الكلام والكلام المكسور: الثقافة في مواجهة النكبة المستمرة والانحطاط الأخلاقي
نبذة مختصرة: 

النص هو في الأساس محاضرة للكاتب قدمها ضمن محاضرة "أيار التذكارية" في إطار برنامج أنيس المقدسي في الأدب، في الجامعة الأميركية في بيروت، في 21 أيار/مايو 2021، تناول فيها انتفاضة القدس الأخيرة التي عمّت فلسطين كلها، من خلال سرده 6 حكايات غنية بالدلالات، ليصل إلى خلاصة مضمونها أن قضية فلسطين لا تنتهي ما دام هناك شعب مصرّ على المقاومة المستمرة في مواجهة النكبة المستمرة، فـ "يكفي أن تكون فلسطين في انتفاضتها الكبرى قد استعادت الأبجدية. وما علينا سوى أن نبني بهذه الأبجدية لغتنا، ونحرسها من الكلام المكرر والمكسور."

النص الكامل: 

فكرت كثيراً؛ كتبت ومحوت، لكنني وأنا أخط هذه الكلمات، كنت أجد نفسي أمام مهمة شبه مستحيلة. فالكتابة وسط عواصف الدم والمعاناة والألم التي تجتاح بلادنا، صارت ملأى بالحشو، كأن الكلمات تملأ الفراغ بالفراغ.

وكي لا أسقط في كلامي المكسور، قررت أن أستمع إلى حكايات الناس الذين يصنعون هذه اللحظة التي تستعيد فيها فلسطين اسمها وفكرتها وعنوانها. وفي هذه الاستعادة التي يجب أن نصغي إليها ونتعلم منها، أرى المشرق العربي وهو يبحث عن وجوهه الضائعة وسط خرائب المدن والقرى.

لذلك قررت قبل أن أكتب أن أستمع، وما سأكتبه هو إعادة صوغ لما سمعته، علّني وأنا أروي لكم هذه الحكايات، أستطيع أن أقترح بعض العلامات التي تساعدني على الخروج من دائرة الكلام المكسور، كي أقف على عتبة لغة جديدة نبحث عنها، نجدها ونضيّعها، نرممها وتنكسر على أقلامنا وفي أفواهنا، وننكسر معها مثلما تنكسر حروف الأبجدية التي تعيد ترميم نفسها.

 الحكاية الأولى

العصفور

كتب المثقف السوري الراحل ميشيل كيلو نصاً صغيراً عن السجن والعصفور تحوّل إلى فيلم جميل بتوقيع المخرج الفلسطيني نصري حجّاج، كما صار حكاية رواها كيلو في إحدى مقابلاته التلفزيونية، ويمكن مشاهدتها في موقع "يوتيوب".

 

ميشيل كيلو

 

القراءة الأولى للحكاية تشير إلى أنها تعبير إنساني عميق عن فظائع السجن.

ليست حكاية عن التعذيب بمختلف أشكاله - من الشبح إلى الكرسي الألماني إلى منع المعتقلين من النوم وتكبيلهم ليل نهار، إلى آخر مفردات قاموس أدب السجون العربي، وهو نوع أدبي احتل مكانة مركزية في أدبنا العربي المعاصر - لكنها حكاية بسيطة عن طفل طُلب من كيلو أن يروي له حكاية.

دارت هذه الحكاية في فرع الاستخبارات العسكرية في دمشق.

في أحد الأيام جاء السجّان وطلب من ميشيل كيلو مرافقته إلى زنزانة تقع في آخر الممر كي يروي قصة لطفل سجين.

"أنت مثقف"، قال السجان، "يعني بتعرف تخبّر قصص."

أقام هذا السجّان الذي كان له شقيقان مسجونان أيضاً، علاقة تعاطف مع بطل هذه القصة وراويها عندما عرف اسمه الحقيقي، وصار يهرّب له تفاحة بين حين وآخر، بل أعطاه مقصاً لأظافره.

 

ملصق فيلم "العصفور" للمخرج نصري حجّاج

 

قال الراوي:

كانت الثالثة صباحاً، عندما فتح السجّان الباب وطلب مني مرافقته كي أروي قصة للطفل. تبعته في الممر المعتم، ووجدتني في زنزانة صغيرة تقوقعت امرأة في أواسط عشريناتها في إحدى زواياها، وجلس إلى جانبها طفل أسمر جميل، في حوالي السادسة من العمر. قلت لها يا ابنتي جيت حتى خبّر ابنك حكاية.

اقتربت من الطفل، وقلت أروي له حكاية عن العصفور، فحكايات الأطفال تدور حول العصافير والأشجار والأرانب والغزلان وما شابه.

"كان في عصفور طاير بالجو".

"شو يعني عصفور؟" سأل الطفل.

"طيب كان في شجرة"، قلت.

"شو يعني شجرة؟" سأل الطفل.

كان الطفل ينظر إليّ بعينيه الكبيرتين المفتوحتين على الفراغ.

هنا شعرت بالورطة، فهذا الطفل وُلد في الزنزانة، اعتُقلت أمه كرهينة بعد فرار والدها وزوجها إلى الأردن، ووضعت طفلها في السجن.

