من ذاكرة السجن هدّي يا بحر هدّي طوّلنا في غيبتنا
التاريخ: 
10/03/2021
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
الأسرى

جدران وحواجز تفصل بين جانبين تعلن انتهاء عالم وبداية عالم آخر، وكلٌّ في عالمه. في الجانب الأول كوكب تعمّه الحياة بكافة أشكالها، الطبيعة تأخذ حيّزها والبشرية تمارس نشاطها، وعلى الجانب الآخر حياة مع وقف التنفيذ، بما تحمل من معاناة وعزل وحرمان. كثيراً ما احتلت هذه الصورة حيزاً من تفكيري، مجرد جدار يفصل بين عالمين مختلفين. أمتار قليله تفصلني عن الحياة، نعم إنها أمتار، وفي بعض الأحيان أقل من متر واحد، لكن المسافة التي تخلقها هذه الجدران مسافة شاسعة، وكلما طالت فترة وجودي خلف القضبان كلما ازدادت المسافة بعداً.

 

اللوحة للفنان محمد صالح خليل، ٢٠١٦

 

في أوائل شهر آب/أغسطس تم نقلي من سجن النقب الصحراوي لإجراء فحص طبي مؤجل، كان من المقرر إجراؤه منذ عدة سنوات في مستشفى برزيلاي القائم على أراضي مدينة عسقلان الساحلية. تم نقلي بسيارة عبارة عن زنزانة متنقلة. انتقلت بنا الزنزانة من سجن بئر السبع إلى المستشفى. كنت طوال الوقت أحاول التعرف على مكان تواجدي بإحساسي، وذلك لعجزي عن المشاهدة بسبب صفائح الحديد من الجهات الأربع، والتي كانت تحجب الرؤية في داخل الزنزانة القاسية المتنقلة.

توقفت الزنزانة، وبعد دقائق فتح لي السجانون الأربعة المرافقون البابين الخلفيين لما تسمى سيارة، ثم دعوني إلى النزول، وإذ بي أجد نفسي بين السماء والطريق، ولأول مرة أدوس الأسفلت، شعور جميل غاب عني منذ أعوام طويلة. قطع هذا الشعور سحب السجانين لي بشكل مباغت من الأصفاد المزدوجة التي تقيد يديّ، وأدخلوني إلى المبنى المخصص للفحص الطبي، بينما الأصفاد التي تقيد رجليّ تنخر الأرض، فكانت تدعو الموجودين في المكان إلى مشاهدة دخولي وسيري بين عدد من الحراس المسلحين، إذ كان الصوت والمشهد ملفتين للأنظار من دون شك، وخصوصاً وأنا أرتدي الزي البني الخاص بالأسرى.

مفاوضات السيجارة

بعد انتهاء الفحص كان على السجانين أن يذهبوا إلى مبنى آخر لحجز موعد لي لإجراء العملية الجراحية. ونتيجة بُعد المكتب وطول المسافة قرر المرافقون نقلي بالسيارة الزنزانة، وبمهارة السجانين، وبسرعة خاطفة وجدت نفسي بين جدران الزنزانة الحديدية من جديد. ما هي إلّا دقائق حتى توقفت من جديد. خلال هذه الفترة حاولت أن أستخدم دهاء وخبرة سنوات السجن بالتعامل مع السجانين، لأحقق أمراً بسيطاً جداً بالنسبة إليكم، لكنه يُعتبر حلماً كبيراً جداً بالنسبة إلي، وهو أن أدخن سيجارة في الهواء الطلق، لأخرج من زنزانتي وأطلّ على الكوكب الآخر ولو لدقائق. جاء الضابط المسؤول وقال لي: ستبقى هنا إلى حين عودتي من حجز موعد العملية، فطلبت منه أن يسمح لي بتدخين سيجارة لأنني لم أدخن منذ وقت طويل، فكان رده بالرفض كما هو متوقع، ودار جدال طويل بيننا تمكنت خلاله من انتزاع موافقته، فبلّغ السجانين الثلاثة بأنه يسمح لي بتدخين سيجارة واحدة. وبما أن الزنزانة محكمة الإغلاق وصغيرة جداً، سيتم فتح الأبواب وإخراجي الى الشارع لأدخن. وفعلاً فُتح الباب الأول والثاني وقال السجان اخرج. توترت قليلاً، لملمت ذاتي ونزلت على درجات السيارة. هاجمتني الدنيا دفعة واحدة، شعرت كأنني أخرج من عنق زجاجة. توقفت إلى جانب السيارة على الأسفلت للمرة الثانية بعد سبعة عشر عاماً، نظرت يساراً نحو موقف السيارات، أمامي مبنى ضخم، ثم نظرت نحو الأعلى، كانت شمس الظهيرة حارة وقاسية، تمكنت من رؤية السماء، شعرت بدوار شديد، تعب نظري لعدم قدرته على التعامل مع المسافات البعيدة بعد كل هذه السنوات. أخفضت رأسي وأخذت نفساً عميقاً وقلت إن الدنيا واسعة ورحبة. 

