الحفاظ على التراث السمعي والمرئي الفلسطيني: اعتبارات فنية لغير المختصين
التاريخ: 
09/02/2021
المؤلف: 

تطورت التقنيات التي ابتكرها توماس إديسون لتسجيل الصوت في العقدين اللذين سبقا الحرب العالمية الأولى، إلى وسيط أسطوانات الشمع وأقراص الشيلاك التي انتشرت بشكل واسع وكان يتم تشغيلها على الآت الفونوغراف والجراموفون. وهناك أدلة على أنه بحلول تسعينيات القرن التاسع عشر، بدأت النخب الثرية في المدن والريف في مصر وشرق البحر الأبيض المتوسط ​​بشراء تلك الآلات المثيرة للدهشة من الخارج. وبحلول أوائل القرن العشرين، كان يمكن شراؤها في جميع أنحاء الإمبراطورية العثمانية من وكلاء الشركات الرئيسية متعددة الجنسيات مثل شركة (Gramophone & Typewriter) البريطانية، وشركة أوديون الألمانية. وبحلول سنة 1907، تم إنشاء شركات تسجيل محلية مستقلة مثل Baidaphone)) ومقرها بيروت وبرلين وMechian)) ومقرها القاهرة والتي أصبحت تنافس الشركات الأوروبية متعددة الجنسيات، من خلال التسجيل لفنانين محليين مشهورين، وهو توجه أخذ بالتوسع مع بداية القرن.

كان الفلسطينيون جزءاً مهماً من الصوت المسجل تجارياً في المنطقة سواء كمطربين أو فنانين أو ممثلين أو مستمعين. وتعتبر كتالوغات شركات التسجيلات من عشرينيات القرن الماضي دليلاً كافياً على ذلك. وفي الواقع، وبحلول الثلاثينيات، أصبحت مركزية فلسطين في مجال تسجيل الصوت جلية مع تأسيس راديو هنا القدس في سنة 1936 وإذاعة الشرق الأدنى بعد ذلك بخمس سنوات. وكما هي الحال مع السينما، برزت فلسطين كمركز إقليمي للإنتاج والاستهلاك الثقافي التجاري. ويورد كتاب بشار شموط عن التراث السمعي البصري الفلسطيني الذي أصدرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية مؤخراً، مقدمة ممتازة بشأن ثراء هذا الماضي المسجل.

إن استعمار الحركة الصهيونية لفلسطين، وطرد أغلبية السكان الفلسطينيين الأصليين، وإنكار عودتهم، ونهب وتدمير ما تركه اللاجئون الفلسطينيون وراءهم، وتشتتهم في زوايا بعيدة في الأرض، يجعل من الأصعب اكتشاف المجموعات الشخصية والخاصة. وكذلك توارث الأجيال الجديدة لهذه المواد دون أن تدرك محتويات أو قيمة ما تركه أسلافهم وراءهم، كل تلك عوامل تزيد من المخاطر التي تواجه التراث السمعي البصري المسجل للفلسطينيين. بالإضافة إلى كل ذلك، هناك المخاطر التي تواجه مجتمعات العالم بأسره في مجال المواد السمعية والبصرية. اليوم، تدق المجموعات والمؤسسات التي تُعنى بالذاكرة في جميع أنحاء العالم ناقوس الخطر بشأن هذه المخاطر التي تواجه التراث السمعي البصري المسجل، وهي وتشمل على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:

1) الخطأ البشري: لقد أشرت إلى سيناريو قيام الورثة بالتخلص من المواد السمعية والبصرية التي توارثوها دون معرفة قيمة تلك المواد. ومع ذلك، فإن التلف والضرر الأكثر شيوعاً ينتج من أشكال أُخرى من الخطأ البشري وهي تخرين المواد أو الاحتفاظ بها في ظروف تسرع في تدهور حالتها وتآكلها.

2) تآكل المواد: يمكن للكحوليات التي تستخدم لتنظيف أقراص البلاستيك (الڤاينل) أن تمحو المعلومات المسجلة على أقراص الشيلاك المشابهة لها؛ كما تدمر الرطوبة ودرجة الحرارة  العالية العديد من صيغ الأفلام والأشرطة المغناطيسية، وكذلك الأقراص الفورية المطلية بالجيلاتين أو النيتروسليلوز. فالأقراص المضغوطة وأقراص الـ DVD تعتمد على الأصباغ لحفظ المعلومات، وتتحلل هذه الأصباغ خلال عقود قليلة. وتعد تركيبات أوعية التخزين الرقمية الأُخرى (كالأقراص الصلبة/ hard drives ) إشكالية خاصة على المدى الطويل لأنها تفقد بمرور الوقت البيانات بسبب الأخطاء ومواطن الخلل غير الملحوظة حتى تتلف البيانات تماماً دون أي إمكان لاسترجاعها.

