الطرق القانونية لحل النزاع اللبناني-الإسرائيلي بشأن الحدود البحرية
التاريخ: 
21/06/2022
المؤلف: 

تعود النزاعات بين الدول بشأن الحدود البحرية إلى قرون مضت. وهي لم تبدأ مع اكتشاف الموارد الطبيعية الكامنة في قاع البحر، إذ إن مسألة صيد الأسماك بحد ذاتها كانت كافية لنشوء عدة نزاعات استوجبت استحداث قواعد ذات طابع شامل يتم اللجوء إليها لإيجاد حلول للنزاعات البحرية الدولية.

وفي هذا الصدد عقدت الأمم المتحدة في مدينة جنيف، سنة 1958، ما سُمي "مؤتمر الأمم المتحدة الأول لقانون البحار" (UNCLOS I)، في محاولة منها لوضع إطار لحل النزاعات البحرية. وقد صدر عن هذا المؤتمر عدد من النصوص الرئيسية التي حددت أسس استخدام البحار.

وفي وقت لاحق، جرى تطوير تطويــر هذه النصوص ومتابعتها في "مؤتمر الأمم المتحدة الثاني لقانون البحار" (UNCLOS II) الذي عقد في جنيف سنة 1960، وأيضاً من خلال "مؤتمر الأمم المتحدة الثالث لقانون البحار" (UNCLOS III) الذي عقد في نيويورك سنة 1973، واستكمل أعماله سنة 1982 في مونتيغو باي (جامايكا). وفعلاً صدر، عن المؤتمر الثالث هذا، الإطار القانوني الكامل والحاسم متضمناً منهجية رسمية وشاملة لترسيم الحدود البحرية بين الدول وحل النزاعات بموجب ما يسمى قانون البحار.

أولاً: الإطار القانوني لتسوية نزاعات الحدود البحرية: اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار

تشكـــل اتفاقية الأمــم المتحــدة لقانـــون البحــــار (The United Nations Convention on the Law of the Sea -UNCLOS) الإطار الحديث الذي تلجأ إليه الدول الساحلية من أجل تسوية النزاعات بشأن الحدود البحرية. وقد وُقِّعت هذه الاتفاقية سنة 1982 خلال استكمال المؤتمر الثالث أعماله في مونتيغو باي، ودخلت حيز التنفيذ سنة 1994 بعد مضي 12 شهراً على انضمام الدولة الستين إليها.

وحددت الاتفاقية خمس مناطق بحرية متنوعة: البحر الإقليمي، والمنطقة المتاخمة، والجرف القاري، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وأعالي البحار. وبالتالي، تطبق على كل منها مجموعة من الأحكام ترعى وضعها القانوني وأصول استخدامها. ويتم قياس كل من هذه المناطق ابتداءً من خط الأساس (Baseline) الذي يتبع عادة شكل الخط الذي يكوّن الشاطئ، وهو أدنى مستوى للجَزْر على امتداد الساحل. وخطوط شكل الشاطئ ليست ثابتة، إذ قد تتغير بسبب تهدم الخط الساحلي، أو بسبب عوامل الحت والتفجير، أو ذوبان جليد الأنهر، أو القرارات السياسية، أو غير ذلك من العوامل.

وفيما يلي عرض مختصر للمناطق البحرية التي حدتتها الاتفاقية:

1ـ البحر الإقليمي (Territorial Sea)

تنص المادة 3 من اتفاقية قانون البحار على أن لكل دولة الحق في بحر إقليمي، حيث يمكن للدول الساحلية أن تمارس كامل حقوقها وسلطاتها السيادية. ويشمل ذلك الموارد الموجودة تحت سطح المياه.

ويعتبر البحر الإقليمي امتداداً لأرض الدولة، لا يتجاوز عرضه اثني عشر ميلاً بحرياً اعتباراً من خط الأساس العائد إلى الدولة المعنية (يساوي الميل البحري 1852 متراً)، وتعتبر هذه المنطقة امتداداً للأراضي الوطنية بغض النظر عن مساحة الجرف القاري. ويشمل البحر الإقليمي مساحات المياه الداخلية، كالأنهر والموانئ. 

2ـ المنطقة المتاخمة (Contiguous Zone)

تعرِّف اتفاقية قانون البحار المنطقة البحرية الثانية بالمنطقة المتاخمة. وظهرت هذه المنطقة في الترتيب كنتيجة لسيادة الدولة الساحلية، وهي تهدف إلى مد سلطتها على المياه البحرية بتوسيع نطاق ولايتها الوطنية بما يتجاوز البحر الإقليمي.