لم يرَ الطفل سوى الجدران، وعاش مع أمه في هذا المكان الكالح منذ ولادته.

قال الراوي أنه شعر بالعجز عن الكلام،

فغنيت للطفل "ماما زمانها جاية"، و"ريما الحندقة"، وأحسست أن صوتي يختنق بالدموع. احتلت الدموع حنجرتي، ووجدتني أقرع الباب كمَن يطلب النجدة.

فتح السجان الباب، وقادني إلى زنزانتي. وأمام باب الزنزانة سألني إذا كنت قد أخبرت الطفل قصة، فلم أجاوب.

هكذا تنتهي حكاية العصفور، فالعصفور بقي معلقاً على أغصان الكلمات، ولم يجد شجرة، والطفل لم يفهم، أمّا الراوي فأصيب بالعجز عن الكلام.

المدهش في هذه القصة الحزينة يتجاوز دلالاتها المباشرة، وهي دلالات فظائعية تأخذنا إلى أبعاد رمزية عن حكاية الشعوب العربية مع آلات القمع الرهيبة التي تمتطي السلطة من أجل إخراس الناس.

عندما عرف السجان اسم بطل هذه الحكاية، تعجّب من صموده وصمود سجين آخر تقع زنزانته في نهاية الممر اسمه رياض الترك، وقال له إن آمر السجن حذّرنا منك لأنك جاسوس إسرائيلي!

اللافت هو أن راوي القصة تحول إلى بطلها: عجز عن رواية حكاية العصفور لطفل لم يرَ عصفوراً في حياته، فتحول من راوٍ لحكاية إلى أحد أبطالها، وأحدث انزياحاً كبيراً في الدلالات. فصار محور القصة المركزي هو عجز الراوي عن أن يروي.

بدلاً من أن نكتب القصة، فإننا نكتب حكاية عجزنا عن كتابتها.

وبدلاً من أن يخرج الكلام من أفواهنا أو من تحت أقلامنا، ها هو ينكسر ويتشظّى.

الحكاية الثانية

البيت

نحن في حديقة منزل يقع في حي الشيخ جرّاح في القدس. أخذ هذا الحي اسمه من الأمير حسام الدين ابن شرف الدين عيسى الجرّاحي، طبيب صلاح الدين الأيوبي.

محاولات المستوطنين الإسرائيليين الاستيلاء على بيوت الحي وطرد سكانه، كانت الفتيل الذي أشعل موجة الغضب، وقاد إلى انتفاضة القدس في أيار / مايو 2021. وقد وصلت الأمور إلى ذروتها في حرب غزة، وفي الإضراب العام الكبير الذي شمل فلسطين كلها يوم الثلاثاء 18 أيار / مايو. هكذا فتح هذا الحي الصغير جراح النكبة الفلسطينية المستمرة منذ ثلاثة وسبعين عاماً.

 

لافتة في الشيخ جرّاح ضد تهجير سكانه الفلسطينيين

 

الحكاية التي سأرويها تصلح لأن تكون مشهداً كوميدياً في أحد أفلام إيليا سليمان، أو مشهداً تراجيدياً في فيلم يسري نصرالله "باب الشمس".

لاحظوا معي التناقض التكاملي في قراءتي للمشهد، كأن الكوميديا هي الوجه الآخر للتراجيديا. وهذه إحدى السمات الأساسية للنكبة الفلسطينية التي تكمن مأساتها في كونها تستند إلى أسطورة توراتية تقوم بحجب واقع الاستعمار الاستيطاني الذي ينتهك فلسطين.

الأسطورة تريد أن تتحول إلى تاريخ تراجيدي، لكنها بحكم ماهيتها الخرافية تصير مجرد كوميديا سوداء.

تعالوا نستمع إلى الحكاية.

نحن في حديقة بيت في حي الشيخ جرّاح. نرى في الصورة مستوطناً بديناً، بلحية شقراء، يلبس بنطلوناً واسعاً أزرق وقميصاً أبيض، وهو يقف في مواجهة امرأة فلسطينية محجبة وخفرة، لكنها شرسة في دفاعها عن بيتها.

منى الكرد تقف في مواجهة السيد ياكوف (يعقوب) الذي لا نعرف اسم عائلته. لم يحمل السيد ياكوف سلاحاً، وإنما أتى وحده كي يحتل منزل عائلة الكرد ويطردها من منزلها.

 

صورة مركبة لمنى الكرد، إحداها لها وهي مبتسمة، والثانية لقطة من الفيديو المنشور في موقع "يوتيوب" وهي توبخ المستوطن "ياكوف"

 

المشهد يبدو غريباً، لكن يجب أن نتذكر أنه مجرد مشهد تمهيدي لما سيشهده الحي لاحقاً. السيد ياكوف جاء متسلحاً بـ "القانون"، وهو يستبق قرار المحكمة الإسرائيلية العليا بطرد السكان، لأنه يريد أن يكون أول مَن يستولي على البيت.

