قبر فالتر بنيامين: إضاءة مدنّسة
النص الكامل: 

وحين يشعل سيجارته اليوم، يستخدم حجر قداحة وفتيلة، كأي شخص آخر. "وفي القارب"، يقول: "إن تلك هي أفضل طريقة. فحين تهبّ الريح، تطفىء عود الثقاب، لكن كلما ازداد هبوب الريح، ازدادت الفتيلة اشتعالاً."

                                                     فالتر بنيامين، "إسبانيا، 1932" 

عندما جاءت حنّه أرنت للبحث عن قبر فالتر بنيامين بعد عدة أشهر من وفاته في فندق فرانسيا في بورت بو (Portbou) على الحدود بين إسبانيا وفرنسا، لم تجد شيئاً. لم تجد شيئاً، أي، لا شيء سوى أحد أجمل الأمكنة التي رأتها من قبل. "ليس مقدراً للقبر أن يعثر عليه أحد"، كتبت لغيرشوم شوليم بعد زيارتها بقليل، "فاسم [بنيامين] لم يكن مكتوباً في أي مكان." وعلى الرغم من ذلك، وبحسب سجل بلدية بورت بو، فإن إحدى رفيقات السفر مع بنيامين، وهي، السيدة غورلاند، دفعت 75 بيزيتا لاستئجار ""فسقية" (niche) في المقبرة لخمسة أعوام في 28 أيلول / سبتمبر 1940، وذلك بعد يومين من وفاة بنيامين التي شخّصها الطبيب المحلي، رامون فيلا مورينو (Ramón Vila Moreno)، على أنها سكتة دماغية، لكن المعروف بصورة عامة أنها انتحار جرّاء جرعة زائدة من حبوب المورفين. "لقد كان لديه من حبوب المورفين ما يمكّنه من الانتحار عدة مرات"، مثلما كتبت ليسا فيتكو، [المرأة] التي اصطحبته إلى جبال إسبانيا. لكن المكان، باسم أو بلا اسم، كان ساحراً. "فالمقبرة تقابل خليجاً صغيراً يطل على البحر الأبيض المتوسط"، كتبت أرنت، "وهي محفورة في الصخر على شكل مدرجات، والتوابيت، كذلك، مضغوطة داخل هذه الجدران الحجرية. إنها من أكثر البقاع التي رأيتها في حياتي جمالاً وروعة."[1]

لم يكن شوليم معجباً بذلك، بل إنه بعد أعوام، بدا منكراً لذلك بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، حتى إنه ختم مذكراته عن بنيامين[2] بهذه الكلمات: "البقعة جميلة فعلاً، لكن وجود القبر فيها مشكوك في صحته." كانت تلك ملاحظة فظة ومُرّة لإنهاء قصة حياة، كأن الرجل الميت، وبالتالي نحن أيضاً، خُدعنا بنهاية كهذه، إذ كل ما حظينا به، عوضاً عن ذلك، كان بتراً، كان كتاباً فُقدت صفحته الأخيرة. والسبب في ذلك أنه لم يكن ثمة غياب للاسم فحسب، مثلما اكتشفت أرنت، بل الأنكى من ذلك أنه كان اسماً مزيفاً أيضاً، أو ما هو أسوأ من ذلك، بناء على وجهة نظرك، كان تحديداً قبراً مزيفاً. وبالنسبة إلى شوليم على الأقل، فإن الصور تُظهر بوضوح أن الصندوق الخشبي المكتوب عليه اسم بنيامين بخط مخربش لم يكن أكثر ممّا سمّاه شوليم "اختراعاً من سَدَنة المقبرة الذين رغبوا في ضمان الحصول على إكرامية، بسبب العدد الكبير من الاستفسارات." هكذا انتهت حياة الشخص الذي سيصفه جورج شتاينر، على سبيل المثال، بأنه أعظم ناقد في القرن العشرين، وهكذا تنتهي مذكرات شوليم. لقد كان بنيامين خاسراً، حتى في الموت، وكان قبره ألعوبة رجال يبحثون عن إكرامية، فعوضاً عن قبر حقيقي، يمكن القول إن شوليم يدفن شخصية مذكراته تحت صفة المدنس.

يبدو الأمر كأن شوليم رغب، وعن قصد، في تجنّب تحويل بنيامين إلى نصب تذكاري، بل إنه اختار بدلاً من هذا، أن ينهي كتابه باستخدام أكثر الملاحظات ابتذالاً، وهي أن هذا احتيال، وذلك عبر استذكار ما أطلق عليه بنيامين في مقالته عن السوريالية في سنة 1929 "إضاءات مدنسة". لكن ما هو الشيء المضاء على وجه التحديد؟ ففي تعبير بنيامين تنطوي الإضاءة في "إضاءات مدنسة" على تجاوزها لأثر إضاءة دينية مؤكدة. وأكثر من ذلك، ففي عمله الشهير "أطروحات في فلسفة التاريخ" الذي كتبه قبل وفاته بقليل، أشار بنيامين إلى أن "المؤرخ الذي سيملك موهبة إذكاء جذوة الأمل في الماضي هو فقط ذلك الذي يكون راسخ القناعة بأنه حتى الموتى لن يكونوا بمأمن من العدو إذا انتصر."[3] والسؤال هنا هو: ما هو أثر تقييم شوليم لقبر بنيامين في جذوة الأمل تلك؟ كيف كان في وسع شوليم أن يقول إن الصور "تُظهر بوضوح" أن القبر مزيف؟ كيف لأي صورة أن تُظهر ذلك بوضوح؟ وإذا كان للصور أن تفعل ذلك، فلماذا اجترح سَدَنة المقبرة زيفاً سافراً بهذا الشكل إن كانت ألاعيبهم ستكون بالتأكيد مكشوفة وواضحة لزوار الموقع، مثلما هي واضحة لشوليم في أثناء دراسته للصور؟ وبالتأكيد، لم يكن عسيراً على حفّاري القبر أن يصنعوا نسخة فعلية ومطابقة للقبر الحقيقي.

وحين ننظر إلى الأمر بجدية، لماذا علينا أن نكون على يقين من أن أي قبر يضم مَن يُفترض أنه يضمه؟ إن أكثر أحداث الحياة أهمية، وهو تحديداً الموت، تكتنفه السرّية والخوف بحيث لا يجرؤ معظمنا حتى على فحصه. فمَن يعرف ما الذي يجري هناك في مقبرة بورت بو؟ ربما لا يضم أي من القبور الجسد الصحيح، وربما لا يضم أي جسد. وفي المحصلة، ثمة كثير من الحركة للأجساد والعظام في هذا النظام: فأنت تستأجر "فسقية" لبضعة أعوام، وإذا لم تجددها، فإن العظام تُستخرج وتوضع في القبر العام (fosa común) حيث تُسجّى، وفي نهاية المطاف تختلط وتتآلف مع عدد من العظام لا أحد يستطيع أن يتكهن به، بحيث تفقد آخر أثر لفردانيتها. هنا، يُسَجَّون موحدين في هذه الفوضى غير اللائقة وهي الموت: أصدقاء وأعداء، محليين وغرباء، جمهوريين وفرانكو - يين، عظام الفخذ وعظام الكتف تختلط لخلق، وإعادة خلق ما يعتقد إلياس كانيتي (Elias Canetti) أنه "حشد الموتى اللامرئي" الذي من وجهة نظره، كان مصدراً ذا امتياز خاص بالمشاعر الدينية. ولو سار كل شيء كالمعتاد لكانت رفات بنيامين قد استُخرجت في سنة 1945، بعد خمسة أعوام من دفع السيدة غورلاند ٧٥ بيزيتا، ووُضعت في القبر العام.

لكن كيف نفسر عدم قدرة أرنت على تحديد موقع "الفسقية" بعد بضعة أشهر من موت بنيامين؟ يحرص شوليم على إخبارنا بهذا الأمر لأنه يشكل مقدمة درامية لادّعائه بشأن القبر المزيف في سنة 1975. "اسم [بنيامين] لم يكن مكتوباً في أي مكان"، قالت أرنت. غير أن ثمة تفصيلاً واحداً يمكن أن يكون ذكره مفيداً هنا، وله علاقة مباشرة بالتسمية: فعقب موته، دخل فالتر بنيامين السجل الرسمي (زودنا بهذا الأمر متحف فالتر بنيامين الحديث التأسيس في بورت بو) ليس كيهودي، بل كمسيحي كاثوليكي روماني باسم بنيامين فالتر، وللدقة، الدكتور بنيامين فالتر. ولذا، فإنه دُفن في المقبرة الخاصة بالكاثوليك، وبعيداً عن كونه بلا اسم، صار مزيفاً، تماماً مثل قبره: مسيحياً مزيفاً، وجسداً باسم مزيف.

ترى هذا الاسم في فاتورة صادرة من فندق فرانسيا (Hotel de Francia)، مُنحت لرجل ميت (el difunto) هو بنيامين فالتر، لقاء إقامة استمرت ٤ أيام، واشتملت الفاتورة على ٥ علب صودا بالليمون، و4 مكالمات هاتفية، وكسوة الجثمان، فضلاً عن تعقيم الغرفة وغسل الفرشة وتبييضها. وأيضاً في فاتورة الطبيب وقيمتها 75 بيزيتا لقاء الحُقن، وفحص ضغط الدم للمسافر (el viajero) بنيامين فالتر، وكذلك في شهادة الوفاة، رقم 25، الصادرة في 27 أيلول / سبتمبر 1940، لبنيامين فالتر، 48 عاماً، من برلين (ألمانيا، بحسب ما تم تدوينه)، وفي الفاتورة التي قدّمها النجار إلى القاضي في بورت بو لقاء عمل تابوت مبطّن بالقماش للرجل الميت السنيور بنيامين فالتر، وتتضمن هذه الفاتورة أجرة بقيمة 8 بيزيتا لبنّاء الطوب الذي أغلق "الفسقية" في مقبرة لبنيامين فالتر. وفي وسعك أيضاً أن تراه في فاتورة القسيس الصادرة في 1 تشرين الأول / أكتوبر 1940، وقيمتها 96 بيزيتا، 6 منها لقاء قدّاس للرجل الميت، و75 لقاء "أجرة 5 أعوام لـ 'فسقية' في المقبرة الكاثوليكية لهذه البلدة، والتي دُفنت فيها جثة ب. فالتر."[4]

كتب بنيامين قبل وفاته بقليل، "حتى الموتى لن يكونوا بمأمن من العدو إذا انتصر"، وكان هذا جزءاً من فلسفته للتاريخ التي تولي كل تفصيل من حياة المرء أهمية، إذ لا شيء يجب أن يُنسى، ذلك بأن الحاضر لديه التزام صارم تجاه الماضي، وفي هذا كله يسري، كخيط دقيق، الإمكان الباهت على الدوام للانعتاق. وعبارة "حتى الموتى" مكتوبة بالخط المائل في الأصل لغرض التأكيد، وهذه العبارة تستدعي عمله المبكر عن الدراما الباروكية التي كتب فيها، مركّزاً على مفهومه المتفرد للمجاز، أن [الكاتب] الدرامي يسحب من شخصياته حياتها ليستحوذ عليها ويتلاعب بها، وليبعث فيها تصاميم جديدة، بحيث يصبح المتحكم في مقاديرها. لقد كان هذا كله يدور في ذهن صديقه ثيودور أدورنو حين كتب، بعد مرور عقد على وفاة بنيامين، أن نظرة فلسفة بنيامين كانت ميدوسية، أي أنها كانت تحوّل كل ما تنظر إليه إلى حجر. لكن هذا، يردف أدورنو، كان جزءاً من استراتيجيا أكبر، وهي على وجه التحديد، الحاجة إلى أن نصير شيئاً من أجل كسر السحر الكارثي للأشياء.