ومن المتفق عليه أن تمنح الدول بعض الحقوق الخاصة بما يتجاوز حدود البحر الإقليمي في المنطقة المتاخمة، وذلك بموجب المادة 33 من اتفاقية قانون البحار التي تصف المنطقة المتاخمة بأنها منطقة ملاصقة للمياه البحرية الإقليمية التابعة للدولة الساحلية، عرضها الأقصى 24 ميلاً بحرياً ابتداءً من خطوط الأساس للمياه البحرية الإقليمية.

لذلك، إذا تمت المطالبة بالمنطقة المتاخمة تصبح هذه الأخيرة متداخلة مع المنطقة الاقتصادية الخالصة. وعند عدم المطالبة بمنطقة اقتصادية خالصة تعتبر المناطق المعنية جزءاً من أعالي البحار.

إن حقوق الدولة الساحلية في مثل هذه المنطقة ليست حقوقاً سيادية. وعلى الرغم من ذلك، فإن المناطق المتاخمة تبقى بالغة الأهمية بالنسبة إلى الحدود البحرية، فقد نصت المادة 33 من اتفاقية قانون البحار على أنه:

1- للدولة الساحلية [....] بالمنطقة المتاخمة، أن تمارس السيطرة اللازمة من أجل:

(أ) منع خرق قوانينها وأنظمتها الجمركية أو الضريبية أو المتعلقة بالهجرة أو الصحة داخل إقليمها أو بحرها الإقليمي؛

(ب) المعاقبة على أي خرق للقوانين والأنظمة المذكورة أعلاه حصل داخل إقليمها أو بحرها الإقليمي.

[....]

3ـ الجرف القاري (Continental Shelf)

يعرِّف المقطع الأول من المادة 76 من اتفاقية قانون البحار الجرف القاري كما يلي:

يشمل الجرف القاري لأي دولة ساحلية قاع وباطن أرض المساحات المغمورة التي تمتد إلى ما وراء بحرها الإقليمي في جميع أنحاء الامتداد الطبيعي لإقليم تلك الدولة البري حتى الطرف الخارجي للحافة القارية، أو إلى مسافة 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يقاس منها عرض البحر الإقليمي إذا لم يكن الطرف الخارجي للحافة القارية يمتد إلى تلك المسافة.

وللدولة الساحلية الحق في ممارسة سيادتها على الجرف القاري بهدف الاستكشاف واستغلال الموارد الطبيعية، من مواد معدنية وغيرها من الموارد في قاع البحر، وما يوجد في باطن أرض هذا القاع، بغية الاستفادة الاقتصادية منها والمحافظة عليها. ويستثنى من ذلك الموارد الحية الموجودة في المياه البحرية.

ومن الجدير بالذكر أن عدة نزاعات ما زالت قائمة بصدد عملية تقاسم الجرف القاري للدول الساحلية التي تتشارك في مساحات البحار. وفي حال وسّعت إحدى الدول الساحلية حدود جرفها القاري إلى أبعد من مئتي ميل بحري من خطوط الأساس، يتم تقاسم الدخل الناجم عن استغلال المواد المعدنية الموجودة وراء علامة تحديد مسافة المئتي ميل بحري عبر تقديم مساهمات مالية أو عينية إلى السلطة الدولية لقاع البحر. 

4ـ المنطقة الاقتصادية الخالصة (Exclusive Economic Zone)

المنطقة الاقتصادية الخالصة هي المنطقة الرابعة التي تنص عليها اتفاقية قانون البحار (باستثناء المياه الداخلية)، ولا تتجاوز المئتي ميل بحري من خطوط الأساس التي يقاس منها البحر الإقليمي. وكثيراً ما تشكل هذه المنطقة مصدراً للنزاعات بين الدول.

وتنص المادة 56 من اتفاقية قانون البحار على أنه لكل دولة ساحلية حقوقاً سيادية على المنطقة الاقتصادية الخالصة

لغرض استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية، الحية منها وغير الحية، للمياه التي تعلو قاع البحر ولقاع البحر وباطن أرضه وحفظ هذه الموارد وإدارتها، وكذلك فيما يتعلق بالأنشطة الأُخرى للاستكشاف والاستغلال الاقتصاديين للمنطقة، كإنتاج الطاقة من المياه والتيارات والرياح.

وتضيف المادة 58 من الاتفاقية:

تتمتع جميع الدول، ساحلية كانت أو غير ساحلية، ورهناً بمراعاة الأحكام ذات الصلة من هذه الاتفاقية، بالحريات المشار إليها في المادة 87 والمتعلقة بالملاحة والتحليق ووضع الكابلات وخطوط الأنابيب المغمورة [....] والمتفقة مع الأحكام الأُخرى من هذه الاتفاقية.

