رثاء المنكوبين
التاريخ: 
06/10/2021
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
الأسرى

كعادتها كل صباح، خرجت ليلى من البيت قاصدة الجامعة، وعندما أصبحت في أعلى السلّم الخارجي وقفت هناك وراحت تنظر إلى البيت الذي ترعرعت فيه بعينين متهدلتين وقلب خافق وهي تهتف في سرها:

- هل يعقل أن يتحول كل هذا الوجود الحميمي إلى مجرد كومة من الذكريات، ثم استدارت واستأنفت سيرها الطويل إلى محطة الحافلة في رأس العامود. لم يكن لها أن تتخيل أن أمراً مثل هذا قد أصبح محتمل الوقوع، وأن تلك الصور والمشاهد المأساوية لأولئك المنكوبين الذين يحملون مفاتيح المنازل التي هُجِّروا منها سنة 1948 قد تتكرر مرة أُخرى. كما لم تكن هذه مجرد نبوءة محتملة، بل هي واقع آخذ في التشكل منذ أكثر من ثلاثين عاماً في هذه البقعة الساخنة، نظراً إلى مشروع بناء الهيكل المزعوم، والتي صاروا يطلقون عليها اسم مدينة "داود". أما هي فستظل ترى في اسم بلدتها "سلوان" جسداً يتلقى الطعنات ويحتويها ويمنح قاطنيه الكثير من السلوان.

 

محمد جحا، حلم بالأبيض والأسود، أكريليك على قماش، ٢٠١١

 

أمس كان خبر استيلاء المستوطنين على منزلين في الحي المجاور لهم يتغلغل في المسامع كأنه طعنات في القلوب. وقد رأتهم في أثناء عودتها من الجامعة يقفون أمام تلك المنازل في نشوة عارمة كأنهم حازوا مملكة بأكملها. لم تحتمل رؤية المشهد فراحت تسرّع الخطى وإحساس بالمرارة يسري في داخلها، وعندما وصلت إلى البيت دلفت إلى غرفتها مثل قط مذعور وجلست في عزلة قاتمة يحاصرها طوق من الهواجس والوساوس التي بدأت تنمو في رأسها، الأمر الذي راح يفاقم إحساس الاغتراب الذي كان يتعاظم لديها في الآونة الأخيرة. هي التي تدرس في الجامعة العبرية، وجدت نفسها تقف على نقطة التماس بين عالمين متناقضين، أحدهما تنتمي إليه والآخر تلِج إليه من البوابة الأكثر تهذيباً وتصنعاً فتأتّى لها أن تدوس على الرمال الحارة بقدميها الحافيتين، وأن تمشي على خرائب الواقع نزيفاً يصبغ الدروب التي تعبرها.

منذ شهر تقريباً، كانت تسير بصحبة أحد زملائها الإسرائيليين عقب انتهاء محاضرة تتحدث عن التشكل والتراتب الإثني في المجتمع الإسرائيلي، فسألته عن تعريف "العربي الجيد"، من وجهة نظره، فأجابها بكل عفوية: "إنه الشخص الذي يُعنى بشؤون الاقتصاد ويسعى لتحسين وضعه المعيشي، ولا يقحم نفسه في القضايا السياسية". كان نقاشها مع ذلك الزميل نقاشاً عابراً، وقد جاء على سبيل المناكفة. غير أن إجابته عبّرت عن التوصيف المنمط "للعربي" الذي يُنظر إليه على أنه مجرد أداة بشرية. يومها راحت تشرح له عن المعاناة التي تلون حياة الناس بسبب الضائقة السكنية التي يعيشونها، وجلُّ غايتها أن تُبرز حالة التمييز العنصري الذي يكتوون بناره، ولم تتطرق إلى الموضوع من زاوية التهجير والإحلال، على الرغم من علمها بأن هذه "السذاجة الأكاديمية" ما هي إلّا ستار شفاف لتغطية الواقع.

الحقيقة تظل هي الحقيقة، ومع ذلك فإنها ما فتئت تنحو ببعض اللوم على الناس الذين يبيعون، لكن ذلك لم يمنعها من أن ترى في الحالات التي جرت فيها عمليات الاستيلاء على البيوت نوعاً من جني الثمار لمن زرعوا في وعي البعض بذور آفاتهم، فاستنبتها الواقع في صور مختلفة.

هل أطلقت على ذلك اسم التزوير، أو الخداع، أم الخيانة. لعلها ترى الآن أن إطلاق التسميات والأوصاف مجرد رداء ممزق نستر به الواقع حين تكون الحقيقة أكبر من قدرتنا على الاستيعاب.

