النزاع اللبناني-الإسرائيلي على الغاز: جذوره وتطوره
التاريخ: 
21/06/2022
المؤلف: 

عاد النزاع اللبناني-الإسرائيلي على الغاز إلى صدارة الأخبار بعد تصاعد التوتر بين البلدين جراء قيام إسرائيل، في 5 حزيران/يونيو الجاري، باستقدام سفينة الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة (FPSO) التابعة لمجموعة Energean إلى حقل غاز كاريش المتنازع عليه، والإعلان عن إمكانية البدء باستخراج الغاز في غضون ثلاثة إلى أربعة أشهر. وقد أثار هذا الإعلان استياء كبار المسؤولين اللبنانيين، الذين قرروا على الفور استدعاء الوساطة الأميركية في هذا الشأن.

جذور الخلاف بين لبنان وإسرائيل على الغاز

أُعلن في العقد الأول من الألفية الثالثة عن اكتشاف احتياطيات كبيرة من الغاز والنفط في شرق البحر المتوسط​​، إذ أعلنت شركة نوبل إنرجي، وهي شركة مقرها الولايات المتحدة، في مطلع سنة 2009 عن اكتشاف حقل "تمار" قبالة السواحل الإسرائيلية، الذي قُدّرت احتياطياته بنحو 238 مليار متر مكعب من الغاز، وبدأ ضخ الغاز الطبيعي منه في أواخر آذار/مارس 2013، كما اكتُشف في حزيران/يونيو 2010 حقل "ليفيتان"، الذي بدأت المرحلة الأولى من استثماره في شباط/فبراير 2017. بينما كشفت عمليات المسح التي أجراها لبنان في قاع البحر عن احتمال وجود الغاز والنفط بكميات كبيرة.

وكان لبنان قد تفاوض مع قبرص على مسار حدودهما البحرية المشتركة، ووقّع معها، في سنة 2007، اتفاقية، لم يتم اعتمادها من جانب مجلس الوزراء اللبناني، ولم يصادق عليها البرلمان اللبناني. وفي 29 نيسان /أبريل 2009، تشكّلت لجنة وزارية مؤلفة من 10 أعضاء برئاسة المدير العام لوزارة الأشغال العامة والنقل، اتفقت على خريطة لحدود المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية، وهي المجال البحري الذي تتمتع فيه الدولة الساحلية بحق سيادي في استكشاف واستغلال قاع البحر، وافق عليها مجلس الوزراء في 13 أيار /مايو 2009، لكنها لم تعتمد من قبل مجلس النواب اللبناني.

أما إسرائيل فقد توصلت، في كانون الأول/ديسمبر 2010، إلى اتفاقية لترسيم حدودها البحرية مع قبرص دخلت حيز التنفيذ في شباط/ فبراير 2011. وأعلنت الحكومة الإسرائيلية في 10 يوليو/ تموز 2011 أنها تبنت مخطط منطقتها الاقتصادية الخالصة، واستغلت اتفاقية الحدود بين لبنان وقبرص بصورة انتهازية، كي تطالب بمسار، قدّر لبنان أنه يخترق منطقته الاقتصادية الخالصة، وقدم استئنافاً إلى الأمم المتحدة ضد المسار الإسرائيلي القبرصي. بيد أن الأمم المتحدة، وبدلاً من التدخل السريع لمنع نشوب صراع جديد بين البلدين، اختارت فك الارتباط بهذا النزاع، إذ أشار مايكل ويليامز، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان، في 21 تموز/يوليو 2011، إلى أن الأمم المتحدة لا تستطيع مساعدة لبنان وإسرائيل في مسألة ترسيم الحدود البحرية، معتبراً "أن تسوية النزاعات البحرية أصعب بكثير من تسوية النزاعات المتعلقة بالحدود البرية ".

وبينما ارتفعت أصوات عدة في لبنان للتنديد بـ "الخطأ" المرتكب في ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، اعتبر

وزير الطاقة والموارد المائية آنذاك، جبران باسيل، أن الخطأ لا يعود إلى لبنان بل إلى قبرص، علماً بأن الاتفاق اللبناني -القبرصي ينص بوضوح على أن على نيقوسيا التشاور مع بيروت قبل التفاوض مع طرف ثالث على إحداثيات نقطة حدودية ثلاثية.         

