شيرين أبو عاقلة اغتيالان وأربع جنازات
التاريخ: 
17/05/2022
المؤلف: 

هذا ليس رثاء لشيرين، ولا مقالاً سياسياً، ولا تحقيقاً صحافياً، ولا دراسة، وليس تكريماً أو تعزية، لأن شيرين أبو عاقلة تستحق أكثر من هذا كله. إنما هذه مجرد مشاهدات وانطباعات عن اغتيال شيرين، وعن الحزن العميق الذي أصاب الناس، كل الناس، لا في فلسطين فحسب، بل في العالم أجمع؛ هي مشاهدات عن الجنازات، وهنا أتكلم عن "الجنازات الحقيقية" لا المجازية، وعن قدسية النعش والتابوت، وعن الأعلام المرفوعة، وتلك التي هوت على الأرض، عن العاصمة والصراع عليها، وعن الرحيل المفجع لصديقة غالية وإنسانة استثنائية بكل المقاييس. ولا أكتب هنا للإشادة بمناقبها فالكل فعل ذلك، مع أنها تستحق الكثير الكثير منا.

 

 

  • شيرين أبو عاقلة استعادت فلسطين وقيم الشعب الفلسطيني

شيرين اغتيلت غدراً وعدواناً، وباستشهادها شعر كل فلسطيني وفلسطينية بأنه فقد غالياً يخصه. فشيرين التي دخلت كل منزل من خلال شاشة "الجزيرة" على مدى ربع قرن من العمل الصحافي الجاد والمحترم والراقي، ها هي تدخل البيوت هذه المرة كفرد من أفراد كل عائلة فلسطينية، شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. لقد شعر كل فلسطيني بأن استشهادها يمسه شخصياً، وهذا ما جعله يشعر بالقهر والمهانة، إذ يسأل الجميع كيف تُقتل صحافية معروفة في الميدان وهي ترتدي ما يشير إلى كونها صحافية (الخوذة والسترة الواقية وشعار الصحافة)، ففي هذا استهداف لمن يُظهر الحقيقة، حقيقة القتل اليومي الذي تشهده فلسطين.

 

 

فاغتيال شيرين، وتحويلها هي إلى خبر، مسعى صهيوني لإخفاء الحقيقة وتأديب وترويع وردع من يسعى لإظهارها. بيد أن ردة الفعل على مقتلها فاقت كل التوقعات، فقد خرج مئات الآلاف من الناس إلى الشوارع تعبيراً عن غضبهم، وليس فقط تعبيراً عن تضامنهم مع عائلة شيرين الصغيرة، لأن معظم هؤلاء يعتبرون شيرين فرداً من عائلاتهم.

هذه المشاركة الكبيرة والحاشدة في الجنازة ليست إلاّ تعبيراً عن الغضب الكبير، وعن استعادة مفهوم فلسطين التي لا تزال محتلة، وبالتالي استعادة قيم جمعية لشعب تحت الاحتلال، وأهمها الشعور الجمعي بضرورة الخلاص من هذا الاحتلال عبر مقاومته وإنهائه. فقد عبّر الشعب الفلسطيني بتنوعاته السياسية والدينية كافة، وحتى بالتنوعات التي فرضها عليه الاحتلال الإسرائيلي (ضفة غربية وفلسطينيو 48 وقطاع غزة)، عن وحدة وطنية وميدانية غير مسبوقة، وما ميّز هذه الوحدة أنها لم تكن انفعالية أو عاطفية، بل كانت امتداداً وتراكماً لما جرى في أيار/مايو 2021 خلال الهجوم على قطاع غزة وعلى الشيخ جراح، وامتداداً أيضاً لحالة التضامن الكبيرة مع أسرى نفق الحرية في أيلول/سبتمبر الماضي. هؤلاء الأسرى الأبطال الذين ضج العالم كله بفعلهم البطولي والشجاع، ليعود وينتقم منهم الاحتلال بقتل أشقائهم، ثم جاء استشهاد شيرين أبو عاقلة ليتوج ويكرس حالة وحدوية وكفاحية كبيرة ستتميز حتماً بالاستمرارية.

 

 

  • القدس العاصمة

"القدس عربية"؛ هذا ليس شعاراً صدح به سكان الضفة الغربية في محاذاة الحواجز الإسرائيلية التي تطوق المدينة، والممنوعون من دخولها، بل هي هتافات مئات الآلاف الذين صدحوا من على أسوار المدينة القديمة، وفي أزقتها. وهذا يعني، بكل بساطة، أن الصراع على المدينة حُسم بالوعي الفلسطيني والعربي، وبالوعي الشعبي العالمي، وبطبيعة الحال طُرح، وسيعاد طرحه، في الأروقة الدولية.

