حرب أوكرانيا وتداعياتها الأوراسية
نبذة مختصرة: 

مهما تكن النتائج العسكرية التي ستترتب عن الحرب الروسية في أوكرانيا فإن الأهم منها هي تلك الارتدادات السياسية التي ستنجم عنها. فالحرب هي دائماً فاتحة لجملة متغيرات، وهي لا تقع أصلاً إلّا بعد حدوث تحولات مسبقة في موازين القوى.

النص الكامل: 

تندلع الحروب دائماً بعد مقدمات جرت في معادلة التوازن، وتتوقف حين تستقر المتغيرات في إطار سياسي يرسم خريطة توضح معالم حدود القوة ودرجات نموها أو ضعفها. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يكن في إمكانه اتخاذ قراره بالهجوم على أوكرانيا لولا قناعته بوجود متحولات جاءت لمصلحته في الأعوام العشرة الأخيرة. ولذلك بات بوتين أسير معادلة لا تسمح له بالخروج من ساحة المعركة قبل أن يحقق الحد الأدنى المعقول الذي يضمن له البقاء في السلطة.

بهذا المعنى يمكن أن نتوقع أن تطول الحرب إلى أن تتوضح معالمها السياسية في المدار الجغرافي الأوراسي. فالارتدادات المحتملة يرجّح أن تقتصر على مجالات سياسية لا تتجاوز حدود أوروبا وآسيا على اعتبار أن القارة الأوروبية هي ساحة المعركة المفتوحة، وآسيا هي قاعدتها الهجومية.

قبل اتخاذ قرار الهجوم أوضح الرئيس بوتين في خطاب مطول خلفيات الأزمة وفق رؤية جمعت بين الجغرافيا والتاريخ. فهو تحدث عن ملابسات هوية روسيا (نصف أوروبية ونصف آسيوية) ومخاوف (فوبيا) أوروبا من الخطر السلافي. وتحدث أيضاً عن ازدواجية المعايير في التعامل الأوروبي مع روسيا التي تصبح أوروبية حين تحتاج القارة إليها، وآسيوية حين تستغني عن خدماتها.

هذا التداخل بين الجغرافيا (الحدود السياسية) والتاريخ (الفوبيا الروسية) شكّل على المدار الزمني خطوط تماس حارة وباردة ساهمت في توليد تجاذبات تستقر أحياناً، وتنفجر في أحيان أُخرى.

لذلك قرأ بوتين الأزمة الأوكرانية بصفتها مشكلة روسية داخلية بدأت معالمها ترتسم منذ عهد لينين وبعده ستالين وصولاً إلى فترة انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المعسكر الاشتراكي (حلف وارسو). فالأزمة، في رأي بوتين، داخلية، وهجومه العسكري على أوكرانيا مجرد حملة تأديبية ضد قوة انفصالية تمردت على المركز (موسكو) الذي كان له الفضل في تشكيل دولة مستقلة على أراضٍ روسية وعرق روسي ولغة روسية. فالمجال الجغرافي الذي تجري في إطاره الحرب يقع في إطار الجوار الحيوي للبلد الأم، الأمر الذي يهدد المصالح الاستراتيجية لموسكو، ويقوض استقرارها الأمني.

بهذه الذهنية قرأ بوتين المشكلة. فأوكرانيا هي ساحة اختبار لموازين القوى التي تغيرت معادلتها السياسية بعد تشرذم الاتحاد السوفياتي، ثم عادت وتصححت بعد عودة دولة روسيا إلى النهوض من تحت الركام. ونتيجة هذا التحول النسبي في موازين القوى، يرى بوتين أن لديه الحق في الاعتراض على التدخل الأميركي في المحيط الجواري لروسيا، وفي أن يتخذ القرار الملائم الذي يضمن حدود بلده وأمنه، ويحدّ من تلك المخاطر التي تهدد مصالح بلده.