حوار ياكوف مع منى الكرد بالغ الدلالة، فالرجل يعيش في إسرائيل التي يحكمها المستوطنون، ويشعر بانتشاء ديني وبسلطة لا تقاوَم، ولذا اعتقد أنه يستطيع الاستيلاء على البيت ببساطة. فهو يعيش في دولة "ديمقراطية يحكمها القانون"، والقانون في صف المنتصر.

هذا المشهد الذي صوّره على الفيديو الناشط الفلسطيني تامر مقالدة ونشره، شاع في كل مكان.

تعالوا نستمع إلى الحوار:

منى: ياكوف أنت تعلم أنك لا تملك هذا البيت.

ياكوف: نعم، لكن إذا ذهبتُ فلن تستطيعي العودة إليه، أنا لم أفعل هذا، من السهل أن تصرخي في وجهي.

منى: لكنك تسرق بيتي.

ياكوف: إذا لم أسرقه سيسرقه شخص آخر.

منى: ليس مسموحاً لأحد أن يسرقه.

ياكوف: هذا ليس لي كي أعيده.

في الحديقة حيث يقف ياكوف نرى شجيرة زيتون، وقطة تمشي بين الأعشاب.

منى كانت برفقة رجال نلمح منهم رجلاً يضع كمامة الاتقاء من كورونا، لكن لا أحد يتكلم سواهما: المرأة الفلسطينية في مواجهة المستوطن الإسرائيلي.

قال ياكوف ببساطة ما اجتهد وليد الخالدي للبرهنة عليه في مواجهة آلة الدعاية الصهيونية العملاقة، مثبتاً أن الطرد كان نتاج "الخطة دالت" التي وُضعت في "البيت الأحمر"، في تل أبيب بإشراف بن - غوريون.

ياكوف في زمن الفاشية الصهيونية، لخّص عمل الخالدي وعمل المؤرخين الإسرائيليين الجدد الذين ساروا على الطريق التي شقّها، بعبارة واحدة: "إذا لم أسرقه سيسرقه غيري."

يبدو المشهد نمطياً بشكل مبالغ فيه، الرجل الأبيض الأشكنازي يلبس كالمستعمرين القدماء ولا ينقصه سوى قبعة الفلّين، في مواجهة امرأة من السكان الأصليين. ولو لم يكن المشهد تسجيلياً لكان صعب التصديق. فبعد قيام إدوارد سعيد بتفكيك آلية "الاستشراق"، وتهشيم صورة المستشرق التي جسّدها برنارد لويس، صار المستشرقون الجدد أكثر تواضعاً في الشكل، ويتخذون سمة الخبراء من دون ادعاءات كبيرة.

غير أن السيد ياكوف، بسذاجته واعتداده بدولته، أعاد في وعيه ولاوعيه رسم الصورة الاستشراقية النمطية، وصنع مشهداً يحلم أي مخرج سينمائي فلسطيني بصناعته، لكنه لا يفعل، كي لا يسقط في نمطية مبتذلة.

الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي هو الشكل النموذجي لهذه النمطية المبتذلة: مجموعات من القتلة والشبيحة المستوطنين يمشون في ظل بنادق رجال الشرطة ويقومون باستباحة فلسطين، ويهتفون بشعارات عنصرية لا تفضحهم فقط، بل تفضح أيضاً الغرب الاستعماري الذي يغطيهم بسبب حنينه إلى المرحلة الكولونيالية الآفلة، أو عبر غسل الدم اليهودي العالق في يديه بالدم الفلسطيني.

الحكاية الثالثة

الابتسامة

لا أعرف مريم العفيفي، الطالبة في معهد إدوارد سعيد للموسيقى، وعازفة الكونترباص، والتي أخذتني ابتسامتها، لحظة كبّل الجندي الإسرائيلي معصمَيها، إلى المعاني التي لا تستطيع الكلمات اكتناهها.

مريم العفيفي اعتُقلت في الشيخ جرّاح في أثناء تضامنها مع منى الكرد وعائلات الحي المقدسي الأُخرى المهددة بالطرد من بيوتها.

قلت أنني لا أعرفها، لكنني لم أقل الحقيقة.

فأنا أعرفها من خلال نساء مخيمات لبنان، اللواتي كن يمسحن دموعهن بباطن أكفهن، وهن يروين حكايات الطرد والقتل والمجازر في الجليل في سنة 1948؛ نساء يبكين بذاكرة الألم المحفورة في العيون. وفجأة، بعد أن يمسحن دموعهن، يشرقن بابتسامة غامضة ويدخلن في الصمت.

 

صورة مركبة لمريم عفيفي، واحدة وهي تعزف على الكونترباص، والثانية تبتسم بعد إقدام جندي إسرائيلي على تكبيلها

قلت أنني لا أعرفها، لكن المريمات يملأن مدن فلسطين وقراها.

مريمات الجليل ومريمات يافا وحيفا وعكا والناصرة وجنين وطولكرم والخليل.

مريمات يمشين على قباب الروح في القدس ونابلس، ويبتسمن لأنهن يعرفن أن الإنسان يستطيع أن يخون، لكن الأرض لا تخون.

عندما وضعوا القيود في معصمَيها نظرت مريم العفيفي إلى الجنود الإسرائيليين باحتقار، ثم التفتت إلى الوراء وابتسمت.

