انتخابات الكنيست: نحو حكومة يمينية أكثر تطرفاً من أي وقت مضى؟
التاريخ: 
02/11/2022
المؤلف: 

منذ أن طُرد من السلطة من قبل ائتلاف حكومي غير متجانس إيديولوجياً، في حزيران/يونيو 2021، صمم بنيامين نتنياهو، زعيم حزب الليكود، على الانتقام من خصومه والعودة إلى الحكم خلال الانتخابات التشريعية للكنيست التي جرت في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، والتي تقررت بعد خسارة الائتلاف الحاكم غالبيته في الكنيست. وبحسب النتائج غير النهائية للانتخابات التي عرضتها قنوات التلفزة الإسرائيلية الرئيسية بناءً على استطلاعات الرأي التي أجرتها، سيحقق بنيامين نتنياهو هدفه بالعودة إلى الحكم، وخصوصاً أن الكتلة الانتخابية التي شكّلها بدت أكثر صلابة وتوحداً خلف زعيمها من الكتلة المنافسة، وهو لم يتوانَ، بغية توفير فرص نجاحه، عن التحالف مع قوى يمينية متطرفة تبرز بوضوح طابعها العنصري واللاديمقراطي، بما يشكّل سابقة في تاريخ الحياة السياسية في إسرائيل. وعليه، وفي ظل حملة شهدت نسبة مشاركة لا سابق لها منذ سنة 2015 بلغت 3، 71 % من المسجلين في القوائم الانتخابية، وصبّت في صالح الليكود وحلفائه، قد يحصل حزب نتنياهو على 31 مقعداً في الكنيست، بينما يحصل تحالف الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير على 14 أو حتى 15 مقعداً، ويحصل الحزبان الحريديان على نحو 17 أو 18 مقعداً، بحيث يشكّل نتنياهو إئتلافاً حكومياً مريحاً.

بنيامين نتنياهو حليف اليمين العنصري واللاديمقراطي

فرئيس الوزراء السابق، الذي باتت بوصلته السياسية الوحيدة اليوم هي البقاء السياسي والتهرب من السجن جراء تهم الفساد التي تلاحقه، هو في الواقع الذي عمل على إظهار هذا اليمين العنصري المتطرف وتوحيد قواه، وساهم في إقامة تحالف بين زعيم الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش والكاهاني إيتمار بن غفير، زعيم حزب قوة يهودية، الذي أدين سنة 2007 بتهمة التحريض على العنصرية بعد أن رفع لافتة تقول: "اطردوا العدو العربي" خلال مظاهرة. وبحسب دافيد خالفا الباحث في مرصد شمال أفريقيا والشرق الأوسط التابع لمؤسسة جان جوريس، فإن تحالف بنيامين نتنياهو مع شخصيات تعتبرها الإدارة الأميركية عنصرية "قد يكلفه ثمناً باهظاً سياسياً ودبلوماسياً"، كما أن اعتماده على هؤلاء الحلفاء في الحكم على أساس يومي "سيكون معقداً بالنسبة له"، وسيضطر إلى "المناورة الدائمة بين حلفائه في الأحزاب الدينية الأرثوذكسية وحلفائه الجدد هؤلاء، الذين يتخذون مواقف أكثر تطرفاً تجاه الفلسطينيين وعرب إسرائيل والمجتمع الدولي، وبين الحلفاء الاستراتيجيين لإسرائيل، وهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الرئيسي للبلاد"[1].

وكان دافيد هوروفيتش رئيس تحرير موقع تايمز أوف إسرائيل قد قدّر عشية يوم الانتخابات أن سموتريتش وبن غفير سيكونان وزيرين إذا فاز نتنياهو في الانتخابات، معتبراً أن برنامجهما "سيقوض مبادئ وأسس دولة إسرائيل"، و"يوجه ضربة قاتلة للتماسك الداخلي الذي تم تقويضه بالفعل إلى حد كبير"، ويدفع إسرائيل "للتخلي عن ديمقراطيتها"، و"إبعاد دعمها الدولي الأساسي عنها" و "تسهيل عمل أعدائها الرامي لتقويضها".