إعادة قراءة خطاب بوتين الذي مهد سياسياً للهجوم العسكري، مسألة مهمة لأنه يمزج الجغرافيا بالتاريخ، والقومية بالمحيط الجواري، والمصالح بالكرامة معطوفة على أخذ الحق بالقوة. فالخطاب جمع القوة إلى جانب الضعف، وعزة النفس إلى جانب الاستعداد للتضحية دفاعاً عن المدار الجغرافي الروسي.

هذا الكلام الهجومي / الدفاعي أربك الولايات المتحدة وأثار المخاوف في أوروبا ونبَشَ ذاكرة القارة التي لا تزال تحاول أن تتجاوز تلك الحقبات المرعبة من تاريخها المعاصر. وبسبب تلك التراكمات استفاق الاتحاد الأوروبي على كارثة الهجوم. فالخطاب ليس مجرد كلام للاستهلاك، بل خطة عمل ميدانية تستهدف أيضاً مجموعة نقاط أبرزها: منع أوكرانيا من الانضمام إلى الحلف الأطلسي؛ تعطيل مشروع إدخال صواريخ إلى أرض دولة مجاورة؛ الضغط على أوروبا وأميركا للاعتراف بالحكم الذاتي لمقاطعة دونباس المطلة على بحر أزوف والبحر الأسود.

أهداف بوتين واضحة، فهو يطمح إلى أن يؤسس ما يشبه الشريط الحدودي الذي يفصل شرق أوكرانيا عن غربها وشمالها، ويعزل الدولة عن البحر، ويضغط على كييف للتخلي عن مطالبتها بشبه جزيرة القرم، ويمنع أوروبا (حلف الناتو) من الاقتراب من حدود روسيا ومحيطها الجغرافي.

في المقابل لم تتوضح نقاط اعتراض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على الشروط السياسية التي أعلنها بوتين في خطاباته المتتالية بعد شنّه الهجوم وانزلاقه نحو حرب استنزاف تبدو طويلة المدى. فالدول الأوروبية، المدعومة بالمظلة الأميركية، اكتفت باستنكار الاعتداء الروسي، وإيواء النازحين، وإرسال مساعدات إغاثية، وتزويد الجيش الأوكراني بمعدات دفاعية متطورة، واتخاذ قرارات اقتصادية ومالية قاسية قضت بمقاطعة الصادرات الروسية وتجميد أصول الدولة المالية، فارضة عليها عزلة سياسية وإعلامية ومعلوماتية ودبلوماسية.

حتى الآن لا تزال المعركة العسكرية في بداياتها السياسية، إلّا إنها أعطت إشارات تكشف عن زوايا تتصل بالأمن الأوروبي ومظلتها القارية. فالدول أجمعت على رفع نسبة ميزانياتها الدفاعية، وتوافقت على إعطاء موضوع التسلح أولوية. كذلك استفز الهجوم بعض العواصم الأوروبية فاتخذت قرارات بالانضمام إلى الحلف الأطلسي وطلب الحماية الأمنية من الولايات المتحدة.

هذه الإشارات تعطي فكرة عن التداعيات المحتملة في أوراسيا (أوروبا وآسيا)، سواء تراجعت أوروبا – وحليفها الأميركي – عن مواقفها ووافقت على شروط بوتين السياسية، وسواء تراجع بوتين عن مواقفه واضطر إلى القبول بالأمر الواقع والسكوت عن تغلغل الأطلسي ومحاولات التمركز في مجاله الجغرافي.

التداعيات فعلياً وقعت ميدانياً. فالحرب في أوكرانيا هي الحرب الساخنة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، ولذلك فإنها تشكل لأوروبا نقطة اختبار مهمة لتصور طبيعة الخريطة السياسية للقارة، وتحديداً مصير دول "المعسكر" الاشتراكي الحائرة بين البقاء في الشرق (صربيا؛ هنغاريا؛ بيلاروسيا)، أو الانضمام إلى الغرب (رومانيا؛ بلغاريا؛ بولندا؛ تشيكيا؛ سلوفياكيا).

