهد في إثبات أن عقداً مكتوباً بين شخصين قد تم بالرضا، أو أن هذا الرضا شابه عيب، مثلما يجري خلال محاكمة أثارت جدلاً بشأن مشروعية العقد. وهنا استعارة من عالم القضاء والقوانين التي تُعلّي من قيمة الشهادة كأحد أدلة الإثبات إلى جانب الأدلة الكتابية وآراء الخبراء والقرائن.

ويرى الأكاديمي والباحث عادل يحيى أن نظرة عابرة "تؤكد الحاجة الماسة إلى استخدام التاريخ الشفوي، فالسجل المكتوب فقير ومجزأ، والجزء الأساسي منه نهبته القوات الإسرائيلية."[2] وإذا أريد الاستفادة من تجارب سابقة في هذا الشأن، فهناك تجربة الإسرائيليين في جمع الروايات الشفوية "من كل نوع ولون بعد تدمير التجمعات اليهودية في أوروبا من قبل النازية"،[3] كما يمكن الاستفادة من تجربة الليبيين الذين أجروا نحو 40,000 مقابلة مع مجاهدين قاوموا الاستعمار الإيطالي (يحيى، ص 118).[4] وعلى الرغم من الصعوبة التي يجدها مؤرخو التاريخ الشفوي في جمع المعلومات كلها، مثلما يرى توماس ركس، فإنهم "قادرون على جمع المستطاع، وهو كثير جداً، من الفلسطينيين الأحياء بمختلف أعمارهم" (ركس 2011، ص 31).[5]

فالرواية الشفوية أشبه بمصباح موجود في مكان واسع مظلم وبارد بجانب آلاف المصابيح الأُخرى، فيأتي الراوي ويضع زيتاً في أحد المصابيح ويشعله فيشعّ الضوء والحرارة في المكان. وكلما زاد عدد الرواة زادت شدة الإضاءة في المكان وزاد دفؤه، وكلما زاد عدد المصابيح المضاءة – الروايات - زاد وضوح الرواية الفلسطينية، وأخذت مكانتها في مقابل الرواية الصهيونية.

فالروايات الشفوية تسلط الضوء على واقع الفلسطينيين الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وتصف الحيوية التي كانت تدبّ في المجتمعات الفلسطينية قبل النكبة، سواء تلك التي كانت في حالة بداوة كاملة، أو المجتمعات شبه المستقرة، أو تلك المستقرة مثلما هي الحال في القرى والبلدات والمدن. وتُظهر هذه الروايات كيف كانت تلك المجتمعات تتطور وتتفاعل وتتناغم وتتسق وتتأثر فيما بينها كما لو أنها كائن حي، وتكشف كذلك عنف البطش الذي أوقعه المشروع الصهيوني على المجتمعات الفلسطينية فحوّلها إلى حطام، كما تبسط القرائن الكافية على توفر النية الجرمية المبيّتة لدى قادة العصابات الصهيونية في ممارستها التطهير العرقي. وما توصل إليه بعض "المؤرخين الجدد" الإسرائيليين الذين اطّلعوا على بعض المصادر المكتوبة والمحفوظة لدى الأرشيف الإسرائيلي، يؤكد جريمة التطهير العرقي.

يجب ألّا نحمّل الرواية الشفوية أكثر ممّا تحتمل، فمن غير المعقول أن يُطلب من ذاكرة الراوي أن تتذكر جميع التفصيلات إذا كانت الفترة الزمنية التي تفصل بين الحدث ووقت إجراء المقابلة طويلة. ويجب أيضاً عدم محاكمة الرواية من زاوية الدقة، فالراوي إن لم يذكر أسماء عائلات القرية كلها، مثلاً، أو لم يذكر جميع مقاهي القرية، أو أخطأ بعدد المهاجمين لقريته، أو لم يذكر أعداد أو أسماء مَن قُتلوا، فإن ذلك لا يشكل انتقاصاً من روايته. 

الإطار المنهجي للرواية الشفوية

على تلك الأرضية النظرية للرواية الشفوية، انطلق مشروع التاريخ الشفوي للنكبة الفلسطينية في سنة 2003 واستمر حتى سنة 2011، مشكّلاً أحد مكونات المنصة الرقمية "فلسطين في الذاكرة" التي أوجدها وأدارها المؤرخ صلاح منصور،[6] وكانت الحصيلة أكثر من600 مقابلة ممتدة على نحو 3000 ساعة من الشهادات الشفوية. ويهدف المشروع إلى توثيق ذاكرة اللاجئين الفلسطينيين - رجالاً ونساء ممّن تزيد أعمارهم على 12 عاماً وقت حدوث النكبة - رقمياً بالصوت والصورة، وهي ذاكرة تشكّل في مجموعها مساهمة في الرواية المضادة للرواية الصهيونية، وخصوصاً أنها متاحة أمام الباحثين والدارسين والمؤرخين والقانونيين والناشطين في حقوق الإنسان. ومن أجل تكامل الرواية الفلسطينية عن حياة اللاجئين الفلسطينيين، كانت مدة المقابلة غير مقيدة، بل إن بعضها امتد لساعات وعلى مدى أيام، وصيغت الأسئلة وطُوّرت وفق ما يستدعي الأمر. وزادت صفحات الأسئلة على 30 صفحة، فضلاً عن مئات الأسئلة الاستدراكية، كما أن الفترة الزمنية غطت أعوام الطفولة حتى وقت المقابلة. ودارت الأسئلة حول مفصلين: الأول ما قبل النكبة، والثاني النكبة وما تلاها.

المفصل الأول من الرواية الشفوية هو رسم صورة واضحة عن الحياة قبل النكبة، ولهذا تمحورت موضوعات الأسئلة حول:

- إحداثيات المكان: المكان الجغرافي للراوي (بالنسبة إلى مجمل جغرافيا فلسطين).

- الفضاء الحيوي الذي عاش فيه الراوي: قريباً من البحر، أو بعيداً عنه؛ النهر؛ الساحل؛ الوادي؛ الجبل؛ الصحراء؛ أو في جوار القرى أو المدن الفلسطينية، أو المستعمرات اليهودية القريبة (إن وُجدت).

- تركيبة السكان: تعداد العائلات والعشائر والقبائل والطوائف.

- المعالم الأركيولوجية: المعالم الأثرية والدينية المحيطة بالمكان، مثل الخِرَب والآبار والمغاور والقلاع والمساجد والمقامات.

- طبيعة الحياة الاقتصادية للسكان: النشاط الرعوي؛ الزراعي؛ الخدمي؛ الحرفي – الصناعي.

- الحياة التعليمية: كتاتيب أو مدارس أو معاهد؛ أسماء الطلاب والمدرسين والمدرسات.

- طرق المواصلات المتاحة ووسائلها: وصف طرق المواصلات: جوية، أو بحرية، أو برية؛ وسائلها: طائرات، أو قطارات، أو سفن، أو مراكب، أو سيارات، أو عربات تجرّها الدواب.

- العادات والتقاليد الاجتماعية: طقوس الزواج والأعياد والأفراح والأتراح والحجّ والطهور، والمواسم ذات البعد التاريخي والديني.

- الحياة السياسية: الأحزاب أو التشكيلات شبه العسكرية.

- المؤسسات الأدبية والثقافية والاجتماعية والرياضية: الجمعيات، والملتقيات والمنتديات، والمكتبات العامة، والأندية الرياضية.

- العلاقة مع اليهود (إذا كانوا في الجوار).

المفصل الثاني في الرواية هو وصف تسلسل الأحداث الصادمة التي عايشها الراوي وكانت سبباً في هروبه، أو طرده جبراً من المكان:

- الحوادث التي تعرّض لها الراوي شخصياً، أو أحد أفراد أسرته أو أبناء قريته أو أبناء القرى أو المدن المجاورة.

- الأحداث الصادمة التي تناهت إلى مسامعه وحدثت في أماكن قريبة أم بعيدة.

- وصف آلية الهروب: الطرق التي سلكها، بمفرده أو ضمن جماعات.

- الأماكن التي نزل فيها، والوسائل التي استخدمها للوصول إلى مناطق أكثر أمناً.

- تجربة البحث عن مكان جديد (أملاً بالاستقرار).

- وصف حياة المخيم بالتفصيل: إن كان قد عاش فيه، أو تنقّل في أكثر من مخيم من مخيمات اللجوء أو البيوت المستأجرة.

- الحديث عن صدمة حرب حزيران / يونيو 1967 (إذا كان الراوي قد تعرّض لها شخصياً أو عايش نتائجها).

