لم يكد رئيس وزراء الحكومة الانتقالية يائير لبيد يعلن عن الخطوط العريضة لاقتراح ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان الذي تسلمّه من الوسيط الأميركي عاموس هوكشتاين، وقبل أن يرسل لبنان الرسمي رده على المقترح الأميركي، حتى تحوّلت هذه القضية إلى إحدى القضايا الساخنة في الحملة الانتخابية الإسرائيلية، ذلك إن الاقتراح المذكور يلزم إسرائيل بالتنازل عن مثلث المياه الاقتصادي بأكمله الذي كان محل نزاع مع لبنان، والذي يغطي مساحة 860 كيلومتراً مربعاً، بما يسمح للبنان بتطوير حقل قانا للغاز الذي تعتبر إسرائيل أن طرفه الجنوبي يقع ضمن مياهها الإقليمية، على أن تحصل إسرائيل على تعويضات مالية من استغلال هذا الحقل بعد التفاوض مع شركة توتال الفرنسية، التي ستشرف على عمليات التنقيب والاستغلال فيه. وفي المقابل، يتخلى لبنان عن مطالبته بمثلث المياه الذي يزيد عن 1430 كيلومتراً مربعاً، بما يسمح لإسرائيل باستغلال حقل غاز كاريش بأكمله، الذي تزعم إنه يقع ضمن منطقتها الاقتصادية الخالصة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة[1].
يائير لبيد يدافع عن تبني الاقتراح
يوم الأحد الماضي، وفي مستهل اجتماع حكومته، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لبيد لوسائل الإعلام أن الاقتراح الأميركي المعروض "يحمي" و "يعزز" مصالح إسرائيل، الأمنية والاقتصادية على حد سواء، وأنه "منذ أكثر من عقد، تحاول إسرائيل الوصول إلى هذا الاتفاق" الذي سيضمن أن "يعمل حقل كاريش وينتج الغاز الطبيعي، وستتدفق الأموال إلى خزائن الدولة"، وأضاف: "إننا نُجري مناقشات بشأن التفاصيل النهائية، ولا بد من القول إنه ما زال من السابق لأوانه رؤية اتفاقية مكتملة بهذا الشأن؛ لا نعارض تطوير حقل غاز لبناني إضافي سنتلقى منه بطبيعة الحال مستحقاتنا المالية، وهذا الحقل سيُضعف الاعتماد اللبناني على إيران، وسيكبح جماح حزب الله، وسيحقق استقراراً إقليمياً"، ليخلص إلى أن "اقتراح الوسيط [الأميركي] يخضع حالياً للمراجعة القانونية، وسيقدمه، بمجرد اكتماله، مع وزير الدفاع بيني غانتس ونائب رئيس الوزراء نفتالي بينيت، وبالتنسيق مع المدعي العام، لمناقشته والموافقة عليه"، على أن يضمن الاتفاق النهائي كلٌ من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، بصفتها المساهم الرئيسي في شركة توتال[2].
بنيامين نتنياهو ينتقد بشدة الاقتراح
أثار الاتفاق على الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان، الذي اقترحه الوسيط الأميركي، رد فعل عنيف من بنيامين نتنياهو زعيم المعارضة الإسرائيلية، الذي اتهم رئيس الوزراء يائير لبيد "بالاستسلام لحزب الله"، وقال: "لقد استسلم يائير لبيد بشكل مخجل لتهديدات (زعيم حزب الله حسن) نصر الله"، فهو " يمنح حزب الله أراضي دولة إسرائيل ذات السيادة بخزان ضخم من الغاز ملك للمواطنين الإسرائيليين"، مؤكداً أنه "لا يمكن المضي قدماً في الصفقة دون استفتاء عام، كما يقتضي القانون الإسرائيلي، قبل أن تتنازل الحكومة عن الأراضي السيادية"، ومهدداً بأنه ببساطة لن يحترم الاتفاق في حال فوزه في انتخابات 1 تشرين الثاني/نوفمبر. وفي مؤتمر صحافي عقده مساء الثالث من تشرين الأول/أكتوبر الجاري في تل أبيب، أعاد بنيامين نتنياهو القول بأن الاتفاق المقترح "هو خضوع لتهديد الإرهاب، ولن يمنحنا السلام، بل الحرب"، وأضاف: "طوال العشرة أعوام الأخيرة، رفضت الخضوع لإملاءات نصر الله؛ وعلى الرغم من ذلك، فإنه خلال 3 أشهر، وبعد تهديد واحد من نصر الله، قدّم له لبيد ما يريده؛ لبيد أعطى الكعكة كلها، وبصعوبة أبقى لنا الفتافيت؛ فإذا كان يتصرف بهذه الطريقة في مواجهة نصر الله، كيف سيتصرف في مواجهة إيران؟"، وتابع رئيس المعارضة قائلاً: "حصل نصر الله على أرض إسرائيلية، وعلى حقل غاز يساوي مليارات الدولارات؛ هو لن يبني بهذا المال مستشفيات وحضانات أطفال، بل سيستخدمه لشراء السلاح والصواريخ ضدنا"[3].