الانقسام الذي ظهر في تضاريس خريطة شرق أوروبا يكشف عن وجود خلل في موازين القوى، وعن بدء نمو توجهات سياسية تشكك في صدقية الوعود الأميركية، وتطمح إلى أن تعيد نسج علاقات مع الكرملين في إطار مظلة أمنية تضمن حريتها ولا تهدد استقلالها.

هذا التوجه الخجول والمشروط الذي ظهر في مواقف بعض الدول الاشتراكية سابقاً يؤشر إلى احتمال تشكل تكتل سياسي يجنح نحو موسكو ولا يقطع مع الغرب.

وفي حال تطور هذا الخط السياسي الرمادي، ونجح في ترسيم خريطة طريق للتفاهم مع بوتين، فإن الكرملين يكون قد حقق نقطة لمصلحته تضبط له حدوده الجغرافية الواقعة على خطوط التماس مع غرب أوروبا في مقابل ضمانات بعدم توسيع دائرة الاعتداء.

كذلك تكون الولايات المتحدة قد حققت بدورها نقطة مضافة إلى مصلحتها تتمثل في زيادة الضغط على الحليف الأوروبي، وإجباره على رفع نسبة ميزانيات الدفاع، وتأكيد أهمية المحافظة على صداقة واشنطن ودورها السياسي في تأمين مظلة الحماية لدول القارة.

الخاسر الأول في هذه المغامرة العسكرية هو أوكرانيا التي بات على سلطتها أن تقدم تنازلات سيادية لوقف الحرب. والخاسر الثاني هو أوروبا لأنها تحولت إلى ساحة اختبار لموازين القوى، وبات على دولها أن تختار بين حلف تقليدي يحتاج إلى دعم مالي للقيام بمهماته، وبين خصم تقليدي يحتاج إلى جائزة ترضية كي يوقف هجومه التدميري.

أوروبا في هذا السياق التناحري أصبحت في موقع صعب، فهي بحاجة إلى واشنطن لتأمين الحماية، وهي أيضاً لا تستطيع أن تتحمل بمفردها تكلفة الحرب. وبسبب موقعها الصعب، فإن الدول الأوروبية باتت مضطرة إلى إعادة هيكلة شبكة علاقاتها وترتيب سُلم أولويات يعطي أفضلية لمظلة الدفاع من دون استفزاز للجار الروسي.

في المقابل يبدو الكرملين غير مرتاح إلى نتائج مغامرته العسكرية، إلّا إنه مطمئن إلى نقطتين هما: أنه لا يستطيع أن يخرج خاسراً من المعركة لأن سلبياتها سترتد على هيبة بوتين وقيادته ووعوده؛ أن الكرملين بات على ثقة بأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، بحيث يفرض عليه الغرب التراجع، ثم الانكفاء وراء ستار الحديد.

الكرملين مطمئن إلى أن حقبة "العزلة" انتهت لأن شروطها الدولية لم تعد متوافرة بسبب انهيار الثنائية القطبية وانكسار القطبية الأحادية وبدء نمو تعددية توزّع مصادر القوة على مجموعة مراكز جغرافية.

أصبحت موسكو على قناعة بأن الحصار على اقتصادها بات من مخلفات الماضي نظراً إلى التحولات التي طرأت على الأسواق الدولية، واضمحلال الاختلاف الأيديولوجي الذي كان يعطي الغرب ذريعة لفرض شروطه وخياراته.

هذا كله يؤكد مسألة مهمة هي أن أوكرانيا دفعت ثمن اختبار موازين القوى في ساحة أوروبية مفتوحة على نزاعات محكومة بسقف دولي يقوم على معادلة سلبية لا تسمح لموسكو بالانتصار، لكنها لا تستطيع أن تُوقع الهزيمة الكبرى بالكرملين. 