كانت تريد لنا أن نتذكر ابتسامتها لا أن نتذكر القيود.

احتار الجنود الإسرائيليون في تفسير ابتسامة مريم، أو ابتسامة تلك الصبية التي ركع جندي إسرائيلي على عنقها، لكنها بدلاً من أن تصرخ بأنها تختنق ابتسمت. فصارت الابتسامة عنواناً "لمَن يصعدون إلى حريتهم باسمين" (بالإذن من محمود درويش). وانتشرت ابتسامات الشبان والصبايا المعتقلين، كأنها كانت مقدمة للغضب الذي أشعل فلسطين بالتظاهرات والصواريخ، معلناً أن إسرائيل ليست سوى وحش معدني لا يعرف إلّا لغة الموت.

كيف نقرأ ابتسامة مريم الطالعة من عمق اليأس الذي يحاصرنا؟

تبدو كلمة يأس ثقيلة الوطأة، لكنها تلخّص الواقع العربي من جهة، والمآل الذي وصلت إليه فلسطين المحتلة من جهة ثانية.

إنه يأس الهزائم الكبرى لانتفاضات الربيع العربي التي رفعت شعارَي الخبز والحرية. غير أن هذه الانتفاضات وجدت نفسها تتخبط في دماء أبنائها: العسكر من جهة، والتيارات الأصولية من جهة ثانية، فتمت محاصرة المجتمعات العربية، بالانقلاب العسكري الدموي، أو بالحرب الوحشية التي فتحت الباب أمام القوى الخارجية لتحتل وتشارك في حقول القتل التي صنعتها الأنظمة وعدوها / شريكها الأصولي الإسلاموي في الآن نفسه.

شعلة الحياة التي اشتعلت في عيون شابات الانتفاضات العربية وشبابها أُريد لها أن تنطفىء في تحالف غرائبي بين أنظمة الاستبداد النفطي وبقايا العسكريتاريا العربية والهستيريا الداعشية.

وهو يأس فرضته الحفلة التنكرية التي اتخذت اسم "اتفاقيات أبراهام". فهذه الحفلة احتفال بالعار الذي توّج رؤوس حكّام لم تعرف سوى الانحناء، واتخذ شكل الاحتفاء بإسرائيل وفتح أبواب تصدير منتوجات مستعمرات الضفة الغربية إلى دولة الإمارات، والتنسيق العسكري، وصولاً إلى التبنّي شبه الكامل للرواية الصهيونية.

وقاحة هذه الاتفاقيات تفوقت على كل وقاحة سبقتها، فهي كل ما تبقّى من الترامبية والشعبوية اليمينية ممزوجة بالعنصرية الصهيونية، وبشعور مشايخ الزمن المنقلب بالعقدة أمام تفوق الآخر. وهي في محصلتها تتبيع وليست تطبيعاً.

لم يبقَ من التطبيع سوى فكرة تطبيع الاستبداد الجاثم على العالم العربي.

وهو يأس فرضه الشعور بأن الجميع تخلى عن فلسطين وتركها للاندثار والنسيان.

وهو يأس ناجم عن تعفن السياسة الفلسطينية في ظل انقسام داخلي فاحش وتسلط استبدادي وانهيار في القيم.

من أين جلبت مريمات فلسطين ابتساماتهن في وجه الطغاة، في قلب حي مستباح للنهب والتطهير العرقي اسمه حي الشيخ جرّاح؟

وكيف استطاع شباب القدس التصدي للجنود الإسرائيليين وطردهم من ساحة باب العمود، والاعتصام في المسجد الأقصى تحت وابل من قنابل الغاز والرصاص المطاطي؟

نحن أيتها الصديقات والأصدقاء في ما بعد اليأس. لقد علّمتنا مريم العفيفي أن مقولة ما بعد اليأس تعني شيئاً واحداً، فما بعد يأسنا لا ينهزم، إنه الإصرار على الدفاع عن الحياة حتى اللحظة الأخيرة.

وفي اللحظة الأخيرة انفجر ما بعد اليأس ثورة أعادت توحيد فلسطين، وكسرت الجدار وحطمت الأسوار.

أطلق الإسرائيليون على قصفهم الوحشي لغزة اسم "حارس الأسوار"، ولم يستطع حارس السور الحديدي - والتعبير لجابوتنسكي، الأب الروحي لحيروت والليكود - أن يتخيل أن الأسوار تساقطت أمام ابتسامة ما بعد اليأس الذي لا ينهزم.

الحكاية الرابعة

موسى

موسى حسّونة، سائق شاحنة في الثلاثينيات وأب لطفلين. ولد موسى في مدينة اللد، وهي إحدى المدن الفلسطينية التي يطلق عليها الإسرائيليون اسم المدن المختلطة والتي تضم اللد والرملة وحيفا ويافا وعكا. جميع هذه المدن تعرضت للتطهير العرقي، وفُرض على مَن تبقّى من سكانها الإقامة في أحياء مسيّجة بالأسلاك الشائكة ومقفلة ببوابات حديدية، أطلق عليها المحتل الإسرائيلي اسم الغيتو.

