قراءة في مؤتمر "الشعبية": التحول الأيديولوجي الصامت
النص الكامل: 

تأخر عقد المؤتمر العام الثامن للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والذي كان مقرراً في سنة 2018، تسعة أعوام، والتأم في 8 أيار / مايو الماضي. والسبب بحسب قيادة الشعبية، هو ظروف إقليمية ووطنية، تبعاً للأوضاع في الضفة الغربية والحملة المستمرة للاحتلال هناك ضد الجبهة وقياداتها.

عُقد المؤتمر، وصدر بيان ختامي عنه نقف أمام مفاصل أساسية فيه، وبشكل سريع: فتنظيمياً، وفق البيان، تم، استثنائياً، تجديد انتخاب أحمد سعدات، المعتقل لدى الاحتلال، أميناً عاماً للجبهة، كون نظامها الداخلي لا يتيح له الترشح لدورة ثالثة، وذلك وفاء لنضالات الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، بينما جرى الالتزام بالنظام فيما يتعلق بأعضاء المكتب السياسي، وقد خرج منه عدد من قادة الجبهة التاريخيين على رأسهم نائب الأمين العام السابق أبو أحمد فؤاد. وانتُخب جميل مزهر من غزة نائباً للأمين العام، وهو موقع له أهمية خاصة في ظل استحالة متابعة الأمين العام مهمات العمل اليومي.

وإذا كان ما سبق الإشارة إليه يسجَّل إيجابياً للجبهة الشعبية، فإن ثغرة كبيرة سُجلت، إذ لم ينجح المؤتمر إلّا في انتخاب امرأة واحدة لعضوية المكتب السياسي (من أعضاء المكتب السياسي العلنيين)، مع أن 25% من عضوية الجبهة هي من النساء، بحسب ما ورد في بيان المؤتمر.

كذلك لا بد من التوقف أمام إشارة البيان إلى أن العمال والفلاحين يشكلون 60% من عضوية الجبهة الشعبية (47% عمالاً، و13% فلاحين)، وهي نسبة غريبة بعض الشيء، وخصوصاً أن العمال والفلاحين تراجعوا كطبقة اجتماعية في جميع أنحاء العالم خلال القرن العشرين، وأصبحوا يشكلون أقلية من السكان في المجتمعات الصناعية، فكيف بالنامية؟ وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن العمال والفلاحين يشكلون أقل من ربع القوى العاملة في فلسطين.

أمّا سياسياً فقد أشار البيان إلى أن برنامج الجبهة الذي أقرّه المؤتمر أكد النضال لتحرير فلسطين كلها من البحر إلى النهر، وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية على كامل فلسطين التاريخية، لكن البيان لم يتحدث عمّا إذا كان الموقف قد تغير إزاء مسألة دولة على حدود 1967، والتي وافقت الجبهة عليها في المؤتمر الوطني الفلسطيني في الجزائر في سنة 1988، ولا سيما أن فكرة الدولة تلك ظلت حاضرة في مؤتمراتها المتتالية، وفق محددات وشروط.

بعد هذا العرض السريع للمعطيات التي وفرها بيان المؤتمر الثامن للجبهة، لا بد من تسجيل تقدير إيجابي لمحافظة الجبهة الشعبية على عقد مؤتمراتها – على الرغم من عدم انتظام دوريتها - والتزام المؤتمر الثامن بمبدأ دورتين كحد أقصى لأعضاء الهيئات المركزية، وربما الجبهة الشعبية هي الوحيدة بين ما يُعرف بالقوى الديمقراطية التي تلتزم بمثل هذا المبدأ. لكن ذلك التقدير لا يمنع مناقشة التغيرات الأيديولوجية التي مرت بها الجبهة طوال تاريخها، منذ لحظة التأسيس حتى إنجاز المؤتمر الأخير، وطرح سؤال: هل كانت هذه التغيرات نتيجة تفاعل الممارسة السياسية مع الفكر السياسي، أم إنها مجرد استجابة لمتغيرات خارجية وإقرار بالأمر الواقع؟ 

المؤتمر الثامن والأيديولوجيا

على غرار العديد من مفاهيم العلوم الإنسانية والاجتماعية، فإن مفهوم الأيديولوجيا ليس له تعريف جامع مانع، يُلمّ بجميع المعاني التي يحملها، لأنه مفهوم حي غير جامد، متحرك غير ثابت، ولا يمكن احتواؤه بنص، ومن الخطأ الخلط بينه وبين الفكر السياسي. وقد عرّف قاموس أكسفورد الإنجليزي الأيديولوجيا بمعنيَين، عام وخاص: في المعنى العام هي أسلوب التفكير الذي تتميز به طبقة، أو يتميز به فرد بعينه؛ أمّا في المعنى الخاص فهي مجموعة الأفكار المبنية على أسس نظرية معينة.

