لم يسقط النعش... ما وراء الكواليس...
التاريخ: 
30/05/2022
المؤلف: 

المشهد الأول

الزمان: 12 أيار/مايو 2022- الساعة الثانية ظهراً.

المكان: القدس المحتلة – حي الشيخ جرّاح - الساحة الأمامية للمستشفى الفرنسي.

الشاهد: تابوت شيرين البنّي اللون.

  كان المشهد أسطورياً، ملحمة عنوانها الموت أو الحياة، سطّرها عشرون شاباً من شبان مدينة القدس المحتلة بأجسادهم الحرة وإرادتهم الصلبة التي لا تلين أمام عنف المحتل ودمويته العلنية. في ذلك اليوم، وجد شباب القدس أنفسهم أمام خيارين: الأول، هو الثبات على موقفهم المتمثل في حمل نعش الشهيدة المقدسية شيرين أبو عاقلة على أكتافهم، حتى ولو كان الثمن حياتهم. فقد قالوها وسمعتهم حجارة المدينة وروح شيرين الحية في تابوتها "بنستشهد إحنا العشرين مع شيرين ولا يطلع جثمانها بالسيارة"؛ أما الثاني فكان خيار الخضوع للاتفاق، المتمثل في وضع النعش مباشرة في السيارة الخاصة بالكنيسة، حيث تواجدت أمام المستشفى الفرنسي في حي الشيخ جرّاح شمالي القدس المحتلة، لينقل فوراً إلى مقر كنيسة الروم الكاثوليك الكائنة في حارة النصارى في البلدة القديمة، ثم إلى مقبرة جبل صهيون في باب الخليل، ليوارى الثرى، من دون أن يشتبك مع شوارع المدينة التي أحبتها وعملت من أجلها...

 

رؤوف الكراي، 2022.

 

منذ اللحظة الأولى لقرار الأهل دفن جثمان شيرين في القدس بجانب قبر والديها، أدرك شباب المدينة فوراً أن هناك خططاً تُحاك للتنغيص على الجنازة ضمن شروط وضعتها حكومة الاحتلال الإسرائيلية، وتماهى معها العديد من الأصوات، ومن هنا اتخذت مجموعة من شباب المدينة قراراً مفصلياً وحاسماً في قرارة أنفسهم بحتمية المواجهة، فكانت معركة النعش...

فبحسب شهادة أ.م. "تقرر أن تكون الجنازة يوم الخميس، وكان من المفترض أن يبدأ المسار من الهلال الأحمر الفلسطيني في القدس، على أن يُنقل جثمان الشهيدة شيرين في سيارة الإسعاف الخاصة بالهلال، لتصل إلى كنيسة الروم الكاثوليك، ثم يُحمل النعش مشياً على الأقدام، وصولاً إلى مقبرة باب صهيون.."

 ويضيف "في ساعات ليل الخميس، علمنا بأن هناك تغييراً حدث على مسار الجنازة المخطط له، فقد تم استبدال سيارة الإسعاف الخاصة بالهلال الأحمر بالسيارة الخاصة بالكنيسة، وكان هناك تصريح  أُخذ بناءً على تقديم طلب من الكنيسة للشرطة الإسرائيلية يقضي بتحرُّك 25 سيارة من أصل 40 ترافق سيارة الكنيسة."

رفض الشبان هذه الشروط رفضاً قطعياً، وكان الدافع شعوراً بأن هناك مؤامرة تُحاك ضدهم بالتعاون ما بين قوات الاحتلال والسلطة الفلسطينية والكنيسة وبعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب. وعليه، وجدوا أن من حقهم أن يزفوا ابنة بلدهم بالطريقة التي تليق بها، والتي تجعل السيادة بقيادة أهل البلاد وأصحابها فقط لا غير.