 

مشهد من المواجهات في اللد عقب اعتداءات المستوطنين وشرطة الاحتلال

 

وادي النسناس في حيفا، وحي العجمي في يافا، والمدينة القديمة في عكا، والحي الذي يقع حول كاتدرائية القديس جاورجيوس (الخضر) والجامع العمري الكبير في اللد، وحي الجمل في الرملة، تحولت إلى غيتوات مسيجة بالأسلاك الشائكة ومقفلة، يحرسها الجنود الاسرائيليون.

جميع المدن تعرضت للمذابح والتطهير العرقي، لكن في اللد جرت المذبحة الكبرى، فقد امتلأت جدران جامع دهمش بأشلاء نحو مئة وخمسين فلسطينياً قُتلوا بسلاح إسرائيلي مضاد للدروع. وكانت شوارع اللد مسرحاً للقتل وأمكنة لمسيرة الطرد الكبير سيراً على الأقدام في الوعر، وسط حر تموز / يوليو 1948، فمات كثيرون في العراء جوعاً وعطشاً وإعياء، وتُركت جثثهم في الفلاة.

ما علاقة موسى حسونة بهذا التاريخ؟

لا علاقة لموسى بموضوعنا، هذا ما اعتقده الشاب الذي كان عائداً إلى منزله بعد قيامه بزيارة لأحد أقربائه، فوجد نفسه عالقاً وسط مجموعة من شبيحة المستوطنين المسلحين الذين قتلوه لأنه عربي فلسطيني.

ذنبه الوحيد أنه فلسطيني ولِدّاوي، لا أكثر.

هل كل لدّاوي مذنب؟

ما هذا المنطق؟

لا بد من أن هناك سراً وراء مقتل هذا الشاب.

وأنا سأعترف لكم بهذا السر الذي عايشته طويلاً في سياق بحثي عن "أولاد الغيتو" في اللد.

أطلق مالك حسونة اسم والده موسى على ابنه البكر.

سر موسى القتيل والشهيد هو اسمه.

فأنا أعرف أن موسى حسونة الجد، شهد مذبحة اللد في سنة 1948، وكان أحد الناجين الذين أقاموا في غيتو المدينة.

 

الشهيد موسى حسونة

 

ولمَن لا يعرف فقد عاش فلسطينيو غيتو اللد عاماً ونصف عام في شروط لا إنسانية، وكانوا يدحرجون براميل المياه من بئر في بيارة تبعد نحو كيلومتر عن حيهم الذي يشبه قفصاً مسيجاً بالأسلاك الشائكة. قسم من شبانهم أُجبر، بحراسة الجيش الإسرائيلي، على نهب بيوت المدينة، أي نهب بيوتهم، وكانت المنهوبات توضع في شاحنات تنقلها إلى تل أبيب، وقسم آخر كان مكلفاً بلمّ الجثث من شوارع المدينة ورميها في مقابر جماعية.

لا أعرف بالضبط في أي واحدة من هذه المجموعات أُجبر موسى على العمل، لكن ما أعرفه هو أن هذه التجربة المريرة تركت بصماتها على روح الرجل الذي ظل يحس بوخز الأسلاك في عينيه حتى وفاته.

موس الشاب ينتمي إلى جيل الأحفاد الذين قرروا أن ينسوا هذا الماضي، لكنه اكتشف وهو يتلقى الرصاصات القاتلة أن الماضي لم يمضِ، وأن الغيتو يغرس أسلاكه في روحه.

هل يفسر هذا المشهد الدموي لماذا وكيف انفجر الغيتو الفلسطيني المسيج بالأسرلة منذ إعلان دولة إسرائيل، وانخرط في انتفاضة القدس، وشكل درعاً للضفة وغزة؟

أم علينا أن نقرأ خريطة الأسى والمقاومة في حي الشيخ جرّاح الذي يدور فوق أرضه فصل جديد من فصول النكبة الفلسطينية؟

يجب ألّا نخطىء التأويل، فالشيخ جرّاح لا يذكّر بل يشير، ذلك بأن النكبة ليست ماضياً نتذكره، بل حاضر نعيشه. النكبة مسار لم يتوقف منذ سنة 1948. والانفجار المقدسي جاء بعد تمادي السلطات الإسرائيلية في احتقار الألم الفلسطيني والأسى العربي، ثم قيام أنظمة عار أبراهام بالتمادي في الحماقة، الأمر الذي جعل نتنياهو يعتقد أن افتراس القدس ممكن، وأن هذا الافتراس سيعبّد له الطريق إلى البقاء رئيساً للحكومة.

انتفض الغيتو كي يقول إن الضحية قررت أن تتوقف عن أداء دور الضحية التي يقع عليها اللوم، وإن فلسطين لم تمت لأن شعبها يرفض أن يندثر.

الحكاية الخامسة

شجرة الموت

لا أعرف حكاية عائلة الكولك أو حكاية عائلة أبو عوف في غزة. لكن ما أعرفه، وسبق أن نشرته وسائل إعلام عربية وإسرائيلية، هو أن هاتين العائلتين أبيدتا في القصف الإسرائيلي لغزة.

