نتنياهو: من الليبرالية السياسية إلى الزعيم الأوحد
نبذة مختصرة: 

تحاول هذه المقالة إلقاء الضوء على العوامل التي كان لها تأثير في حياة بنيامين نتنياهو الشخصية والمهنية، ولا سيما في مراحل حياته الأولى، والمسار السياسي الذي قطعه ليصبح الزعيم الأوحد لحزب الليكود الذي يتحكم في مصير إسرائيل ويرسم صورتها المستقبلية.

النص الكامل: 

تحولت رئاسة بنيامين نتنياهو للحكومة في إسرائيل إلى ظاهرة في الحياة السياسية بعد تمكّنه من الاحتفاظ بهذا المنصب أكثر من عشرة أعوام على التوالي، على الرغم من لوائح الاتهامات الموجهة إليه بالفساد والرشى وسوء الأمانة.

فقد تجاوز نتنياهو حملات خصومه السياسيين الشديدة ضده، وتمكّن من الفوز في ثلاث معارك انتخابية للكنيست في أقل من عام (في 9 نيسان / أبريل 2019، و17 أيلول / سبتمبر 2019، و2 آذار / مارس 2020)، بل إنه وعلى الرغم من أزمة الكورونا وتداعياتها على الاقتصاد الإسرائيلي، وجميع الصراعات التي يشهدها الائتلاف الحكومي، وعلى الرغم من تواصل التحركات الشعبية الاحتجاجية التي تطالبه بالتنحي، وعلى مدى أشهر عديدة، فإنه لا يزال يتمتع بتأييد أغلبية الإسرائيليين، مثلما أظهرت استطلاعات الرأي في الربع الأخير من سنة 2020.

فما سر قوة زعامة نتنياهو، وأي نموذج تمثله في الحياة السياسية الإسرائيلية؟ وما هي العوامل التي أثرت في بلورة شخصيته وتحديد مواقفه وآرائه؟

 بين القدس ونيويورك

عاش نتنياهو أعوام حياته الأولى متنقلاً بين إسرائيل والولايات المتحدة. فقد ولد في تل أبيب في سنة 1949، ووالدته هي تسيلا سيغل، ووالده هو بن تسيون ميليكوفسكي الذي هاجر مع والده من بولندا إلى إسرائيل في سنة 1920 حيث أصبح اسم العائلة نتنياهو.

كان بن تسيون من كبار مؤيدي التيار اليميني المتشدد، وأسس في سنة 1937 مجلة يمينية هاجم فيها سلطات الانتداب وسياسات قادة الحركة الصهيونية التي اعتبرها متساهلة مع العرب، ودعا إلى استخدام القوة ضدهم. وفي سنة 1939 قرر الهجرة إلى الولايات المتحدة وأصبح مقرباً جداً من زعيم الحركة التصحيحية زئيف جابوتنسكي، وعمل حتى وفاته سكرتيراً له.

تعرّف نتنياهو الأب إلى زوجته في أحد الاجتماعات المؤيدة للحركة التصحيحية وتزوجا في سنة 1945، وفي سنة 1948 قرر الأب الانتقال إلى إسرائيل حيث أمضى عشرة أعوام، ليقرر بعدها الانتقال مجدداً إلى الولايات المتحدة، وكان عمر بنيامين نتنياهو يومها تسعة أعوام. ويقال إن السبب الذي دفعه إلى ذلك هو فشله في إيجاد مكان له في الحياة الأكاديمية في إسرائيل، واستبعاده من حزب حيروت الذي كان يتزعمه حينها مناحم بيغن الذي كان يأخذ على بن تسيون عدم مشاركته في الحرب ضد الانتداب البريطاني وضد العرب، وفي المعركة لإقامة دولة إسرائيل.[1]

في أميركا تبدلت حياة بنيامين نتنياهو جذرياً. فقد انتقلت العائلة من العيش في بيت واسع في القدس إلى شقة صغيرة في ضواحي فيلادلفيا بعيداً عن أصدقاء الطفولة والمعارف. وكان هو الابن الأوسط في العائلة الذي يشعر بالإهمال بين شقيقه الأكبر يوني الذي كان المفضل بالنسبة إلى الأب، وشقيقة الأصغر محط اهتمام والديه. وقد حاول التعويض عن ذلك بإتقان اللغة الإنجليزية والتفوق في دراسته كما برع في الرسم. وكان في مراهقته انطوائياً خجولاً وجدياً، ويبدو دائماً أكبر من عمره.

