عشرون عاماً بانتظار الإفطار مع مجد
التاريخ: 
28/03/2022
المؤلف: 
ملف خاص: 

ذهبت إلى جامعتي، جامعة بيرزيت، في ساعات الصباح الباكر، كانت أسوار الجامعة، يومها، مغطاةً بصور الأسرى الفلسطينيين الذين اعتُقلوا قبل "اتفاق أوسلو". تمعّنت في تلك الصور التي كانت منتشرة على طول الطريق وأنا أسير متجهةً إلى محاضرتي. صور للأسرى مع تواريخ اعتقالهم في التسعينيات والثمانينيات، وحتى في السبعينيات. حينها فقط، أدركت أن هناك أسرى يمضون في السجون عقوداً من الزمن. وتحديداً، في تلك اللحظة، أدركت أن أخي مجد زيادة، الذي كان محكوماً مدة 30 عاماً، حينها، قد يمضي سنوات حكمه في الأسر. يومها، أدركت أن هذا ممكن، وأن له أخوة أمضوا، فعلاً، سنوات تضاهيها.

 

عائلة الأسير مجد زيادة

 

هذا الأمر الذي لطالما كنت أرفض تقبُّله أو استيعابه، فقد كنت على يقين من أن مجد لن يمضي في السجن إلّا سنوات قليلة. إلّا إن هذا اليقين تلاشى وأنا أسير بين الأسماء، والصور، والأرقام التي لا تبدو حقيقية للوهلة الأولى، وخصوصاً أنها تعدّ السنوات. قبل ذلك، لم أكن أدرك أن أسرانا يُترَكون في السجن كل هذه السنوات الطويلة، ولم أكن أدرك أنهم يفقدون آباءهم وأمهاتهم، وحتى أنهم يفقدون أبناءهم، قبل أن يتحرروا. هذه الصور هزّت إدراكي وأرغمته على فهم جانب من واقع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وأنا التي كنت، يومها، في سنوات جامعتي الأولى. فأثناء أولى زياراتي إلى مجد في السجن، وأنا في الثانية عشرة من عمري، وخلال حديثي مع صديقتي التي كانت تزور أخاها أيضاً، أخبرتها عن قلقي من أنني كنت سأحصل على الهوية بعد أربع سنوات، وأنهم لن يسمحوا لي بزيارة مجد، إلّا أنني عدت إلى قناعتي بعد لحظة، وأكدت لها أن أخي لا يمكن أن يبقى في السجن كل ذلك الوقت.

مضت الأيام والسنين، وأمي التي كانت تحيا على أمل لقاء ابنها خارج أسوار السجن، أصيبت بالسرطان، ولم تعد قادرة على تحمُّل هذا الكمّ الهائل من الظلم والقهر، إلى أن فارقت الحياة سنة 2015. صدمني الواقع، واقع الأسرى الفلسطينيين ذوي الأحكام العالية. واليوم، مع اقتراب تحرُّر أخي مجد من السجن، يغدو استقبال الحرية غير ممكن من دون الولوج إلى الصدمات التي أحدثها وتركها الأسر، فالأعوام ليست أرقاماً، إنها سنوات نكبر فيها، نحن وأحلامنا وهيئاتنا ومداركنا، تمرّ ونمرّ. خلال هذه السنوات، شاهدت مجد وهو يمشي في اتجاه شبّاك الزيارة مرات عديدة، في كل مرة، كانت ملامحه تتغير، شعره وهيئته ونبرة صوته، شاهدت ذلك الصبي الشغوف المتمرد، يغدو رجلاً يقترب من عامه الأربعين، أمضى أكثر من نصفها داخل زنزانة في هذا السجن أو ذاك، مع رفاقه الذين تحرّر بعضهم، وما زال بعضهم الآخر يمضي في السجن أحكاماً لا نهاية لها.

السجن واقع مرّ، يصبح أكثر مرارة كلما اقتربنا منه أكثر، عايشناه وشعرنا بكمّ الظلم الذي يسكن بين أطراف الأسمنت التي تحيطه وتعزل مَن فيه بين عالمين. أتساءل، إذا كنت قد شاهدت صور أسرى ما قبل أوسلو في أول العشرينيات من عمري، وبعد أن أمضى أخي 10 أعوام في الأسر، فمن يعرف ملامح الأسرى الذين اعتُقلوا في الانتفاضة الثانية أو الأولى، وما زالوا في السجون حتى الآن. أمضى مجد في السجن عشرين عاماً، قطعتُ فيها 19 كعكة، احتفالاً بعيد ميلادي، وفي كل مرة كنت أتمنى أن يعود مجد إلينا حراً، يشاركني شمعتي ويحتضنني بعد إطفائها. مضى العمر حتى اقتربت هذه الأمنية من أن تصبح حقيقة. اقترب موعد التحرير، ومرت السنوات التي اعتقدت أنها مستحيلة، موعد تحرير أخي مجد زيادة من المعتقلات الصهيونية، وكلما اقترب أكثر يصبح السجن أكثر وضوحاً، الفراق الطويل يضع السجن في ثنايا العقل البعيدة، كأنه حلم بعيد... والغياب قد يجعل الإنسان يتأقلم مع البعد.