سنوات السجن ومساحاته الصغيرة تجعلك تشعر بأن الكوكب أصبح صغيراً جداً إلى حد الاختناق. قطع صوت السجان دواري وهو يشير بإصبعه نحو الغرب ويقول لي: انظر إلى هذا الاتجاه، أدرت رأسي نحو الغرب، ومن شدة الصدمة أعدت رأسي مجدداً نحو الشرق، عاودت الكرّة مجدداً، ثم أدرت جسدي وأدرت أصفادي رفيقة رحلتي. حبست أنفاسي إزاء ما شاهدت، وفجأه دوت صرخة في أعماقي وبصمت: إنه البحر، إنه البحر يا إنسان.... فعلاً على بعد أمتار، ها هو بحر عسقلان أمام ناظري. لم أصدق ما رأته عيناي، فسألت السجان هل هذا هو البحر؟ فأجاب مستغرباً: نعم. هذا أكثر مما كنت أحلم به، أردت هواء طلقاً وسيجارة فوجدت بحراً. من شدة الفرح هبط قلبي وشعرت بأنه قفز من مكانه فجأة، واقشعر بدني لهذا المشهد الرهيب الهائل، إنه البحر اللامتناهي طولاً وعرضاً أمامي. أخذت نفَساً عميقاً من هواء البحر، شعرت بسلام وهدوء لم أشعر بهما سنوات طويلة. أشعة الشمس تتساقط على رأسي، أتلذذ بحرارتها، هواء البحر يداعب وجهي، ورائحته أعادتني إلى سنوات خلت، فلم أعد أرَ سوى البحر، ولم أعد أسمع سوى صوت أمواجه. أخذت نفَساً عميقاً من سيجارتي بعد أن أشعلتها، تطاير الدخان مع نسيم البحر، وأخذني معه إلى اللامكان؛ ركبت أمواج البحر، وصلت إلى بيتي والتقيت أحب الناس إلى قلبي، تذكرت الأحباء والأصدقاء؛ شدني البحر نحو أعماق الذاكرة، نحو طفولتي وشبابي، ذكّرني بالأماكن والأزقة، وبكل من كانوا معي وكنت معهم. حلمت بالمستقبل المنتظر، تخيلت لقاء الوطن، لقاء الأحبة والأماكن، تعطشت لرؤية الأعزاء والتعرف إلى وجوه أسمع عنها ولم أتمكن من لقائها، شعرت بالحاجة إلى احتضان الكون. انتابني قلق ورهبة مفاجئين، عدت بناظريّ إلى أمواج البحر مجدداً، مثقِلاً على سيجارتي. أين أنت من كل هذه السنوات أيها الإنسان؟ سألني البحر مجدداً، فقلت والدمعة في عيني: إنهم سبعة عشر عاماً، نعم كل هذه الأزمنة. إنه البحر، والرحلة لم تنتهِ بعد.

لقد جئتني يا بحر مباغتاً، لم أتوقع أن أصل إليك أو تصل إلي في هذا الوقت وهذه الحال. مهما يكن، فقد ذكّرتني هذه الصدفة بوجودك ووجود كل الأشياء التي أُرغمتُ على نسيانها، هذه الصدفة ذكّرتني بأن الهواء أهواء، وبأن الحياة ما زالت حياة. أنت يا بحر أكدت لي مجدداً قول الشاعر محمود درويش " على هذه الأرض ما يستحق الحياة: على هذه الأرض سيدة الأرض، أمّ البدايات أمّ النهايات، كانت تسمى فلسطين. صارت تسمى فلسطين".

جاء حديث السجان قاطعاً تأملاتي "لقد انتهت السيجارة، هيا اصعد إلى السيارة"، كم تمنيت ألّا تنتهي السيجارة، حاولت التلكؤ في مكاني، لكن إصراره وضعني مجدداً داخل الزنزانة، في ثوانٍ عدت إلى عالم ليس لنا، عالم السجن والجدران، آلمتني جداً تلك الألواح الحديدية التي تفصل بين العالمين، وقد تذكرت الأديب الراحل غسان كنفاني في روايته "رجال في الشمس" حين قال: لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ وانتابني إحباط وضيق، وإذ بالبحر يناديني مودعاً، لا تحزن فاللقاء أمسى قريباً، فمهما طال الجزْر سيأتي المد، فجزْرنا موقت ومدّنا باقٍ أيها العربي.

تحركت السيارة الزنزانة نحو الشرق، ووجدت نفسي أغني على إيقاع الأصفاد وهي تعانق بعضها بعضاً...

هَدّي يا بحر هدّي طوّلنا في غيبتنا... وَدّي سلامي ودّي للأرض اللي ربتنا.

عن المؤلف: 

بلال عودة: أسير محرر، أمضى في السجون الإسرائيلية 18 عاماً (2001-2019)، حائز على شهادة الماجستير من الجامعة المفتوحة في موضوع "الديمقراطية والعلاقات الدولية" خلال دراسته في السجن.

Read more