ملهاة الحرية ومرآتنا التي في النفق
التاريخ: 
10/11/2021
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
الأسرى

تمر الأيام ويبقى نفق الحرية حلماً جميلاً حُفر في ذاكرتنا، وكنا نتعطش إليه؛ نفقٌ عشنا فيه وعاش فينا. نتلمس طعم التحرر والانعتاق، نستنشق هواء الأحرار، نشتَمّ رائحة الوطن الحر الكريم.

دخلنا إلى النفق محاولين الخروج من العالم الافتراضي لنلامس التراب، لنستشعر الأشياء كما هي على حقيقتها، لا أن نعيشها على شاشات الهواتف والتلفاز. دخلنا إلى النفق لنقنع أنفسنا بأننا على الأرض وليس في الهواء. تجولنا في السراديب، غنينا الأهازيج الوطنية، أكلنا من ثمار الأرض، شعرنا بدفء الأرض من شمس السماء. تلحفنا التراب لنغطي عُري الزمان، عشنا النصر الذي أفقدتنا إياه قسوة الأحوال. كنا مع الأحرار وكانوا معنا، حاولنا أن نكون أحراراً مثلهم. تعثّرنا ومشينا؛ صعدنا إلى الجبال؛ أكلنا من ثمر الأحرار؛ اكتشفنا المعنى الآخر للأشياء؛ سمّينا الأشياء بمسمياتها إلى حين.

نعم، كل ذلك إلى حين، إلى أن عدنا إلى الهواء، نأسر عقولنا وعيوننا بين الشاشات. فقد نكون قد ألِفنا الأسر، والأسر ألِفَنا. وهم هناك رفضوا ما ألفناه، فلهم أرضهم وسماؤهم، هم الشاشات والدفاتر والأقلام، هم الحلم والحقيقة، هم المتجانس والمتناقض.

دقائق قد نوفرها لقراءة هذه الكلمات، وقد لا يوفرها بعضنا، دقائق نمرّ من خلالها، وهم هناك يمارسون حريتهم طلقاء، ونحن في أسرنا نتطاير مع هواء اللايكات. دقائق ونحن جالسون أمام الشاشات.

تخيلوا معي إن أمكن للحظات:

إنسان في غرفة من الأسمنت المسلح قاتمة اللون لا تتجاوز مساحتها المترين. لا نوافذ لها؛ بوابة حديدية لا ضوء منها ولا هواء؛ فرشة نتنة سُمكها وهي جديدة 5 سم، وطولها 190 سم، وعرضها 70 سم، على أرض أسمنتية؛ الأكل لا يحتمله بشر بقرار من السجان؛ الاستحمام بمواعيد يحددها السجان؛ الخروج إلى الشمس ساعة في اليوم مقيّد اليدين والرجلين بقرار من السجان؛ حتى قضاء الحاجة بقرار من السجان؛ الغرفة جرداء إلّا من الفرشة والإنسان؛ الضوء ضعيف، ولا ضوء بعد العاشرة؛ الحشرات والأمراض قد تهجر كل الأماكن إلاّ هذا المكان؛ هدوء لساعات يكسره صراخ السجانين وقرع المفاتيح في الأبواب، عدد ثلاث مرات في اليوم، وذلك يعني أن يقف الإنسان ويدخل السجان ليراه؛ وتفتيش عدة مرات، تفتيش عن اللاشيء في المكان.

أما زلتم تتخيلون معي للحظات، أم أصابكم الملل؟ فإن أصابكم الملل أرجو أن تعذروني، وكي أكسر مللكم تخيلوا ما أصابكم قبل أيام عندما توقف بعض وسائل التواصل الاجتماعي عن العمل، أنتم وحدكم تذكرون كيف كانت حالكم، فما بالكم بهذا الإنسان الذي قلنا معاً أنه موجود في هذه "الغرفة"، حيث لا تواصُل مع كوكب الأرض، فكل وسائل التواصل البشرية وغير البشرية معدومة.

علينا أن نتذكر معاً أننا كل يوم نقف للعدد على الحواجز، ونأكل ونتحرك بأمر السجان. تذكروا جيداً أن السجان يقرر متى ومن أي الطرق نصل إلى أعمالنا ونعود إلى بيوتنا، ويقرر أن نستيقظ صباحاً وأحد أبنائنا أصبح هناك مع الأحرار، سجان يحدد لنا متى نستيقظ صباحاً لنصطف في طوابير المعابر، نسابق خيوط الشمس للحصول على رغيف خبز الأبناء. علينا جميعا ألّا ننسى وألّا نتوهم أننا الأحرار.

الأحرار هم مَن قضوا الليالي والأيام يشقون درب الشمس، هؤلاء المتمردون على المسلّمات والقرارات، يمكثون بين السماء والأرض، ونحن نُعد أنفسنا صباحاً أمام المرآة نتطاير فرحاً كأننا طير خفاق، وقد نسينا أننا طيور بلا جناح، كنا نتمنى أن يكونوا أجنحتنا التي تمنحنا حلم الطيران، ونغرد بحرية في فضاء العمر خارج الزمان.

قبل قليل أصابكم الملل مما قيل، والآن قد يصيب بعضنا الألم على حلمنا الجميل، نتألم على ما أضعنا، أو ضُيّع منا، نبكي أنفسنا في الميادين والساحات، نلهث وراء سراب لنتخيل أنفسنا نتطاير ونغرد فوق تلك الميادين والساحات، نتمنى أن نحرر إرادتنا كما هم هناك في زنازينهم الضيقة أحرار.

 يمضون الساعات والأيام معزولين، يمرون في زمنهم بعيداً عنا وعن كل ما نعيش، يعيشون على تفاصيل حريتهم التي انتزعوها لساعات، يتذكرون أدق التفاصيل، مرات ومرات، قلوبهم ترقص فرحاً مع كل مرة يتذكرون الأحداث من جديد.

نحن في عالمنا يمكن أن نعيش كل شيء إلّا شيئاً واحداً، يمكننا أن نذهب إلى مقهى ونشرب القهوة، ونتصل بشبكة الإنترنت، ونعيش في عالمنا الافتراضي معتقدين أننا نمتلك العالم بين أيدينا، نحاول من حين إلى آخر رفع رؤوسنا التي نقبض عليها بين أيادينا، إذا سمح لنا السجان، ونعود مسرعين محدقين بالشاشات، خوفنا من أن يهرب من بين أيدينا خبر ما. نعم يمكن أن نعيش كل شيء إلّا شيئاً واحداً، ألا وهو حريتنا المسروقة في وضح النهار. فعلى عكسهم، هم يعيشون شيئاً واحداً، نعم يعيشون ما نحلم به نحن، إنهم يعيشون حريتهم التي نتمناها، يدفعون ثمنها صباحاً ومساءً من أعمارهم وآلامهم.

الافتراض يبقى افتراضاً كما هو، والحقيقة تبقى حقيقة، ويمكننا القول أنه بات من المُلح أن نسأل أنفسنا أين نحن؟ هل نحن هنا في الواقع، أم نتطاير في عالم الافتراض، أم أصبحنا نتشبث بفعل فَعلهُ آخرون لنمنح أنفسنا شعور الحقيقة والواقع الذي فقدناه، أو أُفقدنا إياه منذ زمن.

3/11/2021

عن المؤلف: 

بلال عودة: أسير محرر، أمضى في السجون الإسرائيلية 18 عاماً (2001-2019)، حائز على شهادة الماجستير من الجامعة المفتوحة في موضوع "الديمقراطية والعلاقات الدولية" خلال دراسته في السجن.

اقرأ المزيد