وما زال الكعك على بوابة السجن
التاريخ: 
07/09/2021
المؤلف: 

بدأت مشواري التواصلي مع أسرى يكتبون من خلف القضبان؛ لاهتمامي بأدب السجون، وهناك من بين القضبان سمعت من أحدهم نكتة بنكهة السخرية السوداوية القاتلة: "دخل أسير إلى مكتبة السجن سائلاً عن كتاب فأجابه السجّان: الكتاب ممنوع وغير متوفر، لكن مؤلفه في الزنزانة رقم 110". تبين لي أن الكتابة خلف القضبان متنفَّس للأسير، تجعله يحلّق ليعانق شمس الحرية؛ من عتمة الزنازين يرسم الوطن قوس قزح... هم في زنازينهم أكثر حرية من الطلقاء ذوي النفوس الذليلة. وحين شربت قهوتي الحيفاوية صباح جمعة، فاجأتني زوجتي سميرة: ما دُمتَ مهتماً بما يكتبه السجناء وبأدب السجون، فلماذا لا تزور كميل وغيره ممّن يكتبون؟ راقت لي الفكرة وقررت فعلاً زيارتهم، وبعد خوض التجربة شعرت بأنه صار لحياتي مذاق آخر.

كان اللقاء الأول صبيحة الإثنين 3/6/2019 عشية عيد الفطر، في سجن "ريمون" الصحراوي. انتظرت في غرفة المحامين فأطل أحمد سعدات منتصب القامة. التقيته للمرة الأولى، لا شعورياً وقفت لمصافحته وعناقه لكنني شعرت فجأة ببرودة الحاجز الزجاجي الفاصل على الرغم من حرّ صحراء النقب، كان حديثنا عبر سماعة الهاتف الحديدية الصماء الجافة، تبادلنا أطراف الحديث فجاء مثقفاً إلى أبعد الحدود، تحليلاته مدروسة ومنطقية، ملمّ بكل شاردة وواردة، بعيدة عن الشعاراتية، متجذرة في أرض واقعنا المرير. تحدثنا عن الكتابة خلف القضبان، حيث يكتب الأسير بمشاعره وأحاسيسه ويتوق إلى سماع صدى كلماته على أرض الواقع، كما تحدثنا عن أهمية التعددية وضرورة النقد البنّاء والموجّه، وعن الانقسام الفلسطيني المقيت وأمور أُخرى. كلمني بثقة وشموخ ومعنويات ناطحت السحاب وأثلجت صدري وأزالت عناء السفر وجلافة السجّان. غادرته ترافقني كلمات سميح القاسم وصوت مارسيل خليفة "منتصب القامة أمشي".

 

غسان كنفاني، القارىء، ١٩٨٠، مؤسسة غسان كنفاني الثقافية

 

تعرّفتُ إلى الأسير كميل أبو حنيش عبر رواياته التي تناولت بعضها، ورتبت لزيارته قبل العيد؛ أعدّت زوجتي علبة كعك وطلبت توصيلها إليه، واجهني بابتسامة عريضة وقبلات عبر الزجاج المقيت، فتذكرت ساعتئذ كلمات الراحل عبد الرحيم محمود التي تدعو إلى الابتسام في وجه الحياة مهما كانت الصعاب:

