ثلاث حبات زيتون
التاريخ: 
03/06/2022
المؤلف: 

كانت لكل منا، الشهيدة شيرين أبو عاقلة وأنا، شجرة زيتون مزروعة على شرفتيْ منزلينا. ومع كل موسم زيتون، ننتظر أن تحمل كل شجرة، ولو حبة واحدة، لنحتفي بها. وفي كل عام نشارك أصدقاءنا أصحاب حقول الزيتون فرحة "الجَدّ" ونجاح الموسم، ونتشارك، هي وأنا، في الخيبة، لأن شجرتينا لم تحملا الزيتون بعد. خلال موسم الزيتون الماضي، تفوقت شجرة شيرين على شجرتي، وحملت ثلاث حبات زيتون، جلبت معها الفرح والفخر إلى قلبها، ولفرحها بهذه الحبات، فرحتُ، وحزِنتْ شجرتي لخسارتها في هذا التحدي. 

 

من حفل تخريج شيرين أبو عاقلة من دبلوم الإعلام الرقمي في جامعة بيرزيت

 

حكاياتي مع شيرين كثيرة. بدأت العلاقة بين الطالبة التي كنتُها، والمعلمة التي كانتْها، ثم صرتُ مشرفةً عليها في الدبلوم. تناقض غريب! كانت في الأمس تعلمني، ثم صرت أنا من يُنظّر عليها بكلمات التكنولوجيا والتغيرات التي حدثت في عالم الصحافة. إنه تناقض يعكس حالنا، تماماً.

لا يمكنني حتى اللحظة أن أستوعب أو أفهم لماذا قتلوها. ماذا فعلت؟ ما الخطر الذي شكلته؟ 

وفي الوقت نفسه، وحتى وقت قريب، لم أفهم، وحتى شيرين ذاتها لم تجبني عن السؤال: ما الذي دفعكِ لتأتي إلينا وتحصلي على دبلوم في الإعلام، وأنت الصحافية اللامعة والنجمة الهادئة؟ لكنني اليوم فهمت. فهمت الرسالة تماماً: هناك دوماً أمل، والحياة مليئة بالفرص.

ربما كانت تخطط في سرها للهروب من هذا العمل الصعب والخطير، والذهاب نحو هدوء واستقرار. ربما كانت تفكر في مشروع تقاعد، وكانت حريصة على أن تفهم كل التفاصيل وتُلِم بها، حتى إذا سُئِلت عن شيء جديد في التكنولوجيا، تجيب عنه ببساطة.

هذه هي شيرين. هكذا رأيتها. ملهمة دوماً، ولا تفقد الأمل، هادئة.

سأعود إلى بداية علاقتي بها. كان هذا في سنة 2004، حين سجلتُ لمساق التقارير التلفزيونية في جامعة بيرزيت، وكانت المفاجأة، حينها، أن مدرّسة المساق هي شيرين.

لطالما كانت شيرين حاضرة في منزلنا على شاشة التلفاز، وكانت بمثابة البطل الخارق الذي لا يُهزم. كنا نتابع حركاتها ونبرات صوتها التي لم تتلون كثيراً، وكانت تُشعرني دائماً بالحزن. كنت دوماً أقول: "الله يحميها، بس ليش هيك مبينة حزينة؟!"

جاءت شيرين وبدأت المحاضرة. للوهلة الأولى، كنت أراها أستاذة هادئة لينة. لكن سرعان ما تغيرت هذه النظرة. نعم هادئة، لكنها صارمة. بدأ الفصل، وبدأنا المساق، وبدأت شيرين تضغط علينا بشكل هائل. لوهلة، كنت سأنسحب منه. كان صعباً، وكانت المهمات كثيرة. ولم أتحمل الضغط. لكنها ذات يوم وقفت أمامنا وشرحت لنا كيف أن العمل والمستقبل أصعب من مجرد مساق، وأن ما نمر به ليس سوى تدريب بسيط على شيء أصعب، وأخطر. مرة قالت لي: "تخيلي أنك تقومين بعملك وأنت وسط اشتباكات وإطلاق نار، عليك أن تتحلي بالشجاعة، والصبر، والحكمة، والحيطة، وعليكِ أيضاً أن تكملي مهمتك بنجاح."

وهكذا.. بدأت الحكاية وتعلمنا من شيرين ما تعلمنا. تعلمنا الارتجال أمام الكاميرا، وأسهل طريقة لحفظ وإلقاء المعلومات على الهواء مباشرة، ومواجهة الأحداث، والسيطرة على الخوف. تنفسنا الصعداء، وودعتنا، على أمل اللقاء في الميدان كزملاء.