من الضروري هنا استدعاء أفكار كهذه، ذلك بأنه بموت بنيامين فإن بعض الروايات شرع يصرّ على حيازته السيطرة على ذلك الموت، وهي روايات لا تكاد تكون ذات صلة بالأفكار التي طرحها في حياته، أو تلك التي تتناقض معها بشكل مضمَر. ألم يُمضِ بنيامين نفسه، في مقالته الشهيرة عن راوي الحكايات، قدراً جيداً من الوقت في طرح نظرية أن الموت هو مَن يمنح السلطة للراوي؟ وفي ظل أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001، لا أحد منا في حاجة إلى التذكير بذلك المنطق. وفي خطوة إلى الأمام، فإنه ربما يكون في وسعنا تأكيد أن هذا هو ما يخيفنا من الموت، مع أنه يغوينا أيضاً، كأن الحكاية يمكن أن تكتمل، بل حتى أن تُبتر بالغياب الذي هو الموت، مرجئاً، إلى الأبد، نهاية الحكاية التي كانت حياة. إننا نرغب في تلك السلطة من أجل حكايتنا نحن، وليس ثمة ما هو أكثر ضرورة منها حين نفسر الموت، وطبعاً، جسد الميت. إن شاهدة القبر أو النصب التذكاري، وخصوصاً الادعاء بكونهما مزيفين، ليسا إلّا محض حكاية من هذا القبيل، ليسا إلّا محض محاولة.

قلت لنفسي حين زرت المقبرة في بورت بو في ربيع سنة 2002: "لم آتِ إلى هنا كي أحجّ"، وفعلاً، لم أكن متأكداً حتى من أنني أرغب في زيارة المقبرة. ولا أعتقد أن هذا كله كان سببه، من ناحيتي، الخوف من المقابر، كما أنه لم يكن بسبب انجذابي إليها. لقد كانت الزيارة، أكثر من ذلك، فأنا لم أكن أشعر بالراحة حيال ما استشعرته من بدء تشكل جماعة من المعجبين حول موقع قبر بنيامين، كأن دراما موته ودراما المحرقة، بصورة عامة، مسموح لهما أن تحجبا القوة الغامضة لكتابته ولمعنى حياته. دعوني أقل بشكل فظ ومباشر: لقد بات الموت يعني أكثر ممّا تعنيه الحياة، فهذه الجماعة حزينة للغاية وحساسة للغاية، بل إنها مفرطة في يقينيتها بالحدث المتمثل في المحاولة الفاشلة لتجاوز الحدود، مع إدراكها جمال المكان، وهول تلك الحقبة. وهذا كله يقود إلى نوع من الحمق، قلتُ لنفسي، فبدلاً من الاحترام المستند إلى معرفة، ها نحن ننبهر انبهاراً رخيصاً برعشة المأساة التي تتجسد ثانية عبر الجمال الهادىء والمهول للمشهد. وعلى أي حال، فإن المرء لا يؤدي طقوساً تعبّدية على قبور المثقفين العظام، لكن ما هو الملائم في حالة كهذه إذاً؟ الموت أمر غريب، وكذلك التذكر.

يجب أن يكون هناك قواعد لإدارة شؤون الموت، ومع ذلك، فإن الموت يمتحن القواعد كلها. فمع كل موت، يموت المجتمع قليلاً، مثلما قال عالم الأنثروبولوجيا روبرت هيرتز (Robert Hertz) في سنة 1907 في دراسته عن التمثيلات الجماعية للموت، والتي غدت من الأدبيات الكلاسيكية الآن. لكن ما هو الشيء الذي يموت في المجتمع؟ الموت أمر غريب، وخصوصاً للمثقفين المعاصرين الذين من المرجح أن يجدوا أنفسهم متأثرين جداً بالتقاليد التي حاربوها. إن زيارة قبر بنيامين، أو حتى الاقتراب بوجل من أقصى موجات طاقته في طرف بورت بو، في محطة القطار الهائلة وساحات التحويل من خط إلى آخر المحاطة بالأنفاق التي تنفتح على الجبال الشاخصة، كما أن التوقف هناك والتردد في التقدم أكثر، مثلما فعلت أنا، أو أن تفكر كيف وإلى أين يجب أن تتقدم - هذا كله يعني عدم مقدرة أساسية على التعامل مع الموت، والحاجة إلى إعادة اختراع إجراءات معينة للاعتراف به. ولذا، فإن نيتشه يتوسل، ومن دون جدوى، إلى أن يكون هناك مؤرخون يستطيعون كتابة تواريخ تعادل الأحداث التي يكتبون عنها. إننا بحاجة إلى فعل الأمر ذاته مع موتانا، بل إن بنيامين أيضاً يقول شيئاً مشابهاً حين يحذّر من أن الحقيقة ليست إفشاء يدمر السر، وإنما هي كشف يُنصفه. لقد كان بنيامين يشير إلى عمل الحقيقة في مسار الحب من الجسد إلى الروح في "مائدة" (Symposium) أفلاطون. الموت يمتلك الأمر ذاته. تماماً الأمر ذاته.

هل كان بنيامين المفجّر الانتحاري الأول؟ جال هذا التساؤل في خاطري وأنا في القطار المتجه شمالاً نحو بورت بو، أقرأ الصحف التي حملت صفحاتها الأولى أخبار اجتياح الجنود الإسرائيليين بجرافاتهم المصفحة وطائرات الأباتشي البلدات والمخيمات الفلسطينية في ردة فعل على التفجيرات الانتحارية. الصحافيون يتقهقرون إلى الخلف بسبب قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع الذي يستخدمه الجنود، واثنان منهم على الأقل قُتلا على يد الجنود الإسرائيليين. أمّا التحقيق الذي تقوده الأمم المتحدة، بشأن ارتكاب جرائم حرب في جنين، فوُلِد ميتاً بسبب المعارضة الإسرائيلية له، كما أن رئيس الولايات المتحدة الأميركية، والإعلام الأميركي، يُصرّان على لوم الفلسطينيين على هذا العنف. وفي الواقع، ليس هناك محاولة لفهم ما الذي يحفّز الفلسطينيين، ولا حتى تصوير لحياتهم اليومية في مخيمات اللاجئين والسجون تحت "الاعتقال الإداري" المفروض عليهم من دون محاكمة. وبدلاً من ذلك، فإننا يوم الأحد نقرأ في المجلات مقالات مطولة تصوّر الألم النفسي لقناصة النخبة في الكوماندوس الإسرائيلي. ومع ذلك، هل حدث مرة أن كُرّس أي من مجلات الأحد للألم النفسي جرّاء نظام المرور الشبيه بنظام الفصل العنصري الذي يتحكم في مقدرة الفلسطينيين يومياً على قطع الشبكة العنكبوتية لحدود أراضيهم التي تمت بَلْقَنَتها، والتي تخترقها المستعمرات الإسرائيلية؟ يقولون إن التاريخ يكتبه المنتصرون، غير أن هذا يبدو غير مسبوق، إذ يظهر الفلسطينيون كأن لا صوت لهم بأي شكل من الأشكال، فهم ليسوا فقط غير ممثَّلين، بل غير قابلين للتمثيل أيضاً، أو مثلما قالت غولدا مئير، مرة، إنهم غير موجودين. إنهم مثل بنيامين، محكومون بالخسارة، بل إن الحقيقة نفسها تخضع للمحاكمة التي هي الحد الذي يُعرّف هذه الحقيقة ويعيد تعريفها، مثلما أسافر ببطء شمالاً خارجاً من برشلونة، شمالاً نحو الحدود في بورت بو في القطار المحلي الذي يتوقف في جميع المحطات كي أنزل حيث أُوقِف بنيامين قبل ستين عاماً.

كان هناك شاب يجلس في الجانب المقابل من المقصورة على بعد بضعة مقاعد إلى الأمام. إنه لا يتحدث الإسبانية، وهو قلق، ومريض بالقلق. كان معه حقيبة كبيرة سوداء اللون مصنوعة من مادة رخيصة يحتفظ بها إلى جواره على المقعد، حائلاً دون أن يجلس أي شخص إلى جانبه، وكان ينظر حوله طوال الوقت كحيوان في قفص. رأيته أول مرة في محطة سانت (Estacio Sants) الكئيبة في برشلونة حيث كنت أنتظر القطار، وهناك اقترب من امرأة في منتصف العمر، ومن خلال إيماءاته بدا كأنه يسألها متى سيأتي القطار المتجه إلى الحدود، وعمّا إذا كان القطار القادم هو القطار المطلوب. في القطار جاء إليّ ومعه تذكرته المطبوع عليها اسم سيربر (Cerbère)، البلدة الفرنسية الحدودية المقابلة لبورت بو، وعند كل محطة كان يردد "فرانسيا؟ فرانسيا؟" وينظر إليّ بتوسل، بعيون جاحظة، متسائلاً إن كانت تلك المحطة هي التي يتوجب عليه النزول فيها. أدركت أنه من شمال أفريقيا، وربما يكون [مهاجراً] غير شرعي. كانت تنبعث منه رائحة شخص لم يستحمّ منذ وقت طويل، رائحة رجل مطارد، بينما المعادي للسامية وللعرب لوبان [جان لوي ماري /Jean Louis Marie Le Pen] الذي كان يقود حملة ضد المهاجرين، قد تغلّب للتوّ على الاشتراكي جوسبان [ليونيل روبرت / Lionel Robert Jospin] في استطلاعات الرأي في فرنسا، حاصلاً على 18% من الأصوات تقريباً. حين غادرتُ القطار في بورت بو، لوحتُ للرجل ذي الحقيبة السوداء رافعاً له شارة النصر، فابتسم ابتسامة شاحبة. لقد أُوقِف بنيامين على الحدود قادماً من تلك الوجهة، لكن الأمور، طبعاً، كانت مختلفة آنذاك.