وعلى الدولة المعنية أن تعلن منطقتها الاقتصادية الخالصة؛ فالمنطقة لا تُمنح فور مصادقة الدولة المعنية على اتفاقية قانون البحار. وبالإضافة إلى ذلك، تنص مواد الاتفاقية على هيكلية المنطقة الاقتصادية الخالصة، بما في ذلك تعيين حدودها وطريقة حل النزاعات التي قد تنشأ عندما تكون المسافة بين الدول المحاذية لبعضها أقل من 400 ميل بحري، كما هي الحال بين لبنان وقبرص. 

5ـ أعالي البحار (High Seas)

تشكل أعالي البحار المنطقة الأخيرة المعترف بها في اتفاقية قانون البحار، وهي تشمل كل المسطحات المائية التي تبعد عن البر مسافة تتجاوز المئتي ميل بحري. وهذه المنطقة مفتوحة لجميع الدول (المادة 87 من اتفاقية قانون البحار).

ويمكن ممارسة الولاية القضائية على منطقة أعالي البحار لدى حدوث نزاع أو نشوء مسألة يتوجب حلها، إلاّ إنه لا يمكن لأي دولة أن تطالب بسيادتها على هذه المنطقة.

وفي إطار هذا التنظيم للمناطق البحرية وتوزيعها بين الدول الساحلية، يمكن إيجاد حل قانوني للنزاع على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.

ثانياً: توفر الحل القانوني للنزاع البحري بين لبنان وإسرائيل

يحتاج البحر الموجود بين لبنان وقبرص وإسرائيل وسورية، كما لكل الدول الساحلية، إلى ترسيم وفقاً لقواعد القانون الدولي وآلياته، مع الأخذ بعين الاعتبار العناصر الجيوسياسية والاقتصادية المعقدة في المنطقة.

ولا يطرح تعيين الحدود البحرية بين لبنان وقبرص أي معضلة قانونية، بمعنى أن الدولتين وقّعتا اتفاقية قانون البحار وأبرمتاها، وتقوم بينهما منذ زمن علاقات دبلوماسية طبيعية، لا تشوبها عوائق تذكر. ويعود عدم مصادقة لبنان على الاتفاقية المعقودة مع قبرص سنة 2007، بشأن تحديد الإحداثيات الجغرافية لحدوده البحرية، إلى عدة مسائل، منها النزاع القائم بين لبنان وإسرائيل بشأن الحدود البحرية. لكن هذه المسائل قابلة للمعالجة، ولا سيما عند إيجاد حل للنزاع القائم بين لبنان واسرائيل بشأن حدودهما البحرية.

فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية بين لبنان وسورية، وعلى الرغم من عدم توقيع سورية اتفاقية قانون البحار، وقيام شوائب موقتة بين البلدين، ولا سيما نتيجة الوضع السوري الراهن، فإن الاتفاق بينهما على الحدود البحرية المشتركة يبقى ممكناً، أقله من الناحية القانونية، استناداً إلى أسس وقواعد اتفاقية قانون البحار وإن لم تبرمها سورية، كما سيؤتى إلى ذكر ذلك لاحقاً. ونذكر هنا أنه في سنة 2014 اعترضت سورية رسمياً لدى الأمم المتحدة على ترسيم لبنان حدوده البحرية الشمالية.

أمّا بشأن النزاع البحري بين لبنان وإسرائيل، فإلى جانب عدم انضمام إسرائيل إلى اتفاقية قانون البحار تبرز العقبة الأساسية، وهي أنه لا يوجد اعتراف بين الدولتين، وبالتالي فإن التفاوض المباشر في شأن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية وتوقيع مثل هذه الاتفاقية بين لبنان وإسرائيل أمر غير وارد.

أبدأ بموضوع الاعتراف، أي هل من الممكن إيجاد حل قانوني لمسألة النزاع البحري بين لبنان وإسرائيل من دون أن يشكل ذلك، أو أن يعتبر من الوجهة القانونية بمثابة اعتراف لبنان بإسرائيل كدولة؟ 

1ـ مسألة الاعتراف بالدول في القانون الدولي العام

يشكل اعتراف دولة بدولة أُخرى المكون الأساسي للعلاقات بين الدول بصفتها أشخاصاً بموجب القانون الدولي العام.

والاعتراف عمل إرادي تقوم به دولة تقر بوجود أرض وشعب ومؤسسات تمارس سلطتها ضمن حدود الأرض التي تقوم عليها، وبالتالي تستوفي الشروط التي تحدد الدولة في إطار القانون الدولي. فالاعتراف عمل قانوني إعلاني أحادي الطرف تقبل من خلاله دولة بدولة أُخرى تشكل واقعاً مادياً وقانونياً. 

أـ شكل الاعتراف

للاعتراف شكلان: صريح وضمني.