مرت أعوام كثيرة، وتوالت الأيام، ولم أرها منذ ذلك الوقت إلا مصادفة، حتى جاءت إلى مكتبي سنة 2019. حينها، قرر مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت إطلاق برنامج دبلوم الإعلام الرقمي، وتم اختياري لأكون منسقة هذا البرنامج، ووجدت نفسي أمام شيرين، التي قالت: "اقنعيني: هل هذا الدبلوم مهم؟ ماذا سأستفيد؟"

تذكرت درساً أعطتني إياه قبل 15 عاماً وأنا طالبتها، عندما فشلتُ في إنتاج أحد تقاريري بسبب خوفي من المواجهة والتعبير، عندها، قالت لي: "عليك بالإيمان، آمني بالفكرة والبسي درع الإصرار وتناسي مخاوفك، وانطلقي، وستحصلين على مبتغاك لا محالة." وبالفعل، استجمعت كل الإصرار والتحدي الذي أملكه ونظرت في عينيها، وبدأت أشرح لها أهمية دبلوم الإعلام الرقمي، بالتحديد، كونها صحافية عملاقة ومرموقة، وأن الدبلوم سيكون بمثابة الدرع الواقي الذي تلبسه في المواجهات ويحميها من الرصاص والقنابل، وهكذا، برنامجنا سيكون درعاً يقربها أكثر من قصة التحول إلى الرقمنة الراهنة التي حدثت في الصحافة وفي وسائل الإعلام، والمهارات التي ستعرفها، على أن تكون ليس فقط صحافية، وإنما مصورة ومصممة وممنتجة ومحترفة صحافياً وفنياً، فما كان منها إلا أن رسمت ابتسامة دافئة وقالت: "طيب يا ضحى، اقتنعت، سأسجل في هذا الدبلوم."

لن أنسى فرحتي في تلك اللحظة وأنا أعيش نشوة المنتصر، أركض بين مكاتب زملائي مشرفي البرنامج وأبشرهم بأن شيرين أبو عاقلة ستكون معنا في هذا الدبلوم. 

عايشت شيرين على مدار عام كامل خلال الدبلوم. بصراحة، كنت أحسدها. مرة قلت لها: "يا شيرين، بعد كل هالخبرة، حاسستك لسه كإنك طالبة صف أول ومجتهدة أكثر من اللازم؟" ضحكت وردت بهدوء: "من جد وجد. لازم نواكب كل شي."

وهكذا كان. واكبتْ شيرين الدبلوم من ألفه إلى يائه بكل هدوء وجدّ وثقة وتخرجت منه بامتياز. وبقينا فخورين فيها ونذكرها مثالاً يحتذى به لكل مَن يأتي بعدها. ظلت وستبقى كذلك.

قصة الشعب الفلسطيني مع شجر الزيتون قصة وجدان ووجود، قصة ثبات وصمود، هذا الشجر هو الشاهد الأكبر على صراع هذا الشعب، ولعل قصة الشعب مع الزيتون تشبه قصة الشعب مع شيرين أبو عاقلة، فهي لطالما كانت الشاهدة والصامدة والثابتة.

قد يكون الأمر مبالغاً فيه. لكن في الحقيقة، منذ زمن، ونحن بحاجة إلى ما يوحدنا، يجمعنا، يلم شملنا، تماماً مثل شجرة الزيتون. أكاد أجزم أن شيرين فعلت ذلك؛ فجثمانها وحّد رام الله والقدس وجنين، وجمع كل فئات الشعب الرسمية والشعبية حوله، كأنه شجرة زيتون، تجمعت العائلة حولها، لكي تجمع بركة حباتها.

حزين هو مشهد الفلسطيني. لطالما تشبث بالأمل، فشجرة الزيتون الصامدة هناك في الحقول أمل. وشيرين أيضاً كانت أملاً. كانت طيفاً هادئاً يطل على الشاشة. تارة يجعلك تنشد لتتابع الأحداث، وتارة كان الحزن المكبوت في صوتها ونظراتها يأسرك، ويدفعك إلى القول: ما بها، تبدو حزينة، أيضاً مثل شجرة الزيتون؟

شيرين فعلت ما لم يفعله كثيرون، وجمعتنا على حبها. حين رأيت مشهد الجثمان، وقفت ورفعت يديّ في الهواء، رغم بعدي عن المكان، حينها، لكنني كنت أشعر بأنني أحد هؤلاء الذين يدافعون عن الجثمان. سقط كل شيء ولم يسقط الجثمان.

كان يوم استشهادها عصيباً علينا. فكرنا كثيراً: كيف لنا أن نبقيها حية فينا؟ حتى اليوم، لم يكن لدي إجابة، لكنني الآن وجدتها. سأزرع شجرة زيتون في قوار داخل مركز تطوير الإعلام. وسأظل كل موسم زيتون أنتظر أن تثمر، ولو حبة واحدة، وسأسميها شيرين.

عن المؤلف: 

ضحى أبو حجلة: مسؤولة برنامج الإعلام الرقمي في جامعة بيرزيت.

اقرأ المزيد