كي تصل إلى المقبرة عليك أن تتسلق التلة الخضراء التي تنحدر بشكل حاد في البحر. كان الوقت نهاية نيسان / أبريل، وكان سفح التلة يشتعل بالزهور البرية الصفراء، وفي جوف المنحدر العميق للخليج تتموضع البلدة. كان الجو بارداً وغير لطيف؛ ثمة أمر ما خطأ في الجو. هناك بعض السياح من فرنسا، وهم متنزهون نهاريون يسيرون على غير هدى، ويبحثون عن شيء ليستمتعوا بمشاهدته. المقهى لا يسمح لك باستخدام الحمام، والمقهى الوحيد المفتوح والموجود على حافة الماء ليس أقل ظلاماً وخواء من المحطة في برشلونة حيث بدأتُ، وهو غالٍ بشكل غير معقول كذلك. كانت البلدة تضم عدداً قليلاً من الشباب، فقط كبار سن وبعض الأطفال، والمتجر كان يبيع أساساً، مشروبات روحية رخيصة. بلدة بورت بو بلدة حدودية تغصّ بالمهربين، لكن ما الذي يمكنهم تهريبه الآن وإسبانيا جزء من أوروبا؟ ومع ذلك، لماذا تبدو البلدة متوترة؟ هكذا أتذكرها بالضبط، في أثناء قيادتي عبرها قادماً من فرنسا في سنة 1987 حين توقفنا لشرب القهوة، ثم أكملنا رحلتنا. لم يكن ثمة نصب تذكاري لبنيامين آنئذٍ، فقط البلدة. كانت البلدة بأسرها نصباً تذكارياً له، لكنها بالنسبة إليّ، كانت باردة، وبغيضة، وغامضة.

أتذكر ليسا فيتكو (Lisa Fittko) في شيكاغو حين اتصلتُ بها أول مرة من تلفون عمومي في منتصف الثمانينيات، بعد أن كنت قد عرفت للتوّ من باربرا سلان (Barbara Sahlins)، زوجة صديقي الأنثروبولوجي في الجامعة، أن المرأة التي أخذت بنيامين عبر الحدود، تسكن على بعد بضعة شوارع. "آه! أنت تبحث عن الحقيبة!" كانت كلمات ليسا الأولى على الهاتف. سقط قلبي. أَلَمْ تدرك أنه يمكن أن يكون لدى المرء أسباب بريئة تماماً للرغبة في التحدث إليها، وأن الكنز المفقود يمكن أن يقف عقبة في طريق ذلك؟ فالكنز الذي كنت أبحث عنه كان ملموساً حتى بشكل أقل من حقيبة مفقودة. لقد تملّكني ذلك الإحساس بشكل خفيف في تلك اللحظة، لكن بنظرة إلى الوراء، أميل إلى القول، وربما إلى التساؤل: ماذا لو كان الكنز الذي أبحث عنه، في مبدئه، هو الخطوةَ الأولى للحج الذي بدأته على نحو غير واعٍ في اللحظة نفسها التي وقفت فيها في حجيرة الهاتف العمومي الموجودة على ناصية الشارع في يوم عاصف جنوبي شيكاغو؟ كانت هذه رغبتي في استيعاب أي شيء من الرجل الميت، الرجل المقدس، حتى لو كان هذا الشيء لا يزال عالقاً كحضور حي متمثلاً في شخص المرأة التي أخذته بسرّية تامة إلى الجبل وعبر الحدود قبل أعوام مضت. لمع هذا كله في ذهني بأسرع ممّا يستغرق الوقت لقوله، وتملّكني إحساس بالمحظور، إذ بغضّ النظر عمّا قلت لها، فإنني كنت ضائعاً. الحقيبة - فكرة الحقيبة، صورة الحقيبة - أصبحت ذخيرة هائلة جعلت كل شيء أكثر غنى بفعل اختفائها.

عندما وصلتُ إلى بيتها، في وقت لاحق، قالت لي كم كان رولف تايدمان (Rolf Tiedemann) متحمساً حين أخبرَتْه عن سحب بنيامين لحقيبة سوداء ثقيلة عبر جبال البيرينيه (Pyrenees) قائلاً إنها تحتوي على أهم أعماله. "لا يمكنني المخاطرة بفقدها"، قال بنيامين، "إنها المخطوطة التي يجب أن تنجو. إنها أكثر أهمية مني." آنذاك كان تايدمان مسؤولاً عن نشر أعمال بنيامين الكاملة بالألمانية، فانطلق على الفور إلى بورت بو والعاصمة الإقليمية لإيجاد الحقيبة، واستطاع إقناع السلطات المحلية بالبحث في كل مكان. وإذا أسعفتني الذاكرة، فإن هذه السلطات بحثت حتى في السراديب تحت البلدة، لكن ربما ذاكرتي تلعب ألاعيبها مع الماضي الدفين. لم يجد أحد شيئاً: لا حقيبة، ولا مخطوطة خرافية، تماماً مثلما لم يكن هناك جسد أيضاً.

ما حدث غريب، لأن الوثائق التي سجلها القاضي لدى وفاة بنيامين، والتي رأيتها هناك، لا تحتوي على أي ذكر للمخطوطة، غير أن ثمة ملاحظة بوجود حقيبة يد كبيرة (cartera grande)، هي متاعه الوحيد. وقد تم تفصيل محتوياتها بدقة: ساعة جيب مع سلسلة دُوّنت أوصافها وما عليها من نقوش وتصاميم على نحو وافٍ؛ ورقة 500 فرنك، وورقة 50 دولار، وورقة 20 دولار (دُوّنت أرقامها المتسلسلة على نحو وافٍ أيضاً)؛ جواز سفر (رقمه 224) صادر عن دائرة الشؤون الخارجية الأميركية باسم فالتر بنيامين، وفيه تأشيرة سفر إسبانية صادرة عن مرسيليا؛ شهادة من معهد البحوث الاجتماعية الذي كان مركزه سابقاً في فرانكفورت، وهو الآن في المنفى في نيويورك، وملحق بطريقة ما بجامعة كولومبيا؛ 6 صور؛ بطاقة هوية شخصية صادرة عن باريس؛ صورة أشعة؛ غليون للتدخين مع مبسم مصنوع على ما يبدو من الكهرمان ومحفظته؛ نظارات ذات إطار من النيكل وبيتها؛ بضع رسائل، وجرائد. لكن لا مخطوطة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن ليسا فيتكو تتذكر كم كانت الحقيبة ثقيلة. كيف يمكن لساعة، وغليون، ونظارات، وبعض الأوراق أن يكون لها أي وزن؟ "كان علينا أن نسحب هذا الوحش عبر الجبال"، قالت فيتكو. وعند قمة الجبل ساروا في محاذاة مسار ليستر (Route Lister)، وهو درب المهرّبين الذي يبدأ من البحر، والذي سُمّي نسبة إلى الجنرال الجمهوري الشهير في الحرب الأهلية الإسبانية [إنريكه ليستر / Enrique Lister] الذي قاد قواته في هذا المسار نفسه. وذكرت فيتكو في مذكراتها أن بنيامين "كان يتنفس بصعوبة، لكنه لم يتذمر ولا حتى بتنهيدة. غير أنه كان دائم النظر إلى الحقيبة السوداء." وعند نقطة معينة، توقف وشرب من بركة ماء آسِن كانت خضراء وقذرة ومنتنة. حذّرَتْه فيتكو من الشرب، وقالت له إنه قد يصاب بالحمى النَّمَشية (تيفوس / Typhus). "صحيح"، أجاب، "ربما أُصاب بذلك، لكن ألا تعتقدين أن الأسوأ الذي قد يحدث هو أن أموت من الحمى النَّمَشية... بعد قطع الحدود؟ لن يتمكن الغستابو من النيل مني، وستنجو المخطوطة. أنا آسف." لقد كان دائماً بالغ التهذيب.

غير أن فيتكو ركزت أيضاً على افتقاره إلى القدرة على "التكيف"، وهو تلطُّف في التعبير من طرفها للإشارة إلى العديد من مظاهر انعدام الكفاءة التي كانت، على ما يبدو، سائدة بين هؤلاء المثقفين اللاجئين المفتقرين إلى ما ندعوه اليوم "مهارات البقاء" أو "الشوارعية". وقد يكون صعباً فهم هذا حين ينظر المرء إلى أكاديميي هذه الأيام، إذ يبدو أن معظمهم يحظى بوفرة من مثل هذه المهارات، إن كانت مهارات أصلاً. وثمة أثر للازدراء أيضاً، في ملاحظات فيتكو عن بعض الأشخاص الذين أخذتهم عبر الحدود فيما يتعلق بأنانيتهم وطفوليتهم، وبصورة عامة عدم قدرتهم على مواجهة الواقع وعلى أن يكونوا عمليين. إن الأشخاص المطارَدين، مثلما يبدو، لا يكونون بالضرورة في أحسن أحوالهم، لكن بنيامين حافظ على كرامته، ولم يتذمر ولا مرة واحدة، مع أنه صدمها بكونه مثيراً للشفقة على نحو خاص، إذ كان رجلاً من النوع الذي يحتاج، كما قالت، إلى مَن يرشده إلى كيفية الإمساك بفنجان الشاي الساخن، وهذا على ما يبدو أكثر ممّا نطلق عليه "غير عملي". إنه يشتمل على نوع من العجز، وربما على انعدام القدرة على الأمل في الوجود في عالم يُعتبر فيه فنجان شاي ساخن أمراً رمزياً."هل يتعين على المرء أن يتصرف بشكل تلقائي؟" يسأل محاورها، ريتشارد هاينمان. "لم يكن في وسعه فعل ذلك"، ترد فيتكو. "أعتقد أنه لم يكن قادراً على الإمساك بفنجان شاي ساخن في يده إلّا حين طور أولاً نظرية ملائمة لذلك."[5]