الاعتراف الصريح: يتمثل في إرادة دولة أن تقر بوجود دولة أُخرى كشخص من أشخاص القانون الدولي العام. وهو يتخذ أشكالاً صريحة بين الدولتين، كإعلان الاعتراف من جانب رئيس الدولة، أو تبادل البعثات الدبلوماسية، أو عقد اتفاقية تتضمن الاعتراف.

الاعتراف الضمني: يكون الاعتراف ضمنياً حين تعبِّر الدولة المعترفة عن نيتها الإقرار بوجود الدولة الأُخرى، وذلك بوسائل فعلية غير مباشرة تُستنتج من الأوضاع المحيطة بتلك الأعمال؛ بمعنى أن تصرّف الدولة المعترفة تجاه الدولة المعترف بها يدل على الإقرار بوجودها في سبيل إقامة علاقة طبيعية بينهما وفقاً للقانون الدولي، ويجب أن يكون التصرّف واضحاً لا لبس فيه، وألاّ يبقي أي شك في نية الدولة المعنية الاعتراف بالدولة الأُخرى. ومن الأمثلة لذلك تبادل المذكرات الدبلوماسية، أو استقبال ممثل الدولة الأُخرى استقبالاً رسمياً، أو توجيه دعوة إلى الدولة الأُخرى لحضور مؤتمر دولي، أو إرسال كتاب تهنئة في العيد الوطني للبلد المعني، أو إجراء اتفاقية ثنائية رسمية. 

ب ـ ما هو خارج الاعتراف الضمني

يحتم الأساس الإرادي للاعتراف ألاّ يكون ثمة شك في نية الدولة المعترفة بقبول إقامة علاقة بالدولة المعترف بها، ويجب أن تخلو الأعمال أو التصرفات مما يمكن الاستنتاج منه نيتها الاعتراف بالدولة الأُخرى.

والأمثلة متعددة في القانون الدولي للأعمال التي لا يمكن اعتبارها اعترافاً ضمنياً من دولة بدولة أُخرى، كقيام الدولة بالاتصالات غير المباشرة، أو بتقديم شكوى أو دعوى قضائية أو تحكيمية ضد الدولة الأُخرى.

كما لا يشكل وجود الدولتين طرفين في معاهدة، أو اتفاقية متعددة الأطراف، اعترافاً ضمنياً من دولة بأُخرى.

وكذلك بالنسبة إلى الاشتراك في مؤتمرات دولية، أو عضوية الدولتين في مؤسسات أو منظمات دولية كالأمم المتحدة، أو كونهما طرفين في الاتفاقات المعقودة في إطارها.

وعلى هذا الأساس، فإن اتفاقيات الهدنة لسنة 1949 الموقعة بين لبنان ودول عربية أُخرى من جهة، وبين إسرائيل من جهة أُخرى، لا تشكل اعترافاً بإسرائيل، وإنما هي إجراء يدخل ضمن نطاق قانون الحرب.

ولا بد هنا من الإشارة إلى أنه عند توقيع معاهدة دولية متعددة الأطراف مع دولة أو دول لا تعترف بها أطراف موقعة أُخرى، تقوم الأطراف الأخيرة في بعض الأحيان، تحوّطاً، بتدوين تحفظ يرمي إلى التنبيه على أن توقيعها المعاهدة لا يشكل، في أي حال، اعترافاً ضمنياً بالدولة غير المعترف بها. وهذا الإجراء تقوم به بعض الدول العربية لتفادي التفسير التعسفي لتوقيعها، بحيث تدون أن توقيعها المعاهدة المعنية لا يعني اعترافاً ضمنياً بإسرائيل، علماً بأن هذا التحفظ غير ضروري من الناحية القانونية. وقامت بهذه الخطوة، فيما يتعلق باتفاقية البحار، الدول التالية: اليمن والعراق والكويت وقطر وتونس، ولم يقم بها لبنان وإيران.

وفي ضوء ما ذكر عن الاعتراف الضمني، يمكن القول إن اللجوء إلى الطرق القانونية لحل النزاع البحري بين لبنان وإسرائيل، بما فيه التحكيم، لا يشكل اعترافاً من جانب لبنان بإسرائيل. 

2ـ القانون الدولي العرفي (Customary International Law)

بالانتقال إلى المسألة القانونية الثانية، إضافة إلى مسألة الاعتراف، وهي عدم إبرام إسرائيل اتفاقية قانون البحار، فإن عدم توقيع الاتفاقية من جانب بعض الدول لا يحول دون إمكان اعتماد قواعد الاتفاقية المذكورة لحل النزاع البحري بينها وبين الدول الموقعة، وذلك على أساس أن هذه القواعد جزء من القانون الدولي العرفي الذي يُعتبر، ولا سيما من جانب محكمة العدل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة، أحد المصادر الأساسية للقانون الدولي.

