قراءة في كتاب وليد الخالدي "المكتبة الخالدية في القدس 1720م – 2001 م"
التاريخ: 
11/06/2021

صدر كتاب "المكتبة الخالدية في القدس 1720م – 2001 م" لوليد الخالدي، الكاتب والمؤرخ والأستاذ الجامعي والمرجع في القضية الفلسطينية، ومؤلف عشرات الكتب والأبحاث عن القضية الفلسطينية، أهمها: "كي لا ننسى قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها"، و"دير ياسين"، و"أرض السفارة الأميركية في القدس: المُلكية العربية والمأزق الأميركي"، إلخ.

وقد صدرت الطبعة الثانية من الكتاب سنة 2021 بتعاون مشترك بين مؤسسة الدراسات الفلسطينية والمكتبة الخالدية، وبدعم من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي. يقع الكتاب في 86 صفحة.

ينقسم الكتاب إلى عدة أقسام، في القسم الأول يتحدث الكاتب عن تاريخ عائلة الخالدي، أما القسم الثاني فيتناول التسلسل الزمني لإنشاء المكتبة والمراحل المفصلية لنشأتها وبقائها إلى يومنا هذا. ويزين الكاتب كتابه بعدة صور داخلية وخارجية للمكتبة، وصور تاريخية لشخصيات من عائلة الخالدي، ويرفق صوراً لشجرة العائلة. ثم يختتم الكتاب بملحق مقدمة كتاب "فهرس مخطوطات المكتبة الخالدية في القدس"، الذي أعده نظمي الجعبة وأصدرته مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي في لندن.

تقع المكتبة الخالدية في قلب البلدة القديمة في القدس على مسافة مئة متر من الحرم الشريف من الناحية الجنوبية لطريق باب السلسلة، وتطل على حائط البُراق وعلى حي المغاربة، ويقع مبنى الخالدية في موقع تربة بركة خان التي تضم باحتها أضرحة ثلاثة من كبار أمراء الخوارزميين الذين وفدوا إلى مصر والشام لمقاتلة الإفرنج، وهم: حسام الدين بن بركة خان "الأب" وولداه حسام الدين وبدر الدين، علماً بأن السلطان الظاهر بيبرس تزوج من ابنة حسام الدين بن بركة خان. أُلحق بالمكتبة الخالدية مبنى آخر على الجانب المقابل لطريق باب السلسلة، إلى الشرق منها في اتجاه الحرم الشريف.

يطرح الكاتب تطور نشأة المكتبة الخالدية منذ بداياتها سنة 1720، عند تجميع أول مخطوطاتها، وذلك قبل افتتاحها كمكتبة عامة سنة 1900، وكيف تطورت من عام الافتتاح إلى عام النكبة 1948، ثم مرحلة ما بعد النكبة حتى عام النكسة 1967 واحتلال إسرائيل القدس الشرقية، مروراً بفترة الاحتلال الإسرائيلي للقدس، وكيف تمكنت جمعية أصدقاء المكتبة الخالدية من الحفاظ عليها وتطويرها وتنميتها لتكون عنواناً للصمود والبقاء في المدينة المقدسة.

يُعتبر الكتاب نموذجاً لقصة صمود عائلة أنشأت مكتبة عامة من أجل جمع المخطوطات وكتب تراث العائلة عبر زمن طويل إلى أن أصبحت مكتبة عامة عامرة بالمخطوطات والكتب العربية وبلغات أُخرى. هو كتاب يروي كيف أن أهل المدينة المقدسة حتى في زمان التهويد والقمع والتهجير من الاحتلال، لم يتوانوا عن متابعة وحماية تراثهم وأماكنهم المقدسة وخدمة مساجدهم ومعاهدهم وكنائسهم عبر التاريخ، والحفاظ على الإرث الحضاري والإنساني. لقد كانت القدس عبر التاريخ ملتقى العلماء والفقهاء والأدباء وتزخر بالعلم، وبإرث تاريخي كبير من المخطوطات.

وتُعتبر المكتبة الخالدية إحدى المكتبات المعروفة في فلسطين لاحتوائها على مخطوطات من مكتبات في القدس وجنين وعكا ونابلس والخليل وغيرها من المدن الفلسطينية، وطرح الكاتب أسماء المكتبات الباقية إلى يومنا هذا وعدد المخطوطات التي تحتوي عليها.

