محاولات تمرير قرارات مؤيدة للصهيونية في اسبانيا وسط غياب للدبلوماسية الفلسطينية
التاريخ: 
01/02/2023
المؤلف: 

الصهيونية منتوج استعماري صدّرته الإمبريالية الأوروبية إلى فلسطين. ولا عجب أن تكون القارة العجوز ملعباً تسرح فيه الرواية الصهيونية وتمرح لأكثر من قرن من الزمان، لا بل تحظى بدعم الطبقات التي خلقت "المسألة اليهودية" و"معاداة السامية"، ثم غسلت أيديها من دم يهود أوروبا ودعمت مَن تسبب بنكبة الشعب الفلسطيني سنة 1948.

وعلى الرغم من عملية التجميل المجانية التي قدمها اتفاق أوسلو لوجه الصهيونية المتمثل في دولة إسرائيل، بما جاء فيه من اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل والتنازل عن 78% من التراب الوطني الفلسطيني، وعن حق عودة اللاجئين، فإن النظام الصهيوني لم يتوقف عن تسويق صورته كضحية، ولا عن استخدام المحرقة و"معاداة السامية" كأدوات لتبرير الاستيطان، وإنكار كافة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومحاولة تكميم أي صوت يدين الإجرام الذي ترتكبه الدولة الصهيونية.

هنا، يبدو من الضروري إدراك أن أوروبا ليست كتلة واحدة، وأن شعوبها ليست متماثلة، وأن انتشار الرواية الصهيونية -على اتساعه وسيطرته على أوساط المال والسياسة والإعلام والفن والرياضة-ليس بالدرجة نفسها في كل البلاد. فإسبانيا وإيطاليا، على سبيل المثال، تشهدان حركة تضامُن شعبية قوية مع القضية الفلسطينية، في مقابل دعم هائل لإسرائيل من أوساط المال والإعلام، وجزء مهم من الأحزاب السياسية.

إسرائيل تتحالف مع اليمين الإسباني لشن الهجوم

تشكل الأحزاب اليمينية حليفاً طبيعياً لإسرائيل، فميلها إلى كراهية العرب وحبّها لـ "اليهود" خارج بلادها، واعتبارها إسرائيل بلداً شبيهاً بأوروبا، وتناقضُها مع اليسار، الداعم التقليدي للفلسطينيين، يناسب أهداف إسرائيل تماماً. لذلك، كانت نقطة البداية في برلمان إقليم مدريد الذي يسيطر عليه اليمين تاريخياً. لفهم خطة الهجوم الصهيوني، لا بد من لمحة عن النظام السياسي الإسباني وأهم اللاعبين فيه.

وفقاً للدستور الإسباني، تنقسم البلاد إلى 17 إقليماً تتمتع بالحكم الذاتي، ومدينتين بإدارة ذاتية. ولكل كيان من تلك الكيانات الـ 19 برلمانه، ويحق لكل برلمان إقليمي رفع مقترح بقانون، أو بتعديل قانون، إلى مجلس النواب - أي الغرفة الدنيا من البرلمان الوطني- بعد أن يُعتمد بالتصويت عليه في البرلمان الإقليمي. عند وصول المقترح إلى مجلس النواب في مدريد، يُنظر فيه في حال وافقت أغلبية النواب على ذلك. وبعد الموافقة، يسجَّل المقترح في قلم المجلس، ثم يُعرض على لجنة خاصة مكونة من مندوبي الكتل البرلمانية الرئيسية للنظر فيه (لكل كتلة عدد من الممثلين في تلك اللجنة، بحسب حجمها في المجلس). لا بد من وجود أغلبية بسيطة في اللجنة لكي يُدرَج المقترح على جدول أعمال مجلس النواب، بغرض التصويت عليه بالقراءات المعتادة.

أما أهم الكتل السياسية في مجلس النواب الإسباني فهي: الحزب الاشتراكي الديمقراطي PSOE، (يسار وسط وليس يسارياً جذرياً)، وهو يرأس الائتلاف الحاكم، والحزب الشعبي PP، وهو وريث نظام الديكتاتور القومي الكاثوليكي فرانسيسكو فرانكو، وكتلة "معاً نستطيع" UnidasPodemos، مكونة من حزب اليسار الموحد IU (الحزب الشيوعي الإسباني وتنظيمات تروتسكية) و حزب Podemos، شريك صغير في الائتلاف الحاكم.، وحزب "بوكس" Vox، وهو حزب يميني فاشي.