- الحديث عن القرار الأممي 194.[7] 

هكذا تحدّثت خاتمة وريّا ومليحة

كانت مقابلات السيدات الثلاث ضمن هذه المنهجية والإطار النظري. فهن جميعاً ولدن في عائلات متجذرة في فلسطين، وكانت أعمارهن 12 عاماً أو أكثر وقت النكبة، ويتمتعن بذاكرة جيدة لسرد قصص حيواتهن.

تُجمع خاتمة وريّا ومليحة على أنهن متوسطيات عشن في السهل الأوسط الفلسطيني، وأقربهن إلى البحر الأبيض المتوسط هي خاتمة بمسافة صفر عنه؛ أمّا مليحة وريّا فكانتا تبعدان نحو 9 أميال هوائياً[8] عن مياه البحر الأبيض المتوسط. وهن جميعاً ينتمين إلى عائلات كان لها أملاك خاصة، وقد تزوجت اثنتان منهن وأنجبتا هناك، أمّا ريّا فكانت صغيرة على الزواج.

والسيدات ينتمين إلى ثلاثة مستويات اجتماعية - اقتصادية متباينة. فخاتمة تنتمي إلى قرية عرب صقرير التي يعيش سكانها بين حالتَي البداوة والاستقرار على شاطىء البحر الأبيض المتوسط، إذ يرتحل البعض من سكانها في مواسم معينة مع ماشيته إلى أماكن مجاورة لإطعامها، ثم يرجع إلى المكان نفسه حيث يمارس الزراعة أيضاً. وريّا تنتمي إلى قرية العباسية التي كانت بلدة مزدهرة يعمل أهلها في الزراعة والحِرف البسيطة وتربية الأبقار، وكانت مركزاً تجارياً للقرى المجاورة، ولو قُيّض لها أن تبقى ولم تستبحها العصابات الصهيونية، لتحولت إلى مدينة. أمّا مليحة فهي ابنة مدينة الرملة التي تعجّ بسكانها المسلمين والمسيحيين ومدارسها المتعددة ومعالمها الأثرية الغنية وسوقها المزدهرة وقربها من محطة سكة الحديد، ومطار اللد، ومدينة يافا.

هؤلاء النسوة الثلاث هربن من وجه العصابات الصهيونية خوفاً على حياتهن من القتل أو الإصابة أو الاغتصاب، مثلما حدث مع الأهالي في مجزرة دير ياسين أو مجزرة الدوايمة، وما جرى في عشرات المواقع، لكنهن، حتى إن لم يتعرضن لذلك، فإنهن اشتممن رائحة الموت والهلاك.

هربت هذه السيدات إلى أماكن أكثر أمناً في فلسطين، والتي لم تكن قد وقعت في قبضة العصابات الصهيونية، فيما بات يُعرف بالضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وانتهى بهنّ المطاف إلى السكن في العاصمة الأردنية عمّان (ريّا ومليحة)، أو قربها مثلما هي حال خاتمة التي استقرت في مخيم البقعة. وعملت ثلاثتهن إلى جانب أزواجهن أو أُسرهن في مهن متنوعة، سواء في التدريس أو رعي الأغنام أو الزراعة أو جمع الحطب وبيعه.

كانت هؤلاء النسوة الثلاث مسجلات كلاجئات في سجلات وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، وعبّرن عن مشاعرهن ومواقفهن من مسألة العودة. قالت مليحة: "أنا على استعداد للعودة إلى فلسطين بغضّ النظر عن السلطة القائمة"، فهي تؤمن بأن الاحتلال زائل؛ ريّا أيضاً على استعداد لأن تعود إذا سُمح لها بذلك، "حتى لو كان اليهود موجودين لأننا كنا موجودين معاً في السابق، والإنجليز هم مَن لخبط حياتنا"؛ خاتمة لديها إيمان قوي بأن المحتلين سيغادرون مثلما غادر الإنجليز، وأضافت أنها تعرف المكان جيداً وتستطيع أن تتعرف إلى الأماكن "حتى لو تغيرت ملامح المكان"، لأنها ستقيس "الأشياء استناداً إلى البحر."

لم تمارس النساء الثلاث حقهن في العودة المنصوص عليه في القرار رقم 194، فخاتمة توفيت عن عمر ناهز 88 عاماً في حزيران / يونيو 2013، وخاتمة ماتت عن 96 عاماً في تشرين الثاني / نوفمبر 2014. أمّا ريّا التي كانت لا تزال في قيد الحياة حتى كتابة هذه المقالة فما زالت في انتظار تنفيذ قرار العودة.

هؤلاء النسوة جميعاً ينظرن إلى مدينة يافا، القريبة منهن، على أنها المدينة الساحرة: فمليحة كانت تشتري منها معظم ملابسها الجاهزة؛ ريّا زارتها وشاهدت بحرها عن قرب وذهبت إلى "سينما الحمراء"؛ خاتمة تذكرها كمكان مكثت فيه أربعين يوماً لعلاج صغيرتها في أحد المستشفيات من مرض "التيفوئيد".[9] 

في وصف الفضاءات الثلاث 

فضاء خاتمة

خاتمة هي امرأة متوسطية من قرية عرب صقرير الواقعة بين مدينتَي يافا وغزة، بالقرب من التقاء وادي صقرير مع البحر الأبيض المتوسط، حيث مقام النبي يونس. وتتبع القرية إدارياً لقضاء غزة، وهي أقرب إلى مدينة يافا منها إلى مدينة غزة. وقُدّر عدد سكان القرية قبل النكبة بين 500 و600 نسمة.

ولدت خاتمة في نهاية الحرب العالمية الأولى، وقت احتلال الإنجليز فلسطين بقيادة الجنرال "أَللنْبِي"، وتعرّف عن نفسها بأنها "خاتمة حسين سليم القِرِم، ولدتُ عندما دخل الإنجليز! وعمري الآن تقريباً 90 عاماً؛ ولدتُ في فلسطين في منطقة صقرير، على قطعة الأرض المسمّاة النِّجْرية."[10] وأمها من عائلة أبو مويس التي تملك ما يقارب 3000 دونم، وأبوها من عائلة القرم، وكلتا العائلتين من العائلات المكونة لقبيلة بني عامر. وكانت خاتمة تسكن في بيت من الشعر مثل بعض أهل القرية، بينما كان القليل من الأهالي يسكن في بيوت من الحجر أو اللّبِن. وهناك كانت خاتمة تعتني بجمل وترعى الأغنام، بينما كان والداها يعتنيان بالزراعة. وكان والد خاتمة "يملك أرضاً تسمّى النِّجرية، وتُقدر مساحتها بـ 80 دونماً، وقطعة أرض صغيرة لا تزيد على 10 دونمات تسمى المُرّة، وكان يزرع فيها البندورة والملوخية."[11]

وللمكان قداسة في قلب خاتمة! ففي أحد الأيام، عندما كانت صغيرة برفقة بنت بدوية أُخرى، تكبرها قليلاً، ترعيان الأغنام قرب مقام النبي يونس، صعدت الفتاتان إلى أعلى المقام فعلقتا هناك ولم تستطيعا النزول! وتقول خاتمة: "صرنا نتوسل إلى النبي يونس كثيراً لأن يساعدنا في النزول، لكن من دون جدوى. ومع اقتراب الغروب تجرأت صديقتي على النزول فتبعتها وأطلقنا أقدامنا للريح تتبعنا الأغنام في طريق العودة إلى بيوتنا قبل أن يحل الظلام." أمّا البحر، فالاغتسال فيه ليلة الأربعاء من نيسان / أبريل من كل عام يُطهّر الذنوب، فهذا ما تعتقده خاتمة وسائر الأهالي، وقد لخصت ذلك بسردها قصة [النبي] أيوب، كأنها كانت حاضرة وقت الحادثة: "كان جلده مسلوخاً فوضعه أهله وهو كتلة من العظام في قفّة في البحر يوم الأربعاء. فنبتت على الشط [الشاطىء] شجرة يقطين، وقام أهله بإحضار ورق شجرة اليقطين، وجعلوا يغطون جسده المسلوخ الجلد؛ فشفي أيوب." وللبحر قداسته عند خاتمة، فعندما سألتُها: "هل اشتقت إلى البحر؟ وهل مرّ وقت طويل منذ أن رأيتِه آخر مرة؟"، أجابت: "أين ذاك اليوم! لقد مّر وقت طويل؛ البحر وليّ، وكنا نرمح له."!

