الأم التي أخفت مرضها كي يفرح قلب ابنها الأسير
التاريخ: 
09/12/2021
ملف خاص: 

التأم الشمل حين اجتمعوا عند الخامسة فجراً في الساحة المخصصة لوقوف حافلات الصليب الأحمر التي تنقل عائلات الأسرى إلى السجون لزيارة أحبّتهم، وذلك في انتظار الانتهاء من بعض الإجراءات الروتينية، كالتدقيق في بطاقات الهوية الشخصية والتأكد من توفُّر التصاريح اللازمة لزيارة السجن.. تحركت الحافلات في رحلة الذهاب إلى سجون الاحتلال.

 

ملصق فني بعنوان "ميعاد" للفنانة حنين نزال

 

 عند التدقيق في وجوه الأشخاص في الحافلات، وجدنا أن الأغلبية العظمى منهم من كبار السن، والبقية من النساء والفتيات في مقتبل العمر، وبعض الأطفال. نادراً ما ترى شباباً في منتصف العمر أو يافعين؛ إذ لا يسمح الاحتلال بإصدار تصاريح للشبان إلّا في حالات نادرة، وذلك تحت ذرائع أمنية واهية. اقتربتُ من امرأة يبدو من ملامح وجهها والتجاعيد المتعرجة الواضحة على محياها أنها في السبعين من العمر، وكانت تلبس ثوباً فلسطينياً تراثياً أسود اللون، مطرزاً يدوياً بخيوط حمراء بحرفية عالية.. وتضع على رأسها شالاً أبيض اللون يسمى باللهجة العامية (خرقة)..

كانت تمسك بيدها مسبحة كبيرة مصنوعة من عجم الزيتون، وعندما سألتها عنها قالت: هي غالية جداً على قلبي، فقد أخرجها لي ابني من السجن، لذلك هي لا تفارقني أبداً، فمن خلالها أشم رائحة ولدي الغائب عني منذ أعوام طويلة. كانت تجلس في مقعد وبجانبها تجلس فتاة جميلة تبدو في أواخر العشرينيات ومعها طفل صغير لا يبدو أنه تجاوز العاشرة من عمره، وعندما سألت المرأة السبعينية عنهما قالت: إنها زوجة ابني آسر وابنهما أوس.. كان أوس يحمل في يده صورة له مع والده آسر.. وأخبرني أنه سيدخلها إلى السجن من خلال الزيارة، وعندما دقّقت النظر في الصورة لاحظت كأنها ليست حقيقية وكأن فيها نوع من الفوتوشوب.. وعندما سألت عن ذلك أجابتني تغريد زوجة آسر أنها فعلاً كذلك، إذ لا يسمح الاحتلال بالتقاط صور تذكارية للأسرى مع ذويهم أو أبنائهم وزوجاتهم.. لذلك هي تقوم دوماً، وبناءً على طلب آسر، بعمل فوتوشوب لصورة له مع ابنه أوس يبدو فيها كأنه يحتضنه، كي يشعر ولو للحظات خادعة أنه فعلاً يحتضنه وقادر على تقبيله. ثم كانت المفاجأة عندما علمت من تغريد ببعض تفاصيل اعتقال آسر ومدة حكمه، فأخبرتني أنه معتقل منذ عشرة أعوام وحُكم عليه بالسجن ثمانية عشر عاماً بتهمة المشاركة في مقاومة الاحتلال.. لكن المؤثر في قصة اعتقال آسر عندما علمت بأنه لم يتعرف إلى ولده أوس إلّا بعد مضي ثلاثة أعوام على اعتقاله؛ لأن الزيارات كانت ممنوعة طوال الثلاثة أعوام الأولى من اعتقاله، ولم يكن مضى على زواج آسر وتغريد سوى ستة أشهر عندما اعتُقل؛ إذ كانت تغريد حاملاً في شهرها الثاني وأنجبت أوس وزوجها يقبع وراءالقضبان؛ كما علمت منها بوصول رسالة من آسر قبل موعد الولادة بشهر يطلب فيها تسمية المولود أوس، تيمناً باسم أقرب الرفاق إلى قلبه، والذي اغتالته القوات الخاصة من جيش الاحتلال في أثناء مداهمة مدينة نابلس.

عندما دققت النظر في صورة آسر وولده أوس لاحظت أن آسر شاب جميل أسمر البشرة ولديه جسم رياضي رشيق، ويبدو من ملامحه أنه لم يتجاوز منتصف الثلاثينيات من عمره، وقد علمت من زوجته بأنه أديب مبدع يكتب الشعر والخواطر الرائعة، ثم أخرجت من الحقيبة التي كانت تحملها كتيباً صغيراً فيه بعض الخواطر الأدبية التي كتبها زوجها، وقامت بطباعتها في عدة كتيبات على نفقتها الخاصة. طلبتُ من زوجة آسر ووالدته أن يبلغّاه سلامي الحار، وأنني متأثر جداً بقصته، وأخبرتهما أنني صحافي أتابع قضايا الأسرى وشؤونهم وأكتب مقالات وأخباراً عنهم في عدة صحف. عندما طلبت من والدته أن تبلّغه أنني سأكتب عن قصته في الأسبوع التالي، اغرورقت عيناها بالدموع وانهارت باكية. ارتبكتُ للحظات وحاولت التخفيف عنها والاعتذار منها، لأنني تسبّبت بجرح مشاعرها، أو بهذا البكاء. إلى أن علمت من زوجة آسر تغريد سبب بكاء والدته.