3) التقادم التكنولوجي: إذا كنتم قد اشتريتم جهاز كمبيوتر في السنوات الأخيرة، فغالباً أنه غير مصمم لتشغيل قرص مدمج (CD). والعديد من الاشخاص الذين لديهم أشرطة كاسيت قديمة، لا يملكون مشغل كاسيت لتشغيلها. لنأخذ في الحسبان عشرات من الصيغ السمعية والبصرية التي تم تطويرها واستخدامها على مدار الـ 120 عاماً الماضية، فآلات التشغيل غير متوفرة على مستوى العالم للعديد منها. وبما أن هذه الآلات لم يتم تصنيعها منذ عقود، فإنه وفي كل مرة تتوقف إحداها عن العمل فإن المواد تقترب خطوة واحدة أُخرى من الانقراض. وتعتبر هذه المشكلة خطرة بصورة خاصة لصيغ الأشرطة المغناطيسية (مثل أشرطة البكرة المفتوحة التي كانت أساساً لكثير من تسجيلات البث السمعية في القرن العشرين). وتقدر منظمة اليونسكو أن هذه المواد ستقترب من الانقراض الكامل تقريباً في السنوات الخمس عشرة إلى العشرين القادمة.

باختصار، فإن أي محاولة جدية لفكرة الحفاظ على المواد السمعية والبصرية ستؤدي على الفور إلى الاستنتاج بأننا نواجه سباقاً مع الزمن، وعلى الرغم من وجود خصوصيات فلسطينية تتعلق بتبعات الاستعمار الصهيوني، فإن المخاطر والتحديات هي عالمية. وفي جميع الحالات، سواء بالنسبة إلى الفلسطينيين أو الفلبينيين أو الفرنسيين، فإن التوجه الرئيسي لأي برنامج يهدف إلى معالجة هذه المخاطر للحفاظ على هذا التراث بطريقة ما، يرتبط بمفهوم الحفظ من خلال الرقمنة: أي نقل المواد المسجلة من الأوعية الموجودة حالياً إلـى أوعية رقمية (مع خطة أو نظام لإعادة نسخها دورياً لحفظها من التلف).

وجوهرياً، تتضمن الرقمنة نقل المعلومات المسجلة من صيغتها الأصلية إلى صيغة رقمية (مثل ملف WAV للمواد الصوتية). وقد حددت الرابطة الدولية للأرشيفات السمعية والسمعية البصرية (IASA) مجموعة من المعايير وأفضل الممارسات لتوجه الأخصائي التقني نحو أحسن السبل للنقل الرقمي، والصيغ التي يجب استخدامها في الملفات المستهدفة، وهكذا. وطالما أن معدات التشغيل الأصلية متوفرة، فإن ما قد يبدو بالنسبة إلى الكثيرين الجزء الأكثر تقنية وتعقيداً في العملية هو في الحقيقة ومن نواح كثيرة أكثرها بساطة، إذ إن ما يحدث قبل النقل الرقمي الفعلي وبعده هو الأمر الأكثر تعقيداً. وفيما يلي قائمة ببعض هذه التعقيدات:

1) التخطيط والجرد: تتوزع المواد السمعية البصرية على مجموعات متعددة، بعضها ملك فردي أو مؤسساتي في القطاع الخاص، والبعض الآخر مفتوح، ومنها ما تُفرض القيود للوصول إليه. وتحتوي كل مجموعة على درجات متعددة من المعلومات عن محتواها، وفي كثير من الحالات لا تكون هناك معلومات على الإطلاق، وفي حالات نادرة جداً قد يكون هناك فهرس مفصل فعلي يتضمن معلومات مثل طول التسجيلات وحالة الوعاء الأصلي والصيغة (على سبيل المثال شريط مغناطيسي مفتوح البكرة رباعي المسارات) والمحتويات المسجلة. وتعتبر هذه المعلومات ضرورية إلى الحد الاقصى، لأنها تحدد المعدات المطلوبة ومقدار أعمال الترميم المطلوبة، وعدد الساعات التي يتوقع أن يعمل فيها المهندس السمعي البصري لرقمنة المادة المسجلة، وتعقيدات المادة المسجلة التي قد تؤثر في عمل المفهرس، وأي المواد التي يجب أن تكون أولوية، وأي المواد التي قد تكون قد تم رقمنتها فعلاَ في مكان آخر، وما إلى ذلك. هذا طبعاً يأتي بالإضافة إلى الجهد الصعب في كثير من الأحيان المتمثل في جعل المؤسسات تعمل معاً، وخصوصاً إذا كانوا يرون في شركاء آخرين منافساً لهم، أو يمثلون إشكالية إلى حد ما.