كانت الخطة ترمي إلى أن تتبنى إسبانيا التعريف الصهيوني لمفهوم "معاداة السامية"، حسبما صاغه "التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة" IHRA، وهي هيئة صهيونية مقرها ستوكهولم، وتعمل على "نشر الوعي بالمحرقة في العالم وتدريس تاريخها في المدارس والجامعات"، وثمة 35 دولة عضواً في تلك الهيئة - من بينها إسبانيا، كما تحمل عشر دول أُخرى صفة مراقب - بينها تركيا وألبانيا والبوسنة والهرسك[1].

تجدر الإشارة إلى أن جدول أعمال الدورة الـ 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة الذي عُقد في تشرين الأول/أكتوبر المنصرم تضمّن عرضاً لتقرير "المقررة الخاصة المعنية بالأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب، وما يتصل بذلك من تعصُّب" السيدة تندايي أشيومي، وقد شدد على أن تلك الهيئة تحرّف مفهوم معاداة السامية وتوظفه لأغراض سياسية تخدم دولة إسرائيل، وتسعى لمنع انتقادها، وأن "الأشخاص المتضرر[ين] في المقام الأول نتيجة ذلك هم الفلسطينيون، إلى جانب المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يدافعون عنهم"، كما أكدت أن كل ما يصدر عن تلك الهيئة غير مُلزم، قانونياً، لأي دولة أو هيئة عضو أو غير عضو فيها[2].

استند الحزب الشعبي الحاكم في إقليم مدريد إلى وثائق "التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة"، وإلى انضمام الدولة الإسبانية إلى عضوية التحالف، ليقدم في 23 أيلول/سبتمبر 2021 مشروعاً لتعديل ثلاثة قوانين وطنية تنظم التمويل الحكومي للهيئات الحكومية والخاصة، وتعاقدات القطاع العام، والحق في تكوين الجمعيات، وذلك "لمكافحة معاداة السامية". ولكي يُرفع المقترح إلى مجلس النواب، كان لا بد من اعتماده بالتصويت في "جمعية مدريد" (برلمان إقليم مدريد).

كانت محاججة رئيسة كتلة الحزب الشعبي تكراراً للبلاغية الصهيونية التي تربط اليهود بالصهيونية تعسفياً وبلا دليل، وتصور اليهود على أنهم الضحية الوحيدة للنظام النازي، وأن إسرائيل هي "الدولة اليهودية الوحيدة في العالم، وأن هناك محاولات شيوعية لشيطنة إسرائيل، وتبرير العنف والتمييز ضدها وضد اليهود"، كما هاجمت، بحنق، انضمام عدة بلديات إلى نداء المقاطعة، ووصفته بـ "المخزي". يُضاف إلى ذلك سعي الحزب الشعبي وحزب بوكس الفاشي لوسم الأحزاب اليسارية والحزب الشيوعي الإسباني بـ "الشمولية"، وذلك كخطوة في سياق استراتيجيا يمينية على مستوى أوروبا لإدانة الأفكار الاشتراكية، ثم العمل على حظر أي كيان يتبناها. لم تخلُ أقوال الحزب الشعبي من الكذب البواح - وهو أسلوب لا تتورع الأحزاب اليمينية واللوبي الصهيوني عن استخدامه- إذ ادّعت رئيسة كتلته في جمعية مدريد "أن الأمم المتحدة اعتبرت حركة المقاطعة BDS معادية للسامية."[3]

 أما بوكس، فكانت أقواله أكثر شعبويةً وكذباً وعدوانيةً وشططاً؛ فبينما كان رئيس كتلته في جمعية مدريد يلوّح بـ "إعلان القدس" -الصادر عن تجمُّع أكاديمي صهيوني يحمل الاسم نفسه - كان يشبّه البلديات الـ ELAI الخالية من الأبارتهايد الإسرائيلي بالـ "يودن فري" Judenfrei، وهي البلدات التي طردت اليهود في ألمانيا النازية، ويقول إن "الشيوعية منذ كارل ماركس اخترعت معاداة السامية." [4]

تستند الأحزاب اليمينية في بلاغيتها العدائية لكل ما هو تقدمي إلى قرار اعتمده البرلمان الأوروبي سنة 2019 بإدانة الشيوعية والنازية، كونهما من "أشكال الأنظمة الشمولية المتورطة في الإبادة الجماعية والمروجة للعنصرية ومعاداة السامية."[5] ومع أنه ليست للبرلمان الأوروبي -الذي تسيطر عليه حالياً الأحزاب اليمينية المتطرفة-  صلاحيات تشريعية مُلزمة قانونياً، إلا إن الخطاب اليميني أصبح يتخذ منحىً هجومياً على كل القضايا التي يدعمها اليسار، وبينها القضية الفلسطينية والقضية الصحراوية.

