تأملات وخواطر
النص الكامل: 

مضى على إصدار هذه المجلة التي بين أيديكم ما يزيد عن الثلاثين عاماً حيث كان صدورها في بيروت عام 1991؛ لم تكن "مجلة الدراسات الفلسطينية" أولى المجلات العربية في هذا المجال حيث سبقتها فيه مجلة "شؤون فلسطينية" التي أصدرها في بيروت عام 1971 مركز الأبحاث التابع لـ م. ت. ف. غير أن "شؤون فلسطينية" توقفت عن الصدور بعد سنين من الإنتاج الغزير والمميز إثر اجتياح إسرائيل لبيروت عام 1982، ونهب الجيش الإسرائيلي للمركز ومكتبته وأوراقه فيما نهب وهتك حينذاك من مؤسسات المنظمة الثقافية والاجتماعية في لبنان. وكانت مؤسسة الدراسات قد أصدرت عام 1971 مجلة فصلية بالإنجليزية (JPS) قبل إصدار هذه المجلة، ولا زالت المجلة الإنجليزية تصدر عن مكتب المؤسسة في واشنطن إلى يومنا هذا.

ورغم أن كاتب هذه الأسطر تولى أمانة سر مؤسسة الدراسات منذ تأسيسها عام 1963 حتى تقاعد عنها عام 2016، إلّا إنه لم يسبق له أن كتب كلمة عدد المجلة قبل هذه الكلمة. أمّا ما حفّــزه إلى ذلك فكونه قد أكمل للتو سن الخامسة والتسعين من عمره، فخطر له التوقف عند هذه المحطة من حياته التي كادت بدايتها تلامس صدور وعد بلفور عام 1917، ليجول في ذهنه، استناداً إلى سيرة مخضرمة، فيما آلت إليه قضيتنا منذئذ وما يحيطنا اليوم من الأوضاع والأخطار والإمكانات. وممّا عزّز رغبته في مشاركة القارىء بخواطره وتأملاته هذه الهبّة الفلسطينية منذ أسابيع التي خطفت أنفاس العالم بأسره، والتي لا يذكر كاتب هذه الأسطر سابقة لها سوى الإجماع الفلسطيني والتلاحم الرائع (والعابر) في المرحلة الأولى من الثورة الكبرى عام 1936، أي ممّا يقارب من تسعة عقود من الزمن.

 I

 لا أقصد فيما يلي استرجاع الماضي ولا إلى وضع برنامج أو خطة متكاملة للمستقبل، إن هي إلّا خواطر وتأملات متفرقة جعلتُها تدور بغثّها وسمينها حول الحال الفلسطينية والعربية من ناحية، والحال الإسرائيلية والأميركية من الناحية الأُخرى. ونقول بدءاً بالحال الفلسطينية أنها اتسمت أكثر ما اتّسمت قبل الهبّة الأخيرة المباركة بفقدان مركز ثقل وغياب ربّان وافتقار إلى بوصلة، فحلّ التناحر والتباعد وتوطدت الشرذمة وتعزّز الضياع وكانت استباحة المحتل لكل من القطاع والضفة بالتتابع فعانى كل منهما ما عاناه على حدة على عقود حتى جاءت الهبّة لتذكّرنا بأن لا غنى لليد اليمنى عن اليسرى والعكس بالعكس، وأن لا مكان في معركة بقاء أو زوال لصيغة معاصرة لمجلسيي ومعارضي ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، التي أدت إلى ما أدت إليه. وهكذا فإن أولى الأولويات طرّاً، والشرط اللازم الذي لا بد منه إذا أردنا الحفاظ على زخم الهبّة وإدامته لما تتضمنه من آمال وإمكانات، هما "تجسير" هذه الهوّة أولاً وأخيراً، فلو لم يكن يفصل القطاع عن الضفة سوى عاملَي الجغرافيا والمحتل لكان التحدي على أشده لأي قيادة فلسطينية متضامنة للحفاظ على التناسق بين ذراعَي الجسم الفلسطيني الواحد، فكيف بنا الحال ونحن نضيف إلى هذا الاستعصاء القائم التنابذ الحزبي والعقائدي من عندياتنا؟ لست هنا بصدد طرح صيغ توفيقية على قادتنا المتناحرين، وأكتفي بالقول: إن وُجد التصميم الإرادي على التعاون وُجدت صيغته ووُجد السبيل إليه، والشاهد على ما نقول ماثل في تصرف المحتل، فمن المعلوم أن ثمة هوّة بين علمانييه ومتدينيه، غير أنه من المعلوم أيضاً أن جل الوزارات المتعاقبة منذ قيام دولة إسرائيل إلى يومنا الحاضر إنما هي وزارات ائتلافية تضم ممثلين عن الطرفين، علماً بأن ما يفصل بينهما أعمق ممّا يفصل بين قطاعنا وضفتنا.