إن تَجِد بابَ الأماني مُغلقاً لا تُكشِّر أو تلُم مَن سكّرَه

إنّ بوّابَ الأماني مرِحٌ يبغضُ اليأسَ ويخشى الكشَرَة

فتبسَّم يا عزيزي. تحدثنا كثيراً عن كتاباته ومشروعه الأدبي القادم، قتل فراغه بالقراءة والكتابة ليتغلب على الفقد والحرمان واستبداد سجّانه. أخبرته عن كعكات سميرة "المحجوزة" في غرفة الاستقبال، والتي تخضع لفحوصات أمنية إدارية وقانونية قبل إدخالها وإيصالها إليك، وكم كانت حسرتي حين غادرت السجن وعلبة الكعك بيدي. فوجئت برسالة منه حملت عنوان "كعك على بوابة السجن"؛ رسالة قلبت حياتي رأساً على عقب، ولست بنادم. أحاسيسه ومشاعره التي عبّر عنها في إثر لقائه "غريباً" أدخلتني في متاهة ودوامة لم أخرج منها حتى اليوم، وبعد قراءتها مراراً وتكراراً قرّرت، لا شعورياً، البدء بمشوار تواصلي مع أسرى يكتبون، ومن خلاله ألتقي كل أسبوعين أسرى عبر القضبان، ولكل قصته وحكايته.

حين التقيت باسم خندقجي في سجن "هداريم"، قابلني بابتسامة طفولية بريئة، وحين سألته عن سر الابتسامة السرمدية، أجابني بعفوية: "أشعر بأن اليوم عيد ميلادي لأنني سجين منذ خمسة عشر عاماً وللمرة الأولى يزورني "غريب" بسبب كتاباتي، أشعر اليوم بأنني أصبحت كاتباً حقاً". من وحي سماع كلماته بدأت بمشروع "من كل أسير كتاب"؛ ومن خلاله أعلن عبر صفحتي عن كتاب لأسير وأؤمّن نسخة لمن يتواصل معي، وهكذا وصلت عشرات الإصدارات إلى قرّاء ومهتمّين خارج الحدود، وبدأ الاهتمام أكثر بتلك الإصدارات، استضافت كتاباتهم مجموعة "أكثر من قراءة" في عمّان، ومنها إلى رابطة الكتّاب الأردنيين ومبادرة "أسرى يكتبون"، ومن خلالها تُعقد ندوة نصف شهرية ويشارك الأسير في مداخلة يقرؤها قريب له.

حين التقيت وليد دقة تبيّن لي أن هناك فجوة عميقة بين الأسرى والكتّاب "الجدد"، ما بعد الأسر، ومن وحي اللقاء تولدت مبادرة "لكل أسير كتاب"، وبدأت بإيصال الإصدارات إلى الأسرى في سجون الاحتلال، وهناك خلف القضبان تُقام حلقات قراءة، يناقشونها ويكتبون عنها. حدثني وليد عن ألمه وحسرته على احتجاز السلطات نحو ثلاثمائة من جثامين الشهداء الفلسطينيين، ومنها جثمان الشهيد فارس بارود الذي استشهد خلال فترة سجنه، وما زال جثمانه محتجَزاً، وتساءل فارس محدقاً في وجه سجّانه باستهجان: "هل ستحتفظ سلطة السجون بجثتي حتى تنتهي فترة محكوميتي لتحريرها؟"، ومن وحي اللقاء بدأنا بالتحضير لحملة دولية لتحرير الجثامين.

حدثني ناصر أبو سرور عن الثقب الأسود والكتابات المثقوبة، وعن القراءة داخل السجن حتى تخمّر بما فيه الكفاية، ووجد أن لديه الرغبة في الكتابة ويمتلك القدرة عليها، حلم بشرفة وحديقة وفنجان قهوة وأوراق ليكتب، فأقنع نفسه بأن شبّاك السجن شرفته، فبدأ يكتب... ولم يتوقف. تخمّر وتعرّى وكتب، ولا يخجل من عُريه... وها هي رواية "الجدار" في طريقها لترى النور.

الأسير المقدسي شادي الشرفا حدثني عن معاناة الأسرى الصحية، فهو بحاجة ماسة إلى زراعة قرنية، وهناك أسرى يعانون جرّاء أمراض مزمنة من دون علاج، وبعضهم يستشهد في الأسر نتيجة الإهمال الطبي، ومن وحي اللقاء بدأت فكرة تدويل مسألة الإهمال الطبي داخل السجون.

