عندما تتكثّف العائلة في زوجة الأسير
التاريخ: 
03/08/2022
المؤلف: 
ملف خاص: 

عندما تواصلوا معي للكتابة عن تجربتي كزوجة وعائلة أسير، بدأت أسترجع قصتي مع أشرف، وباتت المشاعر التي نكبتها في حياتنا اليومية، لكثرة المصاعب وضرورة البقاء قوية، تخطر جميعها في بالي مرة واحدة. مرّ على زواجنا، أنا وأشرف، 11 عاماً، عشنا منها سوياً 7 أعوام فقط. وأتذكر جيداً يوم عيد زواجنا العاشر عندما قررنا الاحتفال برفقة الأصدقاء، فكانت النكتة الأكثر تداولاً يومها: كيف صمدتم 10 أعوام بهذا الحب؟

بدأت معاناة الأسر بعد عام وأربعة أشهر فقط على الزواج. كان مجد قد وُلد، ولا يزال رضيعاً لم يتجاوز عمره الـ 4 أشهر. وكانت ليلة صيفية، حين اقتحم جيش الاحتلال منزلنا، فاستيقظنا على مشهد البندقية فوق رؤوسنا، بعد أن كسروا أقفال البيت والأبواب، ونبشوا غرفة الرضيع، فخرّبوها وحطموها. لم يفرق معهم جمالها، إذ كنا اخترناها لتكون غرفة تعبّر عن مجد وطفولته. وبعد أن حطموا غرفة مجد، وكسّروا بيتنا، قاموا بضرب أشرف واقتادوه من المنزل. كنت أعمل حينها مدرّسة في مدرسة الراهبات في القدس، بتصريح كان على الطاولة التي جلس عليها الضابط مقابل أشرف.

مرّ شهر ونصف بالضبط على اعتقال أشرف، وكنت متوجهة إلى عملي في القدس. يومها، أوقفني جنود الاحتلال على الحاجز، أخذوا تصريحي ومزقوه أمام عينيّ وأعادوني إلى الضفة الغربية. كانت هذه بداية رحلة إضافية من العذاب، كان بيتنا القائم في عين منجد في رام الله بالإيجار، وفي هذه اللحظة تحديداً، مع تمزيق التصريح، لم يعد بإمكاني دفع الإيجار فاضطررت إلى تسليم المنزل، وحمل مجد الرضيع إلى جانب جميع أغراضنا التي اخترناها لتأسيس بيتنا. قمنا بنقل الأغراض إلى بيت عائلة أشرف، وانتقلت أنا ومجد للسكن في بيت أهلي مدة عامين، وهي مدة حكم أشرف.

كان الأسوأ أنه وبالإضافة إلى كوني الأم، أن أكون أيضاً مَن يعرّف مجد بوالده الغائب منذ كان عمره 4 أشهر، إلى جانب التعامل مع أسئلة الطفولة. فالصور ليست كافية لنقل الروح، كما أن الزيارات شحيحة جداً وقصيرة ومؤلمة، وبين الحين والآخر:

  • ليش بابا محبوس؟ مش يا ماما الحرامي هو اللي بيروح عالسجن؟

هذه الأسئلة كان يجب شرحها بدقة لطفل يكبر وتؤثر فيه كل كلمة وكل مقولة. أما الأسئلة الأصعب فكانت تمتد إلى "ليش اعتقلوه؟" أما السؤال الذي لم يتوقف يوماً فهو "ليش أصلاً اعتقلوه". هذه الأسئلة التي باتت أكثر تعقيداً وتركيباً مع بدء اعتقالات أشرف الإدارية، إذ لا تهمة ولا موعد إفراج. فيكون السؤال: إيمتى مروّح بابا؟ وهو السؤال الذي نسأله نحن الكبار أيضاً، فيتم تجديد الإداري كل بضعة أشهر، من دون قرار مسبق أو معرفة أو توقعات.