ولعل من أفدح نتائج غياب الربّان وبوصلته دبلوماسياً وإعلامياً ما نشاهده من حالة ضياع بالنسبة لغائيّة نضالنا ضد الصهيونية وإسرائيل في هذا التذبذب بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة، فحل الدولتين ليس مجرد بديل من جملة بدائل على "قائمة مشهّيات"، فهو ذاته هدف الاستقلال الوطني الذي استشهد في سبيله مئات الآلاف من شعوب أفريقيا وآسيا في نضالها ضد الدول الاستعمارية الغربية، وهو في الحالة الفلسطينية هدف الاستقلال على أكثر ما يمكن إنقاذه من براثن الصهيونية من أرض الآباء والأجداد حفاظاً على صبغتها العربية وما تضم من مقدساتنا وآثارنا التراثية، ولقد استشهد في سبيل هذا الهدف الآلاف المؤلفة جيلاً بعد جيل منذ وعد بلفور من سكان فلسطين ومن الشعوب العربية المجاورة. وإلى هذا وذاك فهو (أي حل الدولتين) قد حاز على إقرار أرفع المؤسسات الدولية في مئات من القرارات المتعاقبة، كما أن الدولة الفلسطينية المزمعة قد حازت على اعتراف ليس فقط الدول الإسلامية في قمة إثر قمة، والدول العربية في قمة إثر قمة موازية، بل وأيضاً على اعتراف السواد الأعظم من دول العالم قاطبة كبيرها وصغيرها، فهل يعقل أن يُلقى كل هذا في سلة المهملات لهثاً وراء سراب "الدولة الديمقراطية" تحت سقف القانون الإسرائيلي في كيان سياسي واحد؟

وإذ نقول "سراب" الدولة الديمقراطية فلا نقول ذلك تجوّزاً، بل وصفاً تجريبياً لواقع ساطع تتزاحم الشواهد عليه عن كنه الصهيونية ذاته النابذ للغير، والذي تتجلى حقيقته في سيل طافح من التشريعات والفتاوى القضائية والتلمودية والممارسات ليس أولها ولا آخرها ما جرى ويجري في الشيخ جرّاح وسلوان وسائر أكناف الحرم الشريف. ولا غرو، فالصهيونية اليوم بعد أن تصدرت إسرائيل النووية دول المشرق من المتوسط غرباً إلى حدود أفغانستان شرقاً برعاية الولايات المتحدة، لا تتوانى في الإفصاح عن أحقية شعبها المختار "العائد" إلى وطنه الأم، والمستمدة من تفويض رباني بافتداء فلسطين واستعادتها ممّن عليها من الدخلاء والغرباء.

 II

 لا يقلّ المشهد العربي المعاصر عن المشهد الفلسطيني تعاسة على صعيد قادته، وسأقصر كلامي على مظهرَين اثنين من هذا المشهد يتممان بعضهما البعض: مظهر ما أصفه بالهروب من العروبة يردفه مظهر الهروب من الإسلام، وليس أيهما بالحدث الطارئ، فلكل منهما سيرة تمهيدية تعود إلى عقود، وإن كان الهروب من العروبة هو الأسبق من توأمه.

والذي نعني في كلا الحالين بالنسبة للقضية الفلسطينية هو الهروب من الالتزامات المعنوية والأدبية تجاهها النابعة من قيم العروبة والإسلام الداعية إلى النخوة والنجدة باسم عروة وثقى عابرة للحدود تجاه قُطر زكّاه القرآن الكريم وأُطنب في تعداد فضائله وتفاني الأسلاف في الدفاع عنه، ووقع بعد الحرب الكونية الأولى فريسة الصهيونية وراعيها الإمبراطورية البريطانية.

التزم قادة العرب أول ما التزموا جماعياً وعلانية في العصر الحديث بالحفاظ على عروبة فلسطين في قمة أنشاص (المزرعة الملكية) من أعمال القاهرة 3 مايو / أيار عام 1946، وتصدّر الحضور في القمة الملك فاروق، وأحاط به كل من شكري القوتلي الرئيس السوري، والشيخ بشارة الخوري الرئيس اللبناني، والملك عبد الله ملك شرق الأردن، وولي العهد السعودي الأمير سعود نيابة عن والده، وسيف الإسلام ولي العهد اليمني نيابة عن والده الإمام، والأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق، فمثلت قمة أنشاص (أولى القمم العربية المتعاقبة فيما بعد) البلدان العربية التي كانت تُعتبر مستقلة حينذاك.