أمّا الدولة النووية ذات الجيش الذكي والقوي والمتطور تكنولوجياً و"الأكثر أخلاقية"، كما تدعي، فقامت على مدى ست ساعات متواصلة بمصادرة الأعلام الفلسطينية التي يحملها المشيعون الذين لم يكتفوا برفع العلم الفلسطيني، بل أنزلوا أيضاً الأعلام الإسرائيلية عن سارياتها عند باب الخليل، أحد أبواب البلدة القديمة في القدس؛ فالدولة القوية صارعت وتصارع على سيادتها، وعلى "عاصمتها" عبر منع رفع العلم الفلسطيني، وهذا يعني أن الدولة القوية، وبعد 74 عاماً على قيامها، لا تزال غير قادرة على السيطرة على أحياء في عاصمتها أو على "العاصمة"، الأمر الذي يحمل الكثير من المعاني.

حاولت هذه الدولة "القوية"، أن تكون هي من يقرر عدد المشيعين المشاركين في جنازة شيرين، وسعت لتنفيذ هذا الأمر، فطالبت باقتصار الجنازة على الطقوس الدينية، وبعدم رفع المشيعين الأعلام الفلسطينية، واستقدمت لذلك قوة شرطة إلى محيط المستشفى الفرنسي لإحكام سيطرتها على الجنازة.

 

 

لقد أجازت هذه الدولة "القوية" لنفسها بأن تفعل ما لم يفعله أحد في التاريخ في مختلف الأديان، فاعتدت على النعش بصورة بشعة جداً ستبقى محفورة في الذاكرة إلى أبد الآبدين. وبهذا الاعتداء اغتالت إسرائيل شيرين أبو عاقلة مرة ثانية، لكنها بذلك زادت من إصرار المشيعين على المشاركة بكثافة في التشييع بما يليق بشهيدة من فلسطين، ورسخت في الأذهان الصورة الأكثر بشاعة لهذا الاحتلال في العالم أجمع.

 

 

  • حماة الجنازة والتابوت الأبطال

فلنتخيل للحظة وحشية الضرب الذي تلقاه الشبان المقدسيون وغير المقدسيين الذين حملوا نعش شيرين على أكتافهم؛ لنتخيل الهراوة الغليظة التي استخدمتها الشرطة في ضرب هؤلاء، ولنتخيل الغازات السامة التي لوثت هواء التشييع، والمياه العادمة القذرة التي لوثت المكان بما له من خصوصية صحية، كونه مستشفى، وخصوصية أخلاقية، كونه يحتضن جثمان شهيدة.

لقد تلقى هؤلاء الأبطال الهراوات واللكمات والضرب المبرح ولم يُسقطوا النعش؛ لقد آثروا تحمل كل هذا الحقد الأعمى وحافظوا على التابوت مرفوعاً على أكتافهم ليليق بشهيدة من فلسطين، ليليق بشيرين أبو عاقلة.

  • عن البطل والأبطال الذي أنقذوا شذا حنايشة وحاولوا إنقاذ شيرين

على إطراف المخيم لحظة وقوع الجريمة

ليس فقط صورة الاحتلال الوحشية وإجرامه ما سيبقى ماثلاً أمامنا، ولا صور الجنازة، أو صور الشبان الذين تسلقوا أسوار المدينة القديمة، بل أيضاً صور الأبطال الذين لم يأبهوا بحياتهم وأصروا على الوصول إلى موقع استشهاد شيرين، وإلى جانبها الصحافية شذا حنايشة التي أنقذوها من موت محتم، وتمكنوا من نقل شيرين إلى المستشفى على الرغم من كثافة رصاص القتلة في الموقع. هؤلاء الشبان، وعلى الرغم من كونهم ليسوا مقاتلين، تحولوا بفعلهم هذا إلى أبطال في نظر الجميع، فهل ثمة فعل أسمى من التضحية التي قاموا بها؟

 

 

  • عن وليد وجيفارا وساندي ووسام ونجوان وسمير والياس والجريح علي السمودي

وغيرهم من طاقم "الجزيرة" العامل في فلسطين

عن المفجوعين بموت الصديقة والزميلة والأخت والصحافية، وعن شجاعتهم واستمرارهم في نقل الصورة والخبر على الرغم من مصابهم الجلل، وعن دموعهم التي انهمرت غزيرة عند تغطيتهم للخبر، وعن تماسكهم في التشييع وخلال الدفن وفي بيوت العزاء، وكأنهم متفقون على تأجيل حزنهم إلى حين الانتهاء من القيام بواجبهم في التغطية بما يليق بزميلتهم شيرين. فهؤلاء استمروا في التغطية طوال خمسة أيام، لا تغطية مسار الجنازة والمراسم فحسب، بل أيضاً تغطية أخبار فلسطين، ولا سيما اجتياح مخيم جنين في يوم الجنازة.