"حارس الأسوار" الإسرائيلي، الذي يدّعي أنه يمتلك حق الدفاع عن النفس في مواجهة التهديد الذي يشكله "الإرهاب" الفلسطيني، ارتكب مذبحة ضد المدنيين في غزة.

خلال القصف الكثيف لثلاثة مبانٍ في شارع الوحدة في غزة، يوم الأحد 16 أيار / مايو 2021، أبيدت عائلتان بشكل شبه كامل: عائلة أبو عوف وعائلة الكولك.

 

عمال إنقاذ في أثناء البحث عن ضحايا في مبنى دُمر جرّاء غارة إسرائيلية في غزة خلال العدوان الأخير

 

أفراد عائلة أبو عوف القتلى هم: الأب أيمن، وهو طبيب في مستشفى الشفاء، وولداه توفيق 17 عاماً وتالا 13 عاماً، وقريبتان هما ريم 41 عاماً وروان 19 عاماً. وُجدت جثث هؤلاء مباشرة بعد نهاية القصف، وفي المساء عُثر على جثث إضافية لأفراد العائلة: صبحية 73 عاماً وأمين 90 عاماً وتوفيق 80 عاماً ورجاء وأطفالها الثلاثة: ميرا 13 عاماً ويزن 12 عاماً ومير 9 أعوام.

وفي المبنى المجاور أبيدت عائلة الكولك: فواز أمين محمد الكولك 63 عاماً وأربعة من أبنائه: عبد الحميد 23 عاماً وريهام 33 عاماً وبهاء 49 عاماً وسامح 28 عاماً وزوجته آيات 19 عاماً وطفلهما قصي 6 أشهر، فضلاً عن أمل جميل سلامة الكولك 42 عاماً وثلاثة من أبنائها: طاهر 24 عاماً وأحمد 16 عاماً وهناء 15 عاماً، كما قُتل محمد معين محمد الكولك 42 عاماً وشقيقه عزت 44 عاماً وطفلاه زيد 8 أعوام وآدم 3 أعوام. ووُجدت جثتا دعاء عمر عبد الله الكولك 39 عاماً وسعدية يوسف ضاهر الكولك 84 عاماً.

بدلاً من رسم شجرة العائلة، مثلما يفعل كثير من العوائل "العريقة" في بلادنا، صار من الممكن رسم شجرة الموت العائلية التي تضم ثلاثة أجيال.

شكراً لـ "حارس الأسوار" الإسرائيلي الذي اخترع للفلسطينيين شجرة مرسومة بالدم، محولاً ذاكرة نكبتهم إلى حاضر.

كيف نقرأ هذه الإبادة؟

هل نستطيع أن نبتلع الادعاء الإسرائيلي أنها مجرد خسائر جانبية في الحرب على "مترو حماس"؟

يميل التحقيق الذي نشرته المؤسسة الحقوقية الإسرائيلية بيتسيلم (B’tselem) إلى أن محو سبعين عائلة فلسطينية في الحرب ضد غزة في سنة 2014 كان متعمداً، كما أن عميرة هاس في مقالتها في "هآرتس"، 19 أيار / مايو 2021، تشير إلى حقيقة أن اتفاق أوسلو فرض على وزارة الداخلية الفلسطينية أن ترسل إلى الجانب الإسرائيلي معلومات تفصيلية، وخصوصاً عن الولادات الفلسطينية التي يجب تسجيلها لدى الطرف الإسرائيلي كي يتسنّى للفلسطينيين نيل تذاكر الهوية. "من الواضح أن الجيش كان يعلم أسماء الأطفال والنساء والشيوخ وأعدادهم في كل مبنى سكني تم قصفه." الطيارون الإسرائيليون هم مجرمو حرب نفذوا جرائم ضد المدنيين بأوامر من رؤسائهم الذين كانوا يعرفون كل شيء عن ضحاياهم، حتى أرقام هواتفهم.

لماذا؟

الجواب عن هذا السؤال سنجده في خطاب تأبيني ألقاه موشيه ديان في كيبوتس ناحال عوز في سنة 1956 حين كان رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي.

 

دايان في أثناء إلقاء كلمته في ناحال عوز في نيسان / أبريل 1956

(المصدر: موقع "تايمز أوف إسرائيل" بالإنجليزية نقلاً عن أرشيف الجيش الإسرائيلي)

 

الحكاية السادسة

روعي روتنبرغ

في سنة 1951 أُنشىء كيبوتس ناحال عوز على أنقاض قرية خربة الوحيدي، وهي واحدة من 45 قرية ومدينة في قضاء غزة تم تدميرها وتهجير سكانها.

(لمَن يريد أن يعرف المزيد عن ظروف تهجير سكان هذه القرى، والتي جرت أغلبيتها بعد نهاية حرب النكبة وتوقيع اتفاقيات الهدنة في سنة 1949، فإننا نحيله إلى رواية الكاتب الإسرائيلي س. يزهار "خربة خزعة"، فهي رواية شبه وثائقية وفيها كثير من ملامح السيرة الذاتية).