وفي 21 آذار/مارس 2022 اعتمدت جمعية مدريد مشروع التعديلات بعد التصويت عليه، ورفعته إلى مجلس النواب. وقد صوّت لمصلحة المشروع كلٌّ من الحزب الشعبي -الحاكم في إقليم مدريد وصاحب الأغلبية الحاسمة في الجمعية- وحزب بوكس الفاشي، أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي يبدو أنه انقاد خلف الحزب الشعبي، الذي ما انفك يكرر أن الحكومة الإسبانية التي يرأسها الحزب الاشتراكي الديمقراطي قد انضمت إلى إعلان ستوكهولم، فقد أيّد النص، لكنه امتنع من التصويت لعدم استجابة الحزب الشعبي لطلب إضافة “إدانة حقبة فرانكو” إلى النص[6]. أما الأحزاب اليسارية، فصوتت ضد المشروع، لكن وزنها صغير في جمعية مدريد. وتجدر الإشارة إلى أن رئيسة إقليم مدريد إيسابيل دييّث أيوسو القيادية في الحزب الشعبي -التي قالت في أكثر من مناسبة أمام الصحافة إنها صديقة إسرائيل- استقبلت سفيرة إسرائيل في إسبانيا روديكا راديان غوردون في مقر رئاسة إقليم مدريد خلال العدوان على غزة في 20 أيار/مايو 2021، واتفقتا على "التعاون لاجتثاث معاداة السامية"، كما وقفت أيوسو أمام عدسات المصورين إلى جوار العلم الإسرائيلي[7].

أخطر هجوم تشريعي على القضية الفلسطينية في تاريخ الديمقراطية الإسبانية

في 13 أيار/مايو 2022، نشرت الجريدة الرسمية لمجلس النواب الإسباني نص مشروع التعديلات، وهذا أبرز ما جاء فيه:

"يهدف المشروع إلى انضمام مدريد إلى الحركة الدولية المناهضة لمعاداة السامية، من خلال اعتماد تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة لمعاداة السامية... وتشمل معاداة السامية: مظاهر وبلاغيات الكراهية والتهجم على اليهود والكيانات اليهودية ودولة إسرائيل، إلا إن الانتقادات التي توجَّه إلى دولة إسرائيل، مثل أي دولة أُخرى، ليست من معاداة السامية؛ اتهام المواطنين اليهود بأنهم أكثر وفاءً لدولة إسرائيل ومصالحها مما هو حالهم إزاء بلادهم؛ إنكار حق اليهود في تقرير المصير والمحاججة في أن دولة إسرائيل مشروع عنصري؛ ازدواجية المعايير التي تطالب دولة إسرائيل بما لا تطالَب به ديمقراطية أُخرى؛ المقارنة بين سياسات إسرائيل الحالية وسياسات الاشتراكيين القوميين [النازيين] في الثلاثينيات من القرن الماضي؛ شيطنة ولاأنْسنة إسرائيل ومواطنيها وشركاتها وأنشطتها من أجل تجريم مجمل اليهود ودولتهم الوحيدة إسرائيل، وهي الدولة اليهودية الوحيدة في العالم."[8]

في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2022، ناقش البرلمان مشروع التعديل في جلسة عامة، وبحسب الممارسة المعمول بها، كان على الجلسة التصويت على النظر في المشروع من عدمه، وهو ما تم. إذ صوتت الأحزاب اليمينية والحزب الاشتراكي الديمقراطي بالإيجاب، وفي المناقشة، كرر الحزب الشعبي وبوكس الأقوال نفسها، وهاجما حركة المقاطعة BDS بكل وضوح، وصوّرا إسرائيل كأنها ضحية. وفي معرض هجوم الحزبين على الفكر الاشتراكي والأحزاب اليسارية، ربط ممثل بوكس عن جمعية مدريد الشيوعية بالنازية[9]. لذا، كانت هذه الجلسة بمثابة ناقوس خطر؛ فموافقة الحزب الاشتراكي الديمقراطي على النظر في النص مؤشر سلبي إلى احتمال أن يسمح بمرور المشروع إلى المرحلة النهائية، وهي مرحلة التصويت على اعتماده قانوناً سارياً.

ردة فعل متأخرة...لكنها صاعقة

لم تحرك سفارة منظمة التحرير الفلسطينية في مدريد ساكناً طوال تلك الفترة. ولم تتحرك لجان الـ BDS في إسبانيا، ولا الجمعيات والمنظمات المناصرة للقضية الفلسطينية، إسبانيةً كانت أم فلسطينية، وهو ما يعكس حقيقة الغياب التام للدبلوماسية الرسمية الفلسطينية وانعدام كفاءتها، والترهل والضعف التنظيمي وانعدام التنسيق بين الأوساط الناشطة المناصرة للقضية الفلسطينية.