ماذا جرى في أنشاص؟ أصدر الحاضرون بياناً أعلنوا فيه لشعوبهم وللعالم قاطبة أنه بالنسبة لفلسطين، "فإن قضيتها ليست قضية خاصة بعرب فلسطين وحدهم بل هي قضية العرب جميعاً، وأن فلسطين عربية يتحتم على دول العرب وشعوبها صيانة عروبتها، وأنه ليس في إمكان هذه الدول أن توافق بوجه من الوجوه على أية هجرة (يهودية) جديدة ويعتبرون ذلك نقضاً صريحاً للكتاب الأبيض الذي ارتبط به الشرف البريطاني [صدر هذا الكتاب عام 1939]، ولهم عظيم الأمل أن لا يعكر صفو علائق المودة القائمة بين الدول والشعوب العربية من جهة والدولتين الديمقراطيتين الصديقتين من جهة أُخرى، أي تشبّث من جانبهما يرمي إلى تدابير ماسة بحقوق عرب فلسطين حرصاً على دوام هذه الصداقة، وتفادياً لرد فعل ينشأ بسبب ذلك ويفضي إلى اضطرابات قد يكون لها أسوأ الأثر في السلم العام."

ليس القصد هنا استعراض ما حصل منذئذ بأي تفصيل سوى القول إن القادة المذكورين وخلفاءهم ومَن انضم إليهم من قادة دول عربية استقلت بعد ذاك، ظلوا محافظين على عهد أنشاص بدرجات متفاوتة من التباين بين القول والعمل، وضحّى البعض تضحيات جسام في حروب طاحنة فكانت ذروة الالتزام باسم العروبة في الحقبة الناصرية، وكان الحظر البترولي الرائع عام 1973 ذروة الالتزام باسم الإسلام الذي ذهب فيصل بن عبد العزيز ضحيته، وإن كان الجاني من الأقربين.

جاء الانعطاف الخطير بالنسبة للالتزام باسم العروبة في زيارة السادات للقدس عام 1977، تلك الزيارة التي قلبت موازين القوى الإقليمية رأساً على عقب لصالح إسرائيل، ودشّنت عهد الإفصاح على رؤوس الأشهاد عن سيادة منطق القُطر على أي اعتبار آخر، وخاصة على أي التزام باسم العروبة نحو فلسطين.

وإذ كانت زيارة السادات للقدس المنعطف التاريخي الدافع للتهرب من التزام العروبة نحو فلسطين، فإن الثورة الخمينية كانت المنعطف التاريخي الذي شاهد بداية التهرب التدريجي لمعظم دول الجوار العربية من التزاماتها، إن باسم العروبة أو الإسلام تجاه فلسطين، ذلك أن الثورة الخمينية شكلت عبر الإسلام السياسي الرافض للملكية والتبعية للغرب تحدياً وجودياً في نظر سلالات معظم هذه الدول الحاكمة، فكان بعد ذلك دمغها للإسلام السياسي بالإرهاب، وكان التصاقها أكثر فأكثر بالمظلة الحامية الأميركية، خاصة بعد غزو صدّام للكويت وانفجار الوضع العراقي في عهد الرئيس بوش الابن. وساهم غزو صدّام للكويت في التباعد الفلسطيني الخليجي حيث اعتُبر الفلسطينيون متعاطفين مع صدّام، كما أن الحضور الخليجي الكثيف بين منفذي أحداث التاسع من أيلول / سبتمبر 2001 حفّـز بعض المسؤولين على وجوب الظهور أمام الرأي العام الأميركي بمظهر الاعتدال والتحضر، فأي ميدان في أميركا أظهر للمعقولية من ميدان قضية فلسطين حيث تمتد يد الصداقة نحو إسرائيل من قبل دولة تمتاز عن سائر الدول برمزيتها الخاصة؟

