المشهد الثقافي في لبنان: دعوة للتكامل من أجل الاستمرار
التاريخ: 
27/07/2021
المؤلف: 

قبل احتجاجات 17 تشرين الأول / أكتوبر 2019 وتفشّي فيروس كورونا المستجد، كان لبنان يواجه اضطرابات سياسية وأزمة اقتصادية خانقة. وقد أدت الاحتجاجات إلى استقالة الحكومة وانهيار الاقتصاد اللبناني بالكامل. كما أدى ضعف تعامُل لبنان مع الوباء إلى تفاقم الوضع، وتكلل المشهد بانفجار 4 آب / أغسطس الذي زاد في الصدمة واليأس اللذين عمّا البلاد بعد أن قُتل أكثر من 200 شخص وتشرد الآلاف، وأُغلق العديد من الشركات والمؤسسات بصورة دائمة. حتى الآن لم يتعاف قطاع الفنون والثقافة في لبنان من هذه السلسلة من الأحداث المؤسفة التي أثّرت في المؤسسات المحلية وأنشطتها. ولا يزال الكثير من الشركات والبرامج معلقاً، بينما نعيد التفكير في هذه الأثناء في استراتيجياتنا للبقاء منفتحين ومنتجين في المشهد الثقافي.

لا تزال المعارض والبرامج الجماهيرية صعبة التخطيط بسبب التضخم الاقتصادي والوضع السياسي غير المستقر في لبنان. إذ كان على مؤسسات مثل دار النمر للفن والثقافة إعادة التفكير في استراتيجيات جديدة للمحافظة على استمرارية المؤسسة ضمن ميزانيات معقولة. فمُددت المعارض لفترات أطول وكذلك البرنامج الجماهيري العام الذي يرافقها. وأدت معدلات التضخم المرتفعة إلى زيادة تكاليف الإنتاج، وهو ما أجبر المؤسسات على إعادة التفكير في أنجع الطرق لتقديم المعارض مع الحفاظ على معايير الجودة ذاتها في الإنتاج. كما كان لا بد من إعادة التفكير في شكل المعارض والمواد المطبوعة والبرامج العامة المرافقة والتسويق، بما يسمح بخفض تكاليف الإنتاج من دون المساس بالجودة.

لطالما كان دعم الفنون والثقافة في لبنان ثانوياً في ظل غياب سياسات ثقافية جادة تجاه المؤسسات من وزارتيْ الثقافة والسياحة. فالوزارتان لا تقدمان الدعم الكامل للمؤسسات المحلية، الأمر الذي يدفع هذه الأخيرة إلى التوجه للحصول على تمويل دولي بديل؛ وبسقوط الحكومة وعدم استقرار العملة نفذت ميزانيات الدولة.

اضطرت المؤسسات الفنية جميعها إلى إغلاق أبوابها فترة طويلة خلال فترة الاحتجاجات والوباء. ولسوء الحظ لم يتم وضع وتنفيذ خطط للحفاظ على موظفي القطاع الفني طوال فترة الإغلاق. وخلال الأيام الأولى للاحتجاجات اجتمعت المؤسسات الفنية والثقافية في لبنان لتشكيل نقابة رسمية تتألف من العاملين في الفن والمهنيين في هذا المجال، وبصورة خاصة كون المشهد الثقافي في لبنان فاعلاً وله حضور قوي. وهدفت الاجتماعات إلى التوصل إلى خطة طوارئ لمساندة المؤسسات الفنية في لبنان وضمان تمثيل عادل، لكن لسوء الحظ، وبعد مرور عامين على تلك الاجتماعات، لم يتم إنشاء نقابة وتُركت المؤسسات لتتدبر أمورها بنفسها، ولتتوصل إلى استراتيجيات ذاتية جديدة لتحقيق الاستدامة.

على مر السنين، كان التعاون ركيزة مهمة للمؤسسات المحلية والدولية، لكن لسوء الحظ، وبعد انهيار العملة اللبنانية وانفجار مرفأ بيروت، أُلغي الكثير من الخطط والشراكات بسبب نقص التمويل وإغلاق المؤسسات الشريكة أبوابها بصورة دائمة. واليوم، نؤمن بأن الشراكات أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى. وأصبحت الشراكة في البرامج وتقسيم التكاليف والترويج للمؤسسات أمراً ضرورياً. ويبقى اليوم أحد أكبر التحديات أن نعمل ضمن إطار رؤيتنا خلال فترة من عدم اليقين الشديد، وأن ينصبَّ تركيزنا الرئيسي على البقاء ومواصلة توفير منصة للتبادل الثقافي، مع توفير مساحة حرة للناس في أصعب الأوقات.

قد يعتبر كثيرون أن الفن والثقافة ضرب من الرفاهية، عندما يصبح هم الناس اليومي هو البقاء في ظل ظروف صعبة. فالشعب اللبناني مرهَق ومحبَط، ومساحة الانخراط في المشهد الفني والثقافي ضيقة. ومع ذلك نحاول إيجاد طرق لإعادة الناس إلى المشاركة في الأنشطة التي يمكن أن توفر متنفساً جماعياً لمعاناتهم.

سلسلة الانهيار المالي، والصراع السياسي، والوباء العالمي، وواحد من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ، كلها أمور أدت إلى تعليق الأنشطة في جميع المؤسسات وفرض تغيير في أسلوب عملنا خلال هذه الأيام المظلمة. وعلى الرغم من كل التحديات، فإن دار النمر شهدت عدداً كبيراً وغير متوقع من الزوار بمجرد أن أعادت المؤسسة فتح أبوابها في كانون الثاني/ يناير 2021؛ فأعيدَ تنفيذ برنامج الأفلام في ربيع 2021 على سطح المبنى، مع أخذنا بالحسبان الاحتياطات المتعلقة بجائحة كورونا، وقد حظي هذا النشاط بإقبال كبير.

للمضي قدماً، من المهم أن تعيد المؤسسات الالتئام والبقاء نشطة في المشهد الفني والثقافي اللبناني، لأن هذا هو الوقت المناسب لنقف مع المجتمع المحلي وندعمه. ومن المهم استثمار هذا الوقت في إعادة التفكير في كيفية العمل استراتيجياً في ضوء هذه التحديات. فيمكننا معاً تنفيذ إصلاحات جديدة وزيادة الموارد المتاحة إلى أقصى ما يمكن من أجل الخروج بمبادرات وإنتاجات تأخذ الوضع في الحسبان، من دون التخلي عن المهام والرؤى الأساسية لكل مؤسسة. ولا يزال لدينا أمل بالتعاون وإعادة التخيّل يمكن أن يوفرا المساعدة اللازمة للناس الذين يعانون انتكاسات يومية في لبنان.

عن المؤلف: 

لما قبرصلي: حاصلة على شهادة بكالوريوس في تاريخ الفن وعلم الآثار من جامعة الدراسات الشرقية والإفريقية، وعلى ماجستير في التجارة الفنية من مؤسسة ساوثبي في لندن. وهي من مؤسسي دار النمر التي افتتحت في سنة 2015 في بيروت، وتعمل فيها كمديرة مشاركة. 

Read more