صباح الجمعة  12 أيار/مايو 2022 - والتي سمّاها الفلسطينيون "الجمعة العظيمة"، نظراً إلى ما حملته من مشاهد وأحداث سيذكرها التاريخ جيداً - كانت القدس على موعد حميم مع أبنائها، بعد انقطاع دام أعواماً، بسبب تراكُم ممارسات وآليات الرقابة والتحكم الاستعمارية التي تفرضها الحكومة الإسرائيلية بشكل دائم ومستمر. فالمقدسي/ية محاط/ة بأسباب الاعتقال أو الموت، وهو ما يجعله رهينة حالة خوف دائم، الخوف من أن تنتهي الحياة من دون وداع. أو أن تشتري لأطفالك الحلوى المفضلة لديهم. أو أن تخرج لأداء مهمة صحافية، مرتدياً الزي الصحافي، ومعتقداً أنك محصّناً من الموت، فيأتيك الموت غدراً، ويصبح نقل خبر موتك هو مهمة لغيرك من الزملاء. تماماً كما حدث مع الشهيدة شيرين.

يروي ش. "صباح الجمعة، ونحن في طريقنا إلى المستشفى الفرنساوي، حيث يتواجد جثمان الشهيدة شيرين، تفاجأنا بأن الاحتلال قام بإغلاق كافة الطرقات المؤدية إلى المستشفى، طريق حي وادي الجوز والشيخ جرّاح والشارع رقم 1 وبيت حنينا والتلة الفرنسية، وذلك لمنع وصول المشيعين إلى المستشفى. ولذلك، لم يستطع الوصول إلا ما يقارب 70 شاباً\ة فقط لا غير، لكن ذلك لم يمنعنا من استكمال ما جئنا من أجله، حتى ولو عدنا جثثاً محمولة."

ويسرد قائلاً "القرار كان ارتجالياً وفورياً بالمواجهة. تمثل أولاً في قرار الحشد لإقامة الصلاة في ساحة المستشفى، ثم حمل الجثمان من الثلاجة على أكتاف المشيعين مباشرة والمشي به إلى الكنيسة ليُصلى عليه."

كان الموقف غريباً: نوديَ للصلاة، تراصت الصفوف، وتوحدت الأكتاف، والتصقت جباه الشبان بأسفلت المدينة الملتهب من حرارة أشعة الشمس العالية، في الوقت الذي كانت قوات الاحتلال تقف متأهبةً في المكان. فأدركوا، حينها، أن المواجهة آتية لا محالة، ولا مجال للتراجع، وكأنهم في تلك اللحظة قطعوا عهداً بالوفاء المطلق لدماء شهيدة البلاد وراوية الحكاية.

المشهد الثاني         

تعالت الأصوات أمام الغرفة التي يتواجد فيها جثمان الشهيدة في الثلاجة، نقاشات حادة جرت بين مجموعتين: الأولى تريد نقل جثمان الشهيدة فوراً بالسيارة، خوفاً من اعتقال الجثمان أو تعرُّضه للأذى، وكانت من الأهل وطاقم الجزيرة الإعلامي؛ أما المجموعة الثانية فقد أصرت على حمل النعش على الأكتاف، بغض النظر عن الثمن، وكانت مجموعة من شباب القدس المعروفين بمواقفهم الوطنية.

يقول ع. خ. "إن هذه النقاشات - وإن احتدت- هي جزء من الفعل الثوري والعمل المقاوم. فما تفعله الثورة أنها توضح المواقع الداخلية للأفراد والمجموعات، وقد تخلق انقسامات فيما بينهم. هذا المشهد طبيعي ومألوف جداً في العمل السياسي، وموجود في معظم التظاهرات."

 حين نتوقف برهة لتأمُّل المشهد وتفكيك معانيه، نجد أن سيارة الكنيسة السوداء كانت  تعكس رمزية "الرأي المهادِن"، بالنسبة إلى الشبان وفي أذهانهم، وعلى مستوى أعم، هي تمثل النهج التطبيعي مع الاحتلال، وكان خروج جثمان شيرين فيها بشكل مباشر يعني الاستسلام وفرض الأمر الواقع على المقدسيين، وذلك بهدف تسهيل السيطرة على المشيعين وقمعهم بسهولة. وبالتالي، بمجرد وصول السيارة، ارتفع هتاف الشبان "التنسيق الأمني ليش، واحنا تحت رصاص الجيش"، وقاموا بمحاولة منعها من الوصول، وهو ما دفع بالسائق إلى إعادة السيارة إلى مكانها السابق.