 

 

  • عن إيمان ومنال ووسيم وكارول وجمال وميشيل ونادية وناي ومريان وريتا وملك وفاتن وفؤاد وهيثم وغيرهم من الأصدقاء المقربين

كل هؤلاء أجمعوا على أن شيرين أكرمتهم بصداقتها لهم، وعلى أن خسارتهم لها كبيرة ومؤلمة جداً، ذلك بأنهم كانوا بمثابة العائلة لشيرين، وفي الوقت نفسه كانت شيرين عائلتهم؛ هؤلاء جميعاً خسروا عائلتهم بخسارتهم شيرين. لقد كان وقع خسارتها هائلاً، فحلّ صمت جلل، لتعكس العيون كل ما في الفاجعة من حزن. لكن إصرار رفاق شيرين وأصدقائها على المشاركة في وداعها من جنين إلى القدس مروراً بكل المدن والبلدات، وعلى إحياء ذكراها، وعلى استمرار حضور سيرتها، منحهم القوة لمواجهة صدمة رحيلها.

  • عن الشقيق أنطوان وزوجته ليزا وابنه نصري وابنتيه لينا ولارين

أنطوان الشقيق الذي تلقى نبأ إصابة شقيقته شيرين ثم استشهادها عن طريق الأخبار العاجلة وهو بعيد آلاف الأميال عن فلسطين، ليبدأ رحلة العودة المحفوفة بالمخاطر من دولة الصومال حيث يعمل مع الأمم المتحدة، والتي تشهد إغلاقاً شاملاً بسبب الانتخابات العامة فيها، فاضطر إلى أن يقطع معظم المسافة إلى المطار سيراً على الأقدام ليصل إليه من دون تذكرة أو تحضير للسفر في زمن الكوفيد وإجراءاته. وعلى متن الطائرة كان يرى كل ما يحدث في فلسطين، كان يرى بيته في بيت حنينا حين اقتحمته الشرطة، وكان عليه أن يفكر في ألف أمر وأمر، وهو يمر بكل هذا الحزن الطاغي.

 

 

الشقيق الوحيد يفقد شقيقته الوحيدة، وابنتاه وابنه فقدوا عمتهم الوحيدة، لقد صاروا أيتاماً لجهة العمة، أما زوجة أنطوان، ليزا، ففقدت أخت زوجها وصديقتها وأختها؛ فأي قسوة هذه؟

ما يعزي أنطوان وليزا وأبناءهما أن شيرين استعادت برحيلها عروبة القدس ووحّدت الفلسطينيين، كما استعادت روح التضامن الدولي مع فلسطين، وأعادت توجيه البوصلة إلى مكانها الصحيح. شيرين استحضرت فلسطين بموتها، وربما يكون هذا عزاء لعائلتها الصغيرة ولنا جميعاً.

  • أخيراً عن رواية القاتل

كان شغف شيرين الأكبر هو فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، ومن خلال عملها كصحافية فضحت جرائم القتل والمصادرة والتهويد والقمع والتمييز العنصري، وكانت على الدوام في مواجهة الرواية الصهيونية عبر فضح أكاذيبها وادعاءاتها. ولا أريد هنا الخوض في متاهات التحقيق، أو في هوية الجهة التي تقف خلف القاتل، والمبررات التي ساقها للإعلام، ناهيك بتخبطه المقزز، ومحاولته إدخال الرأي العام العالمي في هذا التخبط وهذه المعمعة، وما إلى ذلك.

هناك قاتل معروف له اسم وله قائد، وللقائد قائد أعلى وللقائد الأعلى مسؤول سياسي، وهؤلاء جميعاً قرروا يوم 11 أيار/مايو 2022 الاستمرار في سفك الدم الفلسطيني. فمن يقف وراء الجريمة هو الاحتلال الذي أرسل قواته الخاصة لممارسة ما يبرع به وهو القتل؛ قتل الفلسطيني أينما كان وحيثما وجد بغض النظر عن مهنته. فالاحتلال، وعلى مر الزمن، قتل الصحافي والمحامي والطبيب والطفل والشاب والشابة، من دون أن تردعه أي محرمات. لذا أكرر أن ثمة قاتلاً معروفاً، فعندما يتوقف الاحتلال عن ممارسة القتل اليومي في القرى والمدن والمخيمات في فلسطين سيفقد مبررات وجوده.

إن رحيل الصديقة الصحافية شيرين أبو عاقلة يترتب عليه الكثير من العمل الذي ينبغي على السلطة الفلسطينية وعلى المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية أن تقوم به لفضح ممارسات هذا الاحتلال، كما يترتب على القوى السياسية وقوى المجتمع المدني الكثير من الأعباء في سبيل الحفاظ على زخم التضامن الذي ساقه رحيل الشهيدة أبو عاقلة، وهو تضامن دولي غير مسبوق ويجب الحفاظ عليه والتمسك به وتطويره ومساندته.

عن المؤلف: 

خالد فرّاج: مدير عام مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

اقرأ المزيد