تداعيات متوقعة

تحت هذا السقف السلبي كيف يمكن تصور تداعيات الحرب الأوكرانية على محاور "أوراسيا" الأوروبية / الآسيوية؟

أوروبياً تبدو عواصم الاتحاد متجهة نحو تعزيز قوة "الناتو" وتوسيع دائرته الجغرافية لتضم مزيداً من الدول المحايدة في سياساتها التقليدية. فإعلان فنلندا المجاورة لحدود روسيا، وجارتها السويد، استعدادهما للانضمام إلى الحلف الأطلسي يعطي إشارة سلبية في اتجاه تحدي الكرملين واستفزازه. والأخطر من ذلك يكمن في مسألة تراجع فكرة "الحياد" التقليدية التي اعتمدتها الدول الإسكندينافية إلى جانب سويسرا في الحرب العالمية الثانية.

الانحياز العلني والواضح في الخيارات السياسية لدول الاتحاد الأوروبي يؤكد مجدداً خطورة تداعيات الحرب الأوكرانية على وسط أوروبا وشمالها الشرقي، الأمر الذي يشكل إضافة سلبية إلى طموحات بوتين ومشروعه الضائع بين الانفتاح على الغرب وتجسير التعاون الاقتصادي (الريعي) في مجاله الحيوي، وبين التوجه نحو الشرق وتحسين شروط اندماجه في الدورة الإنتاجية التي تقودها الصين على المستوى الآسيوي.

هناك خيارات صعبة تواجه موسكو بعد توقف الحرب على أوكرانيا، لأنها مضطرة إلى أن ترد على سؤال الهوية التائه بين حواجز أوروبية (مدعومة أميركيا) تمنع تمدد روسيا غرباً، وبين قوة آسيوية صاعدة (الصين) لها مصلحة في استمرار انفتاح السوق الدولية (الأوروبية الأميركية تحديداً) على فائض منتوجاتها. وهناك أيضاً الهند النامية والطامحة إلى التقدم إلى الدرجة الثالثة في ترتيب اقتصادات دول العالم، وها هي تجنح نحو تغليب مصالحها في اتجاه الغرب على حساب صداقاتها.

الصين والهند نموذجان لتداعيات الأزمة، فهما مع روسيا سياسياً، ومع الغرب اقتصادياً (السوق والتقنيات وبورصة الأموال ومعاهد المعلومات). وهذه الحيرة التي ظهرت معالمها منذ الأسبوع الأول للحرب أضعفت الموقف الروسي السياسي في مواجهة الحملة الإعلامية الضارية والقرارات الاقتصادية القاسية. فالمصلحة تقع أولاً، وهي تأتي في درجات متقدمة على الأيديولوجيا والصداقة التقليدية.

هذه الاستقطابات الأوروبية / الآسيوية كلها بدأت بالظهور قبل نهاية الحرب الأوكرانية. والسؤال هو: كيف ستكون خريطة التحالفات بعد توقف الهجوم الروسي؟

أمّا الجواب فله صلة بالنتائج الميدانية ومدى تجاوب سلطة كييف (المدعومة أطلسياً) مع مطالب الكرملين بشأن الاعتراف باستقلال مقاطعة دونباس والتنازل عن شبه جزيرة القرم وعدم انضمام أوكرانيا إلى "الناتو" وتجميد جرجرة قواعد الصواريخ إلى مجالها الجغرافي. فالنتائج الميدانية تحدد طبيعة المقدمات التي دفعت بوتين إلى اتخاذ قرار الهجوم وكسر معادلة التوازن التي استقرت نسبياً بعد نهاية الحرب الباردة وانكفاء روسيا وتموضعها ضمن حدودها التقليدية.

إذا نجحت موسكو في انتزاع مطالبها فمعنى ذلك أنها استطاعت أن تكسر معادلة القوة التي تم ترتيبها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي. وإذا فشلت في تحقيق أهدافها فمعنى ذلك أن الكرملين مضطر إلى البحث عن مخارج أُخرى لتصريف فائض القوة، الأمر الذي يحتّم عليه التوجه شرقاً وجنوباً في اتجاه المياه الدافئة (البحر الأبيض المتوسط تحديداً).