فسموتريتش، الذي يطمح لشغل منصب وزير العدل، أعلن الأسبوع الماضي –كما يتابع- عن نيته "إنهاء استقلال القضاء الإسرائيلي، وهو نظام سيخضع من الآن فصاعداً للأغلبية السياسية في السلطة". بينما لا يخفي بن غفير، الذي يطمح لشغل منصب وزير الأمن الداخلي، "رغبته في ضم الضفة الغربية بأكملها دون منح حق التصويت للسكان العرب، وهو يشجع مواطنين عرب "خونة" على مغادرة البلاد، حسب البرنامج السياسي الأخير لحزبه"، كما يريد "أن يتمكن اليهود من الصلاة علانية في الحرم القدسي، وأن يتم تخفيف القواعد العسكرية الخاصة بفتح النار" على المواطنين العرب، إذ هو قال: "يريد الناس السير في الشوارع بأمان، وأن لا يكون جنودنا وشرطتنا مقيدين بأيديهم وأقدامهم"، مكرراً دعوته لاستخدام القوة، لا سيما ضد الفلسطينيين في القدس الشرقية، وفي الضفة الغربية المحتلة. وإذ يؤكد ديفيد هوروفيتش أن "دعم المجتمع الدولي، والدعم القيم الذي تتلقاه إسرائيل من العديد من الدول، سوف يتضاءل، بما في ذلك في المنتديات الدبلوماسية الرئيسية وكذلك الدعم العسكري الحاسم"، فهو يتساءل: "ماذا سيحدث لاتفاقات إبراهام وعلاقتنا التي تمت رعايتها بعناية مع مصر والأردن، في حال تشكيل حكومة مرتبطة أو تميل إلى تنفيذ أجندة بن غفير الراديكالية؟"، ليخلص إلى إنه "بعد 75 عاماً من قبول إسرائيل المتأخر من قبل المجتمع الدولي، فإن صعود سموتريتش وبن غفير إلى مناصب السلطة في ظل نتنياهو يهدد بتقويض المبادئ التي دافعنا عنها وما زلنا ندافع عنها، وسيفضي لإضعاف أنفسنا داخل المجتمع الدولي، في تحول كارثي ومدمّر للذات نحو التطرف"[2].

هل أمام بنيامين نتنياهو خيار آخر؟

إذا كان الاحتمال الأرجح أن يشكّل بنيامين نتنياهو، بعد ظهور النتائج النهائية للانتخابات، حكومة ائتلافية تضم ممثلي الصهيونية الدينية، ويكون فيها "رهينة لليمين المتطرف"، فإن ستيفاني ليثييه (Stéphanie Laithier)، المؤرخة المكلفة بالأبحاث في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس والمتخصصة بدراسة إسرائيل، تطرح خياراً آخر هو أن يكون بنيامين نتنياهو، الذي "تجنب حتى وقت قريب الارتباط بالشخصية اليمينية المتطرفة ايتمار بن غفير ورفض، قبل أيام قليلة، الصعود على المنصة في الوقت نفسه الذي كان يقف عليها بن غفير لتجنب أخذ صورة معه"، يلوّح بتشكيل حكومة مع بن غفير "لتحذير بقية الطبقة السياسية، بما في ذلك داخل حزبه، من أنه في حالة غياب الائتلافات، لن يتردد في اللجوء إلى أقصى اليمين"، وذلك "كشكل من أشكال الابتزاز أكثر من كونه نقطة تحوّل أيديولوجية حقيقية"؛ فنتنياهو هو "قبل كل شيء سياسي"، يحسب حساباً لخياراته، ولعل "خصومه السياسيين يفضلون التحالف معه بدلاً من السماح له بتشكيل ائتلاف مع اليمين المتطرف، مثل بيني غانتس الخصم الشرس لنتنياهو ، الذي انتهى به الأمر إلى الانضمام إليه سابقاً"، وتخلص المؤرخة إلى أنه "بالنظر إلى سياق الانقسام السياسي في إسرائيل، فإن كل شيء ممكن"[3]. ويبدو أن بيتسئيل سموتريتش قد عبّر عن تخوفه من أن يلجأ بنيامين نتنياهو إلى هذا الخيار الثاني، عندما أشاد بالانتصار الذي حققته الصهيونية الدينية ووصفه بأنه "تاريخي" وعبّر عن سعادته بأن يكون قادراً على تشكيل "حكومة قومية يمينية ويهودية وصهيونية"، بعبارة أخرى بدون وجود عربي واحد.     

الانقسام العربي يصب في صالح الليكود وحلفائه

يمثل العرب الفلسطينيون ما يقرب من 21% من سكان إسرائيل و 16.5 % من الناخبين، وإذا تحركوا بأعداد كبيرة، فقد يؤدي هذا إلى تغيير الحسابات من الناحية الانتخابية. ففي سنة 2020، وفي ظل نسبة مشاركة عربية مرتفعة، فازت القائمة المشتركة بـ 15 مقعداً بعد حملة قوية تحت راية واحدة. لكن العرب الفلسطينيين دخلوا الانتخابات هذه المرة في إطار ثلاث قوائم انتخابية: راعام، وحداش / تعل، وبلد.

وبحسب استطلاعات الرأي، فإن قائمتي "راعام" و "حداش / تعل" قد تتجاوزا نسبة الحسم وهي 3.25%، بينما قد لا تتجاوز قائمة "بلد" هذه النسبة[4].