وكان لبنان قد أخطر الأمم المتحدة بمسار حدوده البحرية مع إسرائيل، في تشرين الأول/ أكتوبر 2010، مؤكداً أن حدوده البحرية تقع بين النقطة 1 B في رأس الناقورة، التي كرستها اتفاقية الهدنة مع إسرائيل لسنة 1949 كنقطة حدودية برية في أقصى الغرب بين البلدين، والنقطة 23 في جنوب غرب ما يعتبره منطقته الاقتصادية الخالصة، ومتهماُ إسرائيل بالتعدي على 860 كيلومتراً مربعاً من منطقته الاقتصادية البحرية الخالصة، والتي تبلغ مساحتها الإجمالية 25500 كيلومتر مربع.

ونظراً إلى امتناع الأمم المتحدة عن التدخل المباشر في حل النزاع بين لبنان وإسرائيل، وافق البلدان على توسط الولايات المتحدة الأميركية من خلال الدبلوماسي فريدريك هوف، الذي اقترح خطاً وسطاً يمر بين النقطتين 1 و23، ويمنح لبنان 490 كيلومتراً مربعاً بينما يمنح إسرائيل 370 كيلومتراً مربعاً من المنطقة المتنازع عليها[1].

الوساطة الأميركية لحل النزاع الغازي بين لبنان وإسرائيل

بينما وافقت إسرائيل مبدئياً على مقترح فريدريك هوف التوفيقي بشأن تقاسم المنطقة المتنازع عليها مع لبنان، رفض هذا الأخير بصورة قاطعة المقترح المذكور، وأقدم، في منتصف شباط/فبراير 2018، على منح امتياز اكتشاف الغاز في بلوكين 4 و 9 ، من أصل 10 بلوكات تقع في منطقته الاقتصادية الخالصة، لكونسورتيوم بقيادة مجموعة توتال الفرنسية، مع إيني الإيطالية ونوفاتيك الروسية. وشرعت شركة توتال الفرنسية العملاقة بالفعل في عمليات التنقيب في البلوك 4، الواقع بين بيروت وطرابلس، بينما تسبب استمرار الخلاف بين لبنان وإسرائيل على المنطقة المتنازع عليها في تأجيل عمليات الحفر في البلوك 9.

ثم وافق البلدان على وساطة أميركية جديدة، قام بها مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد خلال زيارته إلى بيروت وتل أبيب في أواخر أيار/مايو 2019.

وهكذا، بعد فشل المحادثات غير المباشرة التي جرت ما بين 2010 و 2012، استؤنفت المحادثات اللبنانية الإسرائيلية غير المباشرة في تشرين الأول/أكتوبر 2020 في مقر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في الناقورة بجنوب لبنان، بعد الإعلان عن التوصل إلى اتفاق إطار حول آلية التفاوض. وخلال تلك المحادثات، عبّر لبنان عن رغبته في أن يكون ترسيم الحدود البرية والبحرية متزامناً، وذلك قبل أن يتم التوصل إلى حل وسط يتمثّل في البدء بالحدود البحرية حتى لو لم تعلن نتائج المفاوضات إلا بعد إبرام اتفاق بشأن الحدود البرية. وبينما أرادت إسرائيل تحديد موعد نهائي مدته ستة أشهر لإنهاء هذه المفاوضات، الأمر الذي كان سيسمح لها بممارسة ضغط قوي على لبنان بمساعدة الولايات المتحدة، طالب لبنان بإجراء "محادثات مفتوحة" للتفاوض في ظروف جيدة[2].