ولحظة الحقيقة تظل هي اللحظة الصادمة. وليلى التي أفاقت في لحظة ظلماء، أبصرت نفسها في وسط العتمة القاتلة، ولا شيء سوى العتمة أصبح يغلف حياتها. فمنذ أن اقترب هؤلاء الدخلاء وصاروا في مرمى البصر من شرفة بيتهم، أخذت الهواجس تجتاحها وتنأى بها عن شاطئ الطمأنينة. لقد شعرت كما لو أن يداً جبارة تصفعها. ليست يداً، إنما هو شيء يمتد فينتزعها من قلب التاريخ الشخصي لها وينسف كل شيء ويمحوه.

أما الذي هال على كاهلها أتربة السحق والانطمار فكان ما أدلى به خطيبها – سامي- على مسامعها بشأن الخيار الذي رأى فيه مخرجاً وحيداً من حالة الحصار الوجودي الذي يقبعون تحت نيره، ألا وهو الحصول على الجنسية الإسرائيلية.

وقد باتت على يقين من أن وجود هؤلاء الغرباء وقدومهم إلى هنا ليس له إلّا معنى واحد، وهو أنهم سوف يحلّون محلهم.

أمس أحست بذلك. شعرت به يتسرب إلى عروق دمها ويجري فيها مثل تيار حارق. إحساس يتراوح بين التهديد والاقتلاع. ولاغروَ بأنه حملها هذا الصباح على أن تبدأ نهارها بهذه الالتفاتة المشحونة نحو البيت.

اليوم هناك وغداً هنا. وما هذه الـ "هناك" سوى تعبير مجازي عن قياسات البعد والقرب للمسافات التي تفصل بين أبعاد الوطن بأكمله. إنهم يقتربون، ها هم يزحفون رويداً رويداً، يتقدمون مثل النمل نحو الهدف المنشود. يقولون إن هذه مدينة داود، وقد قرروا بأن يجعلوا التاريخ لعنة تطارد حاضرنا من أجل بعث الأموات من قبورهم. هكذا كانت ليلى تهجس في نفسها وهي تبطئ خطوات سيرها على نحو غير إرادي. لقد انبثقت في رأسها صيرورة حياة بأكملها عنوانها "أن لا نبقى"، وكانت تظن أن الرد المنطقي في المقابل هو "سوف نبقى".

الآن تتذكر كيف كانت تمر برفقة أمها بالمستوطنة التي بُنيت في حي رأس العامود وقت إنشائها غير آبهة بها.

لقد كانت صغيرة على كل حال ولا تفهم شيئاً، غير أنها كانت تعرف أن لهذا المكان الاستثنائي تعريف خاص يميزه من بقية الأماكن المحيطة به، فهؤلاء الذين يسكنون خلف هذه الأسوار الحصينة هم " يهود"، وكان هذا كفيلاً بإثارة شعور غامض لديها يشبه الوخز في داخلها. وعندما كبرت وحصلت على نصيب من الوعي، لم يضِرها ما يجري على الأرض من تحولات. كانت في أثناء مرورها ببعض الأحياء تصطدم ببيت هنا وبيت هناك، كأنها نقاط متناثرة أو جزر صغيرة في بحر متلاطم. وما كانت ترى في ذلك إلا نوعاً من البؤس الذي لن يوصل أصحابه إلّا إلى الوهم.

لم يخطر لها يوماً أن هذه النقاط المتناثرة قد تصبح متصلة، أو أنها قد تقترب من بعضها فتلغي المسافة الفاصلة. أجل، إلغاء المسافة بينها معناه إلغاء وجود العرب واندثارهم. وها هي الآن تستشعر هذا الاندثار المزعوم كأنه على وشك أن يحدث، تستشعره كأنه لحظة صادمة مثلما جرى أمس، ومثلما جرى في أمس الأمس، قبل ثلاثة وسبعين عاماً.

لا، لن يكون المشهد قاسياً وحاداً مثلما جرى في سنة 1948، فالأساليب اختلفت وتحورت. وذلك التهجير القسري العنيف أصبح أكثر ليونة ونعومة. تهجير يراعي مقتضيات الصورة الحديثة، وأن كانت بتزييف وتزوير في كثير من الأحيان.