خرج أشرف في سنة 2014، واستقبلناه، أنا ومجد، وانتقلنا للسكن في بيت جديد في بلدة بير زيت. حملت وأنجبنا طفلنا الثاني قيس. لكن مرة أُخرى، لم نستطع العيش كما يقال بثبات ونبات، فالاحتلال لم يتركنا في حالنا مرة أُخرى. في سنة 2019، كان أشرف يعمل كمسؤول للضغط والمناصرة في شبكة المنظمات الأهلية، وكان في مهمة عمل في تايلاند. وخلال عودته، تم اختطافه عن الجسر من دون تهمة واضحة، وتم بعدها تحويله إلى الاعتقال الإداري، من دون تهمة، ومن دون موعد إفراج، وكان السبب الوحيد وراء اعتقاله هو اعتقاد منظومة الاحتلال أن أشرف يشكل خطراً على أمن الدولة.

في اليوم ذاته، كان على مجد أن يتخرج من الصف الثاني. وكان يتوجب عليّ الذهاب إلى حفل التخرّج، وكبت كافة مشاعر الغضب والقهر وعدم ذكرها كي لا أخرّب فرحة مجد وشهادة التقدير التي سيحصل عليها، يومها، كانت لحظة الانهيار وشيكة، وكنت مضطرة إلى تأجيلها وكبتها ومحاربتها، كي أكون مرة أُخرى الأم القوية، فأعود لأتماسك. وأتذكر جيداً، يومها، حين قال "صح ماما لما ننام ع تخت بابا منحس إنه معنا وعابطنا؟" ها أنا أصل حافة الانهيار وأنا أكتب وأسترجع، فالإنسان منا يتأقلم مع كل الصعوبات كي ينجو من صعوبات الحياة، وعندما يتذكرها أو يكتبها، يشعر بصعوبتها من جديد.

وبالمناسبة، من وجهة نظري، فإن زوجة الأسير دائماً هي أكثر الأشخاص معاناة خلال فترة الاعتقال، فهي تعاني عاطفياً، حين ترى "كل من حبيبه معه وانا حبيبي راح"، تعاني المسؤوليات، إذ تتحول إلى الأم والأب وكل شيء فوقها. والأصعب، الشعور بالحاجة إلى شريك، فكما يقال "كله كوم وهذا كوم ثاني".

"فترة 2019-2020 كانت بداية فترة الكورونا والحجر المنزلي، عشت فيها أنا ومجد وقيس، ضلينا نحاول نعمل فعاليات ونعيش هالتجربة الغريبة سوا، كنت أسمع من اللي حواليي كيف زادت الطوش أو زاد الحب بينهم وبين جوازهم، بس للأسف ما زبط أعيش هاي التجربة مع أشرف، عشتها وهو يحكيلي ‹عشان تحسي فيي وبشعور الحبس›." ولم يخرج أشرف من السجن إلا في شهر تموز/يوليو 2020، فاستقبلناه، أنا ومجد، الذي كان عمره 8 أعوام وقيس الذي بات عمره 6 أعوام. وعدنا، لنحاول استعادة حياتنا كعائلة، ليقوم الاحتلال مرة أُخرى بالتنكيد علينا، فهذا الاحتلال لا يحتمل رؤية الفلسطينيين مستقرين."

في سنة 2021، وبعد مضي أيام قليلة على عيد زواجنا العاشر الذي كان عبارة عن احتفالية أصدقاء، في ليلة صيف لطيفة، كسروا الأبواب مرة أُخرى وفتحنا أعيننا على مشهد البواريد فوق رؤوسنا، ضربوا أشرف بشكل عنيف جداً وأعنف من العادة، لكن المختلف هذه المرة أنه كان عليّ الاهتمام بثلاثة: مجد في تخته وغرفته، أما قيس فكان ينام بيننا وتحت بندقية الجيش وكنت خائفة من أن ينهض بوجه البندقية، ولم أعرف ماذا عليّ أن أفعل، هل أذهب إلى مجد في الغرفة، أم أبقى إلى جانب قيس، أم يتوجب عليّ أن أتعاطف مع أشرف. كانت تجربة قاسية، وكل مرة أكثر قسوة، ولا أعرف ما هي مشكلة الجيش مع أبوابنا، فمع كل اقتحام، علينا تركيب باب جديد.