أظن أن المثقفين الذين رافقتهم فيتكو أتوا، في معظمهم، من بيوت فيها خدم و / أو زوجات اعتنوا بالبيت بينما كانوا هم يرسمون، أو ينحتون، أو يكتبون الروايات والقصائد والمسرحيات والمراجعات، وغير ذلك. وحتى حينما استفحل الفقر، مثلما هي الحال مع بنيامين منذ بداية ثلاثينيات القرن العشرين، فإنهم ربما كانوا يقيمون في فنادق رخيصة يعتمدون فيها على المقاهي للطعام والشراب، بعيداً عن متطلبات العمل المنزلي، وعن العديد من الشؤون العملية للحياة اليومية. فمَن كان يطبع لبنيامين، على سبيل المثال؟

"كثيرون من هؤلاء الرجال كانوا غير قادرين على التكيف مع ظروف بدائية"، يقول هانس لزوجته ليسا فيتكو بعد سجنه أول مرة في معسكر اعتقال للغرباء الأعداء، في ستاد كولومب (Stade Colombe)، على أطراف باريس في أواخر سنة 1939. "كيف تحمي نفسك من الريح والمطر؟ كيف تجفف ملابسك؟ كيف تمسك بكوب قهوة قصديري من دون أن تحرق أصابعك؟ غالباً ما كان أحد ما يسقط على المقعد ويكسر عظمة أو عظمتين."[6]

التقى هانس فيتكو ببنيامين في سجن آخر في فيرسوش (Versuche) بالقرب من نوفير (Nevers)، في الشتاء الذي سبق استسلام فرنسا، وقال له أن يتواصل مع ليسا إذا وصل إلى مرسيليا في الجنوب. صُعق هانس بمقدار عدم قدرة بنيامين على التكيف مع ظروف السجن، فبنيامين المدخن الشرس، أقلع عن التدخين من دون سابق إنذار. "ليس الوقت ملائماً لذلك" قال هانس، لكن بنيامين أوضح: "أستطيع تحمّل ظروف هذا المعسكر فقط إن كنت مرغماً على تركيز قواي العقلية على جهد واحد فقط، والإقلاع عن التدخين كلّفني هذا الجهد... وهكذا سيكون خلاصي."[7]

كان في السجن مجالات أُخرى لتسرية الوقت، كالمجلة الأدبية التي شكلها بنيامين مع عدد قليل من السجناء، وهي مجلة معسكر للمثقفين أُسست لتجعل الدولة ترى مَن هم هؤلاء الذين اعتقلتهم "كأعداء لفرنسا".[8] كانت هيئة التحرير تجتمع بالزحف إلى خيمة بنيامين تحت الدرج حيث ينام، بعد أن يقوم بالمراقبة سجين شاب "رجل مقدس في كهفه"، يعقّب [الشاعر والناقد والروائي الألماني اليهودي] هانس سال، "محروس بملاك". هناك، كانوا يشربون خمراً هولندياً مهرباً من الكُشْتُبانات التي حصل عليها الملاك من الجنود الفرنسيين. وفي أحيان أُخرى، كان بنيامين يعطي حصصاً دراسية "للطلبة المتقدمين"، لقاء ثلاث سجائر غلواز أو نبتة فطر صغيرة (button).[9] وعلى الرغم من هذه المبادرات، فإنه يبدو أن بنيامين لم يكن ليستمر طويلاً من دون ملاكه. "لم أدرك قبل ذلك قط هذا الصراع التراجيدي بين الفكر والممارسة في شخص واحد"، يكتب سال بعد ثلاثين عاماً.

لقد كان هذا الصراع صادماً أكثر في حالة بنيامين إذا أخذنا بعين الاعتبار إلى أي حد كانت نظرياته موائمة، وعلى نحو هائل، لما أطلق عليه هو نفسه عالم الأشياء، ولسلوك المحاكاة، هذا السلوك الذي يمكن اعتباره جوهر ما أصبح يُدعى لاحقاً "المعرفة المتجسدة"، والذي أعتقد أنه ما وصفته ليسا فيتكو بـ "القدرة على التكيف". "علينا أن نتدبر أمرنا" (Faut se débrouiller)، قالت، "يجب على المرء أن يعرف كيف يعتني بنفسه، وأن يخرج من الورطة." وقد تُرجم هذا إلى كيفية "شراء كوبونات الطعام المزيفة، واستجداء الحليب للأطفال، والحصول على بعض، أو أي نوع، من التصاريح، وباختصار، تدبُّر فعل ما، والحصول على ما هو غير موجود... لكن بنيامين لم يكن مدبِّراً (débrouillard)."[10] تضحك فيتكو عندما تتذكر كيف فشل بنيامين في محاولة تهريب نفسه إلى الخارج على متن قطار شحن، وكان متخفياً في هيئة بحار فرنسي، برفقة الدكتور فريتز فرانكل (Fritz Frankel)، المعروف بمظهره الهش وناصية شعره الشيباء. لقد جاوز التنكر حدوده.

كان حب بنيامين للحداثة، وخصوصاً للمونتاج، والمجاز، والتشظية (fragmentation)، يبدو تهيئة مسبقة لـ "القدرة على التكيف"، أي التعامل مع الظروف الجديدة والغريبة. ألم يكن هو المنظّر "ذا الجلد السميك"، والذي دعاه فرويد "الدرع المحفّز" الذي ازدادت سماكته كردة فعل على صدمات الحياة الحديثة؟ كما أن رسائله ومقالاته عن إيبيزا (Ibiza) خلال الفترة 1932 - 1933 هي شهادة لافتة على حب للحياة المادية، ونظرة ثاقبة إلى الطبيعة. لكن، ما جدوى هذا كله إن لم يكن في وسعك حتى الإمساك بفنجان شاي ساخن؟ وطبعاً، فإن الاعتبارات العملانية للانتحار لم تكن بعيدة عن متناول يده، كأن نقص "القدرة على التكيف" يتضمن عنصراً أخلاقياً معيناً يكمن خلفه، وهو على وجه التحديد، عدم التكيف.

بعد أن أخذت ليسا فيتكو، بنيامين، إلى الحدود، جرى تجنيدها هي وزوجها من طرف فاريان فراي (Varian Fry)، الكاتب النيويوركي الذي يتحدث الفرنسية والألمانية بطلاقة، والذي كان يعمل لـ "لجنة الطوارىء الأميركية للإنقاذ" من أجل إخراج المثقفين والفنانين والسياسيين وقادة العمال الملاحقين من النازيين في فرنسا. فخلال الوقت نفسه تقريباً الذي قام بنيامين بمحاولته القاتلة لاجتياز الحدود نحو إسبانيا، وصل فراي إلى مرسيليا ومعه 3000 دولار نقداً وقائمة من الأشخاص المطلوب إنقاذهم. وبسبب الشهرة التي اكتسبتها ليسا بعد أن أخذت بنيامين إلى الحدود، جنّدها فراي هي وزوجها لتنفيذ خطته. في البداية كانا مترددَين: هل كان فراي مؤهلاً للقيام بذلك؟ ألا يتعين عليهما الخروج بنفسَيهما إلى الحرية بأسرع وقت ممكن؟ كان لدى فراي اسم لهما، فدرب المهرّبين الذي استخدمَتْه ليسا، وهو درب ليستر، صار اسمه آنذاك درب – ف (F-Route)، في إشارة إلى فيتكو.

 

 

بقي فراي 13 شهراً قبل أن يُرَحّل، وكان، استناداً إلى شهادته الشخصية التفصيلية، ناجحاً للغاية. ففي الأسابيع الأولى، وحين كان يجيء إليه لاجىء اسمه على قائمته، كان يسأله عن معلومات بشأن الآخرين. كانت الأخبار مروّعة: إرنست وايس (Ernst Weiss)، الروائي التشيكي، تناول سماً في غرفته في باريس عندما دخل الألمان إلى المدينة؛ إرمغارد كيون (Irmgard Keun)، الروائي الألماني، انتحر كذلك عندما دخل الألمان إلى باريس؛ الكاتب المسرحي الألماني فالتر هازنكليفير (Walter Hasenclever) قتل نفسه بجرعة زائدة من [منوّم] الفيرونال (Veronal) في معسكر الإبادة في لي ميل (Les Milles)، ليس بعيداً عن مارسيليا؛ كارل أينستاين (Karl Einstein)، شريك جورج بتاي (Georges Bataille) في المجلة الفنية الشهيرة "وثائق" (Documents) والمتخصص بالفن البدائي، شنق نفسه على الحدود الإسبانية - الفرنسية عندما لم يتمكن من العبور؛ الزعيم العمالي ويلي مونزنبيرغ (Willi Muenzenberg) الذي كان في يوم من الأيام نائباً شيوعياً ألمانياً، وُجد مشنوقاً على شجرة في غرينوبل (Grenoble). "واحداً بعد الآخر، قمت بشطب هؤلاء الرجال من قائمتي."[11]

استناداً إلى فراي، فإن اللاجئين حملوا معهم قوارير من السم في جيوب ستراتهم "من باب الاحتياط... "، وقد زعم آرثر كوتسلر (Arthur Koestler) أن بنيامين أعطاه كميات كبيرة من المورفين في مرسيليا "من باب الاحتياط..."[12] لكن أكثر ما يترك أثراً في النفس، هو على ما أعتقد، الشهادات العديدة عن الشلل الذهني الذي لاحظه فراي في اللاجئين الذين، على الرغم من منحهم نقوداً وتأشيرات دخول، كانوا في غاية الخوف من أن يتحركوا. يقول: "كانوا مذعورين من فكرة البقاء"، ويضيف: "ومشلولين من الخوف من فكرة المغادرة. كانوا مجهزين بجوازات سفرهم وبتأشيرات فيزا سليمة، ومع ذلك تجدهم بعد شهر جالسين في مقاهي مرسيليا ينتظرون الشرطة أن تأتي وتأخذهم."[13]

تتسلق التلة خلف البلدة إلى المقبرة حيث الأجساد كلها مدفونة الآن، مع أن المقبرة كانت من قبل للكاثوليك فقط. البحر في الأسفل على يسارك، على بعد بضع مئات من الأقدام، والطريق تتعرج كلما صعدتَ. وعلى هضبة صغيرة، ينتصب القوس الذي تدخل من خلاله إلى المقبرة. لكن على بعد ثلاثين قدماً أمام المدخل، هناك مثلث غريب من الحديد البني الغامق بارتفاع عشرة أقدام على الأقل، ناتىء عن حافة الجرف كأنه كوع مثني على جانب البحر. من حافة قاعدة المثلث، وعلى امتداد الطريق، يشكل الحديد الصدىء نفسه بلاطة بعرض خمسة أقدام. "هذا غريب"، قلت لنفسي، وأنا أتعجب من اللون والدقة في هذه البلاطة الحديدية المتموضعة في الطريق.