وفي تحقيق نشره من مدينة أم الفحم في 30 تشرين الأول/اكتوبر الفائت، اعتبر موفد صحيفة لوموند الباريسية لوي أمبير، أن العرب الفلسطينيين من مواطني إسرائيل يمكنهم الاضطلاع بدور الحكم في انتخابات الكنيست، وذلك على الرغم منهم، مستشهداً بما رواه له صاحب غاليري في البلدة هو سعيد أبو شقرة الذي ذكر أنه في وقت سابق من هذا الأسبوع ، اتصل يهودي إسرائيلي لا يعرفه بمعرضه للفن المعاصر في أم الفحم، وحثه على المشاركة في الانتخابات التشريعية في 1 تشرين الثاني/نوفمبر وجعل جيرانه يصوتون كذلك، مؤكداً له أن مصير إسرائيل في أيديهم. وتابع الصحافي الفرنسي أن سعيد أبو شقرة بعد أن أغلق هاتفه تنهد بعمق وضحك، لكنه "سئم من مطالبة اليهود منه بحل مشاكلهم قبل أن يقلقوا بشأن مشاكله". وأضاف: "لقد كانت أحزابنا قوية منذ أن تمكنت من وضع قائمة مشتركة في سنة 2015، ولكنها اليوم مفككة، ولم يعودوا متأكدين حتى من دخول الكنيست"[5].

القضية الفلسطينية الغائبة عن الانتخابات ستنفجر في وجه الحكومة المقبلة

في مقال مثير نشره موقع راديو فرانس أنتر الإلكتروني، ذكر كاتبه أنه إذا كانت القضية الفلسطينية قد غابت عن الحملات الانتخابية الإسرائيلية، فهي سوف تنفجر، على الأغلب، سريعاً في وجه الحكومة المقبلة، مهما كانت طبيعتها، وخصوصاً أن الضفة الغربية تعيش انتفاضة كامنة، في غياب أي حل سياسي، مضيفاً أنه منذ زمن بعيد ولت الأيام التي اشتبك فيها اليمين واليسار في إسرائيل على السلام مع الفلسطينيين، واختفت كلمة "سلام" من المفردات السياسية مع فشل اتفاقيات أوسلو، وتقلص حجم ونفوذ اليسار الصهيوني، إذ إن حزب العمل، حزب بن غوريون، وحزب رابين وبيريز، ما هو إلا ظل لنفسه، بينما بات حزب ميرتس التاريخي الآخر يدق ناقوس الخطر لأنه يخشى عدم تجاوز نسبة التصويت 3.25٪ اللازمة لدخول الكنيست. أما القضية الفلسطينية فهي لم تختفِ، ومن الصعب أن نرى كيف ستختفي دون بداية الحل، علماً أن المجتمع الإسرائيلي لم يعد يتعامل مع القضية الفلسطينية إلا من الناحية الأمنية.وخلص كاتب المقال إلى أن الإحباط من غياب أي منظور سياسي، وتزايد وجود المستوطنين الإسرائيليين، والضعف المتزايد في مصداقية السلطة الفلسطينية "كل ذلك ينتج مزيجاً متفجراً، بحيث يهدد العنف بابتلاع الضفة الغربية مرة أخرى، مع جيل جديد لم يشهد أول انتفاضتين، انتفاضتي الثمانينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين"، إذ إنه "منذ بداية العام، قُتل نحو 120 فلسطينياً في الضفة الغربية، وهي انتفاضة ثالثة خفية لم تذكر اسمها"[6].

 

[1] https://www.france24.com/fr/moyen-orient/20221024-l%C3%A9gislatives-en-isra%C3%ABl-toujours-plus-%C3%A0-droite-benjamin-netanyahu-r%C3%AAve-de-revanche

[2] https://fr.timesofisrael.com/avec-ben-gvir-et-smotrich-israel-risque-une-derive-extremiste-catastrophique/

[3] https://www.la-croix.com/Monde/Itamar-Ben-Gvir-tentation-dextreme-droite-Benyamin-Netanyahou-2022-10-24-1201239197

[4] https://www.lepoint.fr/monde/nouvelles-elections-en-israel-netanyahu-decide-a-revenir-au-pouvoir-01-11-2022-2495989_24.php#11

[5] https://www.lemonde.fr/international/article/2022/10/30/les-arabes-israeliens-arbitres-malgre-eux-du-scrutin_6147921_3210.html

https://fr.timesofisrael.com/le-desespoir-un-facteur-decisif-pour-le-taux-de-participation-arabe/

[6] https://www.radiofrance.fr/franceinter/podcasts/geopolitique/geopolitique-du-mardi-01-novembre-2022-1245351