في هذه اللحظات الحرجة، وجد أهل الشهيدة أنفسهم أمام أمر واقع فرضته المدينة، بانقساماتها ونقاشاتها السياسية الحية. وتيقنوا من أن قضية ابنتهم قضية عامة، وأن هناك شباباً يريدونها على الأكتاف تجوب المدينة. وهو ما يؤكده الشاب ع.خ. حين قال "أصبحت شيرين منذ لحظة استشهادها قضية جميع أولئك الشبان، قضية الشارع والغضب الشعبي، قضية وجعنا وألمنا المستمر. وبالتالي، قرار مسار الجثمان ليس بيد قلة من قرابتها، أو المؤسسة الكنسية، أو كبار موظفي الجزيرة."

ويتابع ع.خ. "في وسط هذا المشهد، كنت أراقب امرأة كبيرة في السن، تبدو من أقرباء شيرين، ويبدو بكاء الليالي السابقة جلياً في وجهها. لاحظت أنها في البداية كانت غير مستوعبة إصرار الشبان على حمل شيرين والخروج بها من المستشفى على الأكتاف، وكانت تحاول تهدئتهم وإقناعهم بضرورة خروج الجنازة في السيارات بأسرع وقت. بعد حين، قالت المرأة بكل وضوح "خلص، إذا الناس بدهم يحملوها يحملوها. هاي إرادة الشعب، وهو اللي بيقرر، مش رح نوقف بوجهه."

جاءت لحظة الصفر، اشتبكت أيادي الشبان، بعضها ببعض، مُجسِّدين سلسلة بشرية بأجسادهم الحرة ليستقبلوا جثمان الشهيدة من اليمين واليسار، وتجمّع بعضهم في المنتصف، بانتظار خروج النعش، وما إن أطلت شيرين وروحها تتأمل استثنائية المشهد، حتى بدأ الشبان بالتكبير والهتاف "بالروح بالدم نفديك يا شهيد"؛ "سيراً سيراً على الأقدام"؛ "يا جماهير انضموا إلينا، هالشهيد غالي علينا". 

في هذه اللحظة، انهالت أعداد مهولة من قوات الاحتلال وجنوده المدعّمين بكل أنواع الأسلحة والهراوات على المشيعين، وبدأت بالهجوم ، فكان التصدي سيد الموقف، ونظراً إلى حدة الهجوم وحدوث إصابات عشوائية في صفوف المشيعين، لم يتبقّ سوى عشرين شاباً يحملون نعش الشهيدة، وهنا توقف الزمن وكأن ما يحدث فيلم سينمائي، إنهم يحاولون إسقاط النعش أرضاً ... دولة بكامل عتادها وآلياتها العسكرية وجبروتها الأمني تلاحق نعشاً لجسد ميت، وتمنع شعباً من حقه البديهي في اختيار طريقته لتشييع إحدى بناته... هنا تجسدت تماماً مقولة الأسير أيهم الكممجي، بكل ما فيها من إسقاطات ورمزيات تعكس حقيقة الواقع "هذا العدو وهمٌ من غبار..."

يقول الشاب ع.ع. "عندما دخلت القوة العسكرية وبدأت تضرب، بكل همجية وبأعلى أنواع العنف، اقتربت من الجنود وهم يضربون، ورأيت الخوف في وجوههم، كانت عيونهم ووجوههم منتفخة، ويضربون من دون رحمة، وكأنهم كالموتى الذين ينازعون من حرارة الروح، وكنت أتساءل في نفسي، حينها، "معقول خايفين منا واحنا حاملين النعش؟" يعني أنا كنت مطارَد وشاركت في المقاومة، لكنني لم أتوقع أنه سيأتي يوم أحتاج فيه إلى الدخول في مواجهة لحمل نعش."