والمكان بالنسبة إلى خاتمة هو وادي صقرير والمياه التي تتدفق فيه. فمن مياه الوادي كانت تصطاد السمك هي وأخوها، ثم يقومان "بإفراغ الشبكة من السمك، ونقوم بشواء بعض السمك والباقي نأخذه إلى البيت. ولم تكن واحدة غيري من البنات تصيد السمك!". كان السيل الجاري في الوادي يحمل معه قطع الشجر في اتجاه البحر، ثم يعود البحر ليقذفها إلى الشاطىء، وكان الأهالي يلتقطون القطع الخشبية البنية اللون والتي يسمونها "النُّجُب" فيجففونها ويدقونها لتتحول إلى مسحوق يستخدمونه في صباغة الأقمشة. وتقول خاتمة في ذلك: "وكانت ألواح النُّجُب تُدَق حتى تصبح ناعمة مثل الطحين الذي كان يُطبخ ويُنقع فيه القماش ليأخذ اللون المطلوب."

والمكان بالنسبة إلى خاتمة هو قرية "يبنة" المجاورة التي تمتد إليها أراضي قرية صقرير، وفيها مقام أبو هريرة. ويقول فايز ابن خاتمة أن "عرب صقرير الذين هم جزء من عرب بني عامر، أو الملالحة، يعتبرون أبو هريرة جدّهم." وكانت "يبنة" شريان حياة اقتصادياً من ناحية بيع المنتوجات أو شراء ما يلزم: ففي مطاحنها كان يُطحن القمح؛ وإليها تؤخذ القدور النحاسية لتبييضها والخيول لحذوها؛ وفيها كانت تباع منتوجات الألبان؛ ومنها يُشترى الشاي والسكر والعدس، والكاز لإنارة المصابيح؛ ومنها كان يُستدعى رجل ليقوم بختان الأطفال الذكور؛ وإليها كان يؤخذ جثمان المتوفى على ظهر الجمل للدفن في مقبرة مقام أبو هريرة.[12]

والمكان بالنسبة إلى خاتمة هو مدينة يافا: فمنها تُشترى الأقمشة العالية الجودة، وفيها تباع البندورة الزائدة على الحاجة، وهناك في أحد مستشفياتها عولجت ابنتها، صبحا، من "التيفوئيد".

هنا تبللت قدماها في مياه الوادي ومياه البحر الأبيض المتوسط، وهنا تزوجت زوجها الأول، وهنا معيشتها وذكريات طفولتها حتى بلوغها الثلاثين في سنة النكبة.[13] 

فضاء ريّا

كانت ريّا أيضاً فتاة متوسطية من قرية العباسية، ولم يكن شاطىء البحر الأبيض المتوسط يبعد عن القرية سوى 9 أميال. وفي سنة 1945 قُدّر عدد سكانها بـ 5650 نسمة، بينما قُدّر في سنة النكبة بـ 7000 نسمة. ولدت ريّا لأم قبرصية تدعى عليا، وأب يدعى عبد الهادي من أهالي القرية وينتمي إلى آل أبو حميد التي تنتمي بدورها إلى حمولة المصاروة، إحدى الحمائل الخمس في القرية. وكان أبوها يملك دكاناً في القرية التي كانت تعجّ بالمقاهي ودكاكين البقالة والمحلات التجارية، وكان فيها أيضاً السوق التجارية المشهورة بـ "سوق السبت"، حيث يلتقي أبناء القرى المجاورة وحتى البعيدة كي يبيعوا منتوجاتهم الزراعية. وكان العديد من بيوت القرية مبنياً من الباطون، ووصفت ريّا آخر بيت سكنته في القرية التي كانت تطلق عليها طوال وقت المقابلة تعبير "البلد"، قائلة: "قبل ما طلعنا بسنة، هدم أبي البيت وبنى محله 'بلوك'؛ بنى بيتاً من الباطون والبلاط، ووضع فيه أباجوراً وأبواب حديد، وأحضر عاملاً من يافا لدهن البيت والشبابيك." وسكن أهل أبيها في البيّارات وليس داخل القرية، وكانوا يملكون بيّارة مساحتها 30 دونماً كانوا يزرعونها بالحمضيات، و8 دونمات كانوا يزرعونها بالخضروات، وكانت المنتوجات تُرسل إلى السوق كل يوم سبت. وكان أهل زوجها يملكون "تراكتوراً بالشراكة مع آخرين."[14]

والعباسية بالنسبة إلى ريّا هي مدينة يافا القريبة، فقد ذكرتها 27 مرة في المقابلة، ذلك بأن كل شيء يتعلق بيافا يلهب مشاعرها: فإليها ذهبت مع أمها لعلاج أخيها الصغير، وإليها ذهبت لالتقاط صور عائلية ومشاهدة البحر وحضور فيلم في "سينما الحمراء"، ومن يافا كان أبو ريّا يشتري بضاعة دكانه، والقلقاس لأمها والسروال القصير لأخيها. ومن يافا كان يأتي رجل يقلي السمك في ساحة القرية، ومنها حضر العامل الذي دهن شبابيك وأبواب بيتهم الجديد. وفي يافا شاهدت النساء المدنيات يركبن "الكَرِتّة" التي يجرها حصان مزين بالأجراس.

والمكان بالنسبة إلى ريّا هو سلسلة من الشهداء الذي قضوا في الدفاع عن القرية، أو في مواقع أُخرى، وعلى رأسهم أبوها الشهيد عبد الهادي الذي قضى وهو يدافع عن القرية خلف رشاشه في خندق متقدم، وقد دفنه رفاقه في مكان موقت في البيّارات، ثم نُقلت جثته مجدداً بعد 40 يوماً لدفنها في مقبرة الشيخ عباس في القرية. 

فضاء مليحة

مليحه أيضاً سيدة متوسطية من مدينة الرملة التي لا تبعد عن البحر الأبيض المتوسط هوائياً سوى 9 أميال، وتبعد عن القدس نحو 23 ميلاً هوائياً. وقُدّر عدد سكانها وقت النكبة بأكثر من 16,000 نسمة.

ولدت مليحة في المدينة لأم مقدسية من آل الحسيني وأب من مدينة الرملة من عائلة الخيري ذات النفوذ، وقد توفي والدها وهي صغيرة فترك خلفه ثلاث بنات وولداً وأرملة. ومن محاسن الصدف، أن ذكور آل الخيري كانوا يستفيدون من وقفٍ كان جدّهم الأكبر خير الدين الرملي (مفسر وفقيه توفي في سنة 1670، وهو مدفون في المدينة، وأصبح قبره مقاماً) قد وقف بعض ملكه وقفاً ذُرّياً، وبعضه الآخر وقفاً خيرياً. وكان للبيت الذي كانت تسكنه "سقف من الأسمنت المسلح وثلاث غرف كبيرة: الغرفة الكبيرة هي غرفة الضيوف ومساحتها أربعة أمتار في سبعة أمتار، وفي جوارها غرفة نوم مساحتها أربعة أمتار ونصف متر في أربعة أمتار ونصف متر، والغرفة الثالثة هي غرفة السفرة ومساحتها أربعة أمتار في أربعة أمتار. وكانت الغرف الثلاث تحيط بساحة نسميها الليوان، وهو مفتوح من إحدى الجهات، فكنا ننزل عدة درجات لنصل إلى المطبخ والحمام، ثم نتجه إلى وسط الدار الذي هو عبارة عن ساحة مبلطة وتحوي الحمام العربي والحديقة. وأمام البيت حديقة مزروعة بالليمون."

الرملة بالنسبة إلى مليحة، هي البلدة القديمة التي ولدت فيها وضربها الزلزال فهدمها في سنة 1926، عندما كان عمرها عامَين. ولصعوبة إعادة إعمار البلدة القديمة، بنى السكان خارجها، ومن ضمنهم آل الخيري الذين بنوا بيتاً في بيّارة يملكونها في "حي المقلبين"، وعندما تزوجت مليحة انتقلت إلى "حي أبو عُصّ" قرب مئذنة النبي صالح.