 مع اقتراب موعد الإفراج، يصبح كل يوم هو يوم أسر في العقل القريب الواضح. يغدو كل يوم هو يوم إضراب، وإرجاع وجبات وحبس وعصيان... يصبح الألم أكثر وضوحاً... وأيام الانتظار تصبح شبيهة بأول أيام الاعتقال... فرد من العائلة غير موجود، ومشاعر الارتباط الطبيعية تصبح شرعية مع وضوح بصيص الأمل... الآن يحق لك أن تشعر بأن الأمل بات قريباً، ولم يعد سطراً من سطور المستحيل الذي يحرمك حتى الشعور من قدر صعوبته وعمقه، الآن، يغدو السجن حقيقياً أكثر من أي وقت مضى. 30 يوماً تفصلنا عن موعد تحرير مجد، ومشاعر ألم الاعتقال في أوجها، كأنه اعتُقل بالأمس. الآن، باتت الحرية هنا، قريبة جداً لدرجة الحقيقة. الحرية للأسرى البعيدين القريبين... النسيان ذنب يخبط الأحشاء، والشعور بالألم صعب لابتعاد نقطة الضوء.. لن ننسى أسرانا أحبتنا وإخواننا... فلنتقدم إلى العصيان في وجه الأمل البعيد... فأنتم عصيّون على النسيان، حتى لو كان الأمل بعيداً، ولو كان الألم عميقاً.

لطالما أدركت، ومنذ سنوات اعتقال مجد الأولى، أن الاحتلال يعمل بصدد عزل الأسير عن العالم الخارجي، عن أصدقائه، وحتى عن عائلته، وكنت أحاول الإبقاء على علاقة الصداقة والمعرفة القريبة بمجد قدر المستطاع، من خلال زياراتي المتكررة وكتابة الرسائل، لكن كان يتم منعي من الزيارات لفترات طويلة، والرسائل كانت تستغرق وقتاً طويلاً جداً لتصل إلى المعتقل، فتفقد بعضاً من راهنيتها الضرورية. وعلى الرغم من ذلك، فإنني كنت أحاول استحضار مجد في كل المناسبات العائلية، عاطفياً على الأقل، كنت أحاول أن أحافظ على اتصال عاطفي، أتخيله وأحاول استحضار ردات فعله في مناسبة تلو الأُخرى، أراه أمامي، على الرغم من كل محاولات الاحتلال قطع أوصال مجد وغيره من الأسرى عن كل مَن هم خارج أسوار السجن.

كنت أحزن بسبب غيابه في المناسبات السعيدة، وأحاول أن استمد منه القوة في الأوقات الصعبة، والآن، مع اقتراب تحرُّره، أستجمع كل ما بداخلي من ذكريات ومشاعر لأقرّ بأنني أعرف أخي جيداً. الآن، أكثر من أي وقت مضى، أقاتل على معرفة أخي، وأقاتل على العائلة التي كان الهدف من كل شيء هو تفكيكها. أرفض أن يكون أخي غريباً عنا، نعرفه جيداً على الرغم من السنين، ومحاولاتهم البائسة لقطعنا عنه طوال الأعوام العشرين الماضية.

جزء كبير من الصمود يسكن في أننا استطعنا الحفاظ على علاقتنا القريبة. في أحد الأيام، ونحن نستعد لاستقبال مجد، قال لي صديق... "هلأ رح تتعرفي على مجد"... أجبته فوراً بلهجة لا تترك مكاناً للشك: "أنا بعرف مجد منيح". فقال لي "بس هلأ غير لما تقعدوا تفطروا مع بعض".

كم كانت هذه الكلمات مؤلمة على الرغم من كمّ الحقيقة الموجود فيها، الآن، أستطيع أن أعترف بأنني كنت أناضل لأسترق الذكريات كي أحافظ على نوع من التواصل مع أخي، لكن هذه الذكريات خانتني لدرجة أنني لا أعرف شعور أن أجلس أنا وأخي ونفطر سوياً. لقد سرقوا منا 20 عاماً، وما تخللها من مشاعر وتجارب وحكايات. اليوم، مع اقتراب تحرُّر مجد، لا يغيب عن أذهاننا أن أمي التي كانت تذهب إلى كل اعتصام من أجل الأسرى، والتي كانت تتألم كل يوم لفراق ولدها، تحلم كل يوم إلى حدّ الخيال بأنه سيعود إلى أحضانها، لن تكون معنا يوم استقبال مجد، وأنها لن تعيش هذه الفرحة بعودته.

اليوم، قال أبي خلال التحضيرات، وهو ينظر إليّ: "يمكن ما كان عندي مجال بسنوات اعتقال مجد إني أحزن أو عبّر عن مشاعري بحرية، لإنه أمك كانت أكتر حدا بيتألم لفراقه، وهي أكتر حدا كان رح يكون مبسوط... يمكن أنا لازم أفرح عنها كمان. في كتير ألم بس الشعور الأكبر هو الفرح.. والقضية الأكبر أنه مجد رح يتحرر، ورح نرجع نبني ونبني ونبني ذكريات".

الأسير مجد زيادة سيتحرّر بتاريخ 31/3/2022، بعد 20 عاماً، شهدنا خلالها واقعاً ترك في القلب غصة، لكن فرح الحرية يطغى على كل الألم.. لعل حريته تكون شرارة أمل لأسرى أحرار.

عن المؤلف: 

حرية زيادة: شقيقة الأسير مجد زيادة.

انظر

اقرأ المزيد