أدى والده دوراً أساسياً في بلورة شخصيته وآرائه ومواقفه، وهو الذي زرع فيه القيم الصهيونية القومية وحب إسرائيل والعمل الجدي والدؤوب. أمّا الشخص الثاني الذي كان له دور كبير في حياته فهو شقيقه الأكبر يوني الذي كان مثاله الأعلى في الحياة وكانت علاقتة به وثيقة جداً، وترك مقتله في سنة 1976 خلال عملية إطلاق الرهائن في عنتيبي ندوباً عميقة في نفسه.

لقد جعل تأثير بن تسيون في ابنه، والدراسة في الولايات المتحدة، من شخصية بنيامين نتنياهو، بحسب دومينيك فيدال: "نتاجاً صافياً للحركة التصحيحية المطعمة بالليبرالية الواقعية الأميركية."[2]

 كيف أصبح نتنياهو إسرائيلياً

عندما التحق نتنياهو بوحدته العسكرية لأداء خدمته الإلزامية في الجيش الإسرائيلي في آب / أغسطس 1967، شعر بالغربة الكاملة عن رفاقه، وكان أشبه "بعصفور غريب جاء من أميركا. ولقد كان على عكس رفاقه شديد التنظيم والتهذيب، يبالغ في الاعتناء بمظهره الخارجي، ويكره الابتذال وعدم النظافة، ويتحدث لغة عبرية مع لكنة قوية مطعمة بكلمات إنجليزية. لم يكن يشعر بالقرب من رفاقه الذين نشأوا في الكيبوتسات ويتحدثون بلهجة محلية واعتادوا على العمل الجماعي الشاق في الأرض. وبالمقارنة معهم بدا نتنياهو بورجوازياً صغيراً من المتحمسين للرأسمالية والمؤيدين لمحاربة الأميركيين للشيوعية... لكن الخدمة العسكرية غيّرته جذرياً، وجعلته يدرك معنى أن يكون جندياً في الجيش الإسرائيلي."[3]

خدم نتنياهو في فرقة النخبة سييرت متكال للاستطلاع التابعة لسلاح الاستخبارات العسكرية، وقد ساهمت هذه التجربة في تحويله فعلاً إلى جندي في الجيش الإسرائيلي. لكن على ما يبدو، فإن هذا لم يمنعه من أن يحاول لاحقاً أن يكون أميركياً بكل ما للكلمة من معنى.

 الجمع بين دراسة العماره وإدارة الأعمال

بعد إنهاء خدمته العسكرية في سنة 1972، عاد نتنياهو إلى الولايات المتحدة حيث حصل على بكالوريوس في الهندسة المعمارية من معهد ماستشوستس للتنكولوجيا (MIT) في جامعة ماستشوستس، وشهادة في إدارة الاعمال. وفي تلك الفترة تزوج من ميكي وايزمان التي كان قد تعرّف إليها خلال زياراته لإسرائيل وأحبها مذ كان في السادسة عشرة من عمره، وسافرا معاً إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراستهما، وهناك عمل نتنياهو على أمركة حياته بشكل كبير، فغيّر اسم عائلته نتنياهو إلى نيتاي الذي له وقع أميركي، وأصبح اسم الزوجين ميكي وبن نيتاي. وبعد تخرجه لم يعمل نتنياهو في مجال العمارة، وإنما اختار إدارة الأعمال لتحقيق "الحلم الأميركي". وكان أول عقد عمل له مع شركة Boston Consulting Group براتب سنوي بلغ 100,000 دولار، وضمن إطار عمله كان يزور إسرائيل كثيراً.

 عندما التقى نتنياهو بإدوارد سعيد

بعد حرب تشرين الأول / أكتوبر 1973، بدأت تظهر قدرات نتنياهو الخطابية، وأول مَن اكتشف ذلك كانت القنصل الإسرائيلي في بوسطن كوليت أفيتال عندما دعته إلى المشاركة في مناظرة عن حرب تشرين والوضع في الشرق الأوسط في تليفزيون بوسطن المحلي مع البروفسور إدوارد سعيد، إحدى أهم الشخصيات الفلسطينية في الولايات المتحدة. ومنذ تلك الحادثة بدأ ظهور نتنياهو في التليفزيونات الأميركية، وكثرت المقابلات معه للحديث عن الوضع في إسرائيل والمنطقة، وبدأ يظهر حبّه الكبير للكاميرا.[4]