 

 

 

وما إن خطوت بقدمي على البلاطة، متجهاً إلى المقبرة، حتى سمعت ألبرتو، إلى جانبي، يشهق. كان رأسه متجهاً نحو المثلث الحديدي الناتىء على يساره، وفجأة رأينا أنه يشكل المدخل إلى المنحدر الممتد تحت الأرض في موازاة سفح التلة. كان المنحدر مصفحاً بالحديد البني ذاته، بما في ذلك الدرجات التي تقود إلى الأسفل تقريباً على امتداد النظر كله، لتكوّن في النهاية مستطيلاً كاملاً يؤطر مشهد البحر بعيداً في الأسفل حيث تتكسر الأمواج على الصخور. لوهلة، بدا كأن كل شيء انقلب، فالجبل انفتق ليشكل ممراً مذهلاً يجذب البحر المتلاطم إلى حيث كنا نقف. كان هذا هو النصب التذكاري لبنيامين الذي بناه الفنان "التل أبيبي" داني كرافان (Dani Karavan) خارج المقبرة، وقد أتمّه في سنة 1994.

 

 

يعتقد البعض أن بنيامين ماركسي، أو ماركسي مع لوثة سوريالية، بينما ينظر إليه آخرون بصفته يزاوج بين الماركسية وصوفية الكابالاه. ثمة بعض الصحة في وجهات النظر هذه، لكنني، شخصياً، أفضّل اعتباره ماركسياً بروستياً[14] غريبَ الأطوار، مثقلاً بالطليعية (avant-garde) والمشهد السياسي المتحرك بسرعة في حينه. وكمؤشر إلى غرابة أطواره، انظروا مقالته: "شارع ذو اتجاه واحد"، والتي يقول فيها: "إذا كانت النظرية القائلة إن المشاعر غير موجودة في الرأس، هي نظرية صحيحة، بحيث نحس ونعي وجود نافذة، أو غيمة، أو شجرة، لا في أدمغتنا، وإنما في المكان الذي نراها فيه، فإننا، إذاً عندما ننظر إلى حبيبنا، نراه خارج ذواتنا أيضاً."

لعل هذا يوجز على نحو جيد كيف كان شعورنا في تلك اللحظة ونحن ننظر إلى انفتاح الجبل على البحر الهادر في الأسفل.

هبطنا الدرج، وفي منتصف المسافة انفتحت السماء أمامنا وتراجع السقف الحديدي، لكن الإحساس بالوجود في ممر يجري في باطن الأرض، كان على الرغم من ذلك، موجوداً. وقبل خطوات من النهاية (بلغت 87 درجة) كان هناك لوح زجاجي سميك يشبه الباب، يسدّ الطريق، وكان مكتوباً عليه بالألمانية والإسبانية والكتلانية والفرنسية والإنجليزية النص التالي: "إن إحياء ذكرى الذين لا اسم لهم أكثر عسراً وصعوبة من إحياء ذكرى المشهورين. وهذا البناء التاريخي منذور لذكرى أولئك المجهولين." وقد كُتب تحت هذه العبارة: "G.S. I, 1241"، وهو على ما أظن إشارة إلى مجموعة أعمال بنيامين بالألمانية (Gesammelte Schriften) التي حررها رولف تايدمان وهيرمان شوابنهاوزر (Hermann Schweppenhaüser).

جلسنا على الدرج بجانب الزجاج، وكان البحر يتراءى من خلال الزجاج، والكتابة تتراءى من خلال البحر الذي يعود ليتراءى من خلال الزجاج. وهكذا ذهاباً وإياباً، كلمات على الماء، وكلمات على السماء. حاولنا أن نفهم الكتابة.

 

 

لماذا هذا التركيز كله على الذين لا اسم لهم؟ سرحت بأفكاري كأني غبت في نشوة، وفجأة عدت إلى الانتباه. ساندرا وكريستينا، وهما كألبرتو، أنثروبولوجيتان من برشلونة اصطحبتاني إلى هنا، وكانتا تتحدثان بحماسة عن القبر العام حيث ينتهي بك المطاف بلا اسم حتى لو كنتَ دُفنت في البداية باسم. هناك، حيث قاعدة الدرج الحديدي، المحاط بالجدران الحديدية، المحاطة بالجبل، شعرت بأننا في طريقنا سريعاً إلى دخول القبر العام بأنفسنا، لكن القبر العام الذي كانتا يتحدثان عنه كان يمتد أمام أعيننا ليشمل، في مخيلتنا كما تعلمون، معسكرات فرانكو للإبادة، والقبور الجماعية حيث أُلقيت جثث السجناء واللاجئين الذين حاولوا قطع الحدود إلى فرنسا. وعلى الجهة الفرنسية من الحدود، حتى قبل نظام فيشي، كان هناك معسكرات إبادة كالذي في غورس (Gurs) في جبال البيرينيه المخصص لهؤلاء اللاجئين، مثلما أكدتا لي، وغورس هو المعسكر الذي سُجنتْ فيه أيضاً ليسا فيتكو.

أرسلت إليّ الصديقة الباسكية بيغونيا آرتكساغا (Begoña Aretxaga) التي تقيم منذ مدة طويلة في الولايات المتحدة الأميركية، رسالة عبر البريد الإلكتروني تصف فيها جبال البيرينيه "كحدّ بين الحياة والموت، حيث يمكن للمرء أن يواجه الموت فعلاً. هكذا كانت الحال في إقليم الباسك خلال السبعينيات والثمانينيات، وطبعاً مع نهاية الحرب الأهلية. لقد عشت مراهقتي مع هذا الواقع الذي تحوّل إلى ميثولوجيا سياسية، وحيّز للشائعة والحكاية، وإحياء ذكرى الموت في صيغه المتعددة من الغناء وإقامة الأضرحة والنُّصُب التذكارية، ولاحقاً الأفلام. أستطيع أن أخبرك بقصص هروب وحكايات مواجهة مع الموت تمّت أسطرتها، ولذا، فإن ميثولوجيا بنيامين مع الحدود تتصادى مع ميثولوجيات أُخرى عن النضال والهروب."

قرأت لاحقاً في صحيفة "إلبايس" (El País) الإسبانية الرائدة، أن "إسبانيا كلها قبر عام، وخصوصاً الحوافي على جوانب الطرق"، وذُكر أن أحد هذه القبور العامة يضم أكثر من 500 جثة لقتلى أطلق الحرس الوطني عليهم النار. ثمة حركة متنامية ترتبط بمؤسسة استعادة إنقاذ الذاكرة التاريخية من أجل إخراج الرفات "التي انتظرت هذه اللحظة ستين عاماً" إلى النور، مثلما تقول الأخبار.

ظلت أجساد الموتى ستين عاماً في الانتظار. يا له من تعبير غريب! أجساد الموتى مثل أميرة في حكاية تنتظر قبلة الأمير. هل كان هذا ما يفكر فيه بنيامين عندما كتب: "كي يتأثر الماضي بالحاضر ويُلمَس به، يجب ألّا يكون هناك استمرارية بينهما." هذا اللمس، أو ربما يجب أن أقول القبلة، كان من وجهة نظره نتيجة مفردة لصور هي مثل النجوم المتهاوية التي تحفّز عملية الانعتاق، وحَرْف التاريخ إلى مسار جديد. لكن هذه الصور فوارة تختفي بالسرعة التي تظهر فيها. ويمكن القول إنها عكس النُّصب التذكارية.

ولاحقاً، في أيلول / سبتمبر، أرسل لي صديق إسباني يقيم في برشلونة رسالة عبر البريد الإلكتروني جاء فيها: "نسيت أن أخبرك أنني حين قرأت ورقتك [عن قبر فالتر بنيامين]، تداعى إلى ذهني شيء قرأته حديثاً في إيطاليا عن أن عدة 'قبور عامة' تم اكتشافها في إسبانيا... ليس في المقابر، وإنما في الغابات، والمناطق النائية، في أماكن ذُبح فيها الناس وتمّ إخفاء جثثهم، 'اختفوا'... وعندما عدتُ إلى إسبانيا، لم يكن أحد قد سمع بذلك، بل حتى اليوم، لا أحد يتحدث عن هذه الأشياء في إسبانيا. وفي هذه الأثناء، فإن حفيد أحد مسؤولي البروباغندا في نظام فرانكو هو رئيس الحكومة في إسبانيا." أي شخصية هو فرانكو! لا أحد يتحدث عنه ولا عن جرائمه، ويبدو أن هذا الصمت يُبقي ظل فرانكو حياً.

الآن فهمت جو البلدة البارد. وسواء أكان ذلك صحيحاً أم خطأ، فإن هذا الشعور موجود، هذه الحقيقة الاجتماعية، أن أسراراً على غرار قبور الذين لا اسم لهم موجودة في كل مكان، وأن تلك البلدة الحدودية ربما كانت مسرح وحشية هائلة، وبالتأكيد، مسرح قلق لا يُحتمل. أن تكون بلا اسم يعني السرية والاختفاء على نطاق واسع، لكن بعض الأسماء كان معروفاً، مثل اسم بنيامين فالتر، أو فالتر بنيامين، حتى إن كان الجسد الخاص بالاسم قد فُقد، بينما السرّية، في أحسن الأحوال، كانت جزئية، وكانت، بالتالي، أكثر شراً. وبما أن هذه هي الحال، مثلما وصف صديقي: "لعل هذا الصمت مقصود منه إبقاء ظل فرانكو حياً"، فإن عليك أن تسأل نفسك عمّا إذا كانت هذه اللامرئية للسر العام، المصممة بعناية فائقة، هي النُّصُب التذكارية الأكثر أهمية التي يمكن تخيلها. إذ كيف يمكن لنُصُب تذكارية من الحجارة والزجاج، ولأسماء أشخاص أو اقتباسات أدبية سامية، أن تتنافس مع اللامرئية؟

حين استدرنا للعودة إلى الأعلى، صاعدين درجات النصب التذكاري، شدني شيء ما إلى الوراء ثانية. ففي أعلى الدرج، رأينا ما بدا كأنه المستطيل نفسه من الضوء الذي رأيناه حين دخلنا أول مرة ونظرنا إلى الأسفل نحو البحر. أمّا الآن، فإن النظر إلى الأعلى، إلى ذلك المدخل من الداخل كشف لنا أنه طبعاً لم يكن البحر، وإنما زرقة السماء الصافية. وداخل قبرنا العام، هذا النصب التذكاري لأؤلئك الذين لا اسم لهم، كنا نسير راجعين من البحر إلى السماء. لاحقاً، وفي المقبرة الفعلية، بحثنا عن شاهدةٍ لبنيامين، وكل ما وجدناه هو صخرة يصل ارتفاعها إلى الخصر، موضوعة على الأرض ولم يمسسها إزميل البنّاء، وليس عليها إلّا لافتة معدنية محفور عليها اقتباس آخر من كتابات بنيامين. لقد بدت نصوصه تغصّ بالعبارات السطحية المُعَدّة بصورة خاصة لتوضع على شواهد القبور والنُّصُب التذكارية، مع أنه ليس ثمة نقص في وجود كتّاب توّاقين إلى إظهار بعض عمقهم الطيفي، فيلصقون شريحة أو شريحتين. مسكين بنيامين، كم هو محزن أن تُعرض لآلئه على هذا النحو، والعبارة المحفورة تقول: "ليس هناك وثيقة للحضارة ما لم تكن وثيقة للبربرية."

