تداعيات عملية نفق الحرية البطولية على الأسرى
التاريخ: 
20/09/2022
المؤلف: 

عاشت الحركة الفلسطينية الأسيرة ما بعد نفق الحرية، مرحلة صراع مع إدارة مصلحة السجون الصهيونية كمؤسسة تمثل النظام الاستعماري القهري على كافة الصعد الحياتية. فقد استطاعت هذه العملية الفدائية البطولية هزيمة المنظومة الأمنية والاستخبارية الاستعمارية داخل الأسر وخارجه، رغم ادعائه تاريخيا قدرات خارقة في البعد الأمني الاستخباري، فكانت صفعة مؤلمة. وكشفت عن ضعف وهشاشة بنية النظام القمعي الصهيوني، وقدرة الأسرى أصحاب الإرادة العزلاء، المراقبين عبر شاشات الكاميرات، والخاضعين للفحص الأمني اليومي على تحويل الظرف والمكان والزمان لمصلحة الأسير.

سبقت وأن استخدمت وسيلة الهروب عبر نفق، وبذات الادوات والمواصفات مرتين، حيث تم كشف نفق سجن شطة عام 2014 بالصدفة أو نتاج معلومات العملاء. وكذلك كشف نفق آخر في سجن جلبوع عام 2015. ورغم ذلك فإن هناك إصرار ثوري يحمل آمال العودة، والحرية، وكسر القيد، تمكن من النجاح ولو لأيام في المرة الثالثة. 

ردة فعل إدارة السجون

وعلى إثر ذلك بدأت هجمة مسعورة داخل الأسر، يقودها ضباط مجرمين، ومهزومين، يسعون لتفريغ حقدهم النازي، وعنفهم الإجرامي ضد الأسرى. رغم كل حالات الاختراق الأمني، وتشرذمات صنعت بأيدي ضباط الاستخبارات الصهاينة، للهيمنة والسيطرة على الأسرى، وكي وعيهم فإن الأغلبية الساحقة صمدت أمام كل محاولات الاستيعاب والتغيير والمساومة.

وكشفت العملية أن كل الإجراءات الاحترازية الأمنية داخل السجون، هي إجراءات شكلية لم تتمكن من كشف نفق داخل غرفة على مدار أكثر من 7 شهور. والأهم فشل الكاميرات البشرية العميلة مجسدة "بالعملاء" الذين تم اسقاطهم على يد جهاز المخابرات الصهيوني في الحصول على أي معلومة أو ثغرة أو طرف خيط، رغم ادعاء الاستخبارات الصهيونية داخل السجون بمعرفة كل شيء، ومراقبة همسات الأسرى وانفاسهم.

ونتاج كل ما سبق بدأت هجمة عنيفة على كافة الصعد تجسدت بالتالي: التشديد في الفحص الأمني ومراقبة الأسرى ليلا ونهارا؛ مهاجمة غرف الأسرى في أوقات مختلفة من خلال عدد من الوحدات، واجراءات التفتيش التعسفية العقابية؛ اخراج الأسرى من غرفهم في أوقات الليل بذريعة الفحص الأمني؛ تكريس عمليات تنقيل الأسرى بين الغرف والأقسام خشية من وجود انفاق أخرى خاصة في سجن جلبوع؛ ادخال وحدات الهندسة الخاصة بالجيش الصهيوني إلى ساحة السجن، وغرف الأسرى، واستخدام وسائل حديثة لفحص الجدران وارضيات غرف السجن وخاصة بعد اكتشاف أن سجن جلبوع مبني على أرض بها عشرات الانهيارات والتي تشبه الانفاق، مما يسهل عملية الحفر؛ التضيق على الأسرى في غرف زيارات الأهل، واتخاذ إجراءات عقابية بالتقليل من عدد قنوات التلفاز، وسحب المكتسبات التي حققها الأسرى على مدار السنين مثل تقليص  عدد الأصناف في كانتين السجن  وكمية الخضار والفواكه المسموحة.

كما قامت إدارة السجن بنقل أسرى قسم 2 الذي تمت فيه العملية البطولية وتوزيعهم مباشرة على كافة السجون، واخراج الأسرى وضربهم وتفتيشهم بشكل استفزازي عنيف، وحرمانهم من الاحتفاظ بأغراضهم الشخصية كإجراء عقابي، وفرض حصار امني مشدد على الاقسام الأخرى  حتى تم إفراغ سجن جلبوع بتاريخ 16-11-2021.