وقفت ليلى أمام المنزلين تستنبط ذاكرة مَن كانوا وذاكرة مَن أتوا، ثم قالت في سرّها: "ما زالوا حديثي العهد ولا ذاكرة لهم هنا، لكنهم سيبقون وسيصنعون ذاكرتهم على أنقاض الذاكرة السابقة"، لم تكن هذه إلّا فكرة عابرة في لحظة تأمل أفضت إلى السؤال الذي وقفت على بابه كأنه باب بيتهم: هل الذاكرة مثل المباني قابلة للهدم والتحول إلى أنقاض؟ وإذا جرى ذلك فما الذي سيتبقى لنا.

* * *

أيام مرت والزمن تتكثف مرارته، وليلى التي سارت ترى في زمن المدينة زمنين يتقاطعان على جسدها، كانت تشعر بنفسها مثل ريشة في مهب الريح، ولا أمان بعد الآن. فالطريق إلى البيت ليست إلا طريقاً إلى المجهول. وكلما اقتربت من أحد البيوت التي استولى عليها المستوطنون كانت تشعر بأن خطواتها لا تنتمي إلى زمن بعينه، لكأنها تمشي على طريق متجدد على الدوام. هذا الإحساس في واقع الحال كان سؤال الزمن عند نقطة التهجير. فهل مرّت حقاً دونه؟ هل مروا من هنا.

لا فرق بين هنا وهناك. لا فرق بين هذا الزمن وذاك. ها نحن نمشي. لعل ما يوحّد فينا معنى الألم هو أننا ما زلنا نمشي. ونمشي إلى حيث تُشتتنا الطرق ولا يجمعنا سوى الألم.

الطريق إلى البيت هي الطريق إلى استرداد شيء مما يسقطه صخب الحياة منا. هكذا كانت تشعر ليلى. كان البيت بالنسبة إليها موئلاً وملاذاً للروح التي لا تأتلف إلّا مع أمكنة بعينها، لكنه الآن لم يعد كذلك.

* * *

في غرفتها التي تطل منها على نفسها وتلتئم على جراحها، علقت على الجدار صورة تمتاز بالبساطة والمعنى العميق. هي صورة امرأة تلبس رداء طويلاً أسود اللون، وتدير ظهرها المكشوف ناظرة إلى البحر الذي يداعب موجه قدماها. أكثر ما جذبها في هذه الصورة هو انفتاح أبواب التأويل على كل الاتجاهات، غير أنها عندما وقفت أمامها هذا اليوم، أحست بأن غموضاً ينبعث من الصورة ويتكثف في بؤرة تيه داخل قلب المرأة، ولبثت تحدق في الصورة كأنها تستنبط منها شبهاً تضعه في موازاة. ربما لأجل هذا راحت تتحول إلى المرآة وتنظر إلى وجه المرأة المحتجب وتراه في وجهها.

هكذا هي الآن، تبحث عن نفسها في الصور العتيقة. في الذاكرة المنسية لزمن ليس زمنها، وفي صفحات الكتب التي تؤرخ النكبة وما بعدها. بالأمس وجدت نفسها تتناول كتاب إيلان بابيه، "التطهير العرقي"، وتقرأ فيه؛ وكانت صور المنازل والقرى المهجرة ترتسم أمامها بالكلمات.. مجزرة وإرهاب هنا، تهجير وطرد هناك. كل شيء كان مخططاً له ودقيقاً، والأخطاء التي يطلقون عليها هذه التسمية ليست إلّا التعريفات الحقيقية لما جرى. أمّا ما يجري اليوم فتكتبه الصور الحية، ويكفي أن تنظر حولها لكي تقرأ عن المستقبل كلمات يدحرجها الخوف والقلق وعدم اليقين.

تناولت هاتفها النقال وطلبت "سامي". كانت تنوي الاعتذار منه على ما بدر منها من حدة في الحوار الذي دار بينهما مؤخراً، إذ شعرت بأنها بالغت في إطلاق بعض التوصيفات غير اللائقة، وأنه ما كان يجب أن تتلفظ بها. غير أن الحديث كاد ينحدر إلى الهاوية ذاتها، وخصوصاً أن كلاً منهما متمسك بوجهة نظره ويدافع عنها من منطلقاته القيَمية التي يرى أنها عين الصواب. فأغلقت الهاتف بعد أن اتفقا على موعد للّقاء في الغد.

غداة ذلك اليوم، ذهبت للقاء سامي في مقهى "المهباش" في شارع نابلس قبالة باب العامود، وحين وصلت وجدته في انتظارها.