 

 

آنئذٍ، اعتقدنا أن تلك الصخرة كانت شاهدة القبر التي ترقد رفات بنيامين تحتها، لكنني لاحقاً عرفت كم كنا سذجاً، إذ لم نستطع تخيل أن نصباً تذكارياً صغيراً بهذا الثقل يمكن أن يكون قبراً مزيفاً، وأنه لا يضم أي جسد، وأن ذلك الاسم، حتى وهو محفور في الحجر الصلد، يمكنه أن يطفو بلا هدف كما يشاء له الزمن مثل قصاصة ورق في شارع تعصف فيه الرياح. وعلى الرغم من ذلك، فإن المقابر موجودة لتؤكد على الأقل وجود علاقة مباشرة بين الاسم والجسد، وعلى ذلك، فإن لغتنا ترقد كذلك، رابطة الكلمات بمعانيها كأن بعضها مرتبط مباشرة ببعضها الآخر، بضرب من السحر فعلاً، ومن المؤكد أن بنيامين كان سيكون أول مَن يقدِّر ذلك.

هذا السحر هو فعلاً ضمن أكثر ممتلكات بنيامين أساسية وخصباً، وقد أثمر ذلك مقالته في سنة 1933، بعنوان: "مَلَكَة المحاكاة"، والتي كُتبت خلال إقامته في جزيرة إيبيزا التي تُعتبر، على غرار بورت بو، جزءاً مهماً من الثقافة والتاريخ الكتلانيين، مع أنها تقع على بعد ثماني ساعات بالقارب إلى الجنوب الشرقي عبر البحر الأبيض المتوسط حيث نقف في بورت بو. لقد أمضى بنيامين صيفَين في إيبيزا، وهناك تبرعمت مقالته الشهيرة عن راوي الحكايات، وكان وصوله إليها معدماً وبلا مأوى، في 19 نيسان / أبريل 1932، خلال الربيع، تماماً في الموعد الذي زرنا فيه بورت بو. لقد هالته الزهور البرية وجمال الجزيرة. وبالنسبة إليه، بدت الجزيرة، في بعض الأحيان، يوتوبيا ما قبل تاريخية، قفزة في الماضي السحيق، رجوعاً إلى بدايات الحضارة الأوروبية.

إن صور بنيامين لا بدّ من أن تكون نادرة بشكل كبير، الأمر الذي يفسر لماذا نواصل رؤية الوجه المفكر ذاته، مع سيجارة أو دونها، على أغلفة الكتب كافة. أي مفاجأة ستكون لو صادفنا صورة له وهو على الشاطىء![15] في الصيف، في إيبيزا! بعض الصور ذات الإطار العريض تُظهره على البحر مع مجموعة من الأشخاص أمام مساحة واسعة من البحر فيها بعض الرمل والصخور الخشنة. كم هو غريب، إذ بينما يظهر صاحباه وهما يرتديان قميصاً داخلياً من دون أكمام ويستمتعان بالشمس، ها هو فالتر يجلس على المقعد بجدية مرتدياً قميصاً وربطة عنق، وذقنه كالعادة في كفه اليمنى، ونظره إلى الداخل المظلم للبيت بدلاً من أن يكون نحو الشاطىء.

هناك أيضاً تسللنا إلى أرشيف صور بنيامين الذي لم يتبادر إلى ذهن أحد أن يتسلل إليه، وأعني لا أحد. إنه أيار / مايو 1933، وما نراه هو أربعة شباب يستلقون بمتعة على ظهورهم في الشمس على ظهر قارب يقوده شخص تبدو عليه السعادة مثلهم، وهو صياد أسماك محلي اسمه توماس فارو (Tomás Varó) ("فراسكيتو"). وفي الصورة ترى أيضاً طرف الشراع تجرفه الريح، ويلتطم به الموج. إنه فالتر برفقة الرسام الفرنسي الوسيم، عاري الصدر، جين سيلز (Jean Selz)، وإلى جانب فالتر يستلقي حفيد الرسام بول غوغان (Paul Gauguin)، والجميع يبدو في حالة انبساط من أثر الحشيش.[16] ماذا نستطيع أن نستخلص، بعد هذا، من التعليق الملهم على هذه الصورة - "المؤلف بوصفه منتجاً" (The Author as Producer) - التي انتقاها المحررون الأميركيون لأعمال بنيامين المختارة؟ وأنا لديّ نسخة ملصقة على الجهة الخارجية لباب غرفة نومي التي هي مكتبي أيضاً.

لقد صدمته حرارة الشمس. وسيكتب، لاحقاً، مقالة مهلوسة بعنوان: "في الشمس"، (In the Sun) وهي أيضاً رسالة حب لصديق [ـة] في برلين. "وبدهشة سيستدعي جميع الأمم، اليهود والهنود والمغاربة، الذين بنوا مدارسهم تحت الشمس التي بدت كأنها جعلت أي تفكير مستحيلاً بالنسبة إليه."[17] فحرقة الشمس تتسلل في المشهد وتصهر مكوناته كأنها شمع ذائب، والنحلة الطنانة تداعب أذنه، ورائحة الزبيب والزعتر تملأ الهواء. لقد تغير نمط إدراكه للأشياء وهو يتأمل العلاقة بين الأسماء والأشياء، كالأسماء السبعة عشر لمختلف أنواع التين في الجزيرة، على سبيل المثال. ومنذ أن كتب بنيامين في ريعان شبابه، نصه المأثور "عن اللغة كما هي، وعن لغة الإنسان" (On Language as Such and on the Language of Man)، لم يعد إلى هذا الموضوع، إلّا عندما لاحظ، ثانية، كيف أن الأشياء في الطبيعة تستمر في التغير، ومع ذلك فإن أسماءها تبقى مثلما هي حتى حين تلفظها شفتاه بشكل معين، كأسماء الجزر التي تصعد من البحر كتماثيل من رخام.

تستحضر الجزيرة الحكايات وكذلك أسماء الأشياء. فقد استغرق الوصول إلى هناك للمرة الأولى على ظهر السفينة البخارية من ألمانيا أحد عشر يوماً، وآنذاك بدأ بنيامين يبني أفكاره عن العلاقة الوثيقة بين الملل وراوي الحكايات، وشرع يعطينا حكمة عملية للعيش. كان هناك العديد من الحكايات، ابتداء من قيادة السفينة، مروراً بآلاتها وخرائطها، وانتهاء بتاريخ شركة الشحن الذي يعود إلى زمن تجارة العبيد. يقول بنيامين "لقد تقدمت المحادثة ببطء، لكنها كالفتيلة تحرق دائماً طريقها نحو مغامرة أو حكاية."[18] ويتابع: "هناك العديد من الحكايات التي لا أستطيع إعادة سردها، لكن عندما نزلت الدرج إلى الأسفل كي أتبادل بعض الكلمات مع القبطان قبل إقلاع السفينة، لم يكن ثمة كلمة واحدة لم تستطع أن توقظ في عين عقلي اسماً أو صورة."[19]

كتابات بنيامين تحاول أن تلغي المسافة بين الكلمات وما تحيل إليه، وقد أثار ثيودور أدورنو نقطة خاصة بهذا الشأن، بعد وفاة بنيامين بوقت طويل، حين كتب: "كل ما وقع تحت تفحّص كلماته تحوّل كأنه صار مشعّاً"، وكان هذا لأن "الأفكار تقترب من موضوعاتها، وتحاول تلمُّسها، وشمَّها، وتذوُّقها، ومن خلال ذلك تحوّل نفسها."[20]

هذا ما كان يجري هناك في أعلى المقبرة، في بورت بو، أيضاً، حيث الأسماء والأجساد يبتعد بعضها عن بعض وهي تسحب مراسي اللغة، جاعلة من سؤال كيفية تحديد الموت الذي هو سؤال مُلحّ، سؤالاً موازياً لنظريات بنيامين عن اللغة. ففي مذكرات طفولته، بعنوان: "وقائع برلينية" (A Berlin Chronicle) التي كتب جزءاً منها كذلك في إيبيزا في سنة 1932، كتب بنيامين: "اللغة تُظهر بوضوح أن الذاكرة ليست أداة لاكتشاف الماضي، بل لاكتشاف مسرحه. إنها الوسط الذي يجرَّب فيه الماضي، كما أن الأرض هي الوسط الذي ترقد فيه المدن الميتة." والمرء يحفر ويحفر في هذه الأرض، ينثر ترابها باحثاً بعناية فائقة عن كنوزها الفعلية التي هي "الصور المنفصلة عن جميع الارتباطات السابقة التي تقف -مثل شظايا ثمينة أو جذوع [تماثيل] في صالة عرض لمقتني أعمال فنية - في الغرف المملة لفهمنا اللاحق."[21] ربما كان يقصد القبر العام أيضاً.

المقبرة محاطة بجدار أبيض عالٍ، وهي نفسها ذات مدرجات لتلائم منحنيات السفح. وعلى امتداد هذه المنحنيات الموازية للشاطىء، توجد الحوافي البيضاء للقبور، أو ما يسمى الفسقيات، بارتفاع اثني عشر قدماً تقريباً. وفي أعلى نقطة في المقبرة، ثمة كنيسة بيضاء صغيرة ذات سقف عالٍ وأبواب خشبية خضراء. وفي اتجاه منتصف المقبرة إلى الأسفل، هناك درجات من الطوب تقسم المقبرة إلى نصفين. وحين تصعد الدرجات، تنتثر حوافي الفسقيات على يمينك وعلى يسارك، لكنني لم أتمكن من دخول الكنيسة لأنه، مقارنة بالمدخل المفتوح للنفق المصفح للنصب التذكاري لبنيامين الموجود على مقربة من مدخل المقبرة، فإن أبواب الكنيسة موصدة في دلالة على مكانتها المقدسة.