الموقف الحازم

أدرك الأسرى أن هذه الإجراءات ستعيد عجلة الحياة الصعبة اصلا سنوات إلى الخلف، ولذلك تم تشكيل لجنة طوارئ وطنية موحدة، وتنسيق الموقف، وبدأ الاستعداد لخوض معركة الدفاع عن الحقوق، ورفض الرضوخ.

ونتاج الضغط الجنوني من قبل وحدات القمع الصهيوني ضد الأسرى، بادر الأسرى، وخاصة في تنظيم الجهاد الإسلامي بحرق قسم 6 في سجن النقب، ومجموعة من الغرف من سجن ريمون. وكنتيجة لذلك تم عزل أغلبية الأسرى وتوزيع أسرى الجهاد الإسلامي إلى كافة غرف السجون، وحرمانهم من حق الاجتماع والحياة العادية، بما يعني حل وجودهم التنظيمي. تبعتها عدد من محاولات الطعن، والاعتداء على أفراد الشرطة في السجون، مما جعل هذه المؤسسة الصهيونية تواجه وضعا ملتهبا، وبركان غضب لا يقبل الهزيمة لأن العقاب الجماعي مجرد غطاء على فشل أمني.

شعرت إدارة السجون أن انفجارا غير عادي سيحدث داخل السجون وذلك للدور الذي لعبته وحدة الفصائل، ووحدة الأسرى وحرصهم على رد موحد ضد الإجراءات التعسفية العقابية. فتم ايقاف أو تجميد الإجراءات لغاية خروج اللجنة الحكومية الاسرائيلية الرسمية التي تم تشكيلها بتوصيات. إلا أن هذه اللجنة أعادت طرح توصيات غلعاد إردان الاضطهادية، وأهمها: نقل الأسرى الدوري وخاصة ذوي الأحكام العالية، ومحاربة الاستقرار؛ التضيق على حركة ممثلي الاسرى، وتفتيشهم، ومحاولة إختراق غرف الأسرى أمنيا، من خلال أسرى جدد دون الاتفاق المسبق مع ممثلي الاسرى؛ تفعيل ما سمي بالساجاف وهو كرت احمر يعطى للأسير، ويتم تقيد أيديه وأرجله إذا أثناء زيارة الأهل أو إلى عيادة السجن، ويتم نقله كل 4 شهور من غرفة لغرفة أخرى.

الهجمة تعود من جديد

ولكن الأسرى أفشلوا هذه الهجمة الإجرامية، وبعد شهرين على هدوء الاوضاع، عادت إدارة مصلحة السجون وطرحت جملة إجراءات عقابية، وعلى رأسها إمكانية نقل الأسير بدون سبب أو طلب مسبق، والتفتيشات الاستفزازية التي تتجاوز حدود الأمن والمنطق، وتخفيض قائمة المواد المسموح شراءها من كانتين السجن، وعدم ادخل الكتب، او ملابس على زيارة الأهل ونقل الاقسام بحجة الفحص الأمني. فجاءت هبة الأسرى في شهر شباط/فبراير وشهر آذار/مارس والتي كانت ستتوج بمعركة الكرامة والحرية في 25 آذار/مارس 2022،  لولا تدخلات رسمية من السلطة الفلسطينية، والخشية من انفجار الأوضاع، ووحدة موقف الأسرى الجماعي للمرة الأولى منذ سنوات الرافض لحياة الذل والعار ممثل بلجنة طوارئ وطنية موحدة نجحت في إدارة المعركة والحوار بكل عنفوان وصلابة.

إنها مواجهة مفتوحة واشتباك دائم، يؤكد لنا فيها نفق الحرية من جديد بأن الطريق نحو الحرية شائك وصعب، لكن لا حيدة عنه ولا يوجد اختصار له حتى يبزع نور حرية الشعب والوطن.

عن المؤلف: 

قتيبة مسلم: أسير من حركة فتح من محافظة نابلس، محكوم منذ العام 2000 بالسجن لمدة 37 عاماً بتهمة عضوية كتائب شهداء الاقصى ومقاومة الاحتلال.  تعرض للاعتقال ثلاث مرات قبل اعتقاله الحالي، ففي أول اعتقال له كان بعمر الـ 16 عاماً، وحكم عليه بالسجن الفعلي مدة أربع سنوات ونصف، وفي ثاني اعتقال حكم إدارياً لستة أشهر، وفي ثالث اعتقال حكم مدة ثمان سنوات. وهو من قيادات الحركة الأسيرة ومن روّاد مساقات التعليم الجامعي في جامعة القدس المفتوحة وجامعة القدس أبو ديس. يمضي حالياً في سجن ريمون.

انظر

اقرأ المزيد