يتناول الكاتب قصة نجاح عائلة الخالدي في تجربة بناء مكتبة في القدس، وتحويلها من عائلية إلى مكتبة عامة تحتفظ بأكثر من 1200 مخطوطة عربية وفارسية وتركية، وأكثر من 6000 كتاب، بالإضافة إلى آلاف الأوراق العائلية. وقد واجهت وقاومت الاحتلال بكل الوسائل من أجل الحفاظ عليها، ابتداء من أعمال ترميم المبنى الذي حاولت إسرائيل تصنيفه إلى "أملاك الغائبين" للسيطرة عليه، إلى مواجهة قطعان المستوطنين ومحاولات الاستيلاء على المكان ومواجهة أفراد العائلة لهم في المحاكم الإسرائيلية ومن خلال بلدية الاحتلال حتى حققوا انتصاراً عليهم بمنعهم من رمي الردم والقمامة، مروراً بإغلاق الشبابيك المطلة على ساحة المكتبة. ويذكر الكاتب دور عالمين إسرائيليين، أمنون كوهين وداني باعات، لدورهما ومساهمتهما في إقناع المحكمة ولجان البلدية بما قدماه من معلومات عن صحة ما قدمه القائمون على المكتبة، وقيام أفراد العائلة وأصدقاء المكتبة بالاتصالات، ودورهم في الحفاظ على المكتبة من أجل الترميم وصيانة المخطوطات وفهرستها بطريقة عصرية.
يطرح الكاتب في هذا الكتاب تاريخ عائلة الخالدي التي تعود أصولها الأولى إلى الصحابي خالد بن الوليد، شارحاً تسلسل شجرة العائلة، ومتناولاً شخصيات عائلة الخالدي ودورها في تقلّد المناصب ما بين العلم والتدريس والقضاء والسياسة، من عهد الدولة العثمانية إلى يومنا هذا.

ويذكر الكاتب الذي ينتمي إليها، والذي تُعتبر كتاباته من أهم المراجع في القضية الفلسطينية، أن أحد أفراد العائلة تنبه مبكراً إلى الخطر الصهيوني بعد بدء الهجرة اليهودية خلال القرن الثامن عشر، فقد وجّه يوسف ضياء الدين الخالدي إلى ثيودور هيرتسل مؤسس الصهيونية، عبر حاخام فرنسا الأكبر زادوك كاهن، رسالة يذكّره فيها بأن فلسطين جزء لا ينفصل عن جسم الدولة العثمانية، وأنها مأهولة اليوم بغير اليهود، كما ذكّره بمكانتها لدى المسلمين والمسيحيين وأهميتها، وبأن الأموال اليهودية لن تشتري فلسطين. ردّ هرتسل عليه بأن اليهود سيعينون الدولة العثمانية اقتصادياً، وفي حال عدم موافقة إستانبول فسيبحثون عن مكان آخر. وتُعتبر هذه الرسالة الوحيدة من هرتسل إلى كاتب عربي فلسطيني معترض على المشروع الصهيوني.

ختاماً، تُعَد المكتبة الخالدية من أهم المكتبات العامة في القدس لأهميتها العلمية، إذ كانت مهبط الزائرين عبر التاريخ من خلال سجلّ زوارها، إبراهيم طوقان؛ قسطنطين زريق؛ علي الجارم؛ بندلي الجوزي؛ عارف العارف؛ ويليام أولبرايت.. إلخ، وهم مقيدون في سجلّ الزائرين. وتحتوي المكتبة على أرشيف مهم من المخطوطات والكتب العربية والأجنبية وأرشيف العائلة، بالإضافة إلى فهارس المخطوطات والمكتبة لتسهيل عمل الباحثين.

وتقوم المكتبة الخالدية اليوم بتقديم الخدمات للباحثين من مخطوطات وكتب للاطلاع والبحث، وتضم قاعات مجهزة من أجل القراءة، وقاعات لإقامة المناسبات العلمية لكي تستمر المكتبة في تقديم خدمات عامة، ويوجد للمكتبة موقع إلكتروني يوثّق كل أعمالها من صور وأفلام ونشاطات.

ومن خلال الوثائق المتوفرة في مكتبة الخالدية تم إصدار عدة كتب، منها كتاب "فضائل القدس دراسة تحليلية" للوليد بن حماد الرملي، وكتاب محمد روحي الخالدي "السيونيزم أي المسألة الصهيونية"، الصادران عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية والمكتبة الخالدية في 2019 و 2020.

صدرت الطبعة الأولى من كتاب "المكتبة الخالدية" سنة 2001، ثم صدرت طبعته الثانية سنة 2021 باللغتين العربية والإنكليزية، وتشمل توثيق الفترة الزمنية من سنة 2001 حتى تاريخه، والتي جاءت كإضافة نوعية إلى الكتاب الجديد. إن تجربة بقاء المكتبة الخالدية عامرة في القدس هي عنوان للبقاء الفلسطيني وصموده.

عن المؤلف: 

عمر رمضان صبره: باحث قانوني – مقيم برام الله.

Read more