عام على نفق الحرية!
التاريخ: 
15/09/2022
المؤلف: 

أضيف إلى روزنامة الفلسطيني تاريخ جديد هو السادس من أيلول/سبتمبر، اليوم الذي انتزع فيه ستة أسرى فلسطينيين حريتهم من سجن جلبوع الذي يُعدّ واحداً من أكثر سجون الاحتلال قسوةً وتحصيناً، عبر نفق الحرية. ليصبح هذا اليوم رمزاً يرمز إلى معنى آخر من معاني الحرية التي تُنتزع بجَلَدٍ كبير وطول نَفَس، على الرغم من الخلل الفادح في موازين القوى بين السجّان والسجين، وانعدام الوسائل أمام الأخير، وهي ظروف، على الرغم من قسوتها ومجافاتها، فإنها كفيلة بخلق ميدان تتجلى فيه عبقرية إرادة الأسير وإيمانه بحقوقه وقضيته، وقدرته الفائقة على التكتم والتمويه، فضلاً عن إظهار الأسرى الستة أقصى درجات الوحدة والتعاون والتضامن.

بعد عام على ذلك الفجر الذي تسللت فيه خيوط الشمس لأول مرة إلى جوف حفرة صغيرة في الجليل الفلسطيني، حفرها ستة أسرى على مدى أشهر، من دون كلل أو ملل، وبصبر لا مثيل له.

حفرة ألهبت خيال العالم، وأثبتت أن هناك أشياء غامضة وخفية أقرب إلى المعجزات يمكن أن تحدث في عصر يبدو فيه كل شيء مكشوفاً ومُعداً بشكل مسبق، تحركه أيادٍ خفية، تتحكم فيه وترسم مصائره عن بُعد، وأن إرادة الإنسان قادرة على التفوق على الفولاذ، إذ تجتمع فيها خلطة إنسانية نادرة تجمع بين صلابة العزيمة وليونة الروح، وأن فطرة الإنسان وغريزته قادرتان على الانتصار على التكنولوجيا التي تشتمل على أعْقد المنظومات الأمنية الحديثة.

 

جدارية في مدينة الناصرة، من موقع جرافيتي من فلسطين، أيلول/ سبتمبر 2021، تصوير مصطفى زعبي.

 

يُثبت بعد عام أن هناك حفراً صغيرة انبثقت فجأة ولمعت مثل برق يصعب تجاهُله، لكنها كانت كافية كي تتسع لحلم وتطلعات بشر حجبتهم أسلاك وجدران وفولاذ وحرّاس عن أنفسهم وعن العالم، وأن هذه الحفرة الصغيرة تحولت إلى حبل سرة خفي يغذي روح شعب بأكمله، بعد أن حوَت بداخلها ستة أبطال، وشكلت الرحم الذي أنجبهم من جديد، أحراراً، مرة وإلى الأبد.

بعد عام، نكتشف أنه لم يسحرنا النفق بحد ذاته، ولا تكشّف لنا عنف السجّان وقسوة إجراءاته، بل إننا أعدنا اكتشاف أنفسنا من خلال الأسرى الستة، اكتشفنا بهم ومن تجربتهم أن القوة القادرة على اجتراح المعجزات تنبع من أرقّ ما في النفس البشرية، وأن الأسير المقيّد والمخفي خلف جدران عالية صمّاء، له صوت ولسان وأظافر وقلب ينبض بحب البلد وشعبه.

بعد عام، وبعد أن زالت آثار الصدمة الأولى، ما زالت تذهلنا تلك القوة الداخلية التي تمتع بها أسرى نفق الحرية.

قوة الصبر والحفر من دون وسائل، قوة تولد من ذاتها كل يوم من جديد وتجعلهم يستمرون في الحفر في مختلف الفصول، قوة كتمان السر عن رفاق (البرش) وزملاء الأسر، وتجرُّع (مرارة) ترْكهم خلفهم، وهي مرارة يتذوقونها كل يوم، عندما يتخيلون أنهم في لحظة ما سوف "يقشطون" بأكف أيديهم العارية آخر طبقة تراب تفصل بينهم وبين الحرية، ويعانقون الشمس.

إن أكثر ما فضح سرّ هذه القوة والطاقة الإنسانية الرهيبة التي تمتع بها هؤلاء الأسرى، ليست عمليات الحفر الطويلة والمضنية، ولا القدرة على اتخاذ القرار، بل تجلى، أكثر ما تجلى، في فترة مطاردتهم القصيرة، وعندما عانقوا حريتهم.

ما إن عانق أسرى النفق الستة نسائم الجليل الصباحية الرطبة، وغمرهم نور الشمس من دون حواجز، وألقوا قيودهم خلفهم، ومعها أوامر السجّان ونظراته الفاحصة وكاميرات مراقبته وكلابه، حتى رُدَّت إليهم أرواحهم الهائمة، وتجسدت إنسانيتهم في أروع صورها، وظهرت حميمية علاقتهم بالطبيعة والناس والأشياء من حولهم.