 نساء في حياة نتنياهو

الزواج الأول لنتنياهو كان مع ميكي الذي أثمر عن ولادة ابنته نوعا في سنة 1978، لكن هذا الزواج ما لبث أن واجه كثيراً من الصعوبات. ففي تلك الفترة عاش نتنياهو متنقلاً بين بوسطن وإسرائيل بعد موافقته على العمل في شركة مفروشات إسرائيلية يملكها أحد معارف والده تسمى ريم. ومع ازدياد أوقات غيابه عن المنزل، كثرت المشادات المنزلية الأمر الذي أدى إلى طلب ميكي الطلاق والانتقال إلى إسرائيل. وهناك مَن يقول إن مقتل شقيقه يوني كان سبباً في طلاقه، لكن السبب المباشر كان علاقة نتنياهو مع فلور كاتس الإنجليزية الأصل، والتي تزوجها في سنة 1981 في بوسطن بعد اعتناقها الديانة اليهودية. وقد وقفت كاتس، وهي خريجة العلوم الإدارية من معهد ماستشوستس للتكنولوجيا، إلى جانب زوجها ودعمته بشتى الوسائل. وعندما بدأ العمل في السفارة الإسرائيلية في واشنطن، كانت تحرر خطاباته ومقالاته وتقوم بالأبحاث من أجله. لكن هذا الزواج بدوره لم يدم أكثر من 8 أعوام، والسبب هو عودة نتنياهو إلى إسرائيل، وقراره دخول معترك الحياة السياسية، والصعوبات التي واجهتها الزوجة في التأقلم مع الحياة الإسرائيلية، وعدم وجود مكان لها بالقرب من نتنياهو الذي تحول إلى نجم سياسي صاعد.

والمعروف عن نتنياهو أنه لا يقوم أبداً بالخطوة الأولى تجاه النساء، فهنّ غالباً اللواتي يفعلن ذلك، وهذا ما جرى عندما التقت به زوجته الثالثة سارة بن آرتسي في أثناء عملها مضيفة على طائرة إلعال خلال رحلة كان يقوم بها نتنياهو إلى أمستردام عندما أعطته رقم هاتفها. وقد تزوجا في سنة 1991 بعد أن أخبرته سارة أنها حامل منه.[5]

أصبحت سارة نتنياهو ظاهرة في الحياة السياسة الإسرائيلية، إذ قلما أثارت زوجات رؤساء الحكومة السابقين ضجة إعلامية مثل تلك التي أثارتها وتثيرها سارة. فمَن يعرفها يقول عنها إنها غيورة، وسريعة الغضب، ومتقلبة المزاج، ولديها تأثير كبير في زوجها. ومن الأمثلة لذلك، أنه عندما علمت بمغامرة عاطفية له مع إحدى مساعداته، اضطر إلى الاعتراف أمام وسائل الإعلام علناً بعلاقته والاعتذار منها. كما بذلت جهدها لإبعاد الأب عن ابنته، إلى حد أنه كان يضطر إلى استخدام اسم سري لتعيين موعد لقاءاته مع ابنته، لأن سارة كانت تراجع مفكرة مواعيده يومياً.

تشارك سارة زوجها في حبه للحياة المرفهة والباذخة، كما أنها معروفة بالتسلط، فقد أثيرت أكثر من مرة ضجة بسبب سوء تصرفها مع العاملات لديها، واستغلالها منصب زوجها للاحتفاظ بهدايا غالية. وهي تحرص على الدوام على الظهور إلى جانبه في جميع المناسبات الرسمية، على الطريقة الأميركية، وفي فترة من الفترات كانت تقلد في ظهورها مع زوجها، بيل وهيلاري كلينتون.

 الصعود الدبلوماسي

في مطلع الثمانينيات كان نتنياهو مديراً في شركة مفروشات قبل أن تسنح له الفرصة الذهبية للانتقال إلى العمل الدبلوماسي، وذلك عندما تولى موشيه أرينز منصب سفير إسرائيل في واشنطن طالباً منه الالتحاق به فوراً كملحق سياسي، للدفاع عن الموقف الإسرائيلي في ذروة الحرب الإسرائيلية على لبنان في سنة 1982. يومها لم يكن أحد في السفارة الإسرائيلية سمع باسم نتنياهو الذي تخلى في حينه عن جنسيته الأميركية وعن اسمه الأميركي، وعاد ليكون إسرائيلياً من جديد.