والأيديولوجيا في حد ذاتها ظاهرة اجتماعية وثقافية وسيكولوجية وسياسية ومعرفية، وليست سياسية فقط، مثلما يرى منظّر الأيديولوجيا والحداثة الكاتب والفيلسوف والمنظّر المغربي محمد سبيلا، فهي المنظور (perspective) الذي يرى من خلاله فرد أو جماعة من الناس، الحياة. يمكن القول – بشيء من المجازفة - إن الأيديولوجيا هي نتاج تفاعل بين عالمين: عالم الأفكار المجردة وعالم الواقع المعاش. ولكل فرد أو جماعة في أي مجتمع من المجتمعات أيديولوجيا معينة حتى إن لم يدركا ذلك، وبالتالي يمكن الجزم بأنه لا وجود لجماعة أو حركة أو حزب سياسي بلا أيديولوجيا، وإن ادّعى الجميع أنهم غير أيديولوجيين.

إذاً، يمكن الاستنتاج أن الأيديولوجيا هي منتج محلي أساساً، حتى إن اقترنت بنظرية خارجية، فعندما يكون هناك مجتمع عمّالي متقدم، ينشأ حزب عمّال له أيديولوجيا واضحة تعكس فكر ومصالح الطبقة العاملة، ويناضل للوصول إلى السلطة. وهذا لم يكن حال المجتمع الفلسطيني في يوم من الأيام، بل لم يعد هناك مجتمع في العالم يمكن أن يُطلَق عليه اسم مجتمع صناعي، ذلك بأن قطاع الخدمات أصبح هو الأكبر في الدول الأكثر تقدماً اليوم.

إن أهم نقد وُجّه إلى أحزاب اليسار العربي، وإلى يسار العالم الثالث عامة، هو النقل الميكانيكي للأيديولوجيات المرتبطة بالماركسية، سواء السوفياتية (الماركسية - اللينينية) أو سواها، من دون محاولة تَبْيِئَتها، أو العمل على بناء أيديولوجيا محلية تستند إلى المبادىء العامة للماركسية. والجبهة الشعبية حين انبثقت من حركة القوميين العرب في نهاية سنة 1967، تمايزت من الحركة الأم بمسألتين رئيسيَّتين: الأولى أنها قُطرية، والثانية تبنّيها للماركسية - اللينينية.

والماركسية –اللينينية ليست إطاراً فكرياً فحسب، بل هي أيضاً مجموعة من المبادىء والآليات الناظمة للعمل التنظيمي (بناء الهيكل الحزبي والأطر الجماهيرية المحيطة)، وهي مفهوم جرى صوغه ووضع أسسه بعد رحيل لينين، وتعبّر عن تفسير القيادة السوفياتية بزعامة ستالين لأفكار لينين، وربما كان يُفترض أن تسمى ستالينية لا لينينية، لكن هذا مبحث آخر.

على كل، جاء تبنّي الماركسية –اللينينية السوفياتية تأثراً بالواقع السائد في مرحلة التأسيس، إذ إن معظم القوى المناهضة للاستعمار آنذاك كان إمّا اشتراكياً وطنياً، وإمّا ماركسياً –لينينياً. وكان التبنّي، مثلما أسلفنا، ميكانيكياً وليس فهماً لواقع المجتمع الفلسطيني، وعليه اعتبرت الجبهة أنها تمثل العمّال والفلاحين بشكل أساسي إلى جانب المثقفين الثوريين والبرجوازية الصغيرة. وعلى هذا الأساس كان التركيز منذ انطلاقة الجبهة على فحص الخلفية والانحياز الطبقيَّين للمنتسبين الجدد، وعلى الاهتمام بأن تكون أغلبية العضوية من العمال والفلاحين، مع أقلية من المثقفين الثوريين والبرجوازية الصغيرة (يشار إليها بالمهنيين في بيان المؤتمر الثامن)، من دون توضيح ما هي المعايير التي على أساسها تم تحديد مَن هو العامل والفلاح والمثقف. مثلاً: هل صاحب الحرفة العاطل عن العمل هو عامل؟ وهل مَن يتملك ورشة صغيرة يُعتبر عاملاً أم صاحب عمل؟ هل المزارع الذي يزرع قطعة أرض صغيرة يمتلكها يُعتبر فلاحاً أم مالك أرض؟