عندما عدت أدراجي نزولاً على درجات الطوب، وقفت عند أدنى نقطة حيث تشكل الفسقيات الجدار السفلي للمقبرة، ثم استدرت إلى الخلف وشاهدت عند أعلى الدرج أبواب الكنيسة الخضراء. وفجأة، شعرت بأنني عدت إلى درجات النصب التذكاري لبنيامين. كانت الفكرة ذاتها تماماً، وعملياً هي الدرجات ذاتها، فالدرجات في المقبرة تفضي من القبور إلى الكنيسة، بينما هي في النصب التذكاري ترشد المرء من الأمواج المتلاطمة إلى السماء المفتوحة.

هل هذه الفكرة هي ذاتها تماماً؟ حسناً، ليس تماماً لأن ما عبّر عنه النصب التذكاري بكماليته القصوى كان مفهوم بنيامين السوريالي لـ "الإضاءات المدنسة". صحيح أن الأشكال كانت متشابهة، وعملياً متطابقة، لكن في النصب التذكاري فإن الإضاءة المدنسة تقليدياً، والتي توجد في المقبرة، تمت محاكاتها بهذه الإضاءة المغايرة قليلاً للبحر والسماء. ففي المقبرة تحمل الفسقيات أسماء الموتى الراقدين في داخلها، وعندما تُستخرج بقايا الجثة لاحقاً، فإنها تُخفى تحت الباب الحديدي الصغير في القبر العام حيث تنضم إلى الحشد الذي لا اسم له. غير أن الإضاءة المدنسة تستجمع قواها من خلال التعبير المفتوح عن عدم معرفة الاسم كفضاء خاوٍ، وبحر، وسماء. إنها بالفعل مقولة تؤكد كيف يُثقَل العالم بموتاه المجهولين الذين لا اسم لهم.

 

 

 

ربما كان شوليم على حقّ في شأن القبر المزيف، لكن ما قدّمه من أدلة كان ضعيفاً، بل أكثر من ذلك يبدو كأنه يتجاهل نظام الدفن في بورت بو الذي تُنقل وفقاً له الرفات من الفسقيات إلى القبر العام. وإذا كان حفارو القبر حينها قد أقاموا ضريحهم الخاص، استجابة للزوار الذين يطلبون رؤية القبر، فمن ذا الذي يقول إن ذلك أقل احتراماً للميت، أو أقل ملاءمة لتسجيل ادعاءات الذاكرة والتاريخ؟ على مَن يقع اللوم هنا إن كان لا بد من اللوم؟ أيقع على حفاري القبر، أم على الزوار الذين لا ينتمون إلى الثقافة نفسها، ولا يفهمون نظام إعادة الدفن التي تنضم فيها عظام شخص ما إلى جموع أجيال وأجيال من الموتى الذين أطلق عليهم [إلياس] كانيتي "حشد الموتى اللامرئي"؟ لقد أراد شوليم قبراً صادقاً يوحد الاسم بالجسد في تراب المقبرة، الأمر الذي يبدو لي أنه صرخة بعيدة عن شغف بنيامين بالمجاز - أي إحساسه الفلسفي والجمالي بأننا نجد معنى في العالم ليس من خلال الرموز العاملة بسلاسة فحسب، كأننا نقرأ إشارات في قاموس، بل أيضاً عبر غرابة الانسجام بين الإشارات وما الذي تشير إليه، وخصوصاً حين تحتشد هذه الإشارات حول الموت.

 

المشرف على المكان يشير إلى الباب المتحرك على الأرض الذي يفضي إلى القبر العام.

 

لقد كانت حياة بنيامين بعد الموت آخر مقالاته في هذا الصدد، إذ لا توجد عظام يمكننا الإشارة إليها، وليس هناك قبر صادق، وليس ثمة جسد محنّط، ولا خصل شعر. لقد تم عكس اسم بنيامين، كما عُكس انتماؤه الديني، ولا نستطيع تصوره بعد موته إلّا بصور مرئية قليلة، لأنه لم يكن له إلّا صور قليلة حين كان حياً، وهذا أحد الأسباب التي تجعل قائمة أشيائه الشخصية بعد الموت لا تُقدّر بثمن. إننا نلاحظ وجود ساعة جيب مع سلسلة، ونظاراته ذات الإطار من النيكل، وغليونه ذي المبسم الكهرماني. لكن، ماذا عن الأشياء الفعلية، وتحديداً تلك الحقيبة السوداء الغامضة والمثيرة للغيظ والتي لا تبدو مهمة أكثر من جسد الميت فحسب، بل بديلاً منه أيضاً، وهي تنتقل ضائعة في أحد الأخطاء السرية للذاكرة، أو في أرشيف خفي تحت الأرض في بورت بو، أو في العاصمة الإقليمية؟ إننا نتمسك بالقائمة المكتوبة مثلما نتمسك بالأشياء المحسوسة الفعلية، بينما لدينا بالتأكيد أشياء أكثر قيمة، وهي مقالاته الرائعة وما ولّدته من مقالات. إنه روح أكثر منه جسداً، وبذا، فإن طريقة وموقع موته يربطاننا بأعمق أنماط الحرب الروحية، وهي حالة اختفاء الناس، وتعذيبهم، وإعدامهم الجماعي والسري - والذي لا تزال الحدود الإسبانية حيث انتحر بنيامين، شاهدة حية عليها، فضلاً عن المعسكرات في ألمانيا وبولندا، وما يحدث بتسارع مرعب مع حالة الطوارىء الجديدة التي نحياها مع إرهاب الحرب على الإرهاب في الوقت الذي أكتب هذه المقالة، وفي الذهن ما يحدث في [سجن] خليج غوانتانامو، والسجناء الأشباح المعتقلون من طرف الولايات المتحدة في سجن أبو غريب، وكذلك السجناء الذين أوكلت الولايات المتحدة تعذيبهم إلى دول مثل مصر وسورية.[22]

لم يكن اسم بنيامين مكتوباً في أي مكان، مثلما أخبرت أرنت شوليم، لكنها باسم وبلا اسم، وجدت المكان الذي كان يُفترض أن يكون مدفوناً فيه مهولاً: إنه "من أكثر البقاع التي رأيتها في حياتي جمالاً وروعة."

أفهم هذا الإحساس المكثف بالمكان والحيّز على أنه مجازي بطريقة خاصة. لقد اقتبستُ من قبل بيغونيا آرتكساغا بشأن الميثولوجيا السياسية لجبال البيرينيه التي نشأتْ في كنفها في إقليم الباسك في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته: "حيّز للشائعة والحكاية، وإحياء ذكرى الموت في صيغه المتعددة من الغناء وإقامة الأضرحة والنُّصُب التذكارية"، وأرغب في إدماج ذلك في الإحساس الرائع بالجمال البديع جداً، بالفعل، والذي سجلَتْه أرنت في أربعينيات القرن العشرين. لكن ما أود لفت انتباهكم إليه أكثر، هو ذلك الأداء المذهل للجمال الطبيعي مقروناً بالغياب - غياب الاسم، اسم بنيامين.

إذاً، إنه هذا الحس بالحيّز والمكان بصفتهما مزيجاً من الجمال والموت واللا اسم، الذي أريدُ وصف المجاز من خلاله مثلما استخدمه بنيامين لوصف فن الفهم ذلك الذي كان العالم الإنساني فيه، وتحت تأثير سحر الموت والرعب، متجمداً ومنسجماً بشكل طبيعي فيما ندعوه الحياة الثابتة أو المشهد. وبعد أعوام، وقريباً من نهاية حياته، ومن خلال مقالته الشهيرة بصعوبتها وغرابتها "أطروحات في فلسفة التاريخ"، طبّق بنيامين هذه الفكرة على ما أطلق عليه حالة الطوارىء التي لم يعد يراها الاستثناء، وإنما القاعدة.[23] فبسبب الاضطرابات الفظيعة، والديناميات المتسارعة التي مُنحت للتاريخ، غدا كل شيء فجأة كأنه مثبّت ومجمّد في الزمن، بينما صمت القبور يستعبد التاريخ ونحن ننتظر يوم الحساب وقدوم المسيح المخلّص. وفي هذا الوضع الدائم ما قبل الأخير – مثلما هو الوضع في ثقافة الإرهاب التي ينتجها قادتنا في حربهم على الإرهاب - تتغير أنماط قراءتنا وتفسيرنا للواقع بشكل جذري، وهذه الأنماط والتفاسير تصبح أكثر سينمائية، إذ مثلما يؤكد بنيامين فإن "صورة الماضي الحقيقية تمر مسرعة، ولا يمكن الإمساك بالماضي إلّا كصورة تومض في اللحظة التي يمكن التعرف عليها فيها، ثم لا تعود تُرى أبداً."[24] إن الخطر هو الذي يستفز الصور الهاربة التي تختزن كلاً من الماضي والمستقبل في [حيّز] الإرجاء، بينما تتنامى الكارثة، ومع ذلك، فإن هذا الخطر ذاته هو الذي يخثّر الاضطراب في [هيئة] حياة ثابتة. ويا للغرابة: صور عابرة وهاربة، من ناحية، ومشهد ثابت جداً، من ناحية أُخرى.

بعد وفاة بنيامين بفترة طويلة، سيذكّرنا صديقه ثيودور أدورنو بالحاجة الفكرية والروحية في زمننا من التاريخ إلى اتّباع، أو على الأقل، إلى أن نكون مدركين لممارسة بنيامين النقدية لحاجة كل شيء إلى أن "يتحول إلى شيء من أجل كسر تأثير السحر الكارثي للأشياء."[25] "إنه مندفع"، يكتب أدورنو، "ليس لمجرد إيقاظ الحياة في الأشياء المتحجرة – كما في المجاز - بل أيضاً للتمحيص في الأشياء الحية كي تقدّم نفسها بصفتها قديمة، 'بدء - تاريخية'، وعلى نحو مفاجىء تطلق أهميتها."[26] وهذا هو سبب عدم استطاعتنا أخذ إجازة من قبر بنيامين من دون أخذ إجازة من الحياة الثابتة، وطبيعة - الموت، والمشهد الذي دُشّن فيه القبر - أو ربما يتوجب علينا القول "القبر المزيف" - مع ضرورة الانتباه بصورة خاصة إلى إيماءة أدورنو إلى "الافتتان السحري" كما في الأثر السحري.