غير أن ثلة من المغتربين الفلسطينيين، وأعضاء في الحزب الشيوعي الإسباني، ونفراً من النشطاء الإسبان في حركة المقاطعة، وأساتذة وطلبة جامعيين إسبان وعرباً، ويهوداً إسرائيليين وإسبان معادين للصهيونية أخذوا ينسّقون الجهود، على الرغم من شحّ الإمكانات المادية، لتنظيم جولة لقاءات يتحدث فيها يهود إسرائيليون مناهضون للصهيونية ومناصرون للقضية الفلسطينية. فلبى النداء ثلاثة منهم وهم: إيتان برونشتاين أباريسو، وهو من مؤسسي منظمة "ذاكرات" - وعمل مديراً لها حتى سنة 2011- وهي تعمل على نشر الوعي بالنكبة داخل إسرائيل. وشارك سنة 2015 في تأسيس "مختبر تفكيك الاستعمار" De-Colonizer الذي يديره بالشراكة منذئذ. وألّف مع إليونور ميرزا برونشتاين أول كتاب باللغة العبرية عن النكبة، وتُرجم الكتاب إلى العربية وسيصدر صيف هذا العام. وهو مخرج أفلام أيضاً. ليليانا قرطبة – كاجرجينسكي، وهي من مؤسسي “الشبكة الدولية لليهود المناهضين للصهيونية“ (IJAN) وابنة شميركه كاجرجنسكي الشيوعي وأحد أهم الشعراء اليهود الذين كتبوا بلغة الييدش، والذي قاتل في صفوف أنصار الحزب الشيوعي السوفياتي ضد النازيين في ليتوانيا. ويونتن شابيرا، وهو طيار سابق في سلاح الجو الإسرائيلي. قاد حركة رفض للخدمة مع نحو 30 طياراً آخرين، ثم طُرد من الجيش، قبل أن يصبح من أهم الأصوات المناصرة للشعب الفلسطيني والناشطة في حركة المقاطعة.

ونُظّمت ندوة في إحدى قاعات مجلس النواب الإسباني في مدريد في 15 تشرين الأول/أكتوبر، تحدث فيها اليهود المناهضون للصهيونية، بالإضافة إلى 3 نواب في المجلس، هم الأمين العام للحزب الشيوعي الإسباني إنريكي سانتياغو، ولوثيّا مونيث دالدا النائبة عن كتلة "معاً نستطيع" وإينياكي رويث دي بينيدو أونديانو عن الحزب اليساري الباسكي "بيلدو"[10].

كما عُقد اجتماع خلف الأبواب المغلقة بين اليهود الثلاثة المناهضين للصهيونية مع نواب من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أحدهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الإسباني باو ماري-كلوزه، أثمر تعهداً رسمياً من الحزب الاشتراكي الديمقراطي بعدم تأييد وصول المشروع إلى مرحلة التصويت، بل والتصويت ضده، إن طرحته الأحزاب اليمينية. وبهذا التعهد، لم يعد هناك نصاب في اللجنة الخاصة بطرح المقترح للتصويت، وهو ما يعني أن المقترح لن يصوّت عليه، وبالتالي سقوطه.

ثم عُقدت ندوتان لإيتان برونشتاين ويونتن شبايرا، إحداهما في جامعة غرناطة، التي تُعَد في مفارقة خاصة معقلاً مهماً للوبي الصهيوني وحاضنة لإحدى أقوى هيئات المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل في إسبانيا. وبعد صدور ملصق الدعوة للندوة الذي حمل شعار الجامعة وشعار حركة المقاطعة BDS، ألقى اللوبي الصهيوني في إسبانيا بكل ثقله على عمادة الجامعة لإلغاء الندوة. وقبل بضع ساعات من عقد الندوة يوم 16 تشرين الأول/أكتوبر 2022، انتشر خبر المداولات العاصفة التي دارت في أروقة العمادة، فأخذ الطلبة يتقاطرون إلى القاعة المخصصة للندوة. وانتهى الأمر بعقد الندوة التي شهدت حضوراً غفيراً غصت به القاعة والممرات المؤدية إليها والبهو الخارجي للمبنى، فكانت ندوة ناجحة تركت أثراً كبيراً في جموع الطلبة. وفي اليوم التالي، عُقدت الندوة الثانية في كلية الحقوق في جامعة بلد الوليد.