من هنا يمكن فهم لماذا حرص بيان المؤتمر الثامن على إبراز نسبة العمال والفلاحين في عضوية الجبهة التي بلغت 60% بحسب البيان. لكن البيان لم يشر إلى عدد العمال والفلاحين في اللجنة المركزية والمكتب السياسي للجبهة، وإن كان يصل إلى 60% في هيئاتها القيادية. واستناداً إلى معرفة شخصية (ما دام لا يوجد بيانات موثقة)، فإن نسبة تمثيل العمال والفلاحين في اللجنة المركزية أقل كثيراً من نسبتهم في العضوية الحزبية التي أعلنها البيان، وهي منعدمة تقريباً في المكتب السياسي، الأمر الذي يشير إمّا إلى خلل كبير في تمثيل قطاعات القاعدة الحزبية في الهيئات القيادية، وإمّا إلى أن النسبة المذكورة غير دقيقة، وإمّا جرى اعتماد معايير مائعة في تحديد العامل والفلاح. 

تغيير صامت

تبنّت الجبهةُ الشعبية الماركسيةَ - اللينينية منذ تأسيسها، وسعت للتحول إلى حزب ماركسي - لينيني، حتى إن شعار المؤتمر الرابع للجبهة الذي عُقد في نيسان / أبريل 1981 كان: "المؤتمر الوطني الرابع خطوة هامة على طريق استكمال التحول لبناء الحزب الماركسي -اللينيني". واستمر هذا الشعار مطروحاً في الأدبيات التي تلت هذا التاريخ حتى تفكك الاتحاد السوفياتي، فغاب الحزب الماركسي - اللينيني عن أدبيات المؤتمر الخامس (1993)، واستُبدل بعبارة "حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين"، وتم الحفاظ على عبارة "التحول" لكن إلى "حزب عمالي ماركسي ثوري" عوضاً عن "ماركسي - لينيني"، ثم غابت صيغة "التحول" عن أدبيات المؤتمر السادس (2000).

لقد اعتُمدت صيغ فضفاضة في التعبير عن المرجعية الفكرية للجبهة منذ المؤتمر السادس. وتقول المادة الثانية من النظام الداخلي الذي أقرّه المؤتمر الثامن الأخير: "تسترشد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالفكر الماركسي وبجوهره، المنهج المادي الجدلي التاريخي، وبكل ما هو تقدمي وديمقراطي وإنساني في التراث الفكري والثقافي لشعبنا الفلسطيني وللأمة العربية والإنسانية جمعاء."

التحولات الصامتة لم تكن على مستوى الإطار الفكري العام فقط، بل على مستوى أهداف النضال الفلسطيني أيضاً. لنأخذ، على سبيل المثال وليس الحصر، مسألة دولة فلسطين الديمقراطية، فهي هدف وضعته الجبهة الشعبية منذ انطلاقتها، وكذلك حركة "فتح" ومجمل قوى الثورة الفلسطينية المعاصرة، والذي تعود جذوره إلى ثلاثينيات القرن الماضي. صحيح أن الجبهة حافظت على هذا البند المتعلق بإقامة دولة فلسطين الديمقراطية، لكن المعنى الذي اكتنزه هذا التعبير عند وضعه أول مرة تغير عبر الزمن: ففي البدء كان يعني دولة تضم العرب واليهود في فلسطين التاريخية، وتم التعبير عن ذلك بكل وضوح في الاستراتيجيا السياسية والتنظيمية لسنة 1969، والتي جاء فيها: "إن هدف حركة التحرر الفلسطينية هو إنشاء دولة وطنية ديمقراطية يعيش فيها العرب واليهود كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات"، لكن هذا النص اختفى من الأدبيات لاحقاً، وربما كان آخر ظهور له في سلسلة "دليل الحلقات" لسنة 1988.

قبل أعوام، عندما نُشرت وثيقة تدعو إلى دولة فلسطين علمانية واحدة، استنكر عدد من أعضاء الجبهة دعوة الوثيقة إلى دولة واحدة تضم العرب واليهود، ففي أذهانهم أن عبارة "دولة فلسطين الديمقراطية" التي قرأوا عنها في نظام حزبهم الداخلي هي تأكيد على ديمقراطية الدولة بعد التحرير، ولم يتخيلوا أنها تعني المعنى الذي عبّرت عنه الاستراتيجيا السياسية والتنظيمية بمنتهى الوضوح.