والمدينة بالنسبة إلى مليحة هي مدرسة الإنجليز التي درست فيها حتى الصف الثالث، والمدرسة الحكومية للبنات التي درست فيها حتى الصف السابع، وحيث لعبت كرة السلة، وتصف نفسها آنذاك بالقول: "كنت ألعب كرة السلة، وكنت ماهرة بالتسديد لأني كنت طويلة."[15]

والرملة بالنسبة إلى مليحة هي السوق التي كانت تُعقد كل أربعاء، وتنشّط الحياة الاقتصادية في المدينة، وكانت "السوق تمتد إلى نحو كيلومتر واحد، وكانت الدكاكين على الجانبين وفي الوسط البسطات. وكان الناس يفضلون التسوق مبكراً نهار الأربعاء من أجل الحصول على أفضل المعروض."[16]

والرملة هي أيضاً حي أبو عُصّ حيث سكنت مع زوجها نجاتي الخيري. وفي هذا الحي كانت تسكن قرب مئذنة النبي صالح حيث يُعقد موسم النبي صالح؛ فتأتي الجموع من جميع القرى والمدن الفلسطينية بأعلامها (كان لكل قرية أو مدينة علمها الخاص بها)، يتقدمهم المفتي أمين الحسيني[17] الذي كان يحضر من القدس بواسطة القطار، ويكون في انتظاره حصان وأعلام لاستقباله، ومن هناك يسيرون إلى حيث مقام النبي صالح.

أمّا القدس بالنسبة إلى مليحة، فهي امتداد للرملة، فإذا كانت الرملة هي مدينة أبيها، فالقدس مدينة أمها التي تنتمي إلى آل الحسيني الذين كانت لهم مكانتهم ليس في زعامة المدينة فحسب، بل في عموم فلسطين أيضاً. وكان جدّها لأمها - يوسف الراغب الحسيني - يقيم في أعلى مكان في البلدة القديمة من القدس في بيت ذي ساحة كبيرة مبلطة، يسمّى البيت الكبير، وإلى هذا البيت كانت مليحة - وهي طفلة - تحضر سنوياً برفقة أمها، حيث تبقيان فترة طويلة. ومن هذا البيت كانت تنزل الدرجات في اتجاه الحرم: "كنا نلعب طوال اليوم هناك فندور بين الأقصى والصخرة، فالحرم كان ملعبنا، وكنا نركض من عمود إلى آخر، ثم نعود في آخر النهار إلى البيت. وإلى هذا البيت كان يأتي الحاج أمين الحسيني مع عدة وفود، ومنه يخرج بيرق النبي موسى إيذاناً ببدء موسم النبي موسى."[18] 

الهروب والتهجير القسري

تنوعت الصدمات التي تعرّض لها المدنيون الفلسطينيون ما بين قتل أو تعذيب أو جرح أو اغتصاب أو اعتقال أو العمل بالسخرة في معسكرات اعتقال. وعدا الجرائم السابقة، كان هنالك أيضاً جرائم تتعلق بالمال الخاص، مثل تدمير البيوت والمزارع وسلب النقود والذهب والأثاث. وفوق هذا وذاك وضع اليد على جميع ما كان يُعتبر مالاً عاماً.

ومن الطبيعي أن تدفع هذه الأحداث الصادمة الأفراد والجماعات إلى الهرب: فقد يهرب الشخص منفرداً أو برفقة أسرته أو معظم أهل قريته أو مدينته؛ وقد يكون الهرب إلى مكان أكثر أمناً ضمن حدود القرية أو المدينة، أو إلى القرى أو المدن المجاورة، أو إلى مناطق بعيدة جداً عن الخطر؛ وربما يصل الأمر إلى الهروب إلى دولة أُخرى. 

هل تعرضت السيدات الثلاث لأحداث صادمة؟ وهل كان لها أثر في قرار الهروب؟ 

هروب خاتمة

تقول خاتمة إن الحادث الأبرز الذي دفعهم إلى مغادرة القرية هو تدمير البيوت الحجرية في القرية انتقاماً لمقتل عدد من المجندين أو كشافة الهاغاناه في 9 كانون الثاني / يناير 1948. وقد تباينت المصادر في توصيف هذا الحادث، فصحيفة "نيويورك تايمز" استندت إلى مصادر الشرطة، وعلى المقلب الآخر هناك رواية المؤرخ الإسرائيلي بني موريس.[19] أمّا خاتمة فتذكر أن "تفجير البيوت الحجرية حدث عقب مقتل 30 فرداً من اليهود كانوا يسلكون وادي صقرير قادمين من إحدى المستعمرات التي تقع في شرقي القرية، من طرف فدائيين اثنين من عرب صقرير كانا يكمنان في الوادي، فوصلت طائرات وأخلت الجثث." لذا تقرر أن يتم تفجير البيوت الحجرية عقاباً. وتضيف خاتمة أنه "طُلب من كبير مشايخ القرية - أبو سويرح - أن يعمل على العثور على أحد المفقودين، فوُجدت جثة المفقود مدفونة في أرض القرية وتم تسليمها." وتصف خاتمة مشاعر الخوف بقولها: "عندما شاهدنا خروج الناس قلنا في أنفسنا لا نريد أن نظل ونصبح زوّادة [وجبة طعام وهي هنا بمعنى ضحية] لليهود! وزاد خوفنا بعد مقتل الثلاثين شخصاً... فرحلنا مع الراحلين." وأضافت خاتمة أنها لم تقابل قبل النكبة يهوداً أو إنجليزاً، وكل ما كانت تسمعه من إشاعات هو "أن اليهود سيقدمون من البحر.. وسيأخذون الأرض والحلال [المواشي]." 

هروب ريّا

تتذكر ريّا العملية العسكرية التي نفذها اليهود يوم السبت في سوق القرية، ويشير الخالدي[20] إلى أن الحادث وقع في 13 كانون الأول / ديسمبر 1947 بواسطة مجموعة من المهاجمين من عصابة الإرغون الذين زرعوا عبوات ناسفة. وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز" قُتل سبعة وجُرح سبعة آخرون توفي منهم طفل وأمه لاحقاً، لكن ريّا تؤكد أن الذين قُتلوا كانوا 9 أشخاص، وأنها تعرف المرأة التي قُتلت، كما تعرف طفلها وبائع الزيت والحلاق. وتتذكر ريّا بعض مَن قُتلوا وتقول: "وبالنسبة إلى الحادث الذي وقع، فقد قُتلت فيه آمنة فرح من حمولة المناصرة - واسم زوجها فارس شلباية - وقد قُتلت وهي تحمل الماء على رأسها وكانت تصعد درج بيتها. وقُتل بائع الزيت - من قرية سلفيت - وكان قد حضر إلى القرية من أجل بيع الزيت. وبائع القماش والحلاق. وكنت أعرف بائع الزيت هذا فقد كان يلبس قمبازاً عربياً." وتذكر ريّا أن الذين هاجموا القرية هم يهود، وقد حضروا إليها بحجة أخذ عمال من العرب، لكنهم أطلقوا النار على الناس في السوق التي كانت خالية إلّا من بعض المحلات التي كانت ما زالت مفتوحة. وتقول ريّا في ذلك بحسب الذي سمعته آنذاك: "كان من عادتهم أن يأتوا إلى القرية، وكنا مطمئنين إلى دخولهم." وتذكر ريّا أن الحادث أثّر في معنويات أهل القرية، فتقول: "بعدها لحقهم الناس وترك المهاجمون خلفهم سيارة مثل الباص مغلقة، وكانت ملونة كاروهات أبيض وأسود، لكن بعض الناس حذّر من اللحاق بهم خوفاً من أن يكونوا قد زرعوا ألغاماً. لقد تأثرت معنويات أهل القرية."

وذكرت ريّا أيضاً الأثر الذي تركه مقتل عبد القادر الحسيني، في 8 نيسان / أبريل 1948؛ وأيضاً أثر مجزرة دير ياسين، في 9 نيسان / أبريل 1948، في معنويات أهل القرية، والذي دفعهم إلى اتخاذ القرار في مغادرة القرية، فتقول: "وحدثت أيضاً شغلة [مجزرة] دير ياسين، فاتفق الناس على الخروج. وكان قد قُتل أيضاً عبد القادر الحسيني في ذاك الأسبوع، فخرج أهل القرية، الغني منهم والفقير." غادر أهل القرية بشكل جماعي إلى القرى المجاورة، وبقي فيها المقاتلون الذين كانوا على خطوط التماس في القرية يدافعون عنها. وتتذكر ريّا مرحلة هروب الأهالي فتقول: "كنا نشاهد الناس وهم يغادرون بالسيارات والعربات." وتتذكر ريّا إصرار والدها، وهو أحد المدافعين عن القرية، على بقاء أسرته فيها. كانت القرية خاوية إلّا من المقاتلين المرابطين على خط التماس من الجهة الشمالية القريبة في منطقة البيّارات التي تفصل القرية عن "تل لتفنسكي" الذي كان تحت سيطرة المقاتلين اليهود. وتتذكر ريّا حواراً دار بين أمها وأبيها وجدّتها في صباح أحد الأيام التي عاد منها من منطقة خط الدفاع وكان يومذاك مكتئباً، "فقالت له أمي: 'لقد رحل أهل البلد! هل تريد أن تُبقينا!' فأدار أبي وجهه تجاه أمي وقال: 'ماذا تقولين يا علياء؟ والله لو تلفظت بهذا الكلام مرة أُخرى سأقتلك!' فبكت أمي ونزلت دموعها على القمح! فتدخلت جدّتي وخاطبته قائلة إن علياء خائفة، فقد غادرت جاراتها وهي غريبة [من قبرص]، وأولادك صغار!"

