إكسبو 2020 دبي: ماكياج إسرائيلي قاتل "نحو الغد بلا جدران ولا حدود"
التاريخ: 
05/10/2021
المؤلف: 

في جناح خاص بها، تشارك إسرائيل في المعرض الدولي إكسبو 2020، والذي افتُتح في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، بينما تفتتح جناحها الخاص في الثالث من الجاري أسوة ببقية الدول المشاركة. في حال شاركت الدول المدعوة جميعها، فسيكون عدد الأجنحة 192. تَنشغِل إسرائيل منذ ثلاثة أعوام في هذا المعرض الدولي الأهم في مجال عرض الابتكارات والتطويرات المتعددة الجوانب وأحدث التقنيات، حتى تلك التي تفاجىء العالم أحياناً. وعملياً، دُعيت هذه الدولة قبل اتفاقات أبراهام التطبيعية (2020)، التي جاءت تعبيراً عن علاقات استراتيجية متينة لم تنتظر إعلاناً ولا طقوساً دبلوماسية.

من المتوقع أن يزور المعرض 25 مليوناً من ذوي الشأن في التجارة وعالم الأعمال وتكنولوجيا المعلومات من كافة أنحاء العالم إلى جانب الوفود الرسمية. في حين تتوقع وزارة الخارجية الإسرائيلية أن يزور جناحها خمسة عشر مليون زائر ومهتم. والجدير بالذكر أن هنالك 500 شركة إسرائيلية لها تعاقدات مع الإمارات وفيها، ويبلغ حجم التبادل التجاري السنوي نحو 600 مليون دولار، في حين يخطط لأن يصل في سنة 2025 إلى ثلاثة مليارات دولار سنوياً.

صممت إسرائيل جناحها على شكل خيمة توراتية، وفي واجهتها شعار "نحو الغد" بالعربية وتحته بالعبرية، وفي الشريط التسويقي المكثّف للجناح تبث صوراً للمنتوجات الزراعية والتكنولوجية وتحلية المياه والاستفادة من المياه العادمة، كما تبث صوراً للأقصى وأسوار القدس وكثبان رمال النقب. وشددت على كثبان الرمال بصورة خاصة لتسويق ابتكاراتها المتعلقة بإحياء الصحارى (الحلم الصهيوني – حلم بن غوريون) والتحديثات في مواجهة مشاكل التصحّر والتقلبات الإقليمية وكيفية مواجهتها. وهذا يعيدنا إلى وريث بن غوريون الأول، أي شمعون بيرس، الذي اعتاد وبلهجة الرجل الاستعماري الأبيض الإشارة إلى اللقاء بين "العقل اليهودي" و"المال العربي" لإحداث التغيير. وهو صاحب المقولة الصهيونية الشهيرة في توجههم إلى الفلسطينيين والعرب "نحو الغد" و"نحو المستقبل"، داعياً الفلسطينيين إلى نسيان الماضي والنظر إلى الأمام نحو المستقبل، ليعيد فتح الجرح المفتوح القائل إن الحق الفلسطيني الأساسي موجود في الماضي المُعاش والمتواصل حتى اليوم، فهو يريد من الفلسطيني أن ينسى النكبة واللجوء والطرد والتطهير العرقي ونهب الوطن والشعب وتهويده واستعماره، كي ينعم بـ"المستقبل الإسرائيلي". في حين أن إسرائيل 2021 تريد من العالم العربي نسيان فلسطين.