ونشير، في هذا الشأن، إلى أن القانون الدولي العرفي يشكل مكوناً رئيسياً للاتفاقيات الدولية، كاتفاقية قانون البحار. وعند إدراج قواعد قانونية عرفية ضمن اتفاقيات دولية تبقى تلك الأعراف قائمة، وبالتالي سارية على الدول التي لم تنضم إلى الاتفاقيات المذكورة.

وتنص المادة 38 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، المؤرخة سنة 1969، على ما يلي:

المادة 38: القواعد الواردة في المعاهدة التي تصبح ملزمة للدول الغير عن طريق العرف الدولي:

ليس في المواد من 34 إلى 37 ما يحول دون أن تصبح قاعدة واردة في معاهدة ملزمة للدولة الغير باعتبارها قاعدة عرفية من قواعد القانون الدولي معترفاً لها بهذه الصفة.

فنص معاهدة دولية يمكن أن يصبح ملزماً لطرف ثالث كقاعدة عرفية للقانون الدولي، إذ إن بنود المعاهدة تبلور، في معظمها، القانون العرفي وتكرسه.

ويمكن القول إن اتفاقية قانون البحار مطابقة لهذه الشروط. فمن جهة ، قامت الاتفاقية بتقنين قرون من قانون البحار، بدءاً من قاعدة المرور البريء، إلى حرية أعالي البحار، إلى سيادة الدولة على بحارها الإقليمية. ومن جهة أُخرى، تجمع الاتفاقية كل القواعد في وثيقة واحدة يجمع عليها معظم دول العالم.

فعلى سبيل المثال، يشكل مفهوم المنطقة الاقتصادية الخالصة قاعدة عرفية سابقة لاتفاقية قانون البحار التي قامت بتوسيعها وتقنينها، وهي مقبولة من الدول التي وقعتها ومن الدول التي لم توقعها على حد سواء، كونها مستمدة من مجموعة أعراف مارستها الدول قبل توقيع الاتفاقية التي كرستها.

بالإضافة إلى ذلك، ترى محكمة العدل الدولية أنه يمكن اعتبار القواعد القانونية الدولية التي تنشأ بالتدريج، كالعرف، جزءاً من القانون الدولي، حتى لو لم تقبل جميع الدول بالقاعدة المعنية. فمصادقة 168 دولة على اتفاقية قانون البحار تدل على أنها تحظى بتأييد دولي واسع، وأنها ذات طابع إلزامي للدول كافة.

والأمر المهم الجدير بالذكر، أيضاً، هو أنه يمكن الاعتبار أن إسرائيل قبلت ضمنياً بأحكام اتفاقية قانون البحار من خلال ترسيم حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة مع قبرص، وخصوصاً أن مقدمة الاتفاقية بين البلدين تشير صراحة إلى اتفاقية قانون البحار، وبالتحديد إلى الأحكام التي ترعى المنطقة الاقتصادية الخالصة.

ونشير هنا إلى أن المحكمة الدائمة للتحكيم، والتي سيأتي ذكرها لاحقاً، قضت في سنة 1999 بتطبيق أحكام اتفاقية قانون البحار في نزاع قائم بين جمهورية اليمن، التي هي طرف في الاتفاقية، وبين دولة إريتريا التي لم تنضم إليها حتى الآن. وقد استندت المحكمة إلى عنصرين أساسيين: الأول أن الاتفاقية تحتوي على عدة قواعد من القانون العرفي الدولي الذي ينطبق على جميع الدول بلا استثناء، والثاني أن دولة إريتريا وافقت في اتفاقية التحكيم على تطبيق أحكام اتفاقية قانون البحار.

ونتيجة ما سبق، يمكن القول إن عدم إبرام إسرائيل اتفاقية قانون البحار لا يشكل عائقاً قانونياً يحول دون تطبيق قواعد ومبادئ الاتفاقية المذكورة على الوضع الحدودي البحري القائم بين لبنان واسرائيل. والأمر نفسه ينطبق على الحدود البحرية بين لبنان وسورية التي هي، أيضاً، ليست طرفاً في اتفاقية قانون البحار. 

ثالثاً: الحلول القانونية المتاحة

في ضوء ما تقدم، لا بد من معرفة الطرق القانونية المتاحة لحل النزاع البحري القائم بين لبنان وإسرائيل، من دون مس موقف لبنان الرافض للاعتراف بالكيان الإسرائيلي. وهذه الطرق قسمان: الطرق القضائية، والطرق غير القضائية.