وفي نهاية المطاف وافق أبو ريّا على خروج والده وأمه وزوجته وبناته الثلاث وأولاده الثلاثة، وكانت ريّا أكبر الأولاد، وأصغرهم كان ابن عام واحد. وكان شرط والدها ألّا يأخذوا أي شيء معهم من البيت، لأن غيبتهم عن القرية لن تطول. وتتذكر ريّا الحوار الذي دار بين أبيها وأمها التي أرادت أن تأخذ معها عند مغادرة القرية سريراً لينام عليه أصغر الأطفال، لكنه رفض. فقالت له أمي: "كيف سينام الأطفال؟" فردّ: "على فرشة! خلليهن يناموا بعرضها؛ كلها أسبوع وتعودون." وتتذكر ريّا كيف تم إحضار "بك أب" حمراء اللون، فركبوا جميعاً برفقة أبيها الذي أراد تأمينهم حتى قرية دير طريف المجاورة. ولم يرافقهم كلبهم ذو اللون الأبيض، وإنما رفع رأسه وجاح حزناً، وظل "الكلب يركض خلفنا، ثم عاد إلى القرية".

سقطت القرية أول مرة في أوائل أيار / مايو، لكن مقاتلي القرية عادوا وحرروها في 10 حزيران / يونيو، لتسقط مرة أُخرى في 5 تموز / يوليو 1948. وكان لمقتل أبيها والعديد من المدافعين عن القرية، وسقوط القرية مرة ثانية، ورؤية الناس الهاربين، أكبر الأثر في اتخاذ قرار الهروب مجدداً من قرية دير طريف المجاورة. وقد صاح رجل من الهاربين في وجه أم ريّا قائلاً: "لماذا أنت واقفة يا عليا؟ خذي أبناءك واهربي." 

البحث عن مكان آمن ومسارات اللجوء

البحث عن مكان آمن هو من أهم الأولويات التي يبحث عنها الهاربون من أماكن سكنهم وعيشهم، وهو المكان الذي يأمن فيه الشخص على سلامة جسده ونفسه من الأذى الذي يمكن أن تُلحقه به العصابات المهاجمة. ومن الناحية النظرية فإن أكثر الأماكن أمناً هو أن تغادر فلسطين وتلجأ إلى دول الجوار: لبنان أو الأردن أو سورية أو مصر، أو أن تذهب إلى أبعد من ذلك! أمّا اللاجئون الذين بقوا في الجزء غير المحتل من فلسطين، فشاءت أقدارهم أن يعيشوا، بعد 19 عاماً، تجربة احتلال أراضيهم ومكان سكناهم ومعيشتهم مرة أُخرى في سنة 1967، فيما بات يُعرف بحرب الأيام الستة، أو حرب 5 حزيران / يونيو، ويسميها الفلسطينيون "النكسة" تمييزاً لها من النكبة. وكانت هذه خاتمة هذا القسم من اللاجئين. فكيف كانت مسارات هروب مليحة وريّا وخاتمة؟ 

مسارات مليحة

أخذ هروب مليحة المحطات التالية: الرملة - طولكرم - عمّان – سورية - القدس - طولكرم - عمّان. وكانت على التفصيل التالي: قبل سقوط الرملة بعشرين يوماً هربت مليحة وطفلاها سلوى وإسحق الذي كان عمره عاماً وثلاثة أشهر، وزوجها، شمالاً إلى مدينة طولكرم، حيث "كانت أختي وزوجها، آنذاك، من الناس الذين غادروا الرملة إلى منطقة طولكرم. فذهبنا عندهم." وفي مدينة طولكرم التي لم تكن قد خضعت للاحتلال في ذلك الوقت، بقيت مليحة وزوجها هناك أسبوعاً واحداً فقط، ليبدآ بعدها ترحالاً جديداً. توجهت مليحة بصحبة أسرتها إلى عمّان حيث إخوة زوجها، ومن هناك إلى سورية حيث أقاموا في بيوت مستأجرة لمدة عام، ومن سورية، "ولأن زوجي أبو إسحق وأخاه المحامي لم يجدا عملاً، فقد اقترح المحامي أن نذهب إلى القدس." وهناك في القدس أقامت الأسرة في المصرارة، أحد أحياء القدس بجانب باب الساهرة، في بيت مستأجر، واشتغل زوجها عاملاً في اللاسلكي مع الجيش العربي، وهو الاسم الذي يُطلق على الجيش الأردني. ومن مدينة القدس انتقل زوجها إلى عمله الجديد في مدينة طولكرم. وهناك بدأت مليحة عملها في مدارس الأونروا حتى سنة 1958، ثم انتقلت أسرتها إلى عمّان حيث حافظت على وظيفتها كمديرة في مدارس الأونروا. وظلت مليحة مقيمة في عمّان / الأردن إلى أن توفيت ودُفنت هناك في سنة 2007. 

مسارات ريّا

أخذ هروب ريّا المحطات التالية: العباسية - دير طريف - بيت نبالا - بيت ريما - مخيم عقبة جبر / فلسطين - مخيم الحسين / الأردن - مخيم عقبة جبر / فلسطين - مخيم الوحدات / الأردن. وكانت على التفصيل التالي: كانت ريّا الفتاة الصغيرة آنذاك، آخر مَن غادر قرية العباسية برفقة أمها وإخوتها وجدّتها - عدا المقاتلين - في أوائل أيار / مايو 1948 جنوباً إلى قرية دير طريف القريبة حيث اتخذت العائلة من مدرسة القرية سكناً لها، مع آخرين من أهالي العباسية الذين اختاروا قرية دير طريف لقربها، أملاً بالعودة! بقيت عائلة ريّا شهرين في مدرسة القرية حتى سقوط مدينة اللد والبلدات المجاورة؛ وفي ذاك اليوم، خاطب واحد من الناس الهاربة أم ريّا قائلاً: "لماذا أنت واقفة يا عليا؟ خذي أبناءك واهربي." فغادرت ريّا مع سائر أفراد أسرتها، علاوة على جدّتها وعمها وزوجته، في اتجاه قرية بيت نبالا[21] التي تبعد أربعة كيلومترات، ومن هناك مشياً إلى قرية بيت إلّلو،[22] وبعدها ركوباً إلى قرية بيت ريما[23] حيث اتخذ اللاجئون مزارع الزيتون سكنى لهم يستظلون تحت شجرها. وعندما وصلت ريّا مع أفراد عائلتها لم يكن قد تبقّى لهم متسع تحت الشجر، فافترشوا العراء سكناً لهم، وظلوا هناك أسبوعين، ثم انتقلوا على متن شاحنات الجيش الأردني إلى مدينة أريحا حيث مخيم عقبة جبر الذي تأسس في سنة 1948، ويقع على بعد ثلاثة كيلومترات إلى الجنوب الغربي من المدينة.[24] بقيت ريّا وأسرتها في مخيم عقبة جبر أربعة أعوام، ثم انتقلوا إلى مخيم الحسين في عمّان حيث نصبوا خيمتهم بالقرب من مدرسة للأونروا. تزوجت ريّا والتحقت بزوجها الذي كان يسكن في مخيم عقبة جبر غربي نهر الأردن، وبقيت في المخيم أربعة أعوام ونصف عام، لتعود وتستقر في مخيم الوحدات في عمّان شرقي النهر، وهناك قابلتُها وسجلت مقابلتها في سنة 2004، وهي لا تزال مقيمة في ذلك المكان حتى كتابة هذه السطور. 