ولقد ذقت شخصياً طعم بوادر هذا التباعد خلال زيارة قمت بها مع عصبة من الزملاء إلى بلد خليجي منذ عقد ونصف من الزمن، إذ بادرني مسؤول كبير في هذا البلد بسؤاله أثناء اجتماعنا: "ما رأيك في برنامج إيران النووي؟" فكان جوابي: "أعتبره رادعاً للسلاح النووي الإسرائيلي"، فتساءل: "هل هذا بالفعل ما تعتقد؟" فكان جوابي: "بكل تأكيد"، وإذ بالمسؤول يقول: "قد يفيدك أن تعلم أننا نحن في هذا البلد نعتقد عكس ما تعتقد، فالسلاح النووي الإسرائيلي في نظرنا هو الرادع للبرنامج النووي الإيراني، ونصيحتنا لكم (يعني الفلسطينيين) التسارع إلى عقد الصلح بينكم وبين إسرائيل." وأول ما جال في ذهني لدى سماعي هذا الكلام أنه قيل علناً وجهاراً في حشد من المستمعين، فما عسى أن يقول صاحبنا في هذا الصدد في خلوات مع أقرانه ومع دبلوماسيي دول "صديقة"؟

هذه باختصار شديد هي خلفية ما سُمي حديثاً بالتطبيع الذي هو في كنهه عملية التفاف واعية حول الحقوق العربية والإسلامية في فلسطين، بما فيها الحقوق الفلسطينية التي جرى الكلام عنها منذ قمة أنشاص، في سبيل شرعنة كل ما اقترفته إسرائيل بقوة السلاح منذ حرب 1967 واحتلالها للقدس الشرقية، من نهب وهتك ومصادرة واقتلاع وقتل ونفي وتشريد واستيطان. والمبكي والمضحك في آنٍ أن يتسربل دعاة التطبيع بأثواب روحانية، وإذ بسحر الساحر وقدرة القادر يهبط الوحي فجأة وبإلحاح على أولي الأمر في أربع دول عربية في آنٍ موزّعة بين محيط الوطن غرباً وخليجه شرقاً وأعالي نيله جنوباً، أن هلمّوا إلى تكريم جدكم الأكبر وابنَيه إسماعيل وإسحاق عليهم جميعاً سلام الله وبركاته.

III

 ليس من باب الصدف أن يتربّع بيبي نتنياهو على سدة الحكم في إسرائيل لفترة أطول من سنوات حكم مؤسس الدولة وزعيمها العمّالي الأسطوري بن - غوريون نفسه، علماً بأن عودة بيبي للحكم ما زالت احتمالاً يضاهي احتمالات أي من منافسيه. وتكمن جاذبية نتنياهو في نظر شعبه في كونه يمثّل خير تمثيل غول سكرة الشعب اليهودي بجناحَيه الإسرائيلي والأميركي نتيجة شعوره بوصول إسرائيل إلى ذروة سلطانها في المشرق العربي بقيادة نتنياهو ذاته، وبالواقع فإذا كان وايزمان قد جاء بوعد بلفور، وأسس بن - غوريون الدولة، واحتل رابين الحرم الشريف، وأخرج بيغن مصر من حلبة الصراع، والتَهَم شارون الضفة استيطاناً، فقد توّج نتنياهو كل هذا وذاك بانتزاعه من أميركا نقضاً وانتهاكاً لعهود كل رئيس أميركي من أيزنهاور إلى أوباما... انتزع منها اعترافها بسيادة إسرائيل على حدود القدس المتروبولانية الموسعة الحائلة دون قيام الدولة الفلسطينية، وعلى نقل السفارة الأميركية إليها، وعلى شرعنة الاستيطان واستباحة ما تبقّى من تراب فلسطين. ولم يكتفِ نتنياهو بهذه الإنجازات المهولة، فقد خلب لبّ حواضر عربية بإغراءات تحالف ضد "عدو" لدود مشترك (إيران)، فحوّل الأنظار عمّا تقترفه أياديه ما بين البحر والنهر، وجذّر هوّة داخل الأمة الواحدة، وقاد هذه الحواضر (وغيرها تنتظر دورها بلهف) نحو الاعتراف بأمر واقع خلقه قسراً باسم تطبيع يسوّغه الرابط الإبراهيمي، ويجيز لإسرائيل مشاركة المسلمين في المسجد الأقصى الذي بورك حوله.