أما عاصم الكعبي فقد أطلّ عليّ مكبّلاً بالسلاسل في رجليه، مبتسماً، وكان ملتحياً، فسألته عن سرّ إطلاق لحيته، فأجابني بأنها تحضير لتحرُّره من الأسر بعد 14 شهراً، وراح يحدثني عن ساعة عناقه شمس الحرية القريب، وأمنيته بأن ينجح في إخراج دشداشة أهدتها له والدته  كلثوم ذوقان الكعبي (رحمها الله)، وكانت نجحت سنة 2007 في إدخالها إلى السجن بعد محاولات استمرت أربعة أعوام؛ وأراني خاتم الخطوبة الذي أهدته له عروسه (اخترق القضبان بعد عناد استمر ثمانية أشهر) وكُتِب عليه: "عاصم وصموده حطّم سلاسل قيده"، وحدثني عن الخاتم الذي أهداه لعروسه وكُتِب عليه: "لصمود الحب  كُسِر قيد عاصم".

وفي سجن "الجلبوع" التقيت الأسير المقدسي سامر متعب الذي حدثني عن الفن كمتنفَّس له، فسامر فنان ورسام مرهف الإحساس وريشته مميزة، نال بجدارة لقب فنان الأسرى"، فاعتقال جسده لم يحرم روحه الحرية والتحليق عبر القضبان واختراقها؛ لوحاته تزين جدران منازل الكثيرين من رفاق دربه.

في لقاءاتي مع الأسرى حدثوني عن أهمية التواصل الثقافي مع القرّاء والكتّاب عبر القضبان؛ عبر شقّي الزنزانة ورُغم أنف السجّان. فقال لي منذر مفلح، المعتقل في سجن ريمون الصحراوي، إن كل كلمة تُكتب لها أن تكون رصاصة إذا كانت ذخيرتها صالحة؛ وحدثني عن إعادة تعريف السجن والعلاقة بالسجّان والزنزانة، وتعزيز الأحاسيس والمشاعر بعيداً عن البطولات والأسطرة، إذ لا بطولات في السجن.

سألني الأسرى وأصدقاء مهتمون من العالم العربي: "وماذا عن الأسيرات؟"؛ قبلت التحدي وبدأت مشواري التواصلي معهن في شهر أيار/مايو، وكان من الطبيعي أن يكون اللقاء الأول مع الأسيرة خالدة جرار في سجن الدامون، التي أطلت عليّ مبتسمة، فصارت الابتسامة علامة فارقة منذ بدء انتفاضة الابتسامة، فحدثتني عن تجوّلها في كرمل حيفا وبحرها خلال "زياراتها" بواسطة "البوسطة" البغيضة، يرافقها حرس ملكي، فشعرت كأنها برنسيسة، وذلك لإجراء فحوصات طبية في مستشفى حيفاوي، وحين دخلت إلى الغرفة صاحت بالطبيب: "زيح، بدي أشوف البحر!"،  وكم كانت سعيدة لأن الطبيب الذي فحصها عربي من جناح الوطن الآخر الذي تحلم به ليلاً ونهاراً، فشاهدت البحر عبر النافذة... والبواخر للمرة الأولى!

تحدثنا عن الحياة والكتابة خلف القضبان والتجربة الاعتقالية، وكذلك عن الدور التعليمي والتثقيفي؛ لكل أسيرة وأسير حكاية، التحليق في سماء الوطن السليب، قعدة "البلكون" الذي بنته وزميلاتها في ساحة السجن، والمكدوسة التي حضّرنها، والهبّة الشعبية الشبابية في كل أرجاء الوطن منحِّيةً القيادات التقليدية، وهو ما يبعث الأمل بغد أفضل.

لقاءاتي مع الأسيرات كانت تجربة مغايرة؛ للزمالة في الأسر حقها (في الدامون 37 أسيرة)، وقد نجح الاحتلال في تقريب المسافات والقلوب، وللمّة في السجن مذاقها، إذ أصبح السجن مدرسة رغم أنف السجّان الذي فشل في كسر شوكة الأسيرات، بل زادهن إيماناً بعدالة قضيتنا وصدقها.