الجسد، حياً كان أو ميتاً، هو الهدف الواضح لكسر حالة الصمود لدى الفلسطيني، وفي هذه الحالة، كان الاستهداف مزدوجاً، والعنف هو الخيار الوحيد لكليهما. ارتفعت الهراوات لتضرب أجساد الشبان، وتركز الضرب على الأيدي والأرجل تحديداً، حتى يفقد الشبان السيطرة على أجسادهم. ثم بدأت مطاردة المشيعين والمصابين داخل أروقة المستشفى لاعتقالهم. كان الهدف واضحاً، وهو الزج في اتجاه سقوط النعش ليصبح رهينة محتجزة لدى الاحتلال، وعندها قاوم الشبان بكل ما أوتوا من قوة وصبر حتى الرمق الأخير، ومال النعش باتجاه الأرض أكثر من ثلاث مرات، لكن في كل مرة كان يميل أرضاً، كان هناك جسد لشاب مقدسي يقوم برفعه. وفي الوقت ذاته كانت ترتفع أصوات النسوة وصراخهن "ارفعوا النعش"، "أوعكم يوقع"، وهذا ما حدث فعلاً، ارتفع النعش مجدداً واستقام على أكتاف المصابين والجرحى الصامدين.

 وأضاف "كان هناك قرار سياسي بإخفاء صوت الجريمة وصورتها، وأي محاولات لاتهام الشبان باستفزاز الجنود ورمي عبوات المياه عليهم هي مغلوطة ولا صحة لها، وأنا أقول أنه لولا حدوث معركة الجثمان، لما أقيمت الجنازة بهذه الطريقة، لأن الناس عندما رأوا ما حدث في المستشفى، خرجوا إلى الشوارع للمشاركة في التشييع.."

كان تشييع الجثمان بهذه الطريقة المهيبة والاستثنائية  بمثابة الجرس الذي تم قرعه لتحرير القدس، فبالرغم من كل حالات الأسرلة والتهويد في القدس المحتلة، فإن ما حدث فاق توقعات الفلسطينيين أنفسهم،  والمقدسيين على وجه التحديد، وبرهن على ضرورة المقاومة وأهميتها في كشف ظلم الاحتلال وعنفه المتفجر. وهنا نجد أن المنطق والعقل الفلسطيني تغلب على موضوع الديانة، فقد فهم الجميع أن عصا الجلاد ورصاصته هي ذاتها، سواء كان الفلسطيني مسلماً أو مسيحياً.

المشهد الثالث

قام الشبان بإخراج الجثمان مرة أُخرى ومحاولة حمايته وإحاطته لضمان عدم تحقيق نقل الجثمان ضمن المسار، أو الطريقة المرسومة، أو المتفق عليها.  في النهاية، وبعد القمع الشديد والمعركة التي خاضها شباب القدس بمواجهة دولة مدججة بالسلاح أمام العالم، وُضِعَ جثمان الشهيدة في سيارة الكنيسة. ومرة أُخرى، لم يكن وحيداً، بل كان محاطاً بمجموعة من الشبان الذين استطاعوا البقاء في السيارة رغماً عن أنف الاحتلال وقواته. وهنا حدث الهجوم الثاني، فبعد تحرُّك سيارة الكنيسة، حاملةً جثمان الشهيدة، بثوانٍ معدودة، قامت قوات الاحتلال بالهجوم على السيارة في محاولة لإخراج الشبان والإبقاء على سائق الكنيسة. وبالفعل، تم التهجّم على عدد من الشبان (2-3)، وإنزالهم بالقوة على الأرض من السيارة ومصادرة العلم الفلسطيني.

يقول س.أ. "قام الشبان الموجودون في السيارة بالضغط على السائق للتحرك فوراً وإغلاق أمّانات الأبواب جميعها، كي لا يستطيعوا فتحها، وفعلاً تحركت السيارة، وصولاً إلى الشارع رقم 1، وكان المشهد غير مألوف، إذ أحاطت بنا الدراجات النارية والسيارات الخاصة الممتلئة بالشرطة والجيش والقوات الخاصة من جميع الجهات، وكلما نظرنا إلى الخلف، نرى الشبان يركضون بالعشرات خلف السيارة، على الرغم من المسافة الكبيرة وسرعة السيارة "لأن الشارع فارغ"، إلى أن وصلت السيارة إلى باب الخليل، وهناك حاول الاحتلال الهجوم على السيارة مرة أُخرى، وقد كُسِر الزجاج الخلفي للسيارة بالفعل، إلّا إن أعداد مُستقبلي النعش حالت دون ذلك، وقمنا أخيراً بإنزال النعش ملفوفاً بالأعلام، ومحاطاً بالأعلام الفلسطينية التي تمكننا من إدخالها إلى السيارة لتزف شيرين إلى داخل الكنيسة."