بخلاف ما توقعه الاحتلال، أو حاول أن يروّجه، لم ينقضّوا مثل وحوش مفترسة على كل شيء صادفهم، ولا اندفعوا للبحث عن سلاح لإشباع رغبة مكبوتة في القتل وسفك الدماء، بل أثبتوا، وهم في كامل قدرتهم الجسدية والذهنية، وبملء حريتهم، أنهم أبناء الحياة والأرض والحرية.

لقد لقّن الأسرى السجّان ومجتمعه درساً في التفوق الأخلاقي والإنساني والانحياز إلى الحياة، من خلال علاقتهم بالطبيعة وحبات الصبّار، ومعانقة آذان العشاء من مسجد قريب تحت غباش الظلام الناعم الموشّى بالأضواء البعيدة، والذي لا يشبه إنارة السجن الصناعية المبهرة، كما أثبتوا إنسانيتهم العالية وحبهم لبني شعبهم، وحسّهم العالي بالمسؤولية وصفة الإيثار، من خلال تجنُّب الدخول إلى أي منزل، أو تعريض أي إنسان للخطر بسببهم.

عام على نفق الحرية، كشف لنا عالم الأسرى الغامض، الذي كابرنا نحن على رؤية كم هو شفاف ورقيق ومرهف، على الرغم من قسوة الظروف التي يعيش وسطها الأسرى، نفق الحرية بدّد الأسطورة، وأزاح الهالة، وأبعد كذلك صفة الجمع والحشد التي أخفت ملامح الأسرى وأسماءهم وقسماتهم وأحلامهم الفردية، وتطلعاتهم الصغيرة إلى عناق والدة، أو ملامسة وجه طفل صغير، أو تأمُّل وجه حبيبة بعيدة.

نجح السجّان في أن يجعلنا نرسم صورة للأسرى على شاكلة قسوته وخشونة عالمه وخواء روحه، وأن نتخيل أن مواجهة كل هذا القبح إنما تتم بتقمُّص هذه الصفات، ونسينا أننا نقيضه والقوة الداخلية التي سُخّرت لإزالته وهدم جبروته.

عام على فجر الحرية، أتيح لشعب بأكمله أن يتعرف فيه على التفاصيل الشخصية لكلٍّ من محمود العارضة، ويعقوب قادري، وزكريا الزبيدي، وأيهم كممجي، ومحمد العارضة، ومناضل نفيعات، وأن نتعرف إلى ذويهم وأحلامهم وتفاصيل حياتهم، بعد أن تحولوا إلى أيقونات وقصص للإرادة والبطولة، في نظر الملايين.

 عام كامل من الحب المتواصل والرسائل القصيرة المهربة من غرف العزل الانفرادي، منذ أن فتحت هذه الحفرة فتحتها السحرية، علمتنا أن نتعرف إلى أنفسنا بشكل أعمق، وأن نرى بأم أعيننا كم كان الأسرى قريبين/بعيدين عنا، وأن نعيد بناء علاقتنا بهم عبر عالمهم الغني الخصب، بعيداً عن السجّان وعالمه الضحل الموحش.

ما لا يفتر ولا ينطفئ وهجه في عام، قابل لا لأن يعيش إلى الأبد فقط، بل لينتصر، لأنه يحتوي بداخله على كل عوامل الخلود، ولأنه حقيقي يشبه ذاته كما هي، ويشبه الناس وأحلامهم اليومية وتطلعاتهم.

ربما سنحتاج إلى مزيد من الوقت كي نعيد صوغ لغتنا وخطابنا وبرامجنا لتتلاءم مع الصورة الجديدة التي كشفها أبطال نفق الحرية، لكننا من دون أدنى شك، لن نعود كما كنا قبل ذلك التاريخ، وهذه الشعلة المتوهجة من الضوء والحب التي أوقدوها في نفوسنا، هذه الصورة الإنسانية الواضحة التي طبعوها، ستشكل خريطة طريق لنا ولهم، ليس لتحريرهم الجسدي من ربقة الأسر فقط، بل لهدم فكرة السجن ووأد شر السجّان.

عام من الحب والإنسانية، قابلته مديرية السجون بعام من العزل الانفرادي، والأصفاد الباردة الحادة، والتنكيل، والعقوبات، والحرمان من التواصل مع العالم، من دون أن تعلم أن هذا الشعاع الذي انبثق من هذا النفق ذات فجر صيفي لطيف أضاء زوايا كثيرة مظلمة أرادوا إخفاءها، وصل نور ذلك الفجر إلى العالم، بعد أن نضج وتضخم، مثل مارد جبار، بحيث لم يعد بالإمكان إعادته إلى القمقم، أو إطفاؤه.

عن المؤلف: 

عصمت منصور: كاتب وصحافي متخصص في الشأن الإسرائيلي.

اقرأ المزيد