كان سامي يتحرّق انفعالاً وهو يحاول إقناعها بأن لا مكان للحالمين هنا، وأن البقاء له ضريبته الباهظة. لكن كل شيء انتهى حين وضعت خاتم الخطوبة في كفه وانصرفت.

ما لبث سامي متسمراً في مكانه يصعقه الذهول، من دون أن يقوى على القيام. أين أخطأ، أين أجرم لتنسف كل شيء على هذا النحو الاعتباطي. أمّا هي فقد خرجت من المقهى تجرجر أذيال اليأس والخيبة. كانت على وشك أن تبكي، أو أن تضحك من فرط ما تشعر به من سخرية، وتساءلت في نفسها محتارة: "كيف تنقلب أقدار المصير لتردينا على شواطئ مصير آخر بهذا الشكل".

وما كان في مقدورها تفسير تصرُّفها بصورة منطقية إزاء مَن كان للتو خطيبها. إنها تشعر براحة داخلية إزاء ما فعلت، غير أنها تتلظى في الوقت نفسه بنيران لا تعرف لها سبباً. إحساس مبهم لا يعرفه إلّا مَن كانت حياته عبوراً متواصلاً في نفق التناقضات الحادة التي تجبره على أن يكون متناقضاً مع نفسه.

هي التي تعرفه وتعلم بأن قرار الحصول على الجنسية الإسرائيلية له سبب واحد.. وهو الحفاظ على وجودهما هنا في هذه المدينة. أن يبدآ مستقبلهما على أرضية متينة من الناحية القانونية لكي يتمكنا من مقارعة الظروف الاستثنائية لهذا المكان، وما كان حديثهما الدائم عن المكان الذي سيسكنان فيه إلّا بسبب ما يسمعانه وما يتناقله الناس عن المشاكل اليومية التي وصلت إلى حد قتل بعضهم البعض بسبب موقف سيارة.

"أنت تلاحق شؤونك اليومية وتجاهد لكي تملك زمام السيطرة عليها. وفي الوقت نفسه تهرب ممن يلاحقونك من خلال الشؤون الصغيرة نفسها، تلك التي يبدعون في جعلها وبالاً عليك كأنهم يقولون لك: يجب أن تكره هذا المكان، وكان يقول لها كردٍّ مفترض: "يجب أن نتشبث بالمكان ونبقى هنا. وما الحياة التي توصف بالجحيم هنا إلّا ضريبة لهذا الوجود".

هذا كان قصده. ولم يخطر في باله أنه يحاذي الخيانة ويسقط في براثنها مثلما وصفته، ومع ذلك لم تحتمل سماع ذلك منه في المرة الثانية، وراحت تكافح: "قلنا إننا لن ننسى"-  وكانت تقصد ما جرى منذ سنة 1948- لكن يبدو أننا نسينا، فمسارات الذاكرة قد يحرفها الواقع إلى حيث يشاء مَن يتحكمون فيه. غير أننا هنا في القدس نقف في عين العاصفة وما زلنا نخطو فوق الدروب الشائكة، لا لكي نرحل فقط، بل لكي نُكرَه على التلاشي. أجل، التلاشي، فالوجود الممسوخ ليس وجوداً، والمقهور الذي يتماهى مع جبروت المتسلط ليس إلّا مسخاً لإنسانية مشوهة. ما معنى الوجود، أو حتى معنى الصمود بهذه الوسيلة؟ أليس هو التماهي مع المحتل".

في الحافلة التي استقلتها عائدةً الى البيت، جلست ليلى تلملم شتات حالها المنكوبة. راحت تستذكر حديثها الهاتفي مع الدكتورة "كوربتش" من قسم العلوم الاجتماعية. فقد بادرت ليلى إلى الاتصال بها عقب المهاتفة المشحونة التي جرت مع سامي، تسألها عن كيفية مواجهة حالة الاغتراب التي يعيشها المرء. فردّت الدكتورة: 

- يؤسفني أنك تطرحين سؤالاً كهذا. هل أفهم أن الأمر يتعلق بكِ شخصياً؟

* أجل. لكن الأمر يختلف بعض الشيء عن كونه أحساساً بالعزلة والإقصاء. إنه أقرب إلى الشعور بالتهديد المحدق وانعدام الأمان النفسي والاجتماعي. أنتِ تعلمين الظروف التي نعيشها في القدس الشرقية هذه الأيام. تخيلي مثلاً أن بقائي في هذه المدينة مرهون بحصولي على الجنسية الإسرائيلية.