الجميل هذه المرة أننا بتنا خبراء، وباتت لدينا تجربة تدرّس في كيفية الحفاظ على باب البيت من الخلع بسبب الجيش. فلم نعد نغلق الباب بالمفتاح من الداخل، لأن أبواب المالتي لوك تنخلع كلياً إن كانت مغلقة، فبتنا نغلق الباب بالقفل الداخلي فقط، وهكذ نقلل من الخسائر. وبعد اعتقال أشرف، تم تحويله إلى الاعتقال الإداري مدة 6 أشهر (وهذه ليست بشرى سارة)، وعلمت أيضاً بأنني حامل، وكان الشعور مزيجاً من الفرح والحزن والخوف من الولادة وهو ليس بجانبي. انتهت الأشهر الستة، وجددوا اعتقاله ستة أشهر إضافية، فبات من المؤكد أنني سألد وهو في السجن.

بتاريخ 2/2/2022 وُلدت شمس، طفلتنا الثالثة، وكنت أرفض أن أسميها بأي اسم له رمزية وطنية، ولا أعرف كيف اخترنا اسم شمس. يبدو أن اللاوعي بقي مربوطاً بالمعاناة والأسر فخرجت "شمس الحرية" التي حتماً ستشرق علينا في يوم من الأيام. تجربة الولادة من دون الزوج من أسوأ تجارب حياتي، "قد ما يحاولوا الأهل يقدموا الدعم النفسي والعاطفي والمادي، إلا إنه الوحدة بدها شريكها بهاي التجربة."

فكرة أن يحمل الجميع شمس وهو غائب، فكرة أنه من غير الممكن تسجيل الطفلة في وزارة الداخلية من دون الأب، "وتفضلي يا نور اشرحي لموظفي المستشفى إنه أشرف عند الاحتلال وأنه أنا كأم حملت 9 شهور وخلّفت البنت والمفروض عندي كل الحق بتسجيلها، بس البروتوكولات الحكومية ما بتسمح. اضطريت أجيب ورقة من الصليب الأحمر إنه أشرف محبوس عند الاحتلال حتى يسمحولي بتسجيلها، حتى أقدم وأثبت في وزارة داخليتنا كمواطنة فلسطينية تتمتع بكافة حقوقها الفلسطينية!"

"وشو غير الأمل بيساعد بالاعتقال الإداري؟ ضل عندي أمل إنو بعد الـ 6 شهور الثانيات رح يطلع أشرف، ورح نعيش عيلة سعيدة مكونة من أم وأب وطفلين وطفلة. للأسف الاحتلال مُصرّ ينغّص علينا دائماً، لأنه بـ 5 حزيران/يونيو تم تمديد اعتقال أشرف للمرة الثالثة، هاي المرة 4 شهور، وهلأ رجعنا نعدّ لشهر عشرة، عا أمل ما يجددوله الاعتقال كمان مرة."

"بفكر هلأ شمس رح تبلش تحكي بابا، وهي ما بتعرف شو يعني بابا، ولا بتعرف شو شعور الأب. صحيح بعدها طفلة، بس بعتقد إنه حتى الأطفال بيقدروا يميزوا الأب ويفرحوا لشوفته مثل فرحهم بشوفة الأم، خاصة إنه أشرف زوج وأب متعاون جداً، موجود بكافة تفاصيل الأطفال (طبعاً لما يكون خارج السجن) وبفكر قدّيه كان أشرف طول عمره يتمنى يكون عنده بنت، ولحظّه العاثر والظلم اللي بيتعرضله بس لكونه فلسطيني، عنده بنت ما عم يقدر يحس فيها ولا بوجودها، مش قادر يشوف بسمتها وضحكتها ويسمع مكاغاتها..."

انظر

اقرأ المزيد