لم أقتنع يوماً ولو للحظة واحدة بأن إيران تشكل خطراً وجودياً على إسرائيل حتى لو امتلكت سلاحاً نووياً، فترسانة إسرائيل النووية عدداً ونوعاً تضاهي ترسانات الصين وفرنسا وبريطانيا، وتفوق ما لدى الهند والباكستان في هذا المجال، وتمتاز إسرائيل بفضل ما حصلت عليه من غواصات نووية من ألمانيا بقدرتها على "الضربة الثانية" (second strike capacity)، أي قدرة حصينة (وهذا بيت القصيد) عن طريق صواريخ نووية تحملها هذه الغواصات النووية التي من شبه المستحيل إصابتها وتعطيلها بحيث تتمتع إسرائيل بقوة نووية رادعة تؤمنها ضد أي اعتداء نووي عليها. غير أن إسرائيل أدمنت على معزوفة وجود أعداء ينوون إبادتها لتبرير ما تقترفه ضدهم من عبد الناصر إلى صدّام إلى عرفات إلى علماء إيران إلى غزة هاشم وأبراجها، فها هي اليوم تحيك بفضل دهاء هوديني تل أبيب وحنكته العلاقات الثنائية تباعاً مع دولة عربية إثر دولة بحيث انفردت بكونها قطب الرحى والقاسم المشترك بين عدد يتزايد منها، وها هي تُغِير متى تشاء على هذا القُطر العربي وتهدد ذاك وترسم الخطوط الحمر التي لا تسمح لدولة مشرقية عربية كانت أم إسلامية بتخطّيها، وها هي قادرة على اقتحام أي عاصمة عربية في جوارها في أقل من غضون أسبوع واحد، فالذي بين طهران وتل أبيب ليس أن طهران تشكل خطراً وجودياً على تل أبيب، ولكن أن طهران عاصمة دولة تحترم الذات وتستلهم عراقة مدنيتها وتأبى أن تتلقى الأوامر فيما يجوز لها أن تفعله في هذا المجال أو ذاك، كما ترفض الالتحاق بقافلة مَن يدور في فلك غيره؛ بكلمة، إن تحدي طهران لتل أبيب هو تحدي لهيمنة إسرائيل غير المشروطة على المشرق العربي الناتجة عن تدجينها لمَن دجّنته من دولنا العربية تباعاً.

حريّ بنا هنا أن نتطرق إلى عقيدة إسرائيل العسكرية في أعقاب حربها الأخيرة على غزة؛ تحرص إسرائيل منذ تأسيسها على تغطية عملياتها العسكرية بغطاء إعلامي كثيف مواكب نجحت دوماً في تسويقه في جميع حروبها السالفة عن طريق وسائل الإعلام الغربية التي تتمتع فيها بنفوذ عظيم، ولقد تفننت إسرائيل في إخراج منظومة من المسوغات والتفاسير تعمية وتمويهاً لما يحصل بالفعل في ميدان المعركة. فبالنسبة للقطاع، مثلاً، تتكرر المنظومة إياها: "إرهابيو" "حماس" لا يميزون في صواريخهم بين الهدف المدني والعسكري ويجعلون من سكان القطاع المدنيين دروعاً بشرية، ويطلقون صواريخهم من جوار المدارس والمساجد والمستشفيات ويقيمون غرف عملياتهم ومكاتبهم في عمارات سكنية أو في سراديب تحتها، أمّا الجيش الإسرائيلي فيتحاشى الأهداف المدنية تحاشي الجرّاح المرهف الحساسية والدقة عملاً بقِيَمه الأخلاقية التي تربّى الجيش عليها، فإذا حدث استثناءً أن أصيب مدنيون من سكان غزة فاللوم يوجّه إلى قادة "حماس" لأن ذلك يخالف العقيدة العسكرية التي نشأ عليها الجيش الإسرائيلي وقادته كل المخالفة.

لا يحتاج تفنيد هذا الهراء لكبير عناء، فأرقام الضحايا البشرية المدنية ودمار الأحياء السكنية والمؤسسات الاجتماعية والبنى التحتية التي تعقب كل حرب على القطاع خير شاهد على كذب رواية إسرائيل وزورها، وحريّ بنا أن نذكر في هذا الصدد أن ما لا يقلّ عن 75% من سكان القطاع هم أصلاً لاجئون من قرى عربية احتلتها إسرائيل وطردتهم منها، وأن إسرائيل بتواطوء قاهرة المعزّ تحاصر القطاع براً وبحراً وجواً، وتمنع الدخول إليه والخروج منه وتقيّد الصيد في بحره، وتقنّن ما يدخله من وقود أو طعام أو أدوية أو مواد بناء، وتتحكم بكهربائه ومياه شربه بحيث غدا القطاع نسخة طبق الأصل عن "غيتوات" العصور الوسطى لولا أريحية دولة عربية فريدة ونخوتها. أمّا الكلام عن احتماء رجال مقاومة "حماس" وراء دروع بشرية، فـ "الدروع البشرية" هي سكان القطاع المقاومون أنفسهم رجالاً ونساء وفتية، وما يفعله هؤلاء إنما هو الدفاع عن عقر الدار. ولا يزيد متوسط عرض القطاع عن خمسة أميال ولا يزيد طوله عن 15 ميلاً، ويبلغ مجموع مساحته 139 ميلاً مربعاً حظرت إسرائيل السكن فيما لا يقلّ عن ربعه، فحُشر المليونان من أهله فيما تبقّى من مساحته لينضموا إلى أكثر البقاع المدنية كثافة في العالم. وليس في القطاع المستوي والمسطح جبال الجزائر ولا غابات لبنان أو صحارى ليبيا فكان البديل عنها سراديب تحت الأرض، وإذ بهذه أصبحت بدورها بؤر الإرهاب التي تهدد وجود إسرائيل.