لكن قبل التطرق إلى هذه الطرق، نشير إلى أن اتفاقية قانون البحار تحدد الإجراءات التي يمكن اتخاذها في حال نشوء نزاع بين الدول بشأن المناطق البحرية. فالمادة 59 منها تنص على أنه، في حال نشوء نزاع،

ينبغي أن يحل النزاع على أساس الإنصاف وفي ضوء كافة الظروف ذات الصلة، مع مراعاة أهمية المصالح موضوع النزاع بالنسبة إلى كل من الأطراف وإلى المجتمع الدولي ككل.

كما تنص الاتفاقية على خطوات يتوجب اتباعها في حال النزاع بشأن المنطقة الاقتصادية الخالصة؛ فعلى الدول المعنية أن تحاول أولاً التوصل إلى اتفاق منصف، وإلى اتخاذ إجراءات قانونية من أجل عقد الاتفاقيات في هذا الصدد.

وعند اشتراك بلدين أو أكثر في حدود منطقة اقتصادية خالصة واحدة، وعدم استطاعتهما التوصل إلى اتفاق على تعيين الحدود، يتم تطبيق الآليات القانونية التي ينص عليها القانون الدولي والاتفاقية لإيجاد تسوية بين الدول المعنية.

وهذه الآليات القانونية التي أوجدها اجتهاد المحاكم الدولية، وكرستها اتفاقية قانون البحار، تعتمد على الخط الوسطي (Median) ومبدأ تساوي المسافات من جهتي الخط المذكور، مع الأخذ بعين الاعتبار مطابقة الحلول لقواعد الإنصاف. 

1ـ الطرق القضائية لحل النزاع بشأن الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل

بالنسبة إلى الطرق القضائية لحل النزاع في نطاق الاتفاقية، فإن للفريقين أربعة خيارات: إحالة النزاع على المحكمة الدولية لقانون البحار (International Tribunal for the Law of the Sea/ITLOS)، أو إحالته على محكمة العدل الدولية، أو إخضاعه لإجراءات التحكيم الدولي الملزم، أو إخضاعه لهيئات التحكيم الخاص، مع الاستعانة بالخبرة لحل المسائل التي تقتضي ذلك.

فقد نصت المادة 287 من اتفاقية قانون البحار على ما يلي:

1- تكون الدولة، عند توقيعها أو تصديقها على هذه الاتفاقية أو انضمامها إليها أو في أي وقت بعد ذلك، حرة في أن تختار، بواسطة إعلان مكتوب، واحدة أو أكثر من الوسائل التالية لتسوية المنازعات المتعلقة بتفسير هذه الاتفاقية أو تطبيقها:

(أ) المحكمة الدولية لقانون البحار المنشأة وفقاً للمرفق السادس؛

(ب) محكمة العدل الدولية؛

(ج) محكمة تحكيم مشكَّلة وفقاً للمرفق السابع؛

(د) محكمة تحكيم خاص، مشكَّلة وفقاً للمرفق الثامن لفئة أو أكثر من فئات المنازعات المحددة فيه. 

أـ المحكمة الدولية لقانون البحار (ITLOS)

تنص المادة 20 من المرفق السادس من اتفاقية قانون البحار على أن "يكون اللجوء إلى المحكمة متاحاً للدول والأطراف"، وكذلك بالنسبة إلى أي خلاف مرفوع إلى المحكمة بموجب اتفاق قد يوافق فيه الطرفان على صلاحية المحكمة الدولية لقانون البحار.

وبالتالي، وعلى الرغم من أن إسرائيل ليست طرفاً في الاتفاقية، وأن لبنان لم يختر بواسطة إعلان خطي الوسيلة لتسوية النزاعات، وهذا ما يؤدي حكماً إلى تطبيق خيار التحكيم، فإن المحكمة الدولية لقانون البحار تبقى خياراً متاحاً لحل النزاع إذا وافق كل من لبنان وإسرائيل على إخضاع نزاعهما لصلاحية المحكمة المذكورة. 

ب ـ محكمة العدل الدولية (International Court of Justice)    

قبل دخول اتفاقية قانون البحار حيز التطبيق في سنة 1994 وإنشاء المحكمة الدولية لقانون البحار، كانت محكمة العدل الدولية تنظر في النزاعات البحرية. وتتيح المادة 287 من اتفاقيــــة قانـــون البحار لأطراف الاتفاقية اختيار محكمة العدل الدولية من أجل تسوية نزاعاتهم. ومحكمة العدل الدولية هي أول هيئة قضائية تنشئها الأمم المتحدة للنظر في النزاعات بين الدول، كما أن لها بموجب المادة 65 من نظامها الأساسي أن تبدي الآراء القانونية فيما يتعلق بالمسائل التي تطرحها عليها الدول ووكالات الأمم المتحدة. ولكل دولة عضو في الأمم المتحدة الحق في أن تكون فريقاً في نزاع مرفوع أمام المحكمة. وتكون محكمة العدل الدولية صالحة في ثلاث حالات (المادة 36 من نظام المحكمة الأساسي):

1ـ عندما يوافق الفريقان معاً بموجب اتفاق خاص بينهما.