وفي كانون الأول/ديسمبر 2020، قدم الوفد اللبناني، المؤلف من خبراء عسكريين ومدنيين، خريطة جديدة للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان تقع ما بين الخط 1 والخط 29، وتشتمل على مساحة 1430 كيلومتر مربع إضافية في الجنوب، بحيث لم يعد النزاع البحري مع إسرائيل يقتصر على مساحة 860 كيلومتراً مربعاً، بل صار يشمل 2،290 كيلومتر مربع. وأكد الوفد اللبناني أن مطلبه هذا يستند إلى تقرير تقني من المعهد الهيدروغرافي البريطاني يعود تاريخه إلى سنة 2011 وإلى بيانات من المكتب الهيدروغرافي اللبناني. وبينما عبّر كبير مفاوضي الوفد اللبناني، الجنرال بسام ياسين، عن قناعته بأن على لبنان أن يتبنى سقف المسار الجديد لإعطاء مساحة أكبر للمفاوضين اللبنانيين، أكدت إسرائيل رفضها القاطع مناقشة هذا المطلب اللبناني الجديد، واتهمت لبنان بأنه يريد أن يملي شروطه على المحادثات.

ومهما يكن، فقد امتنع لبنان عن تعديل المرسوم 6433/2011 الذي يحدد حدود منطقته الاقتصادية الخالصة وإرساله إلى الأمم المتحدة لتحديث المطالبة اللبنانية، واعتبر الرئيس ميشال عون أن تعديل هذا المرسوم يمكن أن يضع حدا للمحادثات غير المباشرة مع إسرائيل، لكنه بعث برسالة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يؤكد فيها أن حقل كاريش الذي تعتزم إسرائيل بدء عمليات التنقيب فيه يقع ضمن المنطقة المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل[3].

بدء التنقيب في حقل كاريش يخلق واقعاً جديداً ويفاقم النزاع

في ختام زيارة استغرقت يومين لبيروت في شباط /فبراير 2022، دعا عاموس هوكشتاين، الوسيط الأميركي الذي عيّنه الرئيس جو بايدن محل ديفيد ساترفيلد، السلطات اللبنانية إلى تبني موقف موحد من أجل "المضي قدما" في المحادثات غير المباشرة مع إسرائيل، رافضاً اعتماد خيار الخط 29، وبالتالي أعطى الإسرائيليين ضمنياً الضوء الأخضر لاستغلال حقل كاريش، وقال لقناة LBCI اللبنانية "الكل يعرف أن الخلاف الذي دام عقداً يتعلق بالخط الأول وهو الخط 23". وقدم اقتراحاً إلى السلطات اللبنانية يعتمد على نقطتين أساسيتين: الأولى أن تدور المحادثات بين الطرفين على المنطقة الأولى المتنازع عليها أي 860 كيلومتراً مربعاً. أمّا النقطة الثانية فهي تحريك الخط الذي وضعه فردريك هوف بحيث يصبح كل حقل "قانا" من حصة لبنان. بيد أن لبنان رفض هذه الخطة، وطالب بأن ينتقل حقل كاريش من إسرائيل إلى لبنان، وهو ما رفضته إسرائيل[4].

وبشروعها العملي في التنقيب في حقل كاريش في حزيران/يونيو الجاري، خلقت إسرائيل واقعاً جديداً وفاقمت التوتر بين البلدين، إذ تطرق الرئيس اللبناني ميشال عون إلى وصول المنصة العائمة للتنقيب، وحذّر إسرائيل “من مغبة القيام بأي نشاط استفزازي عدواني في المنطقة البحرية المتنازع عليها”، وطلب من الجيش اللبناني “أن يرسل له معطيات دقيقة ورسمية حتى يتم الرد على دخول المنصة”، وقال "إن المفاوضات بشأن ترسيم الحدود البحرية الجنوبية لا تزال مستمرة، وأي عمل أو نشاط في المنطقة المتنازع عليها يشكل استفزازاً وعملاً عدائياً". من جانبه، أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي أن محاولات إسرائيل "افتعال أزمة جديدة من خلال التعدي على ثروة لبنان المائية أمر في منتهى الخطورة، ومن شأنه إحداث توترات لا أحد يمكنه التكهّن بتداعياتها". بينما حذر حزب الله من أن الشركة المسؤولة عن استخراج الغاز من حقل كاريش "شريكة في العدوان على لبنان وعليها سحب وحدتها العائمة"، مؤكداً الموقف التقليدي لحزبه القاضي بأن يتحمل الرئيس اللبناني والحكومة اللبنانية مسؤولية المفاوضات بشأن حل النزاع. وسارع المسؤولون اللبنانيون إلى استدعاء الوسيط الأميركي عاموس هوكشتاين إلى لبنان كي يتابع وساطته ويساهم في نزع فتيل تفجر الأوضاع.

