طفولة مسلوبة وحلول سحرية: عن الأسر في أدب الأطفال الفلسطيني
التاريخ: 
10/11/2021
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
استعادة فلسطين في أدب الأطفال

يحضر الأسرى في أدب الكبار الفلسطيني بكثافة، حتى أن دارسي الأدب الفلسطيني يعتبرونه جنساً قائماً بذاته. في حين يبدو أن حضور هذا الأدب في كتب الطفولة الفلسطينية يظل محدوداً، فإن هذا النص ينظر إلى أربعة نصوص فلسطينية تناولت الأسر بصورة خاصة، ويحاورها في محاولة لاستنطاق هذا الغياب. هذه النصوص هي: قصة مصورة للأطفال "حين يعود أبي" لمايا ابو الحيات ورسومات لبنى طه، وإصدار دار أصالة للنشر والتوزيع في بيروت/ لبنان 2014؛ قصة للأطفال من فصول بعنوان "كابوسي الجديد"، تأليف ورسوم لبنى طه، وإصدار دار ديناصون في رام الله/ فلسطين 2021؛ رواية "سر الزيت" لليافعين لوليد دقة ورسومات فؤاد اليماني، وإصدار مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي 2018؛ وأخيراً  رواية لليافعين بعنوان "كأنك تزرع وردة في غرتي" لأنس أبو رحمة. اختيرت هذه النصوص لحداثتها، ولأنها تتناول موضوع الأسر وتغطي فئات عمرية مختلفة.

 

 لوحة للفنان كمال بلاطة من كتاب " الشجرة" لابراهيم الحريري

 

"حين يعود أبي"، يتناول النص غياباً مفاجئاً وغير مبرَّر  لوالد صالح. لا يبرر النص هذا الغياب وإنما يركز على انعكاساته النفسية على صالح. فهو يشعر بالحزن والغضب والخذلان، ولا يجد أجوبة تبرر غياب أبيه، فحين يسأل عن السبب تجيبه والدته بأن يطلب من الله أن يعيد والده الغائب، وهو ما يزيد في حيرته. هذا الطلب من الله يعمق النظر إلى الطفولة على أنها غير قادرة على استيعاب فكرة الغياب بطرق منطقية، بالإضافة إلى أن عليها البحث عن المعجزات والحلول السحرية لتعويض الغياب. وهكذا يبدأ صالح، الذي لا يتقن الكتابة، بكتابة الرسائل إلى والده، وبإيحاء من والدته، يترك رسائله على النافذة، فيجيب والده بإرسال التفاح أو القبلات أو الذكريات. يستعمل صالح هذه الحيلة لاستعادة والده الغائب حتى أنه يخبر والدته عنها حين يشعر بحزنها.

أما كتاب "كابوسي الجديد" للبنى طه فيروي محنة نورا مع الرياضيات. نورا لا تحب الرياضيات وكابوسها الجديد هو أن الأستاذ عدلي سيكون مدرّسها في فصلها الدراسي الجديد. الأستاذ عدلي آلة حاسبة، يطرح أسئلة صعبة ويتنقل بسرعة بين المسائل، ونورا لا تستطيع أن تجاريه. فتشعر بالارتباك في حصصه وتنسى جدول الضرب. هي مهتمة بالرسم وليس بالأرقام. لكن الصدفة تلعب دورها، إذ يتبين أن الأستاذ عدلي صديق قديم لوالدها، وهكذا تشاهد نورا شخصاً مختلفاً يزور بيتهم، يستطيع المزاح ويهديها الكتب ويتحدث معها باهتمام. إذاً الأستاذ ليس آلة حاسبة كما ظنت، لكن وفي اللحظة التي تتصالح فيها مع الأستاذ عدلي وتكتشف الإنسان في داخله يختفي من المشهد. الأسر هنا ليس أسراً لقريب أو فرد من العائلة بل لشخص يمثل سلطة معرفية في حياة الطفل، وهو المعلم. هنا نرى أن هناك اختلافاً في الطريقة التي تتفاعل فيها نورا مع الحدث، فهي تشعر بالحزن وتعبّر عن حزنها بالكتابة والرسم. لا يوجد حلول سحرية أو محاولات لتحرير الأستاذ، بل استسلام لما هو واقعي وجزء من الحياة الفلسطينية. لكن لحظة الاعتقال ذاتها هي لحظة انقطاع، نورا تتخيل حياة طبيعية كاملة للاستاذ عدلي، كأن يقع في حب جارتهم عادلة مثلاً، أو يصبح لطيفاً في الحصة، لكن هذه الحياة غير مقدّر لها أن تكون. وهكذا يقع على الطفل عبء التصالح مع هذا الواقع وافتراضه أنه موجود ويجب التعامل معه كما هو.