لكن هل تغير فهم الجبهة كمؤسسة للدولة الديمقراطية؟

في كتاب "شروحات النظام الداخلي" للجبهة، والصادر بعد المؤتمر السابع، يَرِد أن إقامة دولة فلسطين الديمقراطية تستوجب "تحرير فلسطين من الصهيونية عن طريق إزالة دولة الكيان الصهيوني ككيان احتلالي عنصري، وإزالة كافة المفاهيم والمؤسسات التي قام على أساسها هذا الكيان، إذ لا يمكن تصور إقامة دولة فلسطين الديمقراطية دون إزالة دولة الكيان الصهيوني ومؤسساتها، وتحرير فلسطين من الصهيونية." والملاحظ أنه لم ترد في الفقرة مسألة العيش المشترك بين اليهود والعرب، ولا نفي لها، بل إنها ببساطة لم تعد موجودة، مع أن النص يشير إلى المعنى الذي حملته الاستراتيجيا السياسية والتنظيمية بشكل ضمني. وربما يمكن عزو ذلك إلى تغير المزاج النفسي العام داخل الجبهة وخارجها، والذي مال إلى أن يكون مزاجاً محافظاً بعد ظهور الإسلام السياسي، وتسلل مفردات خطابه إلى المجالَين السياسي والثقافي الفلسطيني والعربي. 

تغيّر في الممارسة

إن الأيديولوجيا مثلما أسلفنا، ليست فكراً فقط، بل هي ظاهرة اجتماعية ونفسية أيضاً، ولهذا يجب عدم البحث عن التغيرات الأيديولوجية في النصوص فقط، بل فيما وراء النصوص: في الممارسة العملية التي يتمظهر فيها التحول الأيديولوجي في أكثر من مسألة، وسنتناول منها مسألتين أساسيتين هي: الموقف من المرأة، والعضوية الحزبية.

أولاً، الموقف من المرأة: حمل برنامج الجبهة نصوصاً تدعم المساواة وحقوق المرأة بشكل واضح، وتقول المادة السابعة من النظام الداخلي، "تناضل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من أجل توسيع وتعزيز المكتسبات والحقوق الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية للنساء على طريق تحقيق المساواة والتحرر الاجتماعي الناجز لهن." والمشكلة هي أن تلك النصوص لم تترجَم قط إلى خطاب نسوي يحمل مطالبات واضحة تتعلق بالتمييز الذي تتعرض له النساء في القوانين والتشريعات، أو داخل أطر المجال العام، مثلما يحدث في غزة مثلاً، كما أنها لم تحمل خطاباً يتحدى النظام الاجتماعي الذكوري الأبوي. وربما كان هذا الأمر مفهوماً في مرحلة الاحتلال المباشر، إذ لم يكن النضال الاجتماعي - الديمقراطي مركزياً، لكن بعد الكونفرنس (conference) الحزبي الأول في حزيران / يونيو 1994 عرّفت الجبهة نضالها بأنه وطني وديمقراطي، أي بات التحرر الديمقراطي في مستوى الوطني، إلّا إن ذلك لم يجد طريقه إلى الممارسة. ففي جميع المحطات التي حدث فيها اشتباك على قضية تتعلق بحقوق النساء مثل تعديلات قوانين الأحوال الشخصية في أراضي السلطة، كانت منظمات المجتمع المدني تتصدر الاعتراض، وتغيب الجبهة وإطارها النسوي أو يكون حضورهما خجولاً. ويبقى انتخاب امرأة واحدة فقط في المكتب السياسي الجديد دليلاً قوياً على ذلك، لكن كان لافتاً غيابها عن اللقاءات السياسية التي عقدتها قيادة الجبهة الشعبية الجديدة في زيارتها للبنان وسورية بعد المؤتمر الثامن، فضلاً عن أنها لم تحضر إلّا الفاعليات الجماهيرية، مثلما ظهر في التغطية الإعلامية للزيارة.

