مشاهدات لعاصمة كادت أن تموت
التاريخ: 
03/08/2021
سلسلة خاصة: 
في ذكرى انفجار مرفأ بيروت

ضرب طنين قوي الأذنين. اهتز المبنى. أمطر السقف جزءاً من الدهان والغبار. وقعت لوحة معلّقة على طاولة المكتب. زملاء انتفضوا واندفعوا خارجاً. صراخ في الممر يمتزج مع سؤال على الألسنة: ماذا حدث؟

بعد لحظات، والجميع خارج العمارة يدوس زجاج محطم. الكل يتوقع، يتنبأ، يفسر، وخائف. ما بدر إلى الذهن أن غارة إسرائيلية اغتالت السيد حسن نصر الله، ربطاً بأن طائرات الاستطلاع لم تغادر سماء بيروت في الأيام السابقة. ولأن الصحافي من عاداته دمج أحداث ببعضها: هكذا اغتالوا قاسم سليماني، بعدما غطت طائرات مسيرة ومروحية سماء بغداد في إبان الاغتيال الشهير.

صوت يعلو: انظروا إلى تلك الغيمة البرتقالية. تشخص الأنظار بعيداً عن الضاحية. يتداول الزملاء خبر استهداف سعد الحريري، ونفي سريع مع توتر متزايد.

حيث نتواجد في منطقة بئر حسن، تدلت الرؤوس من النوافذ والشرفات، وتجمهر الناس في الشوارع. حينها ركبت السيارة إلى جانب الصديق الصحافي عمر كايد، وانطلقنا نتبع الغيمة البرتقالية المتصاعدة وكأنها دليلنا ومرشدنا نحو الحدث. فالصحافي من عاداته السيئة ألاّ ينتظر ليعرف، إنما يغامر في أحيان كثيرة. تتوالى الأخبار عبر الهاتف وصوت المذياع في السيارة، ومشاهد الدمار تتوسع من كورنيش المزرعة المغلق عند نفق سليم سلام، لنغير الوجهة نحو الطريق البحرية. وصلنا إلى عين المريسة حيث فنادق زجاجية أصبحت من دون جدران. حينها تأكد الحدث عبر العين والمذياع: الانفجار في المرفأ.

أوقفنا السيارة لأن الدمار أغلق الطريق. مشينا نتبع أصوات الإسعافات. أوراق تتطاير في الهواء، فمسكت إحداها لنجد أنها تخص شركة استثمار وعقد تخليص جمركي. ومن عصف الانفجار وقعت كنبة كبيرة وكانت تعيق سيارة إسعاف جاءت من طريق فرعي، فساعدنا على إزاحتها.  راقبنا كشهود عيان بلوى كبرى حطت في العاصمة وأكثر مناطقها بورجوازية سياسياً ومالياً. وربما لأن الكارثة تجمع الناس لم يفكر أحد بتسلق سلالم المباني المشرعة للسرقة، مع أن الفقراء كانوا يمنون أنفسهم برؤية هذه العمارات الشاهقة عارية ليدركوا الفروق المجتمعية. لكن في المصيبة تتساوى الطبقات المجتمعية والنفسية. هذا ما ناقشناه معاً، في أثناء التنقل بين الحطام قبل الوصول إلى مدخل المرفأ.

وجوه دامية لأفراد من الجيش، والسؤال البديهي: ماذا جرى؟ فيجيب أحدهم أن غارة إسرائيلية استهدفت المرفأ. ندخل مع مسعفين، وعناصر من الأمن العام يصرخون على الحاضرين لمنعهم من التقدم. نبلغهم أننا صحافيون، ومع ذلك نُمنع من الدخول، إلاّ إن صوت ضابط ينادي عليهم ليفتشوا عن زملاء لهم مفقودين تحت الركام الهائل. عرفنا بعد ذلك أن معظم الأسماء التي ذكرها استشهد أصحابها. في الداخل، نيران لا تزال مشتعلة تأكل ما يصادفها، وسيارات الإطفاء لا تقوى على إخمادها، وبعض عناصر فوج "إطفاء بيروت" يبحث عن عشرة زملاء لهم سبقوهم قبل وقوع الانفجار بسبب حريق صغير شب في أحد العنابر، كما قال لنا أحد الإطفائيين، وأيضاً عرفنا لاحقاً أنهم استشهدوا جميعاً.

يحضر الجيش اللبناني وفرع مخابراته، فيطلق النيران في الهواء ويغلق الطريق أمام المارة ويفتحها لسيارات الإسعاف والإطفاء ويأمر الجميع بمغادرة المكان. نلتزم بذلك من دون الدخول إلى عمق الحدث. نترجل نحو وسط بيروت ونكمل نحو موقف السيارات الخاص بالمسافرين نحو سورية. يغطي الدمار ملامح المدينة، ونحاول سؤال بعض الجرحى عما حدث، لنتفاجأ بأحدهم يقول إن منطقة الأشرفية تدمرت كلياً. نتوجه إلى هناك سيراً لكن الطرق مغلقة. فنعود إلى عين المريسة، حيث ركنا السيارة وأسئلة كثيرة من دون إجابات. نلتقي في طريقنا بشباب فلسطينيين من مخيمي برج البراجنة وشاتيلا، من متطوعي الدفاع المدني الفلسطيني والهلال الأحمر الفلسطيني هرعوا إلى المكان للمساعدة، فنشكرهم ونطلب منهم الانتباه. وبعدها بساعة نظمنا حملة عبر تجمع الإعلاميين الفلسطينيين في لبنان للتبرع بالدم وحثّ مَن يستطيع على التوجه نحو المستشفيات. وفعلاً، شارك أبناء المخيمات بالحملة وفُتحت مستشفيات ومستوصفات المخيمات، ولبى النداء متطوعون من الجنوب والشمال.

يُحكى أن أموراً كثيرة، إن حدثت لا يمكن إرجاعها. فالكلام إذا نُطق لا يمكن استعادته وكذلك العُمر حين يمضي، والميت إن رحل لا يعود. لكن الأحداث، إذا كانت مؤثرة، تستعيدها الذاكرة بكثير من الذهول. وانفجار المرفأ لا يمكن نسيانه، لكن مَن يعيد الضحايا وبعضاً من عاصمة كادت أن تموت.

عن المؤلف: 

زاهر أبو حمدة: صحافي.

المدونات التابعة لملف "في ذكرى انفجار مرفأ بيروت"
لوحة للفنان سيروان باران
خالد فرّاج
رويترز، عصام عبد الله
رنا كشلي
تصوير مروان طوطح
المعتصم خلف
النهار،5-8-2020
أحمد ليلى
لوحة للفنان سيروان باران
أيهم السهلي
طه يونس
أحمد الصباهي
رويدا الصفدي

Read more