2ـ إذا كان النزاع ناشئاً عن معاهدة أو أي اتفاق دولي آخر يحيل على المحكمة.

3ـ إذا قامت دولة بالإعلان مسبقاً، ومن جهة واحدة، أن المحكمة هي الجهة الصالحة لحل النزاعات مع دول أعضاء أُخرى قبلت بالصلاحية ذاتها.

وعلى الرغم من أن أياً من لبنان وإسرائيل لم يقم بإعلان قبوله بالصلاحية القضائية لمحكمة العدل الدولية، يبقى اللجوء إلى المحكمة ممكناً بإرادة الفريقين، مع العلم بأن إسرائيل كانت قامت بمثل هذا الإعلان، إلاّ إنها أنهت مفاعيله سنة 1985 من خلال كتاب أرسله ممثلها لدى الأمم المتحدة آنذاك بنيامين نتنياهو.

ويبقى أن في إمكان لبنان، من دون موافقة إسرائيل، أن يطلب من محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً وفقاً للمادة 65 من نظام المحكمة الأساسي، فيما يتعلق بصحة ترسيمه حدوده البحرية. ومثل هذا الرأي يشكل وثيقة تدعم موقف لبنان في إطار إي إجراء لاحق يهدف إلى حل النزاع البحري مع إسرائيل. 

ج ـ المحكمة الدائمة للتحكيم (Permanent Court of Arbitration)

تم إنشاء المحكمة الدائمة للتحكيم بموجب اتفاقية التسوية السلمية للنزاعات الدولية التي أُبرمت في لاهاي سنة 1899 خلال مؤتمر السلام الأول. وكان ضمن أهداف المؤتمر أن يتم تدعيم نظم تسوية النزاعات الدولية، وبصورة خاصة نظام التحكيم الدولي.

وجاءت المادة 16 من اتفاقية لاهاي (1899) مؤكدة أنه

فـــي المسائل ذات الطابع القانوني ولا سيما فــــي تفسيــر أو تطبيق الاتفاقيات الدولية فإن التحكيم هو الوسيلة الأكثر فعالية وإنصافاً في تسوية المنازعات التي فشلت الطرق الدبلوماسية في تسويتها.

وبناء على ذلك، أُنشئت المحكمة بموجب المادة 20 من الاتفاقية نفسها، والتي نصت على ما يلي:

بغية تسهيل اللجوء الفوري إلى التحكيم في الخلافات الدولية التي تعذرت تسويتها بالطرق الدبلوماسية، تتعهد الدول الموقعة بتنظيم محكمة دائمة للتحكيم يمكن الرجوع إليها في جميع الأوقات وتعمل، ما لم يشترط خلاف ذلك من قبل الأطراف، وفقاً لقواعد الإجراءات الواردة في هذه الاتفاقية.

وقد تم تعديل هذه الاتفاقية في مؤتمر السلام الثاني الذي عُقد في لاهاي سنة 1907.

وتقوم المحكمة الدائمة للتحكيم ببتّ النزاعات التي تنشأ بين مختلف أنواع الكيانات بما فيها الدول، والهيئات التابعة للدول، والمنظمات الحكومية الدولية، والأطراف الخاصة. كذلك جرى اتفاق بين المحكمة الدائمة للتحكيم والمحكمة الدولية لقانون البحار على التعاون بشأن المسائل القانونية والإدارية المتعلقة بالتحكيم الخاص بقانون البحار.

ويشكل التحكيم، إذاً، خياراً آخراً لحل نزاع الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل؛ فالمحكمة الدائمة للتحكيم صالحة للنظر في النزاع وفقاً لاتفاقية قانون البحار، وقد سبق أن فصلت في العديد من النزاعات بشأن الحدود البحرية.

وكما رأينا، فإن اللجوء إلى المحكمة الدولية لقانون البحار، أو إلى محكمة العدل الدولية، أو إلى المحكمة الدائمة للتحكيم، يتطلب اتفاقاً بين لبنان وإسرائيل على سلوك إحدى هذه الطرق لحل النزاع البحري القائم بينهما، لكن الاتفاق المباشر بين الطرفين أمر غير وارد قانونياً وسياسياً. وبالتالي لا يبقى هناك سوى أن تقوم جهة ثالثة مقبولة من الطرفين بدور الوسيط من أجل سلوك إحدى الطرق القضائية أو التحكيمية المذكورة، على أن يتم الاتفاق بموجب كتب موجهة من جانب كل طرف إلى الوسيط، من دون تبادل رسائل بين الطرفين أو توقيع اتفاق مباشر بينهما، بحيث يقوم الوسيط بالتنسيق بين لبنان واسرائيل والمحكمة التي يتم اختيارها من أجل الشروع في الإجراءات القضائية أو التحكيمية، وذلك من دون أي اتصال بين الطرفين. ويقوم لبنان في الوقت ذاته بتدوين تحفظه من أن اللجوء إلى الإجراءات المذكورة لا يشكل اعترافاً بدولة إسرائيل.  