ثانياً، العضوية الحزبية: تبنّت الجبهة الشروط اللينينية للعضوية الحزبية، والتي توجب على العضو أن يوافق على برنامج الحزب، ويسدد اشتراكاً حزبياً، وينضم إلى قوام منظمة حزبية، وهي الشروط التي حدث بسببها الخلاف الشهير بين لينين وزعيم المناشفة يوليوس مارتوف في المؤتمر الثاني لحزب العمال الديمقراطي الروسي في سنة 1903، إذ أصرّ لينين على عضوية محدودة لكن صلبة على أن يتم التوسع بشكل أكبر في الأنصار، بينما تحدث مارتوف عن كتلة أو تيار داخل الحزب الثوري، بمواصفات أقل صرامة من تلك التي كان لينين يدعو إليها. وعلى الرغم من تبنّي الجبهة المعاييرَ اللينينية في العضوية، على الأقل منذ المؤتمر الثالث (1972)، فإن هناك إشارات تدل على تساهل الجبهة في الالتزام بهذه المعايير، ومن أبرز تلك المظاهر انتشار عدد من الظواهر اليمينية داخل عضوية الجبهة، مثل التدين في جانبه الاجتماعي (أي اعتناق معايير الفقه الإسلامي في تناول القضايا الاجتماعية)، والمواقف المحافِظة من المرأة وقضايا الحريات الفردية، وتسرب بعض أفكار الإسلام السياسي ومفردات خطابه، والجهل بالخلفية الفكرية للجبهة، فضلاً عن ترهل العضوية الحزبية التي تحدث عنها جورج حبش مبكراً جداً، وتحديداً في خطاب له في آذار / مارس 1973، إذ قال: "لا يجوز أن تمر كل تجاربنا السابقة دون دروس. إن على قواعد المنظمات الفدائية وكوادرها وقياداتها أن تعيد النظر في مجمل بنيانها السياسي والتنظيمي والمسلكي حتى تتخلص من حالة الترهل التي ما زالت تعيشها." هذا الوضع أنتج تراجعاً كبيراً في نوعية كادر الجبهة الشعبية، والذي يتفاقم باستمرار، وبالتالي باتت معايير عضوية الجبهة، لينينية من حيث الشكل، ومارتوفية من حيث المضمون، وربما العبارة السابقة فيها ظلم لمارتوف الذي لم يتهاون في مسألة الموافقة على برنامج الحزب. 

دعوة إلى نقاش علني للفكر والممارسة

النقاش أعلاه، ليس بحثاً في التحولات الأيديولوجية للجبهة الشعبية بقدر ما إنه دعوة لها إلى الانفتاح على نقاش علني لأدبياتها ومرجعيتها الفكرية وممارستها، يهدف إلى فهم لماذا حدثت التحولات، وإلى أن يكون الإطار النظري مفهوماً لأعضائها ومناصريها وعموم الجمهور الفلسطيني. ومن المفيد الإشارة إلى أن مسائل الفكر وحتى التنظيم كانت تناقَش في مجلة الحزب المركزية زمن لينين.

والدعوة الثانية هي إطلاق عملية بحث في تطور فكر الجبهة منذ التأسيس، تشتمل على دراسة محاضر المؤتمرات والاجتماعات الممهِّدة، إذا ما توافرت، لا على تقارير المؤتمرات فقط، واستدرار ذاكرة مَن كان له مساهمة في محطات الجبهة التاريخية المفصلية، للتعرف إلى العوامل المتعددة، وهذا غير المحاكمة الفكرية التي مهدت وأفضت إلى التحولات الأيديولوجية، من الظروف الاجتماعية والاقتصادية وطبيعة العلاقات الداخلية الخارجية وغيرها. كذلك، وبما أن الأيديولوجيا، مثلما ذكرنا، ظاهرة لا يمكن حصرها بنص، بل إنها تُخترع وتُستكشف في الوقت نفسه، فإن كثيراً منها قد يكون غير مُدْرَك وخارج الوعي الجمعي لعموم الحزب.

إن إطلاق مثل تلك العملية النقدية المستمرة يمكّن من الإلمام بأكبر قدر من أيديولوجيا الحزب، وبالعمل المتوجب لتصحيحها إذا جرى فيها تحول عميق يمكن اعتباره انحرافاً. فقد ينطلق الحزب اليساري ثورياً، لكن ومن خلال المشاركة في السلطة بصيغة من الصيغ، أو لاعتبارات تتعلق بالتمويل، ومساومات أُخرى متنوعة مع المجتمع والسلطة، فإن من الممكن أن يتحول هذا الحزب إلى يسار ديمقراطي، ثم يميل مع الزمن نحو مزيد من المحافظة إلى أن يصبح حزباً يمينياً. وهذا كله يحدث من دون تغيير في الشعارات الثورية التي تبقى صوريّة لغياب الإرادة الصادقة لتحقيقها، وهي حالة تحدث عنها جورج حبش في خطاب استقالته في سنة 1999، حين تناول تجربة الماضي التي عاشها، معتبراً أنها "تجربة تميزت بتغليب الشعارات والعاطفة في مفاصل ومواقف كثيرة. هذه الشعارات ورغم صحتها ومشروعيتها، إلّا إنها لم تُقرن بشرط نجاحها وتحقيقها، ألا وهو الأداة الحاملة لهذه الشعارات والساعية لتحقيقها."

السيرة الشخصية: 

حسن شاهين: صحافي وكاتب فلسطيني.