يائير لبيد وحزبه يردان على انتقادات بنيامين نتنياهو
وردّ رئيس الحكومة يائير لبيد على كلام بنيامين نتنياهو، قائلاً: "أفهم خيبة أمله بعد عدم تمكّنه خلال عشرة أعوام من التوصل إلى اتفاق كهذا، لكن هذا ليس سبباً كي يتجند وينضم إلى الحملة الدعائية لنصر الله وحزب الله؛ أسمع نتنياهو وأنصاره يتحدثون عن الاتفاق مع لبنان، من دون رؤيته، أو معرفة ما تضمّنه." وأضاف: "في الاتفاق، ستحصل إسرائيل على 100% من حاجاتها الأمنية كما حددتها المؤسسة الأمنية، وعلى 100% من حقل كاريش، مع 100% من عائداته التي تعود إلى المواطنين الإسرائيليين، كما سنحصل على نسبة معينة مع عائدات حقل الغاز في لبنان". وتعقيباً على كلام نتنياهو، أصدر حزب "يوجد مستقبل"، الذي يترأسه لبيد، بياناً جاء فيه: "يقف نتنياهو صفاً واحداً مع نصر الله، وهو مستعد لتعريض مصالح أمنية قومية حساسة للخطر، من أجل مصالحه الشخصية، لا خطوط حمراء تردعه، ولا يتردد عن المس بأمن إسرائيل إذا كان هذا يخدمه إعلامياً؛ وبينما يواصل زعيم المعارضة حملة غير مسؤولة، يدير رئيس الحكومة الدولة ويحل أزمات عالقة منذ أعوام". ومن جهته، أكد وزير الأمن بني غانتس في بيان صادر عنه أمس الأحد الفائت أن الاتفاق المتبلور مع لبنان بشأن ترسيم الحدود البحرية "سيعزز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ويقوّي عامل الردع، وفي المدى البعيد من شأنه أن يضعف اعتماد لبنان على إيران التي تزوده بالوقود وبسلع أُخرى"، وأضاف أن الاتفاق "سيُعرض على الجمهور وسيُطرح على الكنيست للمصادقة عليه"، وانتقد غانتس تصريحات زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو الذي قال إن حكومة برئاسته لن تحترم الاتفاق، ودعاه "إلى الاطلاع على تفاصيل الاتفاق قبل إطلاق تصريحات فارغة وخطرة". كما انتقد تصريحات بنيامين نتنياهو الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة وحليف بني غانتس في الانتخابات القادمة الجنرال احتياط غادي أيزنكوت الذي قال في بيان صادر عنه "إن أقوال نتنياهو تنطوي على خطورة وتشكل تحدياً للنظام الديمقراطي المتّبع في الدولة، والذي ينصّ على الاستمرارية في تطبيق القرارات التي تتخذها الحكومات"[4].
تقويمات متناقضة في الصحافة الإسرائيلية لاقتراح عاموس هوكشتاين
قدّر بعض المحللين الإسرائيليين أن لبنان هو الكاسب الرئيسي من هذا الاتفاق في حال المصادقة عليه، وأن تهديدات زعيم حزب الله حسن نصر الله تركت تأثيرها على قرار الحكومة الإسرائيلية بتبني اقتراح الوسيط الأميركي. ففي صحيفة "إسرائيل اليوم"، كتب المحلل السياسي أريئيل كهانا، في 2 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أن إسرائيل "استجابت، في عهد بينت ولبيد، لكافة المطالب الأساسية التي طرحتها بيروت، ووافقت على منحها جميع طلباتها؛ فكل مثلث المياه حتى الخط 23، حتى الإنش الأخير، سيتحول إلى جزء من المياه الاقتصادية اللبنانية"، وأن "المصيبة الأكبر" هي أن إسرائيل قبلت المقترح الأميركي "من دون أن يتم الاتفاق على معادلة التعويضات عن الغاز الذي من الممكن أن يكون تحت سطح الماء، ولا يعلمون في إسرائيل أيضاً ما إذا كان لبنان سيقبل المقترح أم لا"، كما "من غير الواضح بصورة خاصة ما إذا كان لبنان سيقبل "الإنجاز" بشأن تحديد منطقة أمنية حتى 5 كلم من الساحل"، كما يرد في الاقتراح[5].