2) ماذا نفعل بالمواد الرقمية: على افتراض أن لدينا جميع المواد ذات الصلة في صيغ رقمية ورقية على hard drive ضخم مع العديد من النسخ الاحتياطية، فكيف يمكننا أن نجعل هذه المواد متاحة؟ أولاً، هناك مسألة الفهرسة، كما ذكرت أعلاه؛ إذ إن مالكي معظم المجموعات، بما في ذلك المجموعات الخاصة الكبيرة، لا يعرفون الكثير عما يوجد في مجموعاتهم، ولهذا يجب الاستماع إلى المواد والبحث فيها وفرزها وفهرستها. وللفهرسة أبعاد أخلاقية وسياسية.  كيف نصنف ونفرز هذه المواد، وكيف نعرف ونعرّف أولئك الذين أنتجوا المواد، وما هو النظام المستخدم حتى يتمكن المشاهد أو المستمع الحالي أو المستقبلي من العثور على هذه المواد والوصول إليها؟ هذه ليست قرارات صغيرة، وقد يتطلب الأمر عدداً هائلاً من ساعات العمل لإنشاء قواعد بيانات يمكن أن تدعم الوصول إلى المعلومات. وهناك أيضاً مسألة اللغة والتهجئة والترجمة والبرمجة الفعلية لتلبية الحد الأدنى من المتطلبات لجعل هذه المواد في متناول الباحثين والفنانين وعامة الناس والأجيال المقبلة.

3) الملكية الفكرية وحقوق التأليف والنشر: يرتبط هذا ارتباطاً وثيقاً بموضوع الحقوق، وهذا سيف ذو حدين: فمن ناحية، يحق للفنانين قانونياً وأخلاقياً أن يتم تحديد هويتهم كأصحاب حقوق، وأن يكون لهم رأي فيما إذا كانوا يريدون الحصول على أجر في مقابل عملهم أو التنازل عن هذا الحق. ومن ناحية أُخرى، يمكن أن تمتد المدة القانونية لهذه الحقوق إلى ما بعد الفترة التي يكون فيها التسجيل قابلاً للتشغيل الفعلي - فقد يتدهور التسجيل قبل فترة طويلة من انتهاء صلاحية حقوق النشر والملكية الفكرية المرتبطة به. ومع ذلك، يتوجب على أي مشروع رقمنة معالجة هذه المشكلة وسيلتزم بتخصيص الوقت والجهد لتحديد أصحاب الحقوق (أو ورثتهم في كثير من الحالات)، وتحديد كيفية مواجهة مختلف السيناريوهات.

4) الحفظ على المدى الطويل وإتاحة الوصول إلى المواد: كان الحفظ الرقمي جزءاً رئيسياً من عمل المؤسسات القائمة على المجموعات (كالمكتبات والأرشيفات) على مدى العقود القليلة الماضية، وركز في الغالب على مجال المخطوطات. وظهر العديد من مشاريع الرقمنة، بعضها بلغت ميزانيته ملايين الدولارات لرقمنة نصوص عمرها مئات السنين، وكثير من هذه المشاريع طور مواقع إلكترونية جميلة لكنها لم تعد تعمل الآن، أمّا مصير النسخ الرقمية للمخطوطات التي تم تحميلها فهو كذلك غير معروف الآن. يمكن تخيل الأمر نفسه فيما يتعلق بالمواد السمعية إذا فكرنا في أن YouTube أو Spotify ستغلقان خوادمهما لأي سبب من الأسباب. في هذه الحال، ولضمان عدم حدوث سيناريو كهذا، فالأفضل هو إعداد مشروع رقمنة بطريقة شاملة تركز على التكرار بدلاً من السعي للاحتكار أو التمركز في العمل. أي بدلاً من تخصيص مكان واحد للتخزين، ينبغي تشجيع جميع المؤسسات على المشاركة والاحتفاظ بنسخ رقمية لكل من المواد المرقمنة والبيانات الوصفية المرتبطة بها، وذلك لتوفير بعض الحماية ضد فقدان هذه المواد. وغني عن القول أن هذا تحذير أيضاً من الاعتماد المفرط على القطاع الخاص في تنفيذ مثل هذه الرقمنة وعلى الوسائل التي يتم بها حفظ المواد الرقمية وإتاحتها.

الأرشيفات هي مؤسسات سلطوية، وخصوصاً الأرشيفات الرقمية عندما تقدم بلون أو بصبغة ذاكرة قوم ووطن. وإن كيفية تقديم هذه المواد على أنها ذات هدف، وكيفية استخراج المعاني منها، هي أمور لا يمكن فصلها عن تلاعبات وديناميات القوة والسلطة، وهي ديناميات لا بد أن تكون جزءاً من أي نقاش بشأن الحفاظ على السمعيات والمرئيات ورقمنتها. وأتمنى أن تتاح الفرصة للتعمق في هذا الجانب من القضية في وقت آخر. أمّا في الوقت الحالي، فآمل بأن تكون هذه المقالة قد قدمت وجهة نظر مفيدة بشأن التحديات التي نحتاج إلى أخذها في الاعتبار عند البدء في أي مشروع للحفاظ على تراثنا السمعي البصري.

عن المؤلف: 

حازم جمجوم قيّم سابق للمواد السمعية والبصرية في المكتبة البريطانية، وباحث دكتوراه يركز على حقل تسليع الموسيقى في أوائل القرن العشرين في الشرق الأوسط الحديث.

Read more