- عليكِ أولاً أن تعلمي بأن الاغتراب أشبه بداء عصري نشعر به جميعاً، كلٌ بنسبة معينة، فظروف العصر الذي نعيش فيه تفرض علينا مشاعر سلبية من قبيل الفردية واللاإنتماء، لكن في كل الأحوال يبقى الحل اجتهاداً شخصياً. وإذا كان حصولك على الجنسية الإسرائيلية ضرورة حياتية فلمَ لا!

* ولكن، ألا يمكن أن تتنافى هذه الضرورة الحياتية مع القناعات الشخصية، أو مع القيم التي أحملها؟

- مثلما قلت لكِ، المعضلة الشخصية تخضع للمحددات الشخصية.

هي الآن تعود إلى البيت وإحساس بالاغتراب، وكذلك باليأس، يتفاقمان ويقصيانها إلى أبعد نقطة في الفراغ، ومع ذلك فإنها تعتقد أن ما فعلته هو عين الصواب.

"فضرورات الحياة تنزاح بضرورات أكبر منها، وخصوصاً إذا كانت هذه الضرورات تعطي معنى لوجودنا وتجعلنا أكثر انسجاماً مع أنفسنا. ماذا ينفع أن نعمل على الاقتراب من الواقع الذي يتناقض معنا ونظل أغراباً عن أنفسنا. بهذه العبارات المشحونة راحت ليلى تواسي نفسها والحافلة تصعد إلى المرتفع الضئيل عند كنيسة "الجثمانية".

نزلت من الحافلة في رأس العامود، وراحت تسير بخطوات ثقيلة نحو البيت، كانت تشعر كأنها قادمة من ليل بعيد وما زالت تحمل على كاهلها ذاكرة ثقيلة وتاريخاً ثقيلاً، أحنيا ظهرها إلى الأمام. كانت تكبر مع كل خطوة عاماً، فتشعر بوطأة الأحمال تزداد باستمرار، وعندما أصبحت بمحاذاة المنازل التي استولى عليها المستوطنون توقفت مثل غائب يعود إلى الديار، وراحت تنظر إلى الأعلام الإسرائيلية المنسدلة على طول المباني بعنجهية تؤكد معنى الحضور، في هذه اللحظات كان صوت الموسيقى يتصاعد في داخلها كأنه أجنحة تحملها فوق خرائب العالم كلها. هي موسيقى لأغنية من ذخيرة أمها كانت تسمعها في البيت من دون أن توليها اهتماماً. راحت تحاول استذكار الكلمات الأولى منها من دون أن تفلح في ذلك، ثم أخذت تستأنف سيرها وكلمة واحدة تصعد إلى ذاكرتها من تلك الأغنية.. "هيكلاً". كانت تسير على وقع الموسيقى التي خطفتها من اللحظة الراهنة وقذفتها إلى الماضي عجوزاً تلملم بقايا عمرها على دروب الاقتلاع والتهجير. كانت منهكة جداً وضائعة جداً. كانت أكثر من أحلام فتاة، وأكثر من هموم مدينة. وكانت عودة إلى حيث لم يعد هناك بيوت. عندما وصلت الى البيت، سارعت إلى والدتها تسألها عن الأغنية، فلما تبيّنت أمرها دخلت إلى الغرفة تتشح بسواد المرأة التي في الصورة، ثم راحت تغرق في بحر الأنغام وبحر الكلمات التي كانت ترثي حالها:

لكم أعود دامي اليدين

وفي زوايا غرفتي

رائحة تبكي بألف عين

لكم إذا تقاسموا ثيابي

فقد أكون هيكلاً

لكم إذا نسيت كلمة

تنجيني من الموت

لكم عذابي

متى سألتم عن دمي؟

ترونه يلعب بالتراب

لكم إذا اكتفيت بالأمان

أحبكم، أي أترك المكان.

انتهت

عن المؤلف: 

سائد سلامة: أسير، من سكان جبل المكبّر جنوبي القدس، 44 عاماً. اعتُقل بتاريخ 30 آذار/مارس 2001، ودانته محكمة الاحتلال الإسرائيلية بتهمة الانتماء إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والمشاركة في خلية عسكرية، وهو يمضي حكماً بالسجن مدة 24 عاماً. تنقل في عدة سجون، وهو حالياً في سجن جلبوع. كان له دور قيادي في السجون، ويُعتبر من الوجوه الثقافية والإبداعية للحركة الأسيرة.

اقرأ المزيد