وفي الاتجاه نفسه، استغرب المراسل الصحافي لصحيفة "غلوبس" المسائية أفيشاي غرينتسيغ، في مقال نشره في 3 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، تنازل إسرائيل عن مطالبها كافة أمام لبنان خلال أسابيع، بعد أن ظلت متمسكة بها خلال عشرة أعوام، مشيراً إلى أن إسرائيل وافقت سابقاً على تقسيم منطقة الـ 860 كيلومتراً مربعاً المتنازَع عليها بين لبنان وإسرائيل على أساس أن يكون ثلث مساحتها لإسرائيل وثلثاها للبنان، وطالبت أيضاً بإدارة إسرائيلية - لبنانية مشتركة للحقل اللبناني، أو الحصول على تعويضات جدية، ثم حصل التنازل عن كل هذه المنطقة وضمنه التنازل عن الإدارة المشتركة للمنصة، ما دفع أودي أديري، رئيس الوفد الإسرائيلي المهني في المفاوضات إلى معارضة التنازل عن الجزء الإسرائيلي في المنطقة المتنازَع عليها، وإلى الاستقالة من منصبه بعد أن رفضت الحكومة معارضته. واستشهد المراسل نفسه بما قاله مسؤول إسرائيلي كبير من "أن موقف إسرائيل، حتى قبل عدة أشهر، كان أنه لا يوجد منطق في تنازُل إسرائيلي أكبر، لأن إسرائيل هي الجهة الأقوى اقتصادياً، وفي مجال الطاقة، مقابل لبنان الذي يعيش أزمة اقتصادية وأزمة طاقة صعبة جداً؛ ومن هنا، قال المنطق يقول إن لبنان هو الذي يجب أن يتنازل"[6].
بينما قدّر محللون آخرون أن الاتفاق المقترح يمكن أن "يهدئ العلاقات بين إسرائيل وحزب الله ، الذي حاول في تموز/يوليو الماضي مهاجمة منصة غاز باستخدام طائرات بدون طيار"، إذ انتقد المحلل السياسي لصحيفة "يديعوت أحرونوت" ناحوم برنيع، في مقال نشره في الثالث من الشهر الجاري، مواقف زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو الذي "قرر مهاجمة الاتفاق قبل توقيعه"، ووصفه "بأنه خضوع للحكومة الإسرائيلية على صعيد الأرض، وعلى صعيد الاقتصاد"، إذ هو لا يريد أي اتفاقيات "جيدة" لإسرائيل، وهو ما ينطبق على الاتفاق مع لبنان، الذي ينطوي على "تسوية يستطيع أن يتعايش معها الطرفان"، اللذان "سيحتفظان بتوازن رعب متبادل: إذا هاجمت أعمالي في التنقيب، فسأهاجم أعمال التنقيب التابعة لك؛ هذه ليست بالضرورة بداية صداقة رائعة، لكنها بداية البداية". وتابع المحلل نفسه أنه "من السهل رؤية المديح الذي كان نتنياهو سيغدقه على نفسه لو كان هو الذي وقّع الاتفاق"، معتبراً أن "كل شيء له علاقة بالانتخابات: إذا أبقت النتائج نتنياهو في المعارضة، فإنه سيواصل محاربة الاتفاق؛ وإذا أعادته النتائج إلى مكتب رئاسة الحكومة، فهو سيفكر مرتين: لماذا عليه التخلي عن اتفاق بسبب رفضه له قبل الانتخابات"، ليخلص إلى أن الاتفاق يبقى مرتبطاً بمسألة قانونية، إذ "بحسب القانون، أي تغيير في الحدود الإقليمية يتطلب استفتاءً عاماً"، فهل ترسيم الحدود الاقتصادية في عرض البحر "هو بمثابة تغيير للحدود الإقليمية؟ المسألة تنتظر الرأي القانوني للمستشارة القانونية للحكومة؛ وعلى افتراض أن المستشارة قررت أن من صلاحية الحكومة إنجاز الاتفاق، فإن المعضلة ستنتقل إلى نتنياهو: هل سيتوجه إلى المحكمة العليا ومتى؟"[7].
[1] https://www.lorientlejour.com/article/1313305/exclusif-frontiere-maritime-ce-que-contient-la-proposition-de-hochstein.html
[2] https://atalayar.com/fr/content/israel-et-le-liban-se-rapprochent-dun-accord-sur-la-frontiere-maritime
[3] https://infos-israel.news/laccord-de-demarcation-des-frontieres-maritimes-avec-le-liban-oblige-israel-a-conceder-tout-le-territoire-conteste; https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/4-10-2022.pdf; https://www.israel-actualites.tv/frontieres-maritimes-entre-israel-et-le-liban-benjamin-netanyahu-fustige-yair-lapid-sur-laccord-propose-par-les-americains-le-premier-ministre-israelien-lui-repond/
[4] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/4-10-2022.pdf
[5] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/3-10-2022_0.pdf
[6] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/4-10-2022.pdf
[7] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/4-10-2022.pdf