التقيت صبايا في مقتبل العمر، أصغر من بناتي، سُلبن شبابهن، لكن على الرغم من تفاوت الجيل والثقافة والبعد الجغرافي مع أخريات إلا إنهن أصبحن عائلة واحدة، فهواء الكرمل الذي يستنشقنه يُخزنّه ليزيدهن عنفواناً. المعتقلة خواني رشماوي تعمل في لجان العمل الصحي وفي السجن تحقق حلمها، إذ أصبحت معلمة للغة الإسبانية للأسيرات، ويؤلمها أن لها زميلات في المعتقل أصغر بكثير من أولادها. كما التقيت أسيرات تعلّمن الثانوية العامة داخل جدران السجن، فاعتُقلن وهن طفلات، وها هن يدرسن في الجامعة، ويحلمن بالتجوال في شوارع حيفا، ويطلبن من الأهل تصوير الكرمل وجماله في كل زيارة وتزويدهن بالصور ليشاهدن الكرمل الذي يتنفّسنه، وتقول إحداهن بسخرية سوداوية: "محبوسين في أحلى محل بالدنيا ومحرومين من المنظر". سمعت أيضاً عن أهمية الروزنامة السنوية، ففي الأسر، وبغياب النقّال والحاسوب، تصير لها أهمية عظمى، يدوّن الأسير يومياته وما يجري حوله عليها، لكن الأسرى حُرموا منها هذه السنة بسبب التقليصات والتواطؤ من الصليب الأحمر، وهو ما جعل الأسيرة تخطّ السنة على دفتر، كل ترويسة صفحة تحمل اليوم والتاريخ... وتنتهي بيوم التحرُّر المرتقب.

تناولت خالدة جرار الهبّة الشعبية في الكل الفلسطيني ودورها وأهمية احتضانها، وعدم احتوائها من الطبقة الكومبرادورية وأعوانها، كما تحدثت عن أنسنة الأسير، فالأسير ليس مجرد اسم ورقم، كما تناولت وقْع الأسر على الأم والعائلة، وضرورة الموازنة بين الميكرو والماكرو في حياة الأسير، فعالم الأسر يضيّق الحلقة أكثر فأكثر.

التقيت أسيرة تشتاق إلى احتضان ولديها، محمد (7 أعوام) وعبد الرحمن (4 أعوام ونصف)، ووالدهما/زوجها الذي يقبع في زنازين ريمون الصحراوي. سمعت من أغلبيتهن عن رحلتهن الأسبوعية إلى جبال الكرمل، ففي الغرفة رقم 11 طاقة (شبّاك صغير) تطل على الكرمل، تضع الأسيرة وزميلاتها الخزائن فوق بعضها، ويتسلقن لمشاهدة جبال الكرمل وخضرِته عبر تلك الطاقة، والبعض يرفضن رؤيته (عشان ما يتحسّروا). حدثتني إحداهن عن التواصل مع العالم الخارجي عبر الإذاعة، فتوقيت أسيرات الدامون يترتب بحسب برامج الراديو التي تُعنى بشؤون الأسرى، وعن دور الروزنامة التي يكون في آخر صفحة فيها تاريخ يوم التحرُّر، وفي آخر الليل تخبئ ورقة اليوم سراً، ففيها دوّنت كل ما جال في خاطرها من خربشات وتأملات.

التقيت في الآونة الأخيرة الكثير من الأسرى، وفي كل لقاء سمعت حسرة أحدهم يحدثني بحرقة عن عزيز له مات ولم تُتح له فرصة الوداع الأخير، فمنهم مَن فقد أبناءه وبناته، ومنهم مَن فقد أخاً أو أختاً، ومنهم مَن فقد جدّاً أو جدة، ومنهم مَن فقد والده من دون أن يلقي عليه النظرة الأخيرة قبل مواراته التراب، وساعتئذ تكون حسرته أكبر ولا تعزّيها مواساة زملاء الأسر.