مسارات خاتمة، (الهروب الأول)

أخذ هروب خاتمة الأول المحطات التالية: جنوباً إلى وادي الأبطح – شرقي قرية الجورة - التسلل إلى قرية عرب صقرير – شرقي الجورة - بيت لاهيا – جباليا – غزة - منطقة المواصي / غربي خانيونس - الظاهرية - الخليل - القدس - رام الله - نابلس - طولكرم - قلقيلية. وكانت على التفصيل التالي: قامت خاتمة هي وأسرتها بتفكيك بيت الشعر، لكنهم أبقوه في مكانه، وأخذوا سائر متاعهم على حمارين وهربوا في اتجاه البحر، وساروا مع الشاطىء جنوباً نحو غزة، فوصلوا إلى وادي الأبطح وهو أحد الأودية التي تمر في قرية حمامة وتصبّ مياهها في البحر الأبيض المتوسط، ومن هناك صعدوا الجبال متجهين جنوباً حتى وصلوا إلى شرقي قرية الجورة حيث استقروا تحت شجر الجميز. ولأن الموسم كان موسم قطاف العنب، فقد تطوعت خاتمة لأن تقود جملاً، وأن ترافق أخوين توأم معهما جملان للتسلل إلى القرية لإحضار حمولة الجملَين من العنب، وتم ذلك لهم، ثم عادت إلى شرقي الجورة. ومن هناك انتقلت عائلة خاتمة إلى قرية المجدل، وتابعوا المسير إلى بيت لاهيا، ثم جباليا، فغزة، لكن المكان لم يعجب الأسرة فتوجهوا إلى منطقة المواصي غربي خان يونس، وهناك تزوجت خاتمة زوجها الثاني، أحمد أبو فرادة، الهارب من معتقل أم خالد. بعدئذ، قرر زوج خاتمة أن يعود إلى مدينة قلقيلية حيث زوجته الأولى وأبناؤه، فخيّرها بين البقاء في خان يونس، أو الذهاب معه بواسطة المهربين إلى قلقيلية، فاختارت خاتمة أن ترافقه. سارا برفقة المهربين إلى الظاهرية / الخليل، ومن هناك ركوباً بالباصات إلى مدينة الخليل، فالقدس، فرام الله، فنابلس، فطولكرم، وانتهى بهما المطاف في قلقيلية. بقيت خاتمة هناك من سنة 1952 حتى سنة 1967. 

مسارات خاتمة في حرب حزيران / يونيو (الهروب الثاني)

عندما دهمت خاتمة حرب حزيران / يونيو 1967، أخذ هروبها المحطات التالية: قلقيلية - وادي الرشا – شلون الحجر - جنوبي عجلون – وادي قانا - مردا - نابلس - وادي الباذان - النصّارية - الفارعة - عبور نهر الأردن غرباً - منطقة معدّي - العودة إلى قلقيلية - شرقي النهر المقدس - الكريمة - مخيم في غور نمرين - منطقة الجوفة في منطقة الشونة الجنوبية - منطقة صويلح القريبة من عمّان - مخيم البقعة.

واتخذ مسار هربها التفصيل التالي: عندما اجتاحت إسرائيل ما تبقّى من فلسطين، هربت عائلة خاتمة من أمام الغزاة من قلقيلية في اتجاه وادي الرشا ومنه إلى شلون الحجر ثم إلى جنوبي عجلون ومنها إلى وادي قانا القريب من قرية دير استيا. بات أفراد العائلة في الوادي ليلتين أو ثلاث غادروا بعدها وادي قانا إلى مردا جنوبي غربي نابلس حيث أقاموا خيامهم عند شجر الزيتون الرومي وبئر ماء، وهناك وصلت إليهم سيارة عسكرية إسرائيلية فرفعوا الرايات البيضاء، وعادوا أدراجهم عائدين إلى قلقيلية حيث اكتشفوا أن البلد أصبح في قبضة الاحتلال. لم يشعر زوج خاتمة بالراحة وساءت حالته النفسية، وهو الهارب من الاعتقال في سنة 1948، فاتخذ قراراً بأن يغادر الجميع إلى شرقي النهر المقدس، فكان له ذلك. غادرت خاتمة والجدّة وفايز وعبد الرحمن وفوزي وفوزية وحسنة والجمل والحماران والكلب، ومشوا من قلقيلية مجتازين نابلس ووادي الباذان والنصّارية والفارعة حتى وصلوا إلى نهر الأردن وقطعوه من إحدى مخاضاته، فجرفهم التيار، إلّا إن الزوج أنقذهم بمساعدة الحمارَين. وفي منطقة معدّي، بمحاذاة ضفة نهر الأردن الشرقية، استقروا لشهرين في مخيم موقت حيث وُزّعت عليهم الخيام.

آنذاك تواصل معهم الصليب الأحمر وعرض عليهم الرجوع إلى مدينة قلقيلية، فعاد الجميع ركوباً بالحافلات، ما عدا الجدّة والجمل والحمارين الذين عادوا بمساعدة دليل! ثم عبروا النهر وعادوا إلى قلقيلية. ساءت حالة الزوج النفسية أكثر فأكثر؛ فقرر بيع ما يملكه من الحلال والرحيل، فرافقته خاتمة وأولادها، وبقيت الزوجة الأولى وأولادها في قلقيلية. استأجر الزوج شاحنة لتنقلهم إلى شرقي النهر، وكان ذلك في شتاء تشرين الثاني / نوفمبر 1967. وفي الكريمة، شرقي النهر، سكنوا بضعة أيام لينتقلوا بعدها إلى مخيم في غور نمرين القريب، وهناك استعاروا خيمة من أقارب لهم.

وبسبب تعرّض المخيم للقصف الإسرائيلي خرج منه جميع سكانه، فرحلت العائلة إلى منطقة الجوفة في منطقة الشونة الجنوبية القريبة حيث باتوا ليلتهم، وفي اليوم التالي، في كانون الثاني / يناير 1968، ركبوا سيارة وابتعدوا شرقاً، بعيداً عن النهر المقدس، إلى منطقة صويلح القريبة من عمّان حيث كان قد استقر أقارب لهم. وهناك نصبوا بيت شعر ظلوا فيه أسبوعاً، وعندما علموا أن الأونروا تقوم بإنشاء مخيم جديد يبعد عنهم 5 كلم، شمالي منطقة صويلح، قصدوا المكان الذي أُطلق عليه اسم "مخيم البقعة". 

خسارة السيدات الثلاث مصدر الرزق المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمكان، والبحث عن مصدر جديد للرزق 

مليحة

في 12 تموز / يوليو 1948 فقدت مليحة وزوجها مصدر رزقهما المتمثل في النقد المتأتي من وقف آل الخيري الذرّي، كما فقد زوجها وظيفته كعامل لاسلكي في البوليس، وتعيّن عليهما أن يتعاملا مع الواقع الجديد: فقدان مكان السكن بسبب فقدان أملاكهما الخاصة المتمثلة في البيّارات، وفقدان أثاث بيتهما. كانت أسرة مليحة محظوظة أكثر من غيرها لعدة أسباب: فأول مكان لجأت إليه مليحة مع عائلتها هو بيت شقيقتها وزوجها – العضو في بلدية طولكرم آنذاك ورئيسها في سنة 1951 - ولأن مليحة وأفراد أسرتها لم يقيموا في مخيمات اللاجئين، فإنه كان عليهم الإقامة في بيوت مستأجرة مع ما يعني ذلك من استنزاف لما كانوا يملكونه من نقود لغايات الاستئجار والتنقل بين الأماكن ركوباً في الحافلات، وليس مشياً على الاقدام. ولهذا استأجروا بيتاً في عمّان، ثم انتقلوا إلى سورية حيث ظلوا عاماً كمستأجرين، لينتقلوا بعدها إلى بيت مستأجر في حي المصرارة في القدس. وهناك في القدس حان الوقت لتقبّل المساعدة من أهل أمها: "ولأن أمي من آل الحسيني، فقد ساعدونا، وخصوصاً إسماعيل بك الحسيني، وقاموا بتأثيث بيتنا." وفي القدس وجد زوج مليحة عملاً بأجر زهيد كعامل لاسلكي مع البوليس الأردني، وكان هذا أول مصدر للدخل. وبعد العمل في القدس نُقل زوجها إلى طولكرم كي يعمل هناك. لقد كانت الحاجة ماسة إلى زيادة دخل الأسرة، وعن ذلك تقول مليحة: "هناك سكنّا في عمارة البوليس، إذ كان فيها إسكان للموظفين، وعندها خطر في بالي أن أساعد أبو أسحق لأن راتبه كان متدنياً."