وبالنسبة للعقيدة العسكرية الإسرائيلية فلقد أنفقت العقود في دراستها في مظانّها الأصلية بدءاً بمذكرات قــادة "البلماخ"، وروايــات "الهاغاناه" عن حــرب 1948، وكتابــات كــل مــن بن - غوريون مؤسس الجيش الإسرائيلي ومرشده الروحي ومريده العسكري الأهم موشيه دايان. ولا يخامرني أي تردد في القول إن هذه العقيدة العسكرية ضاربة جذورها في التاريخ العبري السحيق، وأنها مشبعة بالقيم والتعاليم والممارسات التوراتية الخاصة بكيفية التعامل مع الشعوب التي تقف حجر عثرة في سبيل تحقيق أحلام الصهيونية، واكتمال استعادة أرض الميعاد وافتدائها.

وبعد، فكلمة تحية إلى أبطال غزة هاشم، ذلك أن إسرائيل كانت قد أنشأت مستعمرات في القطاع مدت إليها أنابيب مياه امتدت أميالاً داخله، ثم أخلت إسرائيل هذه المستعمرات اضطراراً تاركة الأنابيب مكانها تحت الأرض، وإذ برجال المقاومة في غزة يحوّلون هذه الأنابيب إلى صواريخ أوقفت حركة الطيران في مطار بن - غوريون الدولي أكثر من مرة.

 IV

 الشعب اليهودي اليوم طائر ذو جناحَين، جناحه الأيمن أميركي وجناحه الأيسر إسرائيلي، وتعداد كل منهما حوالي ستة ملايين، ولم يتبقَّ في أوروبا اليوم سوى بضعة مئات آلاف من يهودها. أمّا الدول الإسلامية والعربية فقد أفرغت، كفى الله عنها، ما في كنفها من مواطنيها اليهود في إسرائيل بُعيد قيامها.

لم يكن هذا الوضع الديموغرافي العام قائماً في مطلع القرن الماضي، ذلك أن أكبر مستودع بشري ليهود العالم كان في أوروبا الشرقية ومجموعه حوالي عشرة ملايين، نصفهم فيما أصبح الاتحاد السوفياتي، والنصف الآخر في منطقة مترامية الأطراف بين الاتحاد السوفياتي غرباً وبولونيا شرقاً يحدّها من الشمال بحر البلطيق ومن الجنوب البحر الأسود. وكانت الولايات المتحدة حينذاك تستقبل المهاجرين بدون تحديد أو تقييد، وكانت الهجرة إليها معظمها من أوروبا الوسطى أو الغربية، غير أنه بدءاً بثمانينات القرن التاسع عشر أخذت تتدفق عليها الهجرة الجماعية من يهود أوروبا الشرقية إثر تفاقم اللاسامية فيها، وكان معظم القادمين من الطبقات الأرثوذكسية المعوزة والأمّية الغارقة في التعاسة، فقفز نتيجة ذلك مجموع اليهود في أميركا في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر من بضعة مئات آلاف معظمهم من الإصلاحيين (reformist) ذوي الثقافة الألمانية إلى ما ينوف عن المليونين معظمهم من شرق أوروبا.

حرّكت هجرة اليهود هذه اللاسامية الكامنة في الأكثرية الأنجلوسكسونية البروتستانتية البيضاء المشبعة أصلاً بالعنصرية ضد السود، فأخذت تتنامى الدعوة إلى تقييد الهجرة إلى أميركا، وبالفعل سُنّ أول التشريعات بهذا الهدف قبيل الحرب العالمية الأولى. وشعر قادة الجالية اليهودية من أصول ألمانية بخطورة اللاسامية عليهم هم، وعلى مستقبل يهود أميركا ككل، وكان أبرزهم المحامي الألمعي لويس برَندايس (Louis Brandeis) (1856 - 1941) الذي آلت إليه قيادة الحركة الصهيونية العالمية خلال الحرب بسبب كون الولايات المتحدة دولة محايدة بين المعسكرَين المتحاربَين.*

كان برَندايس أقرب المقربين إلى الرئيس ويلسون أثناء ولايته (1913 - 1921)، ذلك أن نصائحه في السياسات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية كانت هي الحاسمة في انتخاب ويلسون. وأعرب ويلسون عن تقديره لبرَندايس وإعجابه به بتعيينه عضواً في المحكمة العليا (supreme court) في وجه مقاومة عنيفة من حزبه الديمقراطي، فكان برَندايس أول يهودي يحتل هذا المنصب الذي ظل فيه من سنة 1916 لغاية وفاته عام 1941.