شكل غزو لبنان في سنة 1982 فرصة لنتنياهو كي يؤدي دوراً أساسياً في الإعلام الأميركي للدفاع عن بلده، وساعده في ذلك معرفته بالحياة الأميركية، وإتقانه اللغة الإنجليزية، وبراعته الخطابية. وخلال تلك الفترة نسج نتنياهو علاقات وثيقة بكبار الإعلاميين الأميركيين من أمثال جورج نادر السوري الأصل الذي أصبح لاحقاً أهم وسيط له مع النظام السوري.[6]

بعد استقالة أريئيل شارون من وزارة الدفاع في سنة 1983 في أعقاب تقرير لجنة كاهن للتحقيق في مجازر صبرا وشاتيلا وتحميله مسؤولية المجزرة، عُين موشيه أرينز وزيراً للدفاع، فرشح نتنياهو كي يحل مكانه سفيراً في واشنطن، لكن مناحم بيغن وموشيه شمير لم يكونا متحمسين، ورأيا أنه كان يفتقر إلى الخبرة.

لقد أدت الفترة التي قضاها نتنياهو في واشنطن دوراً كبيراً في حياته السياسية لاحقاً. فقد أقام خلالها علاقات مع كبار المتمولين اليهود الأميركيين ومع قادة الجالية اليهودية ومع الإعلام الأميركي، وكوّن أفكاره السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

عمل نتنياهو بين الأوساط الأميركية الرسمية على الدعوة إلى عقد مؤتمر لمحاربة الإرهاب، ونشر في سنة 1986 كتابه Terrorism: How the West can Win، وذلك في سياق الحملة التي شنّها نتنياهو ضد منظمة التحرير الفلسطينية. ويقال إن وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز قرأ الكتاب وأُعجب به، وكذلك فعل الرئيس الأميركي رونالد ريغن.

ويدعو نتنياهو في كتابه إلى محاربة الجهات أو الدول التي تمول الإرهاب، وعلى ما يبدو، فإن هذه الفكرة كانت بين العوامل التي شجعت رونالد ريغن على القيام بهجوم على ليبيا بعد اتهامها بأنها كانت وراء تفجير الملهى الليلي في ألمانيا ومقتل عدد من الأميركيين.[7]

في سنة 1984، عيّنت حكومة الوحدة الوطنية في إسرائيل نتنياهو سفيراً في الأمم المتحدة وكان يومها في الرابعة والثلاثين من العمر، وخلال الأعوام الأربعة التي قضاها في هذا المنصب بذل جهده لتلميع صورته، وتعبيد طريق دخوله إلى الحياة السياسية في إسرائيل.

 المعركة على زعامة الليكود

في سنة 1988 رأى نتنياهو أن الوقت حان لعودته إلى إسرائيل ودخوله معترك الحياة السياسية معتمداً على خبرته السياسية في مجال العمل الدبلوماسي ومعرفته بالمجتمع الإسرائيلي من خلال خدمته في الجيش الإسرائيلي، وقدراته الخطابية على إقناع الناس وإثارة إعجابهم. وقبل وصوله إلى منصبه، كان قد شكل فريقاً صغيراً ذكياً ووفياً خاض معه حملة ترشحه على زعامة الليكود مستخدماً الأساليب الأميركية، مثل الاتصال هاتفياً بناخبي الحزب وحثّهم على الاقتراع له، والتواصل معهم عبر البريد. وفي 29 أيار / مايو 1988 تُوّج نتنياهو زعيماً لحزب الليكود واستطاع أن يتقدم على أمراء الحزب من أمثال موشيه كاتساف وأريئيل شارون وموشيه أرينز.

عمل نتنياهو على ترميم الحزب مالياً، وعلى تطويره تقنياً ورصّ صفوفه من جديد. وقدّم نفسه نموذجاً لزعامة شابه تحديثيه منفتحة على كل ما هو جديد، وخاض معارك ضارية مع "أمراء" حزب الليكود التقليديين من أمثال ديفيد ليفي، وأريئيل شارون.