لكن المثير أكثر في الشريط التسويقي الجملة التي تشير إلى جناح "الخيمة"، والتي تؤكد أنه جناح مصمَّم على الفكرة اليهودية، وأنه من دون جدران ومن دون حدودNo walls, no boarders، هكذا يكتبون ويقولون ويبشّرون، بينما جدرانهم وحدودهم تأكل أرض فلسطين وتمزقها من أقصى الجليل إلى أقصى الخليل، ومن غزة وعكا والساحل إلى نهر الأردن وغوره، وبالذات في هذه الأيام التي تقوم فيها بعملية تطهير عرقي رهيبة مقنِّعةً ذاتها بأقنعة إرهابييها من المستوطنين، الذين تحميهم دولة الاحتلال وجيشها ويحمون مشروعهم في أحد أبشع تجليات التطهير العرقي الذي يشارف على عتبة أعمال إبادة لأملاك الفلسطينيين وبيوتهم وماشيتهم وبقائهم في قرى جنوب جبال الخليل. إنهم بناة الجدار والطرق الالتفافية، ليس فقط التي تلغي تواصُل فلسطين مع فلسطين، بل المتجذرة عميقاً في العقيدة الصهيونية، منذ اعتمادهم "الجدار والبرج"، تأكيداً للطابع العسكري الاستعماري الاستيطاني لمستعمراتهم في فلسطين منذ نشوء الحركة الصهيونية. إلّا أنهم، وفي ظل "السلام الاقتصادي"، و"تقليص الصراع"، وخطاب بينت في الأمم المتحدة الذي تجاهل الوجود الفلسطيني تماماً، وفي ظل مركّبات "صفقة القرن"، وبالذات الضم والتوسيع الاستيطاني وتثبيت الحدود "الأمنية" كما يطلقون عليها، والتي تعني منع وجود حدود سيادية فلسطينية مستقبلية، ففي سياق كل ذلك تتحدث دولة الجدران والعدوان عن "من دون حدود ولا جدران".

إلّا إن الفرج العربي لا يأتي من أنظمة دول اتفاقيات أبراهام فحسب، بل يأتي أيضاً من كون وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي هو عيساوي فريج، العربي الفلسطيني من حزب ميرتس الصهيوني، وهو وريث الوزير السابق أيوب القرا من الليكود الصهيوني أكثر، كما أن الائتلاف الحاكم يحظى بعضوية حزب عربي فلسطيني – القائمة الموحدة – الحركة الإسلامية (الجنوبية) برئاسة النائب منصور عباس.

اللافت هو أن إسرائيل ليست دولة مشاركة كما كل الدول، بل إنها المؤتمَنة على حماية المعرض لمدة نصف عام، فقد اعتمدت الإمارات الشركة الإسرائيلية "آيروبوتيك" المتخصصة في تطوير المسيّرات الطائرة وفي دمجها بالمهام الأمنية والعسكرية. وقد حظيت بمباركة حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم، وهي شركة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وإحدى الشركات الريادية في مجالها عالمياً، ولذك تشغّل فقط 81 من الفنيين والمهندسين، ولديها مراكز ثلاث في مدينة بيتح تكفا (ملبس الفلسطينية المهجّرة)، والآخر في سنغافورة، والثالث في دبي ذاتها. وستقوم أسراب المسيّرات بالتحليق من خلال مركز قيادة، وبعملية مسح وتتبُّع ورصد وتنصُّت مستدامة، وتحليل المعلومات التي ترصدها طوال فترة المعرض.

وإذ تعتمد إسرائيل في تسويق نفسها وشركاتها في إكسبو 2020، فإنها تعتمد من حيث الأسلوب، ما يُطلق عليه اسم القوة الناعمة والاستراتيجيا الناعمة، والتسويق من خلال المجالات المدنية والتنموية والبيئية المذكورة آنفاً. إلّا إن اعتماد شركة "آيروبوتيك" له أبعاد لا يمكن حصرها في المعرض الدولي وحمايته.

بداية، إن مجرد اعتماد دبي للشركة المذكورة هو بحد ذاته معرض، ودعاية ثمينة جداً لإسرائيل. فالشركة متخصصة في الدمج المنتظم للمسيّرات في الأنشطة الأمنية كما تؤكد صحيفة غلوبس العبرية. وفي المقابل، يُعتبر مجال المسيّرات الإسرائيلية من مجالات التعاون الاستراتيجي بين البلدين في مواجهة "الخطر الإيراني المشترك"، وهو مجال سبق اتفاقيات أبراهام وتعزّز بعدها.