لقد أطلت الحديث عن الهجرة إلى أميركا وعن برَندايس لأن الأمر ذو علاقة وثقى بصدور وعد بلفور، وبالتالي بنجاح الصهيونية وبدور الجالية اليهودية الأميركية الحاسم عبر الإدارة الأميركية في ولادة إسرائيل. ولقد أمضيت جزءاً كبيراً من السنوات الثلاث الماضية في دراسة ظروف إصدار هذا الوعد، وخلاصة ما انتهيت إليه هو أن ما كانت الحكومة البريطانية لتصدر وعد بلفور لولا تأييد ويلسون لذلك، وما كان ويلسون ليؤيد إصدار الوعد لولا تأثير برَندايس عليه، وما كان برَندايس ليحبّذ ذلك لولا تخوفه من تدفّق المهاجرين اليهود من شرق أوروبا على الولايات المتحدة.

وهكذا فإن الصهيونية التي عنت أكثر ما عنت عملياً الهجرة اليهودية الجماعية حصراً إلى فلسطين كانت نقطة الملتقى المركزية بين الأطراف جميعاً، فهي: تحوّل الهجرة اليهودية عن شواطئ الولايات المتحدة بالنسبة لويلسون وبرَندايس، وتحوّل الهجرة عن بريطانيا ودول الكومونولث بالنسبة لبلفور، وتحقق أحلام حاييم وايزمان زعيم الحركة الصهيونية وأهدافه في فلسطين.

لا يشكل الشعب اليهودي في أميركا اليوم أكثر من 2% من مجمل سكانها البالغ 330 مليوناً، غير أن نفوذه، خاصة فيما يتعلق بسياسة أميركا في الشرق الأوسط، لا يتناسب إطلاقاً مع هذه النسبة العددية، ويعود ذلك لعدة أسباب منها إقبال يهود أميركا إقبالاً مثيراً للإعجاب على التعليم العالي، ممّا يعزّز أهليّة أعداد كبيرة منهم لأعلى المناصب. ففي جامعة هارفرد مثلاً لا تقلّ نسبة هيئة التعليم من اليهود عن 30% وكذلك الأمر بالنسبة للطلبة، وعدد اليهود في الكونغرس 33 عضواً أي 6,2% من أعضائه أي ثلاثة أضعاف نسبته العددية، وفي المحكمة العليا قاضيان يهوديان من أصل 9 قضاة أي 22% من عضوية المحكمة. ونظراً لدور الناخبين الثانويين في الانتخابات الرئاسية (electoral college)، فإن تواجد اليهود في ولايات حساسة انتخابياً، وإقدامهم الحماسي على الانتخاب بنسبة أعلى بكثير من غيرهم، وسخاءهم في تبرعاتهم، ونفوذهم الواسع في وسائط الإعلام، تحتّم على أي طامح سياسي أميركي التودد إليهم ومجانبة استفزازهم.

وهكذا فإن الشعب اليهودي الأميركي اليوم جزء عضوي من النخبة السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية، الأمر الذي يتجلى في سياسات أميركا الخاصة بالشرق الأوسط. فما تتلقاه إسرائيل من المال الحكومي يفوق أضعافاً ما تتلقاه من المؤسسات الصهيونية الأميركية ولا رقابة أو محاسبة على كيفية إنفاقه، ويفوق ما تتلقاه إسرائيل من هذا المال (على الرغم من رخائها) أضعاف ما تتلقاه أي دولة أُخرى، وأميركا هي الوكيل القضائي عن إسرائيل في المحافل الدولية حيث ترافع عنها وتحول دون إدانتها وتنتقد مَن يتعرض لها وتقاطع مَن يقاطعها. وفي المجال العسكري تحصل إسرائيل على أحدث أسلحة أميركا وأكثرها فتكاً وأوثقها دفاعاً، وتضمن أميركا تفوّق إسرائيل النوعي والكمّي العسكري، وتتغاضى عن ترسانتها النووية وتكرر بببغائية مذهلة مقولة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها مهما اقترفت أيديها أو انتهكت من شرائع الحروب. أمّا في المجال السياسي فيبدو أن لا حدود دولية بين الاثنين، وقد تكون إسرائيل الولاية الواحدة والخمسين، فبيبي يُدعى لإلقاء خطاب على الكونغرس بدون موافقة رئيس الجمهورية، ومرشحة لرئاسة الجمهورية تزور بيبي في مقره الرسمي حتى بعد فشله في تأليف وزارته.