وبعد وصول الوسيط الأميركي الى بيروت في 13 حزيران/يونيو الجاري، أجرى محادثات مع المسؤولين اللبنانيين الذين أكدوا له أنه "من غير الوارد التنازل عن حقوق لبنان في استثمار ثروته الغازية والنفطية"، وأشار بعضهم إلى ضرورة أن تباشر الشركات الملتزمة بالتنقيب عملها في البلوك رقم 9 على الحدود الجنوبية، و"عدم إهدار مزيد من الوقت في حين أن العدو الإسرائيلي يعمل للتعدي على حقوق لبنان في مياهه وغازه ونفطه". وتعتقد بعض المصادر أن عاموس هوكشتاين "سيستمع إلى موقف لبناني موحّد" يعتمد تقويم رئيس مصلحة الهيدروغرافيا في الجيش اللبناني المقدم عفيف غيث الذي كُلّف من قيادة الجيش، بعد إحالة رئيس الوفد المفاوض العميد بسام ياسين إلى التقاعد، ويستند إلى الخط 23 معدلاً الذي قدّمه لبنان في شباط/ فبراير الماضي[5].

أما إسرائيل، فقد أقدمت على حماية حقل كاريش باللجوء إلى سفن البحرية الإسرائيلية وغواصاتها وإلى بطاريات القبة الحديدية المضادة للصواريخ التي أقامتها على فرقاطاتها. كما طورت إسرائيل تحالفاً اقتصادياً واستراتيجياً مع جيرانها في شرق البحر المتوسط، مع ​​اليونان وقبرص ومصر، حول استغلال الغاز؛ هذه الشراكة التي أصبحت أكثر إثارة للاهتمام اليوم عندما بات الاتحاد الأوروبي، الذي يريد التخلص من اعتماده على الغاز الروسي، يحتاج إلى إيجاد موردين بديلين[6].

وهكذا، وبينما تقف إسرائيل في موقع قوة، تجد الطبقة السياسية اللبنانية نفسها تحت ضغط للتفاوض لأنها تراهن بصورة كبيرة على قطاع النفط والغاز وتستند في العديد من وعودها إلى التعافي الاقتصادي على الاستغلال والتطوير المستقبلي لاحتياطات هذا القطاع؛ فهل يمكنها أن تحقق ذلك وأن تراعي في الوقت نفسه إجماع الشعب اللبناني الحريص على حماية ثرواته الطبيعية ومنع إسرائيل من التعدي عليها؟

 

[1] https://www.lecommercedulevant.com/article/19336-les-dessous-du-nouveau-litige-frontalier-entre-le-liban-et-isral

[2] https://www.lemonde.fr/economie/article/2018/02/21/les-ressources-gazieres-font-monter-la-tension-entre-le-liban-et-israel_5260276_3234.html;              

https://www.middleeasteye.net/fr/decryptages/litige-frontalier-entre-israel-et-le-liban-laccord-du-siecle-et-les-enjeux-economiques

[3] https://www.france24.com/fr/moyen-orient/20220130-gaz-offshore-le-liban-dos-au-mur-avant-des-discussions-avec-isra%C3%ABl-sur-la-fronti%C3%A8re-maritime;

https://www.middleeasteye.net/fr/decryptages/liban-israel-gaz-offshore-risques-guerre-frontiere-maritime

[4] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/10-6-2022.pdf ; يديعوت أحرونوت، 13/6/2022 

[5] https://www.nna-leb.gov.lb/ar/سياسة/547439/الجمهورية-لبنان-ي-بلغ-هوكشتاين-التمس-ك-بالحقوق-وال

[6] https://digitalprojects.palestine-studies.org/sites/default/files/6-6-2022_0.pdf

اقرأ المزيد