أخبرتني تغريد أن والدة آسر لا تراه خلال الزيارة؛ إذ اعتادت قطع تذاكر كل أسبوعين، وقطع كل هذه المسافة الطويلة والتعرض للتفتيش الدقيق على الحواجز كما باقي الأهالي، لكنها عندما تصل إلى باب السجن تبقى في الساحة الخارجية حتى انتهاء الزيارة، فتلاقي زوجته وابنه وتحتضنهم وتقبلهم كأنها تحتضن ولدها الأسير.. وتبدأ بالسؤال عنه وعن صحته وحاله وماذا أخبرهما وكل تفاصيل الزيارة.

صعقتُ حين علمت بأن والدة آسر مصابة بمرض الرّهاب، وتحديداً رهاب الأماكن المغلقة، لذا لا تستطيع الدخول معهم إلى قاعة الزيارة المغلقة بالبوابات. كما تأثرت كثيراً عندما علمت بأن آسر نفسه لا يعلم بأن والدته تجلس في ساحة السجن الخارجية، والتي طلبت من زوجته وولده ألّا يخبراه ذلك كي لا ينزعج وتتأثر نفسيته، فكانا يقولان له إن والدته لم تستطع الحضور للزيارة لأنها مسنة ولا تتحمل التنقل في الحافلات مسافة طويلة. كما أن والدة آسر لم تخبر أخوته وأخواته ذلك، فيظن الجميع أنها زارته، لأنها عندما تعود من الزيارة كانت تبدأ بالحديث عنه ونقل السلامات والتحيات إليهم وإلى والده المريض.

كما علمتُ من تغريد بأن المرة الوحيدة التي قامت والدة آسر بزيارته حدثت قبل خمسة أعوام، عندما حضرت إلى سجن عسقلان ووقفت على باب قاعة الزيارة من الخارج ومعها ثلاثة من ضباط السجن وتحمل في يدها الملف الطبي الخاص بحالتها، إذ سمحوا لآسر بالوقوف قبالتها على بعد ثلاثة أمتار ومن دون زجاج فاصل، وذلك لمدة خمس دقائق فقط من دون أن يسمحوا لهما باللمس. وقالت له لحظتها: سامحني يا ولدي لأنني لم أتمكن من زيارتك فأنا مريضة ولا أستطيع الحضور.

يومها، كابر آسر على نفسه ورفض ذرف الدموع تأثراً بحالة والدته، وقال لها: "لا عليكي يا أمي المهم أن تبقي بخير وبصحة جيدة، وإن لم تستطيعي الحضور فلا تأتي، وسأطمئنك عني من خلال تغريد وأوس".. فودعته ملوّحة له بإشارة من يدها وخرجت باكية. ومن ذلك الحين وهي تحضر في كل الزيارات وتبقى خارج السجن ولا يعلم آسر بذلك.

حاجز آخر

عند وصول حافلات الصليب الأحمر إلى حاجز الطيبة العسكري الفاصل بين الضفة الغربية والأراضي المحتلة سنة 1948 توجه موظف الصليب الأحمر المرافق لحافلات الزيارة نحوي وأخبرني أن عليَّ النزول من الحافلة؛ ولن يُسمح لي بالمرور عبر الحاجز.. كما أخبرني أنه لولا علمه بأنني صحافي، وأن صعودي إلى حافلات الزيارة سببه نقل تفاصيل رحلة العبور لزيارات السجون، لما سمحوا لي بالصعود معهم.. لذلك، عليَّ الآن مغادرة الحافلة قبل نزول الأهالي للتفتيش على الحاجز العسكري. حينها، شكرت الموظف على حسن تعامله، ونزلت من الحافلة  بعد أن طبعت قبلتين على يدي وجبين والدة آسر.

طلبت من زوجته وولده نقل خالص تحياتي ومشاعري الحارة إلى آسر وكل مناضلي الحرية في سجون الاحتلال...

بعد أقل من عام على هذه الحكاية علمت من بعض أصدقائي الصحافيين المختصين بشؤون الأسرى بأن والدة آسر توفيت بعد صراع مع المرض.. فتحدثت مع زوجته ونقلت لها أحر التعازي والمواساة، وسألتها عن آسر فأخبرتني أنه علم بأن والدته كانت تحضر في كل الزيارات وتبقى خارج السجن، وأن مَن أخبره ولده أوس، فتأثر بذلك وأدمع قلبه كي يخفي بكاءه عن ابنه.

 

* ملاحظة: هذا النص مستوحى من قصة حقيقية للأسير ياسر المشعطي من نابلس، والذي أنهى مدة اعتقاله البالغة 18 عاماً وخرج إلى الحرية بتاريخ 19/2/2019.

عن المؤلف: 

رأفت العسعوس: أسير أردني، اعتقل يوم 25/12/2002 وقد أصدرت محكمة الاحتلال بحقه حكماً بالسجن 20 عاماً. حائز شهادة بكالوريوس خدمة اجتماعية من جامعة القدس المفتوحة خلال الأسر.

انظر

اقرأ المزيد