وبتشجيع من عبد الله صلاح مدير التعليم في الأونروا آنذاك، شرعت مليحة في تطوير قدراتها. فبعد أن كان تحصيلها حتى عام النكبة هو السابع ابتدائي فقط، فإنها قامت بالدراسة والتقدم لامتحان المعلمين الأدنى، وأنهت "مقرر الأعوام الدراسية الأربعة في ثلاثة أعوام"، فعيّنها عبد الله صلاح مديرة على مدرستين في طولكرم. وبعد انتقال عمل زوجها إلى عمّان، نقلها "عبد الله صلاح من طولكرم إلى مدارس عمّان" حيث بدأت تدرّس، وسكنت في جبل الحسن، أحد أحياء مدينة عمّان. ولم يكن في إمكان مليحة أن ترتقي درجة في الوظيفة أكثر من الدرجة الخامسة بسبب عدم حصولها على شهادة التوجيهي، فتقدمت لامتحان الشهادة الثانوية المصرية في سنة 1963. نجحت مليحة في الامتحان، وتأهلت لدخول دار المعلمين حيث نجحت في دورات في الرياضيات الحديثة واللغة الإنجليزية، وباتت تحمل "أعلى درجة يمكن أن تحملها مديرة مدرسة في الأونروا"، وأمضت في عملها في التدريس 36 عاماً.  

ريّا

في أوائل أيار / مايو - عندما سقطت القرية - كان ذلك يعني خسارة أسرة ريّا ملكية المنزل والأثاث وبيّارة أهل أبيها، وكانت خسرت قبل ذلك الدكان التي باعها أبو ريّا كي يشتري بثمنها بارودة. لقد بقي هذا كله في القرية لتبدأ رحلة الهروب الطويل الشاق من شاطىء البحر الأبيض المتوسط إلى مخيم عقبة جبر قرب ضفة نهر الأردن الشرقية! وكانت خسارة أسرة ريّا مزدوجة لأنهم فقدوا عماد الأسرة – الأب الذى قضى دفاعاً عن القرية – إذ كان سيكون سندهم في الهروب إلى المجهول، وصار لزاماً على القادرين جسدياً أن يبدأوا بالبحث عن، أو خلق فرص للعمل. والقادرون هم: ريّا الصغيرة التي تبلغ 12 عاماً، وجدّتها، وعمها المتزوج حديثاً. وصارت ريّا ترافق اللواتي امتهنّ جمع الحطب وبيعه بخمسة أو ستة قروش لاستعماله في المقاهي والأفران كوقود. وكان عمها "يجمع جذوع الأشجار ويضعها في كيس على ظهره ويبيعه ببريزة [10 قروش]." أمّا أمها القبرصية فكانت تذهب إلى البساتين لتلتقط الخضروات وتطبخها طعاماً لريّا وجدّتها وعمها عندما يعودون من مهمة جمع الحطب، كما كانت تعجن كميات كبيرة من الطحين تكفي لخبز 100 أو 200 رغيف كي يحملها عمّها على لوح من الخشب قاصداً أريحا مشياً ليبيعها. وبسبب قلة الحطب في جوار المخيم صارت ريّا تبتعد شرقاً في اتجاه نهر الأردن لجمعه. وبعد أن أصبح من المتعذر الحصول عليه بسبب ندرته وكثرة استهلاكه، شرعت ريّا وجدّتها تعبران النهر بحثاً عن عمل في الضفة الشرقية من النهر. وكانت غيبتهما تطول، وتقول ريّا في ذلك: "كنت أذهب مع جدّتي إلى الغور، ونقيم تحت شجرة بلوط شهراً، ثم نعود إلى المخيم ومعنا نصف كيس من القمح. واستمرت حياتنا على هذه الحال، بل وصلنا إلى الكفرين ومادبا، وكانت إقامتنا تحت الشجر!" وقد توقف سعي ريّا للعمل بعد أن تزوجت قريبها اللاجىء مثلها، والذي كان يعمل في "النقطة الرابعة".[25] 

خاتمة

خسرت خاتمة بيت الشعر الذي فكّوه لأنه كان في اعتقادهم أنهم عائدون، وخسرت أملاك أبيها في الأرض وما تنبت، كما خسرت وادي صقرير والبحر. "عندما هاجرنا أخذنا معنا الغنم والبقر وبعناه خلال مسيرتنا لحاجتنا إلى المال، ولصعوبة الاعتناء بها." لقد خسر أهلها ملكية قطعة الأرض المسماة النِّجْرية، وقطعة الأرض المسماة المُرّة، وحتى بيت الشعر بقي هناك، لأن الهروب يقتضي أن تكون خفيفاً لتكون سريع الخطى، ولأن العودة قريبة. وفوق خسارة المكان بدأ استنزاف الحلال الذي يملكونه. وبدأت خاتمة حياتها الجديدة مع زوجها الثاني "أحمد" في الجهة الجنوبية الشرقية من مدينة قلقيلية، إذ اشترى أحمد قطعة أرض في منطقة تسمّى الرزّازة حيث سكنوا في بيوت شعر، وفي بيوت دكة [باطون]، ولم يسكنوا في المخيمات لأنه لم يكن بالقرب منهم مخيمات، وكذلك بسبب الحلال الذي معهم. وظلوا يعيشون كالبدو في منطقة قلقيلية، وكانت بداوة شبه مستقرة، بل شرعت خاتمة تدق جذورها في المكان الجديد: "كنت باستمرار أحمل المنجل لقطع الحشائش وإطعامها للحلال بحيث تكاثرت أعداد البقر عندنا." ووصف فايز ابن خاتمة كيف استثمروا أرضهم في الزراعة: "كان أبي قد اشترى الأرض وكنا نفلحها ونزرعها قمحاً وبطاطا وبصلاً." 

خسارة المكان مجدداً

تكرر خسران خاتمة للمكان والفضاء الحيوي كمصدر للرزق، فقد اجتاحت إسرائيل في حرب حزيران / يونيو 1967 ما تبقّى من فلسطين، فيما بات يعرف بالضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، فقررت عائلة خاتمة الهرب مجدداً إلى مكان آمن، لكن المحاولة باءت بالفشل بسبب إطباق القوات العسكرية عليهم في أثناء الهرب، فأدركوا أنه لم يعد في إمكانهم إلّا العودة إلى حيث كانوا. غير أن صدمة حرب حزيران / يونيو 1967 أثارت لدى الزوج أحمد الصدمة الأولى: صدمة اعتقاله وهروبه من معتقل "أم خالد" قبل 19 عاماً عندما اجتاحت العصابات الصهيونية القرى والبلدات والمدن في سنة 1948، ومن ضمنها قريته الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط ضمن قضاء طولكرم، فقد قامت قوات الاحتلال بإحصاء الفلسطينيين الذين أصبحوا تحت حكمها بهدف إدارتهم وإخضاعهم. لم يكن الزوج موجوداً في وقت الإحصاء، وعندما ذهب لتسجيل اسمه كمواطن تحت الاحتلال، ساور المحتلين الشكّ في أنه من المقاومين. والآن، بعد 19 عاماً على النكبة، ها هو الخوف يداخل نفس الزوج من انكشاف أمره كسجين سابق، فقرر أن يرحل ومعه الجميع إلى مكان أكثر أمناً.

تعمقت خسارة أسرة خاتمة بسبب الحالة النفسية التي ألمّت بالزوج أحمد، وقد وصف فايز ابن خاتمة حالة أبيه بأنه "أصابه 'تشويش فكري'، وأنه لم يعد يشعر بالراحة إلّا في بقاء اليهود بعيداً عنه. وأبدى أحمد لخاتمة مراراً خوفه من اكتشاف أمره كسجين هارب، وصار يلبد [يختبىء] أحياناً في الجبال." باع الأب أحمد الحلال كله، ولم يُبقِ إلّا بقرتين لبناته اللواتي بقين في قلقيلية. ورحلوا! 

خاتمة

روت هذه النسوة الثلاث شيئاً كثيراً، لكن الأكثر ظل مكتوماً في صدورهن كسكين لا يستطعن سحبها ولا إبقاءها. فهن مثلاً لم يصفن عمق الصدمة التي عصفت بهن سوى باستخدام كلمات أو عبارات بسيطة نذكر بعضها: الخوف؛ "كان الناس ماشين كأنو يوم القيامة"؛ "مات أخي الصغير من الحصبة في المخيم"؛ "عندما علمت جدّتي بوفاة أبي رمت نفسها على الأرض وهي تصيح"؛ "لم نكن نريد أن نكون زوادة لليهود"؛ "تضعضعت نفسية الختيار [زوج خاتمة]"؛ "لم نكن معتادين على المشي في الأرض الوعرة"؛ "الإنجليز لخبطوا حياتنا"؛ "أمي كانت تبكي باستمرار"؛ "أبي باع الدكان واشترى بثمنها بارودة"؛ "كان بيت أهل زوجي مهدماً، فقد بُني مكانه مقهى"؛ "جلس زوجي على الأرض ولم يرغب في إكمال الرحلة"؛ "حطّونا مع بعض في الخيمة نفسها، وكنا من القرى كلها"؛ "غادر جميع أهل القرية وبقينا لوحدنا"؛ "الطيران كان يحوم فوق رؤوسنا"؛ "كل احتلال إلى زوال"؛ "أخي كان يبكي من العطش"؛ "كان علينا ألّا نغادر المدينة"؛ وما إلى ذلك.

