هل نحن على أعتاب انتفاضة ثالثة؟
التاريخ: 
26/10/2022
المؤلف: 

في فصل جديد من توغلات جيش الاحتلال الإسرائيلي في مدن الضفة الغربية، استشهد صباح يوم أمس الثلاثاء خمسة شبان في مدينة نابلس وشاب في قرية النبي صالح بالقرب من مدينة رام الله، وسقط أكثر من عشرين جريحاً جراح بعضهم خطيرة، وأعُلن، إثر ذلك، الإضراب العام في جميع محافظات الضفة الغربية، وخرج سكان نابلس عن بكرة أبيهم تقريباً لتشييع جثامين الشهداء الخمسة، وصدرت دعوات عن القوى الوطنية والإسلامية إلى القيام بتحركات شعبية تندد بممارسات الاحتلال القمعية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.

 فإذا راجعنا الأحداث التي مرّت على الضفة الغربية، منذ أن أطلقت الحكومة الإسرائيلية عملية "كاسر الأمواج" في مطلع نيسان/أبريل الماضي، نلحظ أن المواجهات العنيفة مع وحدات جيش الاحتلال، التي اندلعت في جنين ومخيمها، وفي نابلس وبلدتها القديمة، وفي رام الله وقراها ومخيم الجلزون، وفي مخيم شعفاط وأحياء بيت حنينا والعيسوية وصور باهر والشيخ جراح وسلوان وجبل المكبر في القدس الشرقية وفي مخيم العروب القريب من مدينة الخليل، أن هذه المواجهات قد ترافقت مع مظاهرات يشارك فيها الآلاف، وأحياناً عشرات الآلاف عند تشييع الشهداء، ومع إضرابات عامة، ومحاولة عصيان مدني شهدها مخيم شعفاط، الأمر الذي يجعل من المشروع طرح السؤال التالي: هل دخلت المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي مرحلة جديدة وبتنا على أعتاب انتفاضة ثالثة؟

القمع الإسرائيلي المتصاعد يؤجج المقاومة

منذ إطلاق عملية "كاسر الأمواج"، تندلع المواجهات بين السكان الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي رداً على الغارات والمداهمات التي يقوم بها هذا الجيش وعلى اعتداءات المستوطنين، والتي كانت حصيلتها حتى الآن استشهاد أكثر من مئة فلسطيني في مدن الضفة الغربية ومخيماتها، وجرح العشرات واعتقال الآلاف وهدم عدد كبير من المنازل، وتبني إجراءات العقاب الجماعي، بما في ذلك الإغلاق الواسع للطرق في جميع أنحاء منطقة نابلس، وحصار مخيمات وأحياء بأكملها مثل مخيم شعفاط وحي عناتا المجاور. ويستشهد الصحافي البريطاني المعروف دافيد هرست، في مقال نشره يوم 16 تشرين الأول/أكتوبر الجاري على موقع Middle East Eye الذي يديره، بتقارير حركة "السلام الآن" الإسرائيلية التي تلحظ "تزايد الغارات الإسرائيلية الليلية في الضفة الغربية وتصاعد كل مؤشرات الممارسات الاحتلالية"، في ظل حكومة الائتلاف برئاسة يائير لابيد ونفتالي بينت، بالمقارنة مع ممارسات حكومات بنيامين نتنياهو السابقة، إذ شهدت فترة حكمهما "زيادة بنسبة 35٪ في عمليات هدم المنازل الفلسطينية، وزيادة بنسبة 62٪ في عمليات البناء في المستوطنات، وزيادة بنسبة 26٪ في مشاريع الإسكان الجديدة، وزيادة بنسبة 45٪ في عنف المستوطنين". كما يستشهد ببيانات لهيئة الأمم المتحدة تفيد "بمقتل ما لا يقل عن 85 فلسطينياً في الضفة الغربية بين بداية هذا العام و 11 أيلول/سبتمبر، مقارنة بمتوسط ​​ سنوي بلغ 41 حالة قتل في عهد حكومات بنيامين نتنياهو؛ وفي غضون شهر، تجاوز هذا العدد المئة"، بحيث "برزت سنة 2022 حتى الآن بصفتها السنة الأكثر عنفاً في الضفة الغربية منذ أكثر من عقد". ويخلص دافيد هيرست إلى أن صورة يائير لبيد الدولية بصفته "معتدلاً" تخفي "موجة لا هوادة فيها من عنف الدولة ضد المدنيين الفلسطينيين"[1].