ويقول إنه "من المهم الإشارة إلى دور أحد النواب العرب في استصدار التصاريح لسيارات الأهل مع طباعة أوراق باللغة العبرية مرقّمة من 1 إلى 12، وهو ما يؤكد وجود تنسيق خفي"، ويضيف أن "دور هذا النائب العربي في التنسيق، تحديداً، برز صباح استشهاد شيرين، بعد المكالمة من منزل عائلتها، والتي أجراها مع النائب العام الفلسطيني لتأكيد موافقة الأهل على التشريح في نابلس، وأيضاً إبداء الموافقة على اتجاه مسار الجثمان، جنين- نابلس – المقاطعة."

وصل جثمان شيرين إلى كنيسة الروم الكاثوليك، وقُرعَت أجراس الكنائس في القدس المحتلة، وصلّت الجموع الغفيرة عليها، لينقل جثمانها إلى مثواه الأخير في مقبرة باب صهيون، متنقلاً بين أزقة البلدة القديمة، ومرفوعاً على الأكتاف. فكانت أبواب القدس وشوارعها وأسوارها شاهدة على واحدة من أعظم الجنازات الفلسطينية التي حدثت في تاريخ القضية الفلسطينية، فقد أعادت جنازة شيرين، الإنسانة أولاً، والفلسطينية ثانياً، والصحافية ثالثاً، إلى الذاكرة الجمعية الفلسطينية مشاهد استثنائية عايشتها فلسطين خلال جنازات الراحلين: جمال عبد الناصر، وعمر القاسم، وياسر عرفات ، وفيصل الحسيني.

 ومنذ ذلك اليوم، أُضيف إلى لائحة الاتهامات الإسرائيلية للمقدسيين تهمة جديدة، وهي تهمة " حمل النعش"، إذ إن الاعتقالات التي حدثت في صفوفهم، حينها، كانت على خلفية "مَن حمل النعش"، وكان أبرزها اعتقال المقدسي عمر أبو خضير الذي استبسل وهو يدافع عن جثمان الشهيدة ونجح في منعه من السقوط. وهذا ما يؤكده وجود التهم جاهزة قبل 24 ساعة، ومن دون تحقيق.

ولم يتوقف الاعتداء بعد انتهاء الجنازة، إذ يقول محمود فتحية "خلال عودتي، كان هناك مسيرة للمستوطنين عند باب الخليل، فاعتدوا على المشيعين والمتواجدين، بمساعدة وحماية قوات الشرطة والجنود. تعرضت  للدفع من الجنود، وأصبح هناك تلاحُم بيني وبين جندي، حينها، تجمّع ما يقارب 25 جندياً لضربي والاعتداء عليّ، ثم تم نقلي إلى مركز التوقيف (القشلة)، كما تم سحلي أرضاً وأنا مقيّد بالكلبشات، وقام الجنود بتصويري (فيديو)، وهم يضحكون بطريقة مهينة ومُذلة..." باختصار، الاعتداء المستمر كان سيد الموقف.

لقد ذكّرتنا خصوصية حالة استشهاد ابنة الفلسطينيين شيرين أبو عاقلة بالأهمية والرمزية التي يحظى بها الجسد الفلسطيني، حياً كان أو ميتاً، فقد عرف التاريخ والحاضر الاستعماري في العالم الكثير من الممارسات الاستعمارية على جسد الحي والميت ، ولا سيما المستعمَر.

استطاعت شيرين، بجسدها وروحها الحية في أذهاننا وقلوبنا وضمائرنا جميعاً كفلسطينيين، أن تعيد السيادة بمعناها الكلي إلى ميدان أرض القدس المحتلة يوماً كاملاً، وقد أعادت شيرين الثقة ورفعت منسوب التحدي لدينا، وذكّرتنا بأننا على موعد قريب مع التحرير، وأن الشعب وحده صاحب السيادة والقرار في هذه البلاد المقدسة...

 

عن المؤلف: 

لمى غوشة: صحافية فلسطينية.

اقرأ المزيد