كيبوتس ناحال عوز كان عند تأسيسه مستعمرة عسكرية قامت بها وحدات ناحال في الجيش الإسرائيلي، كي يكون خط دفاع في مواجهة الفلاحين الفلسطينيين الذين طُردوا من قراهم وصاروا لاجئين في غزة.

في آذار / مارس 1956، قُتل روعي روتنبرغ، وهو أحد الضباط الأمنيين الذين كانوا يقومون بحراسة الكيبوتس، على أيدي فدائيين فلسطينيين تسللوا من غزة.

في 2 أيار / مايو 2016 نشرت صحيفة "القدس العربي" مقالة مأخوذة من صحيفة "يديعوت أحرونوت"، يروي فيها بوعاز، 60 عاماً، وهو نجل الضابط الإسرائيلي القتيل، حكايته بعد مقتل والده.

قال بوعاز: "مات جدي والد أبي بعد موت ابنه، أمّا والدتي التي لم تتزوج ثانية فماتت مريضة، أنا هاجرت إلى تايلاند بحثاً عن السكينة. صدمة موت والدي لم تفارقني. لقد تعبت من رواية أبي حتى إنني لم آخذ صورته معي، لأنني لم أرد أن أصطحب معي الكوابيس."

قال بوعاز: "إن الحرب مع الفلسطينيين لا تنتهي، وأنا أحمل الكراهية للغزّيين منذ طفولتي."

نحن أمام مأساة شخصية طبعاً، لكن كيف نفهم هذه المأساة؟

هل يجب أن نعتبر فلاحي خربة الوحيدي الذين طُردوا من قريتهم "إرهابيين ومخربين"، مثلما يريدنا القاموس الإسرائيلي أن نفعل، أم علينا أن نبحث عن جواب مختلف؟

موشيه دايان أعطانا الجواب في خطاب بليغ ألقاه في مأتم روعي، وأنا الآن أنقل مقاطع من خطابه مثلما نشرتها "يديعوت أحرونوت":

فجر أمس قُتل روعي، سكينة الصباح الربيعي بهرت عينيه فلم يرَ الذين انتظروه في كمين إلى جانب أثلام الحقل.

اليوم لن نلوم القتلة، أو نشكو من كراهيتهم الشديدة لنا. إنهم يقيمون منذ ثمانية أعوام في مخيمات اللاجئين في غزة، ويرون بعيونهم كيف نقوم بتحويل أراضيهم وقراهم، حيث سكنوا وسكن آباؤهم وأجدادهم، إلى ملكية لنا. علينا أن نطالب بدم روعي من أنفسنا لا من العرب في غزة.

كيف أغمضنا عيوننا ورفضنا أن نحدق لنرى قسوة مصير جيلنا؟ هل نسينا أن مجموعة الشبان المقيمين هنا في ناحال عوز يحملون على أكتافهم بوابات غزة الثقيلة، وهي بوابات تزدحم خلفها بحار من الكراهية والرغبة في الانتقام؟

نحن جيل استوطن الأرض، ولولا الخوذة الفولاذية والمدفع لما استطعنا زراعة شجرة واحدة أو بناء بيت.

علينا ألّا نرتدع ونحن نرى الكراهية التي تشعل حيوات مئات ألوف العرب الذين يعيشون حولنا.

هذا هو مصير جيلنا وهذا خيارنا.

روعي الفتى الذي غادر تل أبيب ليشيد له منزلاً على أبواب غزة ويكون سوراً لنا، أعمى ضوءُ قلبه عينيه فلم يرَ بريق السكين. الشوق إلى السلام صمّ أذنيه فلم يسمع صوت القتل المتربص به، ولم تتسع كتفاه لأبواب غزة الثقيلة فصرعته.

أمّا بعد

أستطيع أن أتابع رواية الحكايات إلى ما لا نهاية، فالحكاية تستولد الحكاية. أنا لا أروي حكاية انتهت، الحكاية الفلسطينية تدور هنا والآن، على بوابات غزة، وفي شوارع القدس، وفي المدن والقرى المدمرة أو المحاصرة بالمستعمرات.

الحكايات كالمعاني "مطروحة في الطريق"، كما علّمنا الجاحظ، وعلينا التقاطها وجمعها وروايتها كي نبني مرايا أروحنا.

المسألة ليست في أن ننسى أو لا ننسى، فالنسيان جزء من آلية القدرة على تحمّل مآسي الحياة والعيش في ظلالها.

نحن ككل البشر نريد أن ننسى.

يستطيع الإنسان أن ينسى الماضي، لكنه لا يستطيع أن ينسى الحاضر.

لقد صار الماضي على أيدي الإسرائيليين حاضراً لا يمضي، فكيف ننسى وكيف نتذكر؟

أمّا بعد

ماذا جرى كي تكون انتفاضة القدس الكبرى محاولة لترميم كلام بدا مكسوراً ومهشماً؟

لقد انكسر كلام الفلسطينيين وكلام شعوب المشرق العربي في لحظتين متداخلتين.

اللحظة الأولى اسمها التحايل على الحاضر.