فراغ سياسي لا يمكن أن يستمر

في مقال نشرته صحيفة "لوموند" الباريسية، في 29 أيلول/سبتمبر الفائت، اعتبر لوي إمبير موفد الصحيفة إلى مدينة نابلس أن ابراهيم النابلسي "الذي قُتل وهو في الثامنة عشرة من عمره على يد الجيش الإسرائيلي في 18 آب/ أغسطس الماضي، أصبح مثالاً لشبان بلا آفاق، يعيدون التواصل مع الكفاح المسلح"، وقد كان لاستشهاده صدى قوي إذ قام بتوحيد المئات من الشبان الفلسطينيين، بدعوته إلى توحيد المقاومين للاحتلال، وجمعت جنازته الآلاف من الناس في نابلس، وصار التجار يبيعون في الأسواق أساور وقلادات مزينة بصورته. وتعليقاً على استشهاده، قال والده علاء النابلسي، الذي عمل سابقاً ضابطاً في جهاز الأمن الوقائي ودخل السجون الإسرائيلية: "آمنت بشيء عظيم: دولة، سلام، وهو ما لم ترغب إسرائيل في أن تقدمه لنا؛ جيل ابني غاضب منا ومقاومته مشروعة"، وأضاف: "إن هذا الجيل الشاب الذي يتوحد ليس مجنوناً؛ إنهم شبان نشأوا في ظل الاحتلال، وهم لا يعرفون سوى الغارات والمظالم، وكل هذا يجعلهم في حالة غضب"[2].

وتوقف الصحافي والباحث في الشأن الفلسطيني معزّ كراجة، في مقال نشره في 27 أيلول/سبتمبر الفائت موقع "أوريان 21" الفرنسي، عند ظاهرة تنامي مساحة مقاومة الاحتلال واتساعها، وخصوصاً بشكلها المسلح، في الضفة الغربية، والتي "قد تؤدي في النهاية إلى مواجهة شعبية واسعة"؛ فاعتبر أن انبثاق "شكل المقاومة الحاليّ المتمركز في جنين ونابلس والآخذ بالتوسع تدريجياً، كما هو واضح، في مناطق أخرى من الضفة"، لم يأتِ من فراغ "بقدر ما جاء لسدّ الفراغ الميدانيّ الذي خلفته الانتفاضة الثانية"، فضلاً عن "الظرف الموضوعي المتمثل في النظام السياسي الفلسطيني القائم، وعموم الحالة السياسية التي يجري تحت ظلّها فعل المقاومة"، هذا الظرف الذي شهد في العقد الأخير "جملة تحوّلات عميقة أفقدت المنظومة القائمة وفي قلبها السلطة الفلسطينية عناصر قوتها التي لطالما تمتعت بها"، إذ انتهى "المشروع السياسي المتمثل في "حل الدولتين"، وهو مبرر وجودها الأول على أرض الواقع" بفعل السياسات الإسرائيلية، كما انتهى هذا المبرر "حتى على صعيد استخدامه في الخطاب السياسي الدولي؛ ولهذا أيضاً غابت عن المشهد السياسي المفاوضات والمؤتمرات الدولية ولجنة الرباعية الدولية والزيارات المكوكية لـ "مبعوث عملية السلام" ومؤتمرات المانحين وخطط بناء مؤسسات الدولة والتنمية". ويخلص الباحث نفسه إلى أن المجتمع الفلسطيني اليوم "يعيش مرحلة انتقالية ما بين تفكك وتحلل ما كان قائماً ومهيمناً، وما بين محاولة بناء وبلورة ما هو جديد"[3].