حتى الآن لم تتضح خريطة معالم الصورة الميدانية نهائياً، إلّا إنه يمكن استباق الأمور وترتيب سلسلة توقعات واحتمالات يرجح أن تحدث في دائرة شرق المتوسط وامتدادها الجغرافي نحو الخليج والبحر الأحمر.

هذه الدائرة الجيوسياسية التي لم تستقر منذ سنة 1990، تُعتبر الأخطر كونها تقع على مشارف خطوط التجارة الدولية (شبكة طريق الحرير)، وتحتوي على أضخم مخزون للطاقة (النفط والغاز). فأوروبا بحاجة إلى تلك الأنابيب والمعابر المائية والمضائق البحرية (المندب والسويس) إذا أرادت فعلاً تحرير اقتصادها وعزله عن المدار الروسي.

كذلك فإن حاجة موسكو إلى موطىء قدم في شرق المتوسط، يفرض على الكرملين المحافظة على صداقتها مع تركيا (الأطلسية / الآسيوية) التي تشرف على مضيقَي البوسفور والدردنيل بصفتهما قناتَي اتصال مائية / تجارية تربط بحرَي آزوف والأسود بالبحر الأبيض المتوسط.

فتركيا بالنسبة إلى روسيا هي المعبر الاستراتيجي الذي لا غنى عنه للوصول إلى المياه الدافئة، ولذلك لا خيار أمام موسكو سوى تحسين صداقتها مع دولة تعاني بدورها أزمة هوية تشبه كثيراً تلك الوقائع التي حاول بوتين شرحها في خطابه المطول قبل هجومه على أوكرانيا.

تركيا أيضاً نصف آسيوية / نصف أوروبية، وهي تعاني ازدواجية هوية بصفتها قوة عسكرية تنضوي في الحلف الأطلسي وغير مسموح لها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وسوقه الاقتصادية.

لهذا السبب تبدو علاقات تركيا مع أوروبا مضطربة، فهي عضو في "الناتو" وقت الحاجة، وهي معزولة عن المحيط الأوروبي وغير مسموح لها بالاستفادة من التكنولوجيا أو الغطاء العسكري الذي يحمي فضاء الدولة من المخاطر الأمنية والاختراقات الحدودية.

هذه الازدواجية دفعت أنقرة إلى اتخاذ مواقف متوترة نتيجة قلقها إزاء استقرارها الداخلي الذي يحتاج دائماً إلى ابتكار سياسات متوازنة وغير منحازة مثلما حدث حين انفجرت الأزمة الأوكرانية. فالدولة التركية اتخذت موقف الحياد ولم تنزلق نحو مغامرة إقفال معبرَي البوسفور/ الدردنيل، وهو تدبير أعطاها فرصة للاستفادة من حاجة الطرفَين الروسي والأوروبي إليها. كما أن إبداء أميركا استعداداً لمراضاة أنقرة بشأن الجرف القاري وجزر بحر إيجه وخطوط التماس مع اليونان وقبرص وحقول النفط وأنابيب الغاز الممتدة من ساحل شرق البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، يؤكد رغبة واشنطن الضمنية في تفهّم حاجات آسيا الصغرى.

علاوة على ذلك، اتخذت إيران موقف الحياد تجاه الأزمة المتدحرجة في أوكرانيا، فهي لا تريد إغضاب روسيا الجارة والصديقة وأيضاً، وهي أيضاً بحاجة إلى كسب ود الولايات المتحدة وعدم التفريط بالمكتسبات المتوقعة في حال التوافق على صيغة اتفاق متوازن في مفاوضات فيينا التي يقال إنها وصلت إلى نهايات أشواطها الأخيرة.