لم يبدأ هذا التحايل باتفاق أوسلو الذي كان تلفيقاً لسلام كان موقّعوه يعلمون أنه لن يأتي. فهو اتفاق لم يعالج شيئاً، حتى إن إسرائيل لم تعترف بحقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وتابعت بناء المستعمرات وحذفت القدس واللاجئين إلى اتفاق نهائي مستحيل. وفي ظل الغطرسة والشعور بالتفوق والموج الفاشي الذي بدأ يجتاح إسرائيل منذ سنة 2000، انفجرت الانتفاضة الثانية.

كما أنه لم يبدأ من هيمنة لغة الانقلاب العسكري ومصادرتها لقضية فلسطين، بعدما تم المحو الكامل لفلسطين عن الخريطة، عبر ضم الضفة الغربية والقدس إلى إمارة شرق الأردن، وإلحاق غزة بالإدارة المصرية.

لقد قام الانقلابيون، وخصوصاً بعد هزيمة الخامس من حزيران / يونيو المروعة، وعقب أُفول الناصرية بعد موت جمال عبد الناصر في سنة 1970، بانتهاك فلسطين في سياق انتهاكهم الشامل للمجتمعات العربية. لقد تم تدمير البنى الاجتماعية على يد ضباط "قوميين"، بحيث فقد المجتمع مناعته، وتشظى في أتون الغزو الأميركي للعراق في سنة 2003، ثم في المقتلة الوحشية التي فرضها المستبدون على المشرق العربي، كمحاولة أخيرة لصدّ رياح التغيير التي هبّت مع انتفاضات الربيع العربي.

لم تكن هيمنة الدول النفطية على المشرق العربي سبباً في انكسار الكلام، وإنما إحدى نتائجه. فمع تحطم حواضر العرب في الحروب التي شنّتها الأنظمة على شعوبها، احتل الخليج القيادة، وفرض في أتون الحصار الذي كانت تتعرض له القيادة الفلسطينية في رام الله، ما سُمي مبادرة السلام العربية التي كان بعض دول الخليج أول مَن أعلن أنها صارت مِزَقاً.

التحايل على الحاضر بدأ عندما ساد افتراض خطأ بأن النكبة الفلسطينية حدثت في سنة 1948، وانتهى الأمر، وأن على المشرق العربي أن يُحدث انقلاباً في واقعه بحسب المؤرخ الدمشقي قسطنطين زريق، ومع هذا الانقلاب تبدأ المسيرة نحو العقلانية والحداثة.

هذه المسيرة كانت ضرورية لكنها أغفلت طبيعة النكبة، فالنكبة لم تكن حدثاً وقع في الماضي، وإنما هي مسار مستمر، وبهذا المعنى فإن الانقلابيين كانوا جزءاً من النكبة على الرغم من ادعاءاتهم بأنهم ردوا عليها.

إن التحايل على الحاضر وانحناء الثقافة أمام الانقلاب، كانا جزءاً من انقلاب آخر قاد العرب إلى الحضيض، منذ تلك اللحظة التي رفع فيها الأميركيون وملوك النفط شعار الجهاد في أفغانستان، فغرقت بلاد العرب في العتمة والدم.

اللحظة الثانية اسمها الأوهام. من وهم السلام الذي حطم فلسطين في انقسام سياسي مدمر، إلى وهم الاستسلام الذي صنع لنا كائناً مسخاً اسمه اتفاقيات أبراهام، إلى وهم الدخول في محاور إقليمية، بحيث صارت إسرائيل حليفاً لبعض العرب، إلى وهم أبدية السلطة ولو فوق بحار من الدماء.

في هاتين اللحظتين انكسر الكلام، وبدت جميع وعود النهضة والحداثة أشبه بالوهم.

فعندما فقد الفلسطينيون قرارهم الوطني المستقل، وفقد المشرق العربي تماسكه الثقافي والاجتماعي، عمّت عتمة اليأس المنطقة بأسرها.

أمّا بعد

إن ما بعد اليأس يعيد اليوم صوغ فلسطين كفكرة وشعب ومشروع للتحرر والحرية.

إن أصداء انتفاضة القدس الكبرى في العالم العربي ستفاجىء الجميع، وهي تتراءى لي كعاصفة تحمل احتمالات كبرى علينا رصدها والتفاعل معها والمشاركة في بلورتها.

ما بعد اليأس الذي لا ينهزم، لا يبشر بتفاؤل ساذج ومنفعل، فمقاومة الاستعمار الاستيطاني والانحطاط الأخلاقي، يحتاجان كي يثمرا على المستوى السياسي إلى بُنى اجتماعية في حاجة إلى تأسيس.

كما يحتاجان إلى فكر جديد يعيد صوغ فكرة التحرر الوطني كمشروع حرية، وكنضال من أجل إزالة الفكر الكولونيالي وبقايا الفكر القومجي الذي مات. فكر يعيد صوغ حكاية جميع سكان فلسطين والمنطقة العربية، فالحرية تتسع للجميع.

يكفي أن تكون فلسطين في انتفاضتها الكبرى قد استعادت الأبجدية. وما علينا سوى أن نبني بهذه الأبجدية لغتنا، ونحرسها من الكلام المكرر والمكسور.

اقرأ المزيد