في كتاب "سر الزيت" لوليد دقة، يبحث جود عن وسيلة لزيارة والده، وبمساعدة أصدقائه من الحيوانات، ومن شجرة الزيتون، يستطيع جود أن يحصل على زيت سحري يسمح له بالاختفاء والتسلل لرؤية والده لأول مرة. الكتاب ينتمي إلى الواقعية السحرية، والتي تبدو طريقة للتغلب على واقع عبثي، فجود مثلاً وُلد من نطفة مهربة، ومحاولاته رؤية والده وتحريره، في حين يرفض الاحتلال أن يعترف بأنه طفل لأسير، هي محاولات في العالم الواقعي عبثية تماماً، ولهذا يبدو أن السحرية وقدرة الحيوانات والأشجار على التدخل في حل المشكلة هي جزء من النص. غير أن هذه السحرية تتكئ على رمسنة الطفولة، وعلى فكرة أن الطفل يجد في عالم الخيال عزاء وقدرة على مراوغة الواقع من دون النظر إلى الواقع بحد ذاته ومعالجته.

المختلف في كتاب أنس "كأنك تزرع وردة في غرتي" أن الطفولة في كتابه قادرة على أن تكون واقعية، هذا ليس كتاباً عن طفولة رومانسية تبحث عن حلول سحرية، بل هو كتاب عن واقعية مفرطة، ربما تهرب إلى الشعر، لكن أليس الشعر أيضاً صنو الواقع..

منذ بداية النص ينجح أنس في كتابة علاقة معقدة بين الطفل ووالده، الوالد في الرواية عاطل من العمل. في مشهد رئيسي في الرواية يرى الأب ابنه من بعيد يشتري البنانير من أحد الأولاد بنقود كان خبأها لهذا الهدف، يغضب الأب ويأخذ البنانير من ابنه أمام الأولاد الآخرين وينثرها في الهواء. يفقد الطفل أمواله ولعبته ويعود إلى البيت ركضاً، محرجاً من عيون الأولاد، لتنفجر ماسورة الشعر، فيكتب. لا نرى الطفل يواجه والده، بل ينام غاضباً ويحلم بأنه يمحو صورة والده وهو يرمي بنانيره من ذاكرة أصدقائه، ليستيقظ على دقات الجنود الذين يأخذون والده في الليلة ذاتها من البيت.

هذا ليس نصاً سحرياً نرى فيه البطل غاضباً مما حدث، أو باحثاً عن حل ما ليحرر والده كما في "سر الزيت"، هذا النص عن طفل أضاع والده ولا يستطيع التعامل مع ما حدث، بل يقوم بتأجيله حتى يصدر حكم في حق والده، حينها فقط يشعر البطل بوطأة الاعتقال. وهذه هي نقطة التحول في القصة، يغادر الطفل عالم الطفولة وينضج، حينها فقط يتمكن من البوح بمشاعره، وأيضاً يبدأ بمحاولة اكتساب الرزق. فهي إذاً قصة عن النضج، وعن مغادرة الطفولة، ربما كان لهذا النضج أن يتأخر قليلاً لو أن الأب لم يُعتقل، لكنه كان المخرج الوحيد في نص أنس.

في هذا الاستقراء السريع، يمكننا أن نقول إن أدب الطفولة الفلسطيني لم يصبح بعد أدب السجون والطفولة بعد، لأن أحداً لم يكتب نصاً يعالج قضية الأطفال السجناء، أو الأطفال في الإقامة الجبرية، إنه أدب مثل أدب الكبار، غير قادر على تقديم الإجابات عما يجب أن تكون عليه الحال حين تفقد شخصاً في السجن، إذ يبدو حائراً في دفع شخوصه نحو الحلول السحرية، أو في تخيُّل عالم واقعي سحري، أو حتى في الهروب نحو الكتابة والرسم كطريقة للتعامل مع الحدث الجلل، أو في النضج ومغادرة الطفولة. إنه أدب ينظر إلى الطفل من موقع رومانسي، أو من الموقع الذي ينقل إلى الطفل هزيمة الكبار في عالمهم ويطلب منه أن يكبر هو أيضاً ليتحمل نتيجة هذه المسؤولية. ومن الملاحظ أن هذا الأدب لا يشير إلى الاحتلال كاحتلال، بل يشير إليه بمجيء الجنود، كما أنه في النصوص التي قرأتها يركز على فكرة أن الاعتقال هو للذكور فحسب، ولا يتناول فكرة اعتقال الأنثى.

عن المؤلف: 

آلاء قرمان: كاتبة تدرس أدب الأطفال والميديا وثقافة الطفل في جامعة جلاسكو.

المدونات التابعة لملف "استعادة فلسطين في أدب الأطفال"
لوحة من كتاب " ما المانع" لتغريد النجار، ورسوم الفنان حسان مناصرة
تغريد النجار
لوحة للفنانة لبنى طه من كتاب " مذكرات أطفال البحر"
خالد جمعة
من كتاب " ثقب في الحائط" تغريد عبد العال
تغريد عبد العال

اقرأ المزيد