وبعد، يقال إن ثمة تحوّلاً في المشهد اليهودي الأميركي يبشّر بالخير، وبالفعل فقد أخذت ثغرة تتسع، خاصة بعد ولاية ترامب وسياساته العنصرية بين الأجيال اليهودية في نظرتها إلى إسرائيل، فقد أوردت جريدة "النيويورك تايمز" مثلاً عام 2019، إحصائيات تفيد أنه بينما لا يوافق سوى 6% من اليهود الذين فوق سن الـ 50 على أن ترامب يغالي في تأييده لإسرائيل، فإن 25% من الذين بين سن الـ 18 - 29 يوافقون على هذا القول، على أنه خليق بنا أن ننتبه إلى أن نفوذ إسرائيل في سيرها اليميني المهيمن لم يعد مستمداً في أكثره في أميركا من الجالية اليهودية، بل غدا يرتكز أكثر فأكثر إلى قاعدة إنجيلية مسيانية وتعاطفها غير المشروط، والتي تشكل لا أقل من 30% من ناخبي الحزب الجمهوري المعاصر. فإذا أخذنا بعين الاعتبار بأن الانتخابات الرئاسية الأخيرة أظهرت بأن 61% من البيض و39% من الأقليات "الملونة" صوّتوا لبايدن، بينما صوّت لترامب 85% من البيض و 15% من الأقليات، لأدركنا خطورة هذا الصراع وتبعاته علينا.

وختاماً أقول لأولي الأمر في حواضرنا: حذار... حذار... من التمادي في التطبيع، فأهل اليمين الإسرائيلي واليمين الأميركي يعتبرونه دليلاً على رضا سبحانه وتعالى، كما اعتبروا قبلاً ما حدث في 1948 و1967 تحقيقاً لنبوءات توراتية.

 

* لم تدخل أميركا الحرب إلّا عام 1917.

 

أحمد خليفة: الرصاصة والقلم

بعد حياة نضالية مديدة، غادر زميلنا، ومدير تحرير "مجلة الدراسات الفلسطينية" السابق، أحمد خليفة، عالمنا هذا، تاركاً خلفه إرثاً عظيماً خطّه برصاصة وقلم.

ولد أحمد خليفة في حيفا في سنة 1937، وعاش نكبة 1948، لينتقل، قهراً، مع عائلته إلى دمشق، مع عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين طردهم الصهيونيون من أرضهم.

كان يفاضل دائماً بين تحصيله العلمي والهمّ النضالي، فيغلب الأخير الأول. هكذا قطع دراسته في الهند في سنة 1958، عائداً إلى دمشق ليدرس في جامعتها، وفي ألمانيا التي غادرها أيضاً في سنة 1964 متوجهاً إلى بيروت، ليمارس العمل السياسي الحزبي، منذ بدايات تأسيس حركة القوميين العرب وكان من قادتها، وأحد أعضاء هيئة تحرير مجلة "الحرية" الناطقة باسم الحركة، إلى جانب غسان كنفاني ومحسن إبراهيم ومحمد كشلي وبلال الحسن.

في سنة 1966، ترك "الحرية" للتحصيل الدراسي في مصر، لكن بعد هزيمة حزيران / يونيو 1967، تسلل إلى الأراضي المحتلة حيث اعتقلته قوات الاحتلال في سنة 1968 عامَين، في إثر تنفيذ الجبهة الشعبية عمليات مسلحة ضد الاحتلال، ليعود بعدها إلى بيروت ويعمل في القسم العبري في مركز الأبحاث الفلسطيني، وهي اللغة التي تعلّمها خلال اعتقاله.

في سنة 1973 انضم أحمد خليفة إلى عائلة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وشارك في إصدار "مجلة الدراسات الفلسطينية"، وأشرف على نشرة "مختارات من الصحف العبرية" الإلكترونية حتى وفاته.

له العديد من الكتب، تأليفاً وتحريراً وترجمة، وعشرات المقالات البحثية.

 

اقرأ المزيد