مقدمة
ملف خاص: 
النص الكامل: 

في الشيخ جرّاح، أي في القدس والمسجد الأقصى، اشتعلت شرارة التحول في فلسطين، من خلال هبّة دفاعية ما لبثت أن أشعلت السهل بأكمله. لقد تحولت قضية الدفاع عن بيوت الشيخ جرّاح وحرمة المسجد الأقصى إلى انتفاضة شاملة وحّدت الشعب الفلسطيني في لحظة تاريخية نادرة: من القدس إلى داخل الداخل، وإلى مدن وقرى الضفة الغربية، وصولاً إلى صواريخ غزة.

لقد انتفضت فلسطين كلها دفاعاً عن البقاء والكرامة. وما لبثت هذه الانتفاضة أن تصادت مع تحركات واسعة للاجئين الفلسطينيين في مخيماتهم وعلى الحدود، وأن وجدت نفسها محاطة بتأييد وتعاطف كبيرَين في العالم، أعادا المعنى إلى المعنى، وبرهنا أن مصير فلسطين يرتسم في فلسطين ويكتبه شعبها.

لقد أعادت فلسطين إلى الفكرة العربية معناها، وقالت لسلطات الاستبداد والتطبيع/التتبيعي أنها خارج الموضوع، وإن نسج تحالفات مع دولة الاحتلال العنصرية لن يحميهم من غضب شعوبهم، وإن اختراع عدو وهمي للعرب لم يستطع أن يحجب حقيقة أن العدو هو دولة الاحتلال.

كيف نقرأ فلسطين وهي تنتفض؟

قراءتنا التي يميزها نص نظمي الجعبة عن الشيخ جرّاح، ويزين رسم العلم بالبطيخة التي شكلت تحدياً للاحتلال حين كان يمنع رفع العلم الفلسطيني غلاف العدد، والتي تضمنت مجموعة كبيرة من المقالات والتقارير والتحقيقات، هي قراءة ناقصة.

نقصانها ليس ناجماً فقط عن اضطرارنا إلى إعداد هذا الملف بسرعة، وتأجيل صدور العدد بشكل استثنائي، وهو ما نأمل ألّا يتكرر، بل يعود إلى حقيقة أن هذه الانتفاضة ليست ويجب ألّا تكون حدثاً جرى في تاريخ محدد وانتهى. هذه الانتفاضة هي بداية مسار جديد، وانتفاضات موضعية ونضالات مفتوحة على احتمالات الحرية والتحرر من قبضة الاحتلال.

صورة هذا المسار ترتسم على مرايا عيون أطفال غزة، وقبضات شابات وشبان باب العمود، ونضالات رام الله ونابلس وجنين والخليل، وصيحات الحرية التي ارتفعت في اللد وعكا وحيفا ويافا.

وهو مسار طويل وصعب، لكنه يعيد الموضوع إلى الموضوع، معلناً أن فلسطين هي أرض البدايات الدائمة والمتجددة، وأن رجالها ونساءها يصنعون الحياة وهم يعانقون الموت، ويرسمون السماء وهم يتدثرون بالتراب.

هذا البداية لها اسمان:

الاسم الأول هو نهاية اتفاق أوسلو الذي مزقته إسرائيل من زمان، ونهاية زمن التنسيق مع القتلة المحترفين من أجهزة القمع الإسرائيلية الذين ينتهكون الحرمات "بالتنسيق" مع الأمن الفلسطيني!

والاسم الثاني هو نهاية مرحلة كاملة تميزت بالانقسام والضياع والتشتت، وسمحت للفاسدين والمتسلطين بنحر قضية الشعب الفلسطيني على مذابح فسادهم وشهواتهم السلطوية.

لا يبدأ الجديد إلّا على أنقاض القديم، والبداية الفلسطينية تقرع اليوم جدران النكبة، وهي بداية تتجاوز جميع القيادات، لأنها منسوجة من مزيج الصبر والقهر، وتتأسس في المواجهات الشعبية وفي النبض المقاوم.

زمن المقاومة يبدأ من جديد، وفلسطين تنتفض بالحياة لأن الحياة تستحق هذا الشعب المكلل بالألم والحلم.

إنها فلسطين.

وفلسطين تنتفض.

 

نزار بنات شهيدا:

فجور القمع

مَن قتل الناشط الفلسطيني نزار بنات؟ ولماذا؟

الجواب عن السؤالين واضح وبديهي. قوة من الأمن الفلسطيني اقتحمت منزله في الخليل في الثالثة من فجر الخميس 24 حزيران / يونيو، وكانت مسلحة بعتلات حديدية وعلب من غاز الفلفل والهراوات وأعقاب البنادق، وقامت بضربه بوحشية قاتلة. وجاء هذا الاغتيال الوحشي بعدما كان الشهيد نشر فيديواً على وسائل التواصل الاجتماعي يدين فيه الفساد انطلاقاً من صفقة اللقاحات الإسرائيلية المخجلة.

واللافت أن منزل الشهيد يقع في إحدى مناطق الخليل التي تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، الأمر الذي يعني أن الأمن التابع للسلطة نسّق أمنياً مع الإسرائيليين كي يجرؤ على ارتكاب جريمته.

نحن أمام فجور القمع، وهو فجور فقد كل حياء، وصار جزءاً من هراوة الاحتلال في مواجهة شعب قرر أن ينتفض دفاعاًعن حريته وحقه في الحياة.

هذه الجريمة البشعة يجب ألّا تمر من دون عقاب، فهناك جريمة جنائية يتحمل مسؤوليتها منفذون محددون وقادة أصدروا الأمر بالقتل، وهناك جريمة سياسية يجب أن تتحمل السلطة مسؤوليتها.

الجريمة الجنائية هي ابنة الجريمة السياسية، وكل فصل بينهما هو محاولة لحجب حقيقة الجريمة ومعالمها.

نزار نبات الناشط المدني والشبابي يدخل اليوم في مدونة الشهداء، بصفته رمزاً يعلن أن آلات القمع والسجون وملاحقة الناشطين في الضفة الغربية وغزة يجب أن تنكسر.

اقرأ المزيد