2ـ الطرق غير القضائية لحل النزاع بشأن الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل    

إلى جانب الطرق القضائية والتحكيمية، يبقى إمكان اللجوء إلى الطرق غير القضائية لحل النزاع البحري بين لبنان واسرائيل، ولا سيما التوفيق والوساطة. 

أـ التوفيق (Conciliation)

تشكل عملية التوفيق طريقة من طرق تسوية النزاعات، إذ يقوم الفريقان برفع خلافهما إلى طرف ثالث محايد هو الموفِّق، مهمته محاولة إيجاد حل شامل للنزاع يقترحه على الطرفين. والتوفيق إجراء سري، وهو ليس ملزماً إلاّ إذا اتفق الطرفان على التقيد بالحل المقترح. وفي حالتنا الراهنة، يمكن أن يتم ذلك بواسطة تبادل رسائل بين الموفِّق وكل طرف على حدة.

وقد دخل لبنان وإسرائيل حلقة من إجراءات التوفيق غير الرسمية، فكانت الولايات المتحدة تقوم بدور الموفِّق منذ سنة 2011، لكن ذلك لم يؤد إلى نتيجة حتى الآن.

ونذكر بالمناسبة أن المادة 298 من اتفاقية قانون البحار تلحظ آلية توفيق إلزامي، بشأن النزاعات الخاصة بالحدود البحرية، للدول التي تتقدم بإعلان خطي ترفض فيه إحالة هذه النزاعات على المحاكم المذكورة في المادة 287 من الاتفاقية. ولم يتقدم لبنان بمثل هذا الإعلان، وبالتالي فهو غير خاضع لآلية التوفيق الإلزامي. 

ب ـ الوساطة (Mediation)

طريقة أُخرى من الطرق غير القضائية لتسوية النزاعات، وهي شبيهة في بعض نواحيها بالتوفيق. غير أن الوسيط يكتفي في الإجمال بتقريب وجهات النظر وإبداء رأيه في المسألة النزاعية المطروحة، بينما الموفِّق يقترح حلولاً على الطرفين. 

ج ـ وساطة الأمم المتحدة

ومن الطرق غير القضائية المتاحة أيضاً، وساطة الأمم المتحدة من خلال قواتها الموقتة في لبنان (UNIFIL)، شرط توسيع نطاق مهماتها المحددة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1701، كي تشمل ترسيم الحدود البحرية، على أن ينص قرار توسيع المهمة على أسس ترسيم الحدود البحرية وآليته، ولا سيما بالاعتماد على قواعد اتفاقية قانون البحار.

وكانت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية طلبت، سنة 2011، من الأمين العام للأمم المتحدة تكليف مَنْ يلزم لترسيم خط الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، على غرار الخط الأزرق البري، وتكليف قوات الأمم المتحدة  الموقتة في لبنان مراقبة هذا الخط.

خلاصة

في هذا العرض، رأينا أن السبل القانونية لحل النزاع البحري بين لبنان وإسرائيل متاحة على الرغم من عدم انضمام إسرائيل إلى اتفاقية قانون البحار، ومن دون أن يؤدي سلوك تلك السبل من جانب لبنان إلى الاعتراف بدولة إسرائيل. ويبقى أن يقوم طرف ثالث محايد بتوفيق أو بوساطة، إمّا للتوصل إلى حل رضائي، وإمّا لإقناع الطرفين، وخصوصاً إسرائيل، باللجوء إلى محكمة العدل الدولية، أو إلى المحكمة الدولية لقانون البحار، أو إلى المحكمة الدائمة للتحكيم، وذلك من أجل تسوية النزاع وترسيم الحدود البحرية وفقاً لقواعد اتفاقية قانون البحار.

 

*وليد خدوري (محرر)، "الطاقة والجغرافيا السياسية لغاز شرق المتوسط"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، تشرين الأول/أكتوبر 2019.

عن المؤلف: 

فادي مغيزل: محام وعضو نقابة المحامين في بيروت منذ سنة 1985. خبير قانوني في شأن الطلبات الخاصة بالتعويضات بين الدول جرّاء الاعتداءات والحروب، وخبير قانوني بالنفط والغاز.

اقرأ المزيد