إلى جانب تركيا وإيران، اتخذت دول الخليج مواقف حيادية متشابهة بسبب تخوفها من من غموض وملابسات ما يحدث في فيينا، واحتمال أن تنتزع طهران مكاسب سياسية ونقدية تعطيها فرصة مضاعفة للتدخل في الشؤون الإقليمية من العراق إلى سورية ولبنان. لذلك اختارت دول مجلس التعاون سياسة اللجوء إلى مهادنة إيران بالشأن اليمني وعدم الانحياز إلى المعسكر المضاد لروسيا، فالوسطية التي اعتمدتها دول الخليج ترسل إشارة بشأن مخاوفها من احتمال حدوث تغيرات في التحالفات الدولية والتكتلات الإقليمية تعطي طهران مساحة جغرافية للتحرك السياسي والحضور النفطي في دائرة تحتاج الولايات المتحدة وأوروبا إليها في حال قرر "الناتو" الاستمرار في مقاطعة موسكو وعزلها اقتصادياً.

إيران حاجة أميركية، كما هي تركيا حاجة روسية، فالأولى تشرف على مضيق هرمز وإمدادات النفط (أنابيب وناقلات) وتتحكم في المفاصل والمعابر التجارية، والثانية تشرف على مضيقَي البوسفور / الدردنيل اللذين يربطان خطوط التجارة من بحر أزوف والبحر الأسود إلى بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط.

إذاً، المصالح في النهاية هي التي تتحكم في التوجهات السياسية وتعطل الشعارات الأيديولوجية، ولذلك يرجح أن يحدث كثير من التعديلات في حال استقرت الأزمة الأوكرانية وخرجت مفاوضات فيينا باتفاق واضح المعالم في خطوطه وسقوفه. وبسبب ضغوط المصالح، فإن الدول تتزاحم على اتخاذ مواقف هادئة ومتوازنة تسمح لها بانتزاع وكالات إقليمية تعطيها تلك الأدوار التي تطمح إليها.

فإيران مثلاً تطمح إلى انتزاع الوكالة الإقليمية في منطقة الخليج واستغلال الفرصة لترسيخ نفوذها السياسي في العراق والمشرق العربي. ولتحقيق مثل هذا الطموح، فإن الأمر يتطلب من الولايات المتحدة تأمين الغطاء السياسي لطهران، وتعديل توجهاتها الإقليمية التي تقوم تقليدياً على معادلة أمنية مزدوجة تضمن خطوط النفط ومصالح "إسرائيل".

السؤال هنا هو: هل أصبحت واشنطن جاهزة استراتيجياً لتقبّل هذا النوع من التعديل الذي يمسّ جوهر سياساتها التقليدية في منطقة "الشرق الأوسط"؟

الجواب يحتاج إلى قراءة متأنية للمتغيرات التي حدثت في العقود الثلاثة الماضية في الخليج والعراق وسورية، ولتراجع أولوية القضية الفلسطينية في توجهات الدول العربية. فالتحولات التي طرأت على المنطقة بفعل الحروب المتواصلة والمخاطر الأمنية الدائمة بعد حرب الخليج الثانية، دفعت الدول في المحيط الجغرافي لفلسطين إلى إعادة النظر في برنامج أولوياتها مانحة طهران فرصة زيادة نسبة تدخّلها واختراقها للنسيج الديموغرافي الأهلي في العراق والمشرق العربي وشرق البحر الأبيض المتوسط.

هذا التحول فرض شروطه السياسية على دول المنطقة التي اندفع بعضها إلى الانفتاح الطوعي على "إسرائيل" التي أبدت مراراً تخوفها من احتمال تغيير الولايات المتحدة توجهاتها وأولوياتها التقليدية.

بهذا المعنى يمكن اعتبار الحرب على أوكرانيا مجرد فاتحة ميدانية لمتغيرات سياسية في دائرة الشرق الأوسط في حال نجحت واشنطن في انتزاع ضمانات من إيران تتعهد فيها طهران بعدم كسر المعادلة المتوافق عليها منذ نكبة فلسطين.

هذا الاحتمال غير واضح حتى الآن، وهو ينتظر أن تنجلي خريطة الحرب على أوكرانيا وبنود الاتفاق الذي يمكن أن يخرج من محادثات فيينا.