ما هي الآفاق؟

فهل يمكن لهذين العاملين، فضلاً عن الوحدة الوطنية التي تتجسد على أرض المواجهة، تمهيد الطريق أمام اندلاع انتفاضة شعبية ثالثة في وقت قريب؟

يشير عدد من المحللين، لدى إجابتهم عن هذا السؤال، إلى أن الضفة الغربية دخلت منذ فترة مرحلة جديدة من الصراع مع الاحتلال، لا تزال طبيعتها غير واضحة تماماً، مقدّرين أن تحوّل أشكال المقاومة التي تشهدها إلى انتفاضة شعبية حقيقية يحتاج إلى طريق طويل، تتخلله انتفاضات متعاقبة قصيرة الأمد[4]. وبينما يتساءل البعض، فيما يتعلق بشمولية عمليات المقاومة، عن العوامل التي تجعل هذه العمليات تتركّز بصورة رئيسية حتى الآن في شمال الضفة الغربية، بينما "يبدو أن جنوب الضفة الغربية يواصل هدوءاً متوتراً، على الأقل في الوقت الحالي"، ويقدّر أنه منذ الانتفاضة الثانية "كان هنالك دعم علني للمقاومة في جنين ونابلس"، ولكن في الخليل "كان كل شيء يتم في الخفاء"، ناهيك عن "أن التأييد الشعبي المفتوح للمقاومة في جنين ونابلس يجعل من الصعب للغاية على السلطة الفلسطينية القيام باعتقالات هناك"؛ يرفض البعض الآخر تقسيم الضفة الغربية، من حيث الكفاح، إلى "شمال" و"جنوب"، مؤكداً أن معظم من شارك في "هبة السكاكين" ما بين سنتَي 2015 و 2016 كانوا شباناً فلسطينيين من المناطق المحيطة بالخليل وبيت لحم والقدس، وأن القوات الإسرائيلية "قتلت خلال تلك الهبة 70 فلسطينياً من محافظة الخليل وحدها"، الأمر الذي يعني "أن المقاومة قد تتركّز أحياناً في الجنوب، وأحياناً أخرى في الشمال، ولا يوجد فرق كبير بينهما"[5].

ومهما يكن، يبدو أن هناك إجماعاً على أن هذا الأمر سيتوقف، في التحليل الأخير، على النهج الذي ستنتهجه السلطة الفلسطينية وأجهزتها، والتي تجد نفسها اليوم أمام لحظة اختيار صعبة: فهل هي ستنحاز للمقاومين وتفتح لهم أفقاً سياسياً جديداً متحرراً من أسر التزامات اتفاق أوسلو وتتحمل بالتالي، في مواجهة إسرائيل، تبعات هذا النهج، أم هي ستدخل في صدام معهم كما حصل عندما حاول أحد أجهزتها، في 21 أيلول/سبتمبر الماضي، اعتقال المقاوم مصعب اشتية في مدينة نابلس؟  

إنه سؤال برسم المستقبل، ستحمل إجابته الأسابيع والأشهر القادمة.

 

[1] https://www.middleeasteye.net/fr/reportages/palestine-israel-nouvelle-generation-combat-occupation-resistance-cisjordanie

[2] https://www.lemonde.fr/international/article/2022/09/29/ibrahim-al-nabulsi-itineraire-d-un-martyre-palestinien_6143612_3210.html

https://www.lexpress.fr/actualites/1/monde/en-cisjordanie-scenes-de-guerilla-urbaine-entre-palestiniens_2180575.html

[3] https://orientxxi.info/magazine/article5895

[4] https://www.middleeasteye.net/fr/actu-et-enquetes/israel-palestine-jerusalem-shuafat-siege-affrontements-violences-colons-cisjordanie

[5] https://ismfrance.org/index.php/2022/10/14/le-nord-de-la-cisjordanie-prend-les-armes-le-sud-va-t-il-le-rejoindre/

https://www.chroniquepalestine.com/insurrection-contre-occupant-se-developpe-en-cisjordanie/

انظر