بعد وفاة سهى جرار رفضت سلطة السجون السماح لخالدة بالمشاركة في الجنازة، كغيرها من الأسرى، فالتقيتها بعد الجنازة مباشرة، ونقلت إليها رسالة زوجها غسان الذي هاتفني من باب المقبرة، واصفاً لها حفل وداع سهى في البيت، وجنازتها في المقبرة وتكريمها بجنازة "ما صارت لقائد أو شهيد"، وكلمات التأبين، ووصفت لها الإكليل الذي جهّزه أبناء أخيه سهيل ليليق بسهى وكُتب عليه ما أملتهُ: "حرموني وداعك بقُبلة أودّعك بوردة. أمّك المحبّة خالدة".

رفضت خالدة مجرد التفكير في أن تشارك في الجنازة بصحبة رجال الشاباك أو حراس سلطة السجون، كي لا يدنسوا المقبرة، ولأن سهى لن تقبل هذا ولن تسامحها إن قبِلت، أوصتني قائلة: "اعطوا سهى ما تستحق، تحدثوا عنها وعن سماتها وعن روعاتها". ما أصعبك يا موت! ويزيد صعوبة ساعة الحرمان من وداع مَن تحب.

سمعت من الأسيرات عن الألفة بين الأسيرات من جميع الأطياف، فسجن الدامون يشكل فسيفساء الكل الفلسطيني، ولمست وقفتهن معاً لعبور المحنة في إثر وفاة سهى، بعيداً عن الفصائلية المقيتة، لتتساءل إحداهن: أين الوحدة بيننا، ولماذا نحتاج إلى الألم كي يوحّدنا؟ وحدثتني صبية عن اكتشافها داخل الأسوار العالم الحقيقي خارجها وأهميته، وفي المستشفى لامست كرسي من العالم الحقيقي (الكنبة)، وفي طريقها من الزنزانة إلى غرفة الزيارات تشاهد "السما الحقيقية"، ومن طاقة غرفة الأحكام العالية ترى السماء من دون شبك. (ذكرت كلمة "العالم الحقيقي" أكثر من عشر مرات وجعلتني أستوعب أكثر فأكثر الزمن الموازي للأسير وليد دقة).

التقيت أيضاً ختام التي قالت بعفوية "إحنا بشر بنتوجع"، وحدثتني عن وجع البعد والفراق، ووجع الأمهات البعيدات عن أطفالهن، ووجع البعد عن طالباتها وزميلاتها، ووجع الحرمان من المشاركات في المناسبات من أفراح وأتراح، ووجع حرمانها من رؤية واحتضان وعناق حفيدتها سارة... وأختها جنى، كان من المفروض أن تتحرر من الاعتقال الإداري يوم 1/3/2021 لتكون إلى جانب ابنتها دينا ساعة الولادة، لكنها اعتُقلت في بوابة السجن يوم تحرُّرها لتُحرم تلك المتعة!

التقيت جامعيات تم اختطافهن من مقاعد الدراسة وأروقة الجامعة إلى زنازين الاحتلال لتصير أمنية إحداهن أن ترى شبابيك طبيعية من دون شبك وحديد وحماية، لتصير سبيّة الفورة، وزملاؤها تخرّجوا من الجامعة لتُحرم صورة الفوج، تسمع بتخرّجهم عبر الإذاعة وتتضايق لأنها ليست بينهم وصورتها ناقصة. كما التقيت الأسيرة أنهار، وهي حامل في شهرها الثامن، متوترة جداً من فكرة الولادة في الأسر وخائفة من أن يأخذوا منها المولود "علاء" وتظل سجينة وهو بعيد عنها، وتقول بحرقة: "بدي أخلّف برا ويرجعوني بعدها قدّيش بدهم". أيضاً التقيت شذى التي تُعتقل لأول مرة، كون العمل الأهلي مستهدَفاً، كانت مديرة، والآمرة الناهية، وصارت بين ليلة وضحاها معتقلة تتلقى الأوامر من السجّانة، لكن رِفقة الأسيرات تخفف من ألم البعد عن الأهل وزملاء العمل والأصدقاء.. تحاول التأقلم، لكنها حُرمت النظارات الطبية، وهو ما يمنعها من القراءة وأمور أساسية، حدثتني بلهفة عن زمالة الأسر، زمالة غير شكل. 