إن سبب عدم استرسال النسوة الثلاث في الحديث عن الصدمات التي واجهنها يعود إلى: أولاً، الطبيعة الرسمية للمقابلة، فهناك رجل غريب تماماً يجلس أمام سيدة وبينهما كاميرا تسجيل، كما أن وجود الابن أو الزوج لم يكن كافياً لكسر جمود الرسمية التي تحيط بأجواء المقابلة. صحيح أن المقابلة كانت تسجل أحياناً على مدار يومين أو ثلاثة، إلّا ان هذا الجمود ظل قائماً؛ ثانياً، الاعتقاد السائد أن الضعف نقيصة ويجب إخفاؤه قدر الإمكان. فعينا مليحة كانتا تحتقنان إلى أبعد الحدود، لكنها كانت تتحكم في عدم انزلاق دموعها. وخاتمة كانت تعبّر عن مشاعرها بأن تنظر إلى الأسفل، وفي أحيان أُخرى كانت تضحك على المواقف القاسية التي واجهتها في الشتات. أمّا ريّا فلم تكن تستطيع تمالك نفسها فكانت تبكي، لكنها سرعان ما تستعيد رباطة جأشها وتستمر في الحديث.

لا نعرف حجم الأسرار التي حجبتها اللاجئات عن أقرب الناس عليهن، فقد حُجبت الأخبار الاعتيادية وغير الاعتيادية. فريّا مثلاً، اكتشفت بمحض المصادفة أن أمها – القبرصية - اللاجئة باعت دمها 17 مرة من أجل إرسال النقود إلى ابنها - شقيق ريّا - الذي كان يدرس في ألمانيا الشرقية. أمّا مليحة، ابنة الرملة، فيبدو أنها لم تذكر، ولا لمرة واحدة أمام ابنها - الذي استمع إلى أجزاء من المقابلة - أنها كانت تلعب كرة السلّة في المدرسة، إذ قال لها بعد الانتهاء من تسجيل المقابلة مندهشاً: لم تقولي لي أنك كنت تلعبين كرة السلّة!

الملكية الخاصة التي تعود إلى السيدات الثلاث، كوارثات لأملاك أهليهم، هي ملكية لا تسقط بالتقادم. وكل ما جرى على هذه الأملاك من تغيير في وضع اليد، سواء آلت إلى مؤسسات أو هيئات رسمية إسرائيلية، أم إلى إسرائيليين أو يهود، أم إلى أي كان - عن طريق البيع أو التأجير أو الاستغلال - يُعتبر باطلاً ولا يترتب عليه أي أثر قانوني، بل يجب التعويض عن كل ربح تم كسبه جرّاء استغلال الأراضي أو الأملاك، وحتى عن كل فوات للكسب كان سيجنيه أصحاب الأرض الأصليون. أمّا فيما يتعلق بادعاءات الإسرائيليين أن القرى دُمّرت، والحدود ضاعت، فإن سلمان أبو ستة يردّ بأنه "يوجد من الخرائط والوثائق ما يكفي لإعادة كل دونم إلى أصله. والتقنية الحديثة كفيلة بمقارنة الخرائط البريطانية مع صور الأقمار الصناعية لتعيد كل قطعة أرض إلى أصلها بإعادة الأراضي" (أبو ستة، ص 94).[26]

 

المراجع 

أبو ستة، سلمان. "حق العودة: مقدس وقانوني وممكن". بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2001. 

الخالدي، وليد. "كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها". ترجمة حسني زينة. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط 3، 2001. 

ركس، توماس. "التاريخ الشفوي، ما هو؟". في: "في التاريخ الشفوي: دراسات وتجارب". إشراف وتقديم هاني الحوراني. عمّان: مركز الأردن الجديد للدراسات، 2011، ص 19 - 36.

"مقابلة تاريخ شفوي مع خاتمة القرم وابنها فايز أبو فرادة". "فلسطين في الذاكرة"، 5 كانون الأول / ديسمبر 2005. 

"مقابلة تاريخ شفوي مع ريّا أبو حميد". "فلسطين في الذاكرة". 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2004. 

"مقابلة تاريخ شفوي مع مليحة الخيري". "فلسطين في الذاكرة". 18 آذار / مارس 2005.

 

المصادر:

[1] توماس ركس، "التاريخ الشفوي، ما هو؟"، في: "في التاريخ الشفوي: دراسات وتجارب"، إشراف وتقديم هاني الحوراني (عمّان: مركز الأردن الجديد للدراسات، 2011)، ص 19 - 36.

[2] عادل يحيى، "منهج وتقنيات البحث"، في: "في التاريخ الشفوي: دراسات وتجارب"، إشراف وتقديم هاني الحوراني (عمّان: مركز الأردن الجديد للدراسات، 2011)، ص 109 – 160.

[3] المصدر نفسه.

[4] المصدر نفسه.

[5] ركس، مصدر سبق ذكره، ص 19 - 36.

[6] أطلق صلاح منصور المنصة الإلكترونية "فلسطين في الذاكرة"، في سنة 2000.

[7] المقصود هو القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 كانون الأول / ديسمبر 1948، وتنصّ الفقرة 11 منه على ما يلي: "وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم، وكذلك عن كل فقدان أو خسارة أو ضرر للممتلكات بحيث يعود الشيء إلى أصله وفقاً لمبادىء القانون الدولي والعدالة، بحيث يعوَّض عن ذلك الفقدان أو الخسارة أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة." انظر موقع وكالة "الأونروا"، في الرابط الإلكتروني.

[8] المسافة جرى تقديرها بحسب خرائط غوغل، والتي يمكن من خلالها قياس المسافة الهوائية من بيت مليحة أو بيت ريّا، إلى أقرب نقطة من مياه البحر الأبيض المتوسط.

[9] أَجريتُ المقابلات مع النساء الثلاث، كل على حدة، في بيوتهن في الأردن لأخذ روايتهن عن حيواتهن قبل النكبة وفي أثنائها وبعدها: قابلتُ ريّا في تشرين الثاني / نوفمبر 2004؛ مليحة في آذار / مارس 2005؛ خاتمة في كانون الأول / ديسمبر 2005. وسجلتُ معهن بالصوت والصورة أكثر من 14 ساعة.

[10] نسبة إلى النِّجريّ (شيخ من مشايخ بني عامر).

[11] "مقابلة تاريخ شفوي مع خاتمة القرم وابنها فايز أبو فرادة"، "فلسطين في الذاكرة"، 5 كانون الأول / ديسمبر 2005.

[12] المصدر نفسه.

[13] المصدر نفسه.

[14] "مقابلة تاريخ شفوي مع ريّا أبو حميد"، "فلسطين في الذاكرة"، 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2004.

[15] "مقابلة تاريخ شفوي مع مليحة الخيري"، "فلسطين في الذاكرة"، 18 آذار / مارس 2005.

[16] المصدر نفسه.

[17] مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى ورئيس الهيئة العربية العليا.

[18] "مقابلة تاريخ شفوي مع مليحة الخيري"، مصدر سبق ذكره.

[19] وليد الخالدي، "كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها"، ترجمة حسني زينة (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط 3، 2001)، ص 561.

[20] المصدر نفسه، ص 712.

[21] من قرى قضاء الرملة التي سقطت في تموز / يوليو 1948.

[22] من قرى محافظة رام الله والبيرة في الضفة الغربية.

[23] من قرى محافظة رام الله والبيرة في الضفة الغربية.

[24] أريحا مدينة في الضفة الغربية، قرب نهر الأردن.

[25] برنامج المساعدات الأميركي للدول النامية.

[26] سلمان أبو ستة، "حق العودة: مقدس وقانوني وممكن" (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2001).

السيرة الشخصية: 

فواز سلامة: حقوقي وخبير بالتاريخ الشفوي.