كما يُعتبر هذا المجال استراتيجياً في إسرائيل. فقد أوردت صحيفة هآرتس (1 تشرين الأول/أكتوبر) مقالاً تحليلياً للمحلل الاستراتيجي عاموس هرئيل، يتضمن مراجعة لكتاب "طاقم بشري آلي" (The Human Machine Team). هذا الكتاب يستند إلى بحث قام به البريغادير جنرال ي. قبل أن يرفَع إلى منصب قائد الوحدة 8200، الذي يشغله حالياً، وهي الوحدة المركزية في شعبة الاستخبارات العسكرية ومن أكبر الوحدات في الجيش، وهي المسؤولة عن تعقّب وتسجيل ورصد كل ما تحدده في دول العدو. كما أنها من الوحدات الأكبر في الجيش وأقدمها، إذ أُنشئت في سنة 1948 من وحدة شاي (خدمات المعلومات) التاريخية، وحظيت بتسميات مختلفة في مسيرتها. يشدد ي. في كتابه على رسم طبيعة الجيش المستقبلي، واستبدال القوى البشرية المؤهلة الكبيرة العدد والتكلفة الهائلة باعتماد الذكاء الاصطناعي الآلي، وباعتماد أسراب من المسيّرات المهندسة على أساس الخوارزميات في قراءة المعلومات والجمع بينها، وتوفير صورة واضحة للقيادة في تطوير بنك الأهداف على أساس معلومات عينية ودقيقة للغاية، وهو ما يتيح للجيش الإسرائيلي حسم المعركة المستقبلية بأسرع وقت ممكن، وكسر التوازن لدى العدو، وإبطال مفعول قوته. وقد تطورت هذه الفكرة في أعقاب "انتفاضة السكاكين"، أو باعتباراته انتفاضة الأفراد، الذين كان من المفترض تعقّبهم والوصول إليهم قبيل تنفيذ عملياتهم، وذلك من خلال تشخيص نياتهم التي يعبّرون عنها بأشكال مختلفة، ومن خلال التواصل الاجتماعي والاتصال وغير ذلك.

ويأتي هذا الكتاب في ظل النقاش العالمي بشأن "الروبوت القاتل"، والذي تم عرضه في معرض صناعات أمنية في طوكيو قبل عامين، وهناك حركة حقوقية وعالمية للدفع نحو اعتماد الأمم المتحدة لميثاق بهذا الصدد تلتزم به الدول في عدم استخدام الروبوت القاتل. وهو مجال جديد عالمياً، ربما ليس لدى الصناعات الحربية والجيوش، ومن المتوقع أن يشهد العقد الحالي التحول الأكبر في هذين المنحَيين. ولذلك تسعى إسرائيل لاستغلال إكسبو 2020 وكل محفل ممكن من أجل ترويج صناعاتها، ولكونها دولة عظمى في هذه المجالات. ولا بد من أن تجد سوقاً ثرية لدى الإمارات، والتي تشترك معها في مشاريع استراتيجية أُخرى، ومنها فتح ممر مائي وبرّي في النقب من أراضي السعودية حتى العقبة وميناء أسدود، يكون منافساً لقناة السويس، وبالإمكان أن يقتطع نحو 12% من وارداتها. مؤخراً، هنالك تلميحات إلى أنه ليس من المؤكد أن يخرج إلى حيز التنفيذ، نظراً إلى تكلفته الهائلة، لكنه يشير إلى عمق التعاون الاستراتيجي بين البلدين.

وراء لغة الإنشاء الجميلة وأناقة التسويق واستراتيجيا القوة الناعمة تقف مساع إسرائيلية حثيثة لقتل قضية فلسطين وحقوق شعبها، ولتسويق أدوات العدوان ومَن وراءها، وفي الأساس سياسات الهيمنة في المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج. في المقابل، من المتوقع أن تشغل هذه المشاركة الحركة العربية لمناهضة التطبيع وحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات ومعاقبتها.

عن المؤلف: 

أمير مخول: كاتب من حيفا.

اقرأ المزيد