فالحرب الأوكرانية بعد توقفها سينجم عنها تداعيات، وستُفرض على موسكو توجهات سياسية تعطيها حصة في محيطها الآسيوي (المياه الدافئة وطريق الحرير) في مقابل القبول بإغلاق خطوط التواصل مع أوروبا والغرب.

وفي حال توقيع الاتفاق في فيينا، فإن هذا الأمر سيكون له تداعياته، فهو سيعطي طهران مجموعة امتيازات تعزز دورها الإقليمي وتعطيها أفضلية في ضبط الاستقرار وحماية خطوط إمدادات النفط وعدم تعريض أمن "إسرائيل" للمخاطر النووية.

الصراع إذاً سيكون على الوكالة الإقليمية في مساحات "الشرق الأوسط الجديد" التي أخذت بالتزعزع منذ نهاية عهد رونالد ريغان ومطلع عهد جورج بوش الأب. فالوكالة حتى الآن مرهونة بالنتائج الميدانية في أوكرانيا وتلك الاتفاقات المتوقع توقيعها في فيينا.

لذلك يمكن قراءة القلق الإسرائيلي ومخاوف تل أبيب من تغير الأولويات الأميركية في سياق تحولات أخذت ترتسم معالمها الاستراتيجية منذ ثلاثة عقود بعد تقويض العراق وتحطيم سورية واندلاع الفوضى في المشرق العربي. فالقلق ناجم عن احتمال تراجع النفوذ الأميركي ومقاسمة روسيا مناطق الفراغ ونمو أدوار إقليمية لمصلحة الجانب الإيراني، ونشوء تعديلات في التحالفات، ونهوض محاور لا تنسجم مع السياسة التقليدية التي اعتمدتها إدارة واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وهذا القلق لا يقتصر على تل أبيب فحسب، بل إن التوتر يشمل أيضاً مختلف دول الخليج ومصر ولبنان والأردن التي تتخوف من احتمال حدوث "صفقات" تراعي المصالح الروسية والمطامح التركية والموقع الإيراني، في وضع يشجع القوى الإقليمية على الاندفاع في اتجاه توظيف "الفراغات" الأمنية في سياسات تعزز نفوذها على حساب المظلة العربية التي تعرضت للتقطيع والتمزيق في أعوام ما بعد الحرب الباردة وتقوقع روسيا في دائرتها الجغرافية.

بهذا المعنى يمكن توقّع كثير من التحولات بعد توقف الحرب على أوكرانيا بغضّ النظر عن المواقف والتصريحات الرسمية التي صدرت عن العواصم العربية. فالإعلانات والبيانات والانحيازات لا معنى لها في مربع تضارب المصالح، وهي لا تعطي فكرة عن الواقع وحقيقة المتغيرات التي ستنجم عن تداعيات احتواء الأزمة الأوكرانية.

الاحتواء يتطلب تنازلات وتسويات لترتيب خريطة تلبي مخاوف أوروبا وطموحات روسيا وحاجات الولايات المتحدة. وكي تكون التسوية قادرة على الصمود، لا بد من البحث عن ساحة غير أوروبية للتفاهم على صيغة ترضية تسوق الخسائر العسكرية في إطار تفاهمات سياسية ستكون آسيا ومناطق المياه الدافئة وخطوط طُرق الحرير وشبكة أنابيب الغاز والنفط هي ساحتها الاقتصادية والمالية.

الحرب في أوروبا، أمّا التسوية فهي في آسيا، ولذلك لا بد من المراقبة للتعرف إلى تعرجات التحولات وخطوط ترسيم توازن المصالح في خريطة "الشرق الأوسط"، أي شرق البحر الأبيض المتوسط والمشرق العربي. فالخريطة، مثلما يبدو، ارتسمت حدودها، وهي تنتظر توقف الحرب على أوكرانيا ليتم رسمياً إعلان هيئتها ووكيلها الإقليمي الذي سيؤدي دور الضابط السياسي في منطقة قابلة للاشتعال.

السيرة الشخصية: 

وليد نويهض: صحافي وكاتب لبناني في الشؤون الدولية.

اقرأ المزيد