وقد شرح إيتان وليليانا ويونتن في اجتماعاتهم وندواتهم الفرق بين اليهودية والصهيونية، ومعاداة السامية ومعاداة الصهيونية، والآليات العنصرية التي تقوم عليها إسرائيل، وذكروا أمثلة كثيرة تؤكد أن نضال اليهود ضد النازية لم يكن أبداً في إطار الحركة الصهيونية، كما ذكروا أمثلة عن تعاون جزء من يهود إيطاليا الذين كانوا بورجوازيين مع نظام موسوليني الفاشي، وأن اليهود كانوا كسائر مواطني تلك البلاد. وتحدث الثلاثة عن الاستعمار الصهيوني لفلسطين، وأن ذلك لا يمثل اليهود واليهودية، وأن الصهيونية هي التي منعت اليهود من أن يعيشوا بسلام مع غيرهم في فلسطين وفي البلاد العربية، مركّزين على أهمية اتخاذ موقف سياسي وقانوني صارم ضد إسرائيل حتى ينتهي استعمار فلسطين التاريخية، وعلى أن إنكار النكبة يضاهي إنكار المحرقة.

قيل إن اجتماعاً عُقد بين سفارة منظمة التحرير وممثلين عن قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي. لكن لم يتسنّ التأكد من صحة ما قيل. ولو حدث بالفعل، فإن ذلك كان بعد أن تم بالفعل تحديد موعد اللقاء بين النشطاء اليهود والحزب الاشتراكي الديمقراطي، وبعد صدور ملصق الدعوة لندوتهم في البرلمان الإسباني. كما أن موقف بعض موظفي سفارة منظمة التحرير وبعض النشطاء الإسبان من معارفهم كان سلبياً، إذ عبّروا على وسائل التواصل الاجتماعي عن امتعاضهم من "أن يتحدث اليهود، لا الفلسطينيين، عن القضية الفلسطينية"، كما لم يقدموا الدعم المنتظر منهم للمجهود. على الرغم من ذلك كله، فإن إسرائيل هُزمت، لكن ذلك لا يعني أنها لن تعيد الكرّة، ولن تحقق نجاحاً ما، وبصورة خاصة إذا ما عاد اليمين إلى الحكم، ولا يعني أيضاً أنها لن تتلقى هزيمة أُخرى.

الموارد المادية اللازمة لأي نشاط نضالي شحيحة، وسفارات منظمة التحرير لا تعمل، أو لا تريد، وأكثر النشطاء المؤيدين للقضية الفلسطينية هم أناس عاديون، وليسوا أصحاب ذهنيات تنظم وتخطط، والهيئات والجمعيات المتضامنة محدودة الموارد ومترهلة وعقيمة تنظيمياً. أما الجاليات الفلسطينية، فهي عيّنات من المجتمع الفلسطيني المليء بالعلل، كما أن النشاط المدافع عن القضية الفلسطينية في الغرب حديث العهد نسبياً. آخذين ذلك بعين الحسبان، فإنه ليس مدهشاً أن تكون إسرائيل حاضرة بقوة مع روايتها، بل المدهش هو أن تحقق الرواية الفلسطينية ما حققته.

 

[1] إعلان ستوكهولم والدول الأعضاء في "التحالف الدولي لذكرى المحرقة" IHRA. 

[2] تقرير المقررة الخاصة المعنية بالأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب، وما يتصل بذلك من تعصّب، إ. تندايي أشيومي، بند 66 -أ من جدول أعمال الدورة 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة. بتاريخ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2022. وثيقة رقم: A/77/512. نظام الوثائق الرسمية للأمم المتحدة. 

[3] يومية جمعية مدريد، الدورة 12، العدد 42، 23 أيلول/سبتمبر 2021 . 

[4] المصدر نفسه

[5] قرار البرلمان الأوربي "أهمية الذاكرة الأوروبية بالنسبة إلى المستقبل"، 18 أيلول/سبتمبر 2019. 

[6] يومية جمعية مدريد، الدورة 12، العدد 196، 21 آذار/مارس 2022.  

[7] من الحساب الرسمي لأيوسو على تويتر. 

[8] الجريدة الرسمية للبرلمان الإسباني، العدد 241-1، 13 أيار/مايو 2022. 

[9] يومية مجلس النواب، الدورة 14، العدد 214 ، 2022. 

[10] الندوة التي عُقدت في مجلس النواب في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2022.

 

عن المؤلف: 

مصعب بشير: هو مترجم فلسطيني وسجين سياسي سابق في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ويقيم بإسبانيا.