كاميرتي ولحظات العجز في 4 آب
التاريخ: 
03/08/2021
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
في ذكرى انفجار مرفأ بيروت

كان يوماً هادئاً، عدت إلى المنزل بعد يوم عمل طويل، وقمت بإعداد طبق من المعكرونة واللبن البارد في ظل الطقس الصيفي، إذ كانت زوجتي وطفلتي تقضيان بعض الوقت مع عائلتها في طرابلس. هممت لأضع المعلقة في فمي وأتناول غدائي لأشعر في لحظتها ببدء اهتزاز المنزل بشكل تصاعدي فوقفت وذهبت مسرعاً نحو الطاولة بعدما كانت الرجة قوية معتقداً أنها هزة أرضية عنيفة. انضغط المنزل كأنه يتماوج ويتمايل ولم أفهم ما الذي جرى، فاستلقيت على الأرض علني أحمي نفسي. حينها شعرت ببضع ثوانٍ من الصمت التام.. وفجأة سمعت صوت انفجار كبير وارتفعت عن الأرض وتطايرت بعض الأغراض في المطبخ.

خرجت مباشرة إلى الشرفة محاولاً معرفة ما حدث وإن كان الانفجار قريباً .. كان الصراخ يملأ المبنى والمباني المجاورة ويعلو من شدة الخوف. نظرت إلى الموقف فانتبهت أن نافذة سقطت على سيارتي من إحدى الشقق.

أخذت كاميرتي من دون تفكير، ونزلت إلى الموقف واستقليت دراجتي  كونها الوسيلة الأسرع في شوارع بيروت الضيقة. كان الزجاج يملأ المكان، فالمباني المجاورة مهشمة الزجاج. حاولت جاهداً أن أعرف ما الذي جرى لكني لم أتلقَ إجابة سوى أنها عملية اغتيال. نظرت إلى السماء لعلي أعرف مكان الانفجار، رأيت دخاناً كثيفاً وردي اللون أثار الرعب في قلبي على الرغم من جمال لونه. أخذت طريق رأس النبع متجهاً نحو وسط بيروت كونه المكان الأكثر احتمالية لحدوث عمليات اغتيال أو ما شابه.

كلما اقتربت أكثر نحو تقاطع بشارة خوري كان الدمار والزجاج المتناثر في الأرض يزداد، وأسمع في أثناء ذلك أحدهم يقول: في الأشرفية، وآخر يقول: في مار مخايل، إلى أن وصلت قرب فلافل صهيون حيث بالكاد استطعت قيادة الدراجة من كثرة الزجاج والدمار. رأيت أحد رجال الشرطة فسألته عن الموقع معرّفاً عن نفسي أنني صحافي، فقال لي: اذهب إلى المرفأ.

أكملت طريقي نحو المرفأ ووصلت إلى مبنى جريدة النهار الذي كانت واجهته مهشمة بالكامل، فلم أستطع استيعاب حجم الدمار! أي انفجار هذا الذي يؤدي إلى كل هذا الدمار ويصل تأثيره إلى منزلي البعيد نسبياً عن موقع الانفجار. أدركت حينها أن الانفجار ليس طبيعياً وليس عملية اغتيال وإلاّ لماذا يتطلب حجم التدمير هذا؟!

استدرت وانطلقت نحو الصيفي، وهناك كانت الصدمة الحقيقية! لوهلة ظننت أنني أشاهد فيلماً هوليودياً: دمار، دماء، سيارات مهشمة، مبانٍ مدمرة.. رفعت كاميرتي وإذ من بين الغبار بدأت أشاهد الجرحى والمصابين يخرجون ببطء! بعضهم يحمل الجرحى على الدراجات النارية، وبعضهم استلقى على الأرض بعدما فقد القدرة على النظر! لم أستطع أن ألتقط صورة واحدة!! كنت في حالة من الذهول والصدمة والعجز. ماذا أفعل، هل أوثق صور الضحايا والجرحى أم أساعدهم؟! بعدها قررت أن أذهب نحو مكان الانفجار علّني أعلم ما جرى وأقوم باتصالاتي لتوضيح ما يجري للرأي العام.

وصلت إلى المرفأ وعند المدخل كان بعض عناصر الجيش والمخابرات يمنعون المدنيين من الدخول خوفاً على سلامتهم بعد تواتر أنباء عن وجود مواد خطيرة جداً وكيميائية والتخوف من احتمال وقوع انفجار ثانٍ. شاهدوا الكاميرا وبطاقتي الصحافية وكنت قلقاً من طلب هويتي كوني فلسطيني، وهو ما قد يكون عائقاً لدخولي إلاّ إنهم تجاهلوا الأمر وسمحوا لي بالدخول لكن من دون الدراجة نظراً إلى صعوبة السير في ظل تناثر شظايا المباني والحديد على الأرض.

ركضت مسرعاً داخل المرفأ وبدأت بالتقاط ما أستطيع، لم يكن هناك سوى سيارة إسعاف واحدة وأربع سيارات للدفاع المدني وفوج الإطفاء. لم أستطع استيعاب حجم الدمار في المرفأ؛ الإهراءات مدمرة، والعنابر متطايرة وكل شيء محترق. بدأت بالتقاط الصور لعناصر الدفاع المدني وفوج الإطفاء في أثناء عملهم، فاقتربت من أحدهم وسألته، هل هذا العدد كافٍ؟ نظر إليّ نظرة المحترق والمختنق ليس من الحرائق وإنما من العجز، وأجاب "يا ريت بيجيو من كل المناطق ليساعدونا".

وبعد لحظات خرج أحد المصابين وكان يصرخ "صديقي فلان وينه؟ شو اللي صار، نحن طرنا وما في حدن من الشباب يلي معي!" أخرجت هاتفي وقمت بتسجيل فيديو عما أشاهده وما الذي رأته عيناي، لتبدأ بعدها الاتصالات من وسائل الإعلام العربية والأجنبية للوقوف على ما جرى. بديت متوتراً ومنفعلاً في مقابلاتي لهول الجريمة.

قررت أن أنسحب بعدها إلى المنزل من شدة التعب ولم أدرك أن قدمي قد جرحت في أثناء ركضي داخل المرفأ بسبب وجود شظايا كثيرة في المكان. قررت أن أعود من طريق آخر كي أرى حجم الدمار، إلاّ إن الظلام منعني من مشاهدة التفصيلات كافة. لكن ما شاهدته كان صعباً ومرعباً.

وصلت إلى المنزل منهكاً وغير قادر على الحركة. استلقيت على الكنبة معيداً شريط اليوم، بدا كأنه عام كامل من الأحداث، حبست دموعي على المدينة التي أحببت، شعرت كأن بيروت تحتضر.

تعود إلينا ذكرى الرابع من آب/أغسطس مع واقع أليم في لبنان اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.. تعود إلينا الذكرى مع لحظات حزن المخيمات ومشاركة الدفاع المدني الفلسطيني في عمليات الإنقاذ، تعود إلينا وكلنا أمل بأن تكون خاتمة أحزان بيروت.

عن المؤلف: 

أحمد ليلى: مصور صحافي.

المدونات التابعة لملف "في ذكرى انفجار مرفأ بيروت"
لوحة للفنان سيروان باران
خالد فرّاج
رويترز، عصام عبد الله
رنا كشلي
تصوير مروان طوطح
المعتصم خلف
زاهر أبو حمدة
لوحة للفنان سيروان باران
أيهم السهلي
طه يونس
أحمد الصباهي
رويدا الصفدي

Read more