التقيت روان (مواليد 1994)، اعتُقلت يوم 15/7/2015 أمام البرج العسكري المقام على مدخل قرية بيتلو، قرب مستوطنة بنيامين، واعتدى عليها الجنود بالضرب المبرح، وما زالت تعاني جرّاء أمراض في المعدة والأنف وكسور في الرقبة والظهر، ووضعها الصحي يتدهور نتيجة الإهمال الطبي. "مبسوطة" لأنها في رحلة إلى حيفا، في طريقها إلى فحوصات طبية والتحضير لعملية جراحية، وربما تكون محظوظة وتشاهد البحر عن قرب. والتقيت إسراء التي أخبرتني عن وضعها الصحي ومعاناتها، والإهمال الطبي، وحرمانها من تلقّي العلاج لسنوات طويلة، من دون أصابع ووجه مشوّه يتوق إلى علاج، ووجع وتشنجات متواصلة، قررت الدخول في إضراب عن الطعام يوم 30/9 حتى تحصل على العلاج الضروري.

[إنها] تجربة قاسية وصعبة!

خلقت الكتابة متنفّساً لأسرانا، فلديهم الكثير ممّا يقولونه عبر أقلامهم الحرة، وإنسانيتهم العالية، فاختراق  كلمتهم للزنازين وأسوار السجون حرية لهم؛ وهناك صعوبات جمة في إيصال تلك الكلمة لتحلق في سماء الحرية.

لا توجد ولادة أسمى من الاحتفاء بمولود، ولا سيما إذا كان الوالد أسيراً؟ حين يصدر كتاب لأسير تكون فرحته عارمة، ويقام له عرس ثقافي داخل الأسوار، وكذلك هي الحال مع عائلته التي تشعر، ولو للحظة، بأنه بينهم، فكلمته الحرة هزمت سجّانه، وانتصرت على الأسلاك والقضبان والجدران والأسوار، وها هي تحتضنه بفخر واعتزاز.

من خلال تواصلي مع أسرى يكتبون لمست خيبتهم وحسرتهم إزاء التسويفات التي لا أولَ لها ولا آخر، فكل مَن تصله رسالة أسير ورغبته في نشر إصدار له يُسمِع كلمات الترحاب تحت شعارِ: "أقل الواجب"، إلا أنه سرعان ما يتبين أن الوعود الرنانة شيء والمتابعة والتنفيذ شيء آخر، ومقولة "أقلُّ الواجب" شعار وقول فارغ يطلقونه في سماء الحرية الغائبة المفقودة، بلا قيمة، تأكلها الأيام والشهور ببطء حتى تضيع ولا يبقى منها ما يؤكل، وكم من مؤسسة أخذتْ على عاتقها تبنّي الإصدارِ، لكنها كلها كانت وعوداً ذهبت في مهب الريح.

تبين لي أن الكتابة خلف القضبان متنفّس للأسير، يرسم الوطن قوس قزح يتكور في أعالي السماء ليعانق شمس الحرية؛ قصة أسرانا لم تُحكَ بعد؛ بقيت مهمّشَة، منسيّة ومغيّبة.. لكلٍّ منهم حكاية وقصة، وهناك ضرورة ملحة لتوثيقها، كل أسير وحكايته، وروايتها جمعاء تشكل فسيفساء لأسطورة نضالية يشهد لها التاريخ، تلك اللوحة لم تكتمل بعد؛ لأن معظمهم لم يحكِها و/أو لم يكتبها، ولكلٍّ ظروفه وأسبابه، وفي نشر تلك الحكايات بعض حرية.

نعم؛ الحرية خير علاج للسجين.

عن المؤلف: 

حسن عبادي: محامي من حيفا.

Read more