إذا كان الموت هو ما يمنح راوي الحكاية السلطة، مثلما اقترح بنيامين، فإن الموت أيضاً هو عرضة لإعادة رواياته، والتخمينات بشأنها، تماماً مثل روايات موت بنيامين نفسه. فالمحادثة تبدأ وتتبع المسارات ذهاباً وإياباً، مثلما فعلتُ هنا، ومثلما فعلت ليسا وهانس فيتكو بأخذ اللاجئين وإرشادهم ذهاباً وإياباً عبر الحدود. وللحظة، يمكن لنصب تذكاري كالذي [أقيم] لبنيامين أن يُمَرْكِز المشهد ويثبّته، لكن أثر ذلك السحر سيطغى عليه ويكسره أثر السحر الأعظم للمشهد ذاته. فهذا المشهد جميل جداً، وأكثر من كونه جميلاً، فإنه مهيب، بل استعلائي ومقدس. وقد أعطتنا حنّه أرنت نسخة من ذلك، ومن قبلها ليسا فيتكو: عندما أخذها الرئيس الاشتراكي لبلدية قرية بانيولس (Banyuls) التي تقع على الجانب الفرنسي من الحدود، بعد وقت قصير من وصولها إلى هناك، بعد أن كانت سجينة في معسكر الإبادة غورس، أعطاها طعاماً لأخت زوجها، إيفا، ولطفل إيفا كذلك. لقد كان لهذا اللطف والإحساس بالأمان أثره. نظرت ليسا من المسار لتشاهد المنطقة، وقالت كأنما تراها للمرة الأولى: "بحر مذهل الزرقة، وسلسلة جبال تنتشر على سفوحها كروم العنب الخضراء التي يتخللها لمعان ذهبي، وسماء زرقاء كزرقة البحر."

كتبت فيتكو: "لا يستطيع المرء وصفها، إذ عليه أن يكون هناك لرؤيتها."[27] وعندما جرّت بنيامين وحقيبته إلى ما بدا أنه كرم عنب عمودي، بمساعدة ابن السيدة غورلاند، كانت الدوالي مثقلة بعناقيد بانيولس شبه الناضجة. كان العنب أسود وحلواً، وكانت المرة الأولى التي تسير فيها في هذا الدرب، وبنيامين كان لاجئها الأول، وقد دشّنا المسار سوية، هذا المسار الذي دعاه فاريان فراي المسار - ف، أي مسار فيتكو، والذي سيسير فيه العديد من اللاجئين الآخرين. أضاعت الطريق، فعادوا من حيث أتوا، ثم وجدوا طريقهم إلى قمة الجبل: "كان المشهد مبهراً بشكل غير متوقع حتى ظننت أنني كنت أشاهد سراباً… شاطىء فيرميليون (Vermillion Coast)، هو مشهد خريفي بعدد لانهائي من التلوينات الحمراء والصفراء المائلة إلى الذهبية. شهقت لالتقاط نفس، فأنا لم أرَ مثل هذا الجمال من قبل."[28]

أمّا زوجها، هانس، فبدا بقبعته الباسكية وصندله، كفلاح محلي، وكان الأمر أفضل على ذلك النحو، إذ تستطيع أن تختلط مع العمال قبل أن تشرق الشمس، وبالتالي تأخذ اللاجئين بعيداً عن عيون المسؤولين. وفي وقت لاحق، كان يجلس على حافة الجرف يبحلق في البحر، فالأمواج كانت تخفف كثيراً من توتره. وفي يومياتها للأول من تشرين الثاني / أكتوبر 1940، كتبت ليسا فيتكو: "في الحقيقة، لم يعد يلقي خطابات طويلة خلال نومه مثلما كان معتاداً أن يفعل من قبل."[29]

ربما هذه هي إحدى الصور التي كان بنيامين يتحدث عنها، هذه الصور الهاربة التي نستحضرها في لحظة خطر، هي صورة جدلية تعاني في دقيقة خطراً مؤلماً واضطراباً، ثم في دقيقة أُخرى تسترخي على الصخور فوق الأمواج المتدحرجة من البحر. إن الجلوس على الحافة في محاذاة البحر ومراقبة الموج هو دعوة لنا، للحظة، على الأقل، إلى أن نتريث ونفكر، وأن ننضم إلى الرجل الجالس على الحافة، والشابة التي تكتب عن ذلك في يومياتها. هذا تخليد أيضاً، نوع من النصب التذكاري، كي نتريث ونفكر. هذان الشخصان من عائلة فيتكو، كانا في ريعان الشباب، وقد جازفا بروحيهما وعُذّبا، مراراً وتكراراً، في مقاومة الإرهاب على امتداد أوروبا، من برلين إلى براغ إلى باريس، والآن على الحدود الإسبانية - الفرنسية ها هما يساعدان الآخرين على الهرب.

هذا هو المشهد المتقاطع للحدود القائمة في الطبيعة والحكايات، والذي أعتبره أكثر نصب تذكاري ملاءمة لبنيامين وللمجهولين الآخرين من ضحايا التاريخ، والموجودين على اللوح الزجاجي الذي يخترق المنحدر بجانب المقبرة في بورت بو. هذا هو النصب التذكاري، إن كان لا بد من استخدام هذه الكلمة، الذي يشهد على فضول بنيامين الموجع، وجهوده الحماسية لخلق ما سمّاه "الصور الجدلية" التي يظهر من خلالها التاريخ الإنساني كأنه ما قبل التاريخ.

الريح تعوي هنا، ولها اسمها الخاص، ترانس مونتانا (transmontaña)، أي العابرة للجبال، كما لها شخصيتها الخاصة، وجذورها الغامضة، وأسباب وجودها. وهي في الخريف، وكذلك في الربيع، تكون قوية بحيث تدفعك بعيداً، بل تجعلك مجنوناً، مثلما يقولون. هل يمكننا تخيل دولة، أو دين، أو جماعة محكومة بالتذكر، يمكن أن تتحلى بالشجاعة أو الجنون بحيث تدعو الريح نصباً تذكارياً؟ ولم لا، ما دمنا، نحن البشر، بوعينا المتفوق والمحكوم باللغة، ملزمين بأن نطلق عليها اسماً، وأن ندخلها في حيز عقلانيتنا وتذكُّرنا لئلا تدفعنا بعيداً وتقودنا إلى الجنون. وفي نهاية المطاف، فإن للريح اسماً، وهي، على غرار هانس فيتكو، تحاكي أصحاب الأرض والبحر، حتى إن كانت، مثلما هي رغبة التاريخ، تعوي في منامها. 

***

وحين يشعل سيجارته اليوم، يستخدم حجر قداحة وفتيلة، كأي شخص آخر. "وفي القارب"، يقول: "إن تلك هي أفضل طريقة. فحين تهبّ الريح، تطفىء عود الثقاب، لكن كلما ازداد هبوب الريح، ازدادت الفتيلة اشتعالاً."

فالتر بنيامين، "إسبانيا، 1932".

 

المقالة أصلاً باللغة الإنجليزية، ووردت في:

Michael Taussig, “Walter Benjamin’s Grave”, in: Michael Taussig, Walter Benjamin’s Grave (Chicago; London: The University of Chicago Press, 2006), pp. 3-30.

ترجمة: عبد الرحيم الشيخ.

 

المصادر:

[1] Gershom Scholem, Walter Benjamin: The Story of a Friendship, translated by Harry Zohn (Philadelphia: Jewish Publication Society, 1981 [first edition 1975]), p. 226.

[2] Ibid., p. 226.

[3] سنعتمد هنا الترجمة التي وردت في كتاب: فالتر بنيامين، "مقالات مختارة"، ترجمة أحمد حسان (عمّان: أزمنة للنشر والتوزيع، 2007)، ص 197.

[4] Walter Benjamin Museum, Portbou.

[5] Ingrid and Konrad Scheurmann, eds., For Walter Benjamin (Bonn: AsKI, 1993), p. 140.

[6] Lisa Fittko, Escape through the Pyrenees, translated by David Koblick (Evanston, Illinois: Northwestern University Press, 1991), p. 11.

[7] Ibid., p. 108.

[8] Hans Sahl, “Benjamin in the Internment Camp”, in: On Walter Benjamin: Critical Essays and Recollections, edited by Gary Smith (Cambridge, Massachusetts: MIT Press, 1988), pp. 350–351.

[9] Ibid., pp. 349, 351.

[10] Fittko, op. cit., pp. 113, 114.

[11] Varian Fry, Surrender on Demand (New York: Random House, 1945), p. 31.

[12] Arthur Koestler, “Scum of the Earth”, with commentary, in: Momme Brodersen, Walter Benjamin: A Biography, translated by Malcolm R. Green and Ingrida Ligers (London and New York: Verso Books, 1996), pp. 258, 309–310.

وكتاب بروديرسين هو منجم ذهب لما يحتويه من معلومات مذهلة ومقدمة بشكل واضح.

[13] Fry, op. cit., p. 16.

[14] نسبة إلى الكاتب الفرنسي مارسيل بروست. المحرر

[15] Jean Selz, “Benjamin in Ibiza”, in Smith, op. cit., pp. 352-366 (photographs on p. 356); Brodersen, op. cit., p. 196; Vicente Valero, Experiencia y pobreza: Walter Benjamin en Ibiza, 1932–1933 (Barcelona: Ediciones Peninsula, 2001(.

[16] Valero, op. cit., pp. 128–129 (photograph no. 19).

[17] Walter Benjamin, “In the Sun”, in Walter Benjamin: Selected Writings, 1927-1934, edited by Michael W. Jennings (Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 1999), vol. 2, part 2, p. 662.

[18] Walter Benjamin, “Spain, 1932”, in: Ibid., p. 648.

[19] Ibid., p. 651.

[20] Theodor W. Adorno, “A Portrait of Walter Benjamin”, in: Theodor W. Adorno, Prisms, translated by Samuel and Shierry Weber (Cambridge, Massachusetts: MIT Press, 1986), pp. 227-242.

[21] Walter Benjamin, “A Berlin Chronicle”, in: Walter Benjamin, Reflections: Essays, Aphorisms, Autobiographical Writing, edited and with an introduction by Peter Demetz (New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1978), pp. 25–26.

[22] Jane Mayer, “Outsourcing Torture: The Secret History of America’s ‘Extraordinary Rendition’ Program”, The New Yorker (issues of February 14 and 21, 2005), pp. 106–123.

[23]بنيامين، "مقالات مختارة"، مصدر سبق ذكره، ص 198.

[24] اعتمدنا هنا الترجمة التي وردت في: المصدر نفسه، ص 197. المحرر

[25] Adorno, op. cit., pp. 233.

[26] Ibid.

[27] Fittko, op. cit., p. 101.

[28] Ibid., p. 110.

[29] Ibid., p. 127.

السيرة الشخصية: 

مايكل تاوسيغ: أنثروبولوجي وأستاذ في جامعة كولومبيا، الولايات المتحدة الأميركية.