لم تكن تجربة توليه الحكومة للمرة الأولى في سنة 1996 عندما فاز على زعيم حزب العمل شمعون بيرس ناجحة. "كان الإسرائيليون يريدون منه أن يتصرف بصفته الوريث الحقيقي لمناحم بيغن، وأن يكون قادراً على اتخاذ قرارات تاريخية. وقد انتهت ولايته بخيبة أمل كبيرة لمؤيديه ومحبيه."[8]

لكن نتنياهو لم يستسلم، وقطع طريقاً شاقاً وطويلاً قبل أن ينجح في إعادة حزب الليكود إلى السلطة مجدداً في سنة 2009، وتحويله شيئاً فشيئاً إلى حزب "الزعيم الأوحد". واعتمد في استراتيجيته على أمرين: إضعاف منافسيه المحتملين على زعامة الحزب، واستخدامه "خطاباً تخويفياً قومياً أمنياً"،[9] ساعده على التقرب من الجمهور المتدين لليهود الشرقيين، ومن جمهور المستوطنين في آن معاً. كما أن عداءه الكبير لليسار وشيطنته والحرب الشعواء التي شنّها عليه منذ أعوام، أمور شكلت عامل جذب لجمهور النخبة من اليمين من سكان المدن الكبرى، فهذا الجمهور المتعدد الانتماءات الاجتماعية والإثنية تهمّه يهودية الدولة وسيطرة اليمين أكثر ممّا تشغله تهم الفساد وسوء الأمانه التي أقنعهم نتنياهو بأنها من اختراع اليسار وأعداء إسرائيل.

 الصراع على البقاء

بعد أكثر من 12 عاماً في السلطة لم يعد نتنياهو يمثل نموذجاً لزعامة تحديثية تجمع التوجه القومي الصهيوني والليبرالية السياسية. فقد جعله تحالفه مع الأحزاب الدينية، ومحاولته التقرب من المستوطنين، وتبنّيه سياسات تحريضية ضد اليسار الإسرائيلي والمواطنين العرب، وحملاته التشكيكية في سلطات تنفيذ القانون في إسرائيل، وشخصنة الحكم، في نظر كثيرين "خطراً" على إسرائيل كدولة ديمقراطية.

ووصلت زعامة نتنياهو إلى مرحلة يواجه فيها أكثر من تحدّ داخلي قضائي سياسي واقتصادي، وفي هذا السياق، خاض مع طاقمه حرباً ضارية ضد المستشار القانوني للحكومة لإثبات أن لوائح الاتهام التي وُجهت إليه كانت بضغط سياسي من طرف المدعي العام شاي نيتسان، والهدف هو إبطال التهم ومنع محاكمته، والاستمرار في ممارسة مهماته.[10]

وقد ترافق ذلك مع أزمة سياسية تعود إلى تصاعد الخلاف بين نتنياهو وحزب أزرق - أبيض جرّاء عدم الاتفاق على إقرار ميزانية الدولة، وعلى التعيينات في مناصب أساسية بينها منصب المفوض العام للشرطة، فضلاً عن الإخفاقات في مواجهة وباء كورونا وتداعياته الكارثية على الاقتصاد الإسرائيلي.[11]

لكن ما آلت إليه زعامة نتنياهو أخيراً ليس فقط نتاج التغييرات التي مر بها بقدر ما هو انعكاس للتحولات التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي في العقود الأخيرة، وفي طليعتها صعود النزعات القومية المتشددة وعودة تأثير التيارات الدينية في إسرائيل. وفي هذا الصدد يقول رائف زريق: "كثير من الأبحاث في الفترة الأخيرة تشير بوضوح إلى ازدياد تأثير المنظومة الدينية في الحياة العامة في إسرائيل في جوانب عديدة، منها القانون والجيش والتربية والتعليم. كما أن قانون القومية الذي جرى سنّه مؤخراً يشير إلى الحقّ الديني للشعب اليهودي في تقرير مصيره، وهذا تجديد لا على مستوى إسرائيل فحسب، بل على مستوى الفكر السياسي برمّته."[12]

إن الاحتجاجات والانقسامات التي تثيرها زعامة نتنياهو داخل إسرائيل لم يكن لها انعكاسات على أمن إسرائيل ولا على مكانتها في المنطقة وفي العالم، كما أن سياساته الموجهة ضد المشروع النووي في إيران، واتفاقات التطبيع مع الإمارات والبحرين والسودان لم تؤدّ إلى تدعيم زعامته داخلياً. والسؤال الذي يطرحه الإسرائيليون على أنفسهم اليوم هو: هل سيؤثر خروج دونالد ترامب من البيت الأبيض في مكانة نتنياهو لدى الإدارة الأميركية الجديدة؟ وأي تداعيات سيكون لذلك على زعامته داخلياً؟

 

المصادر:

[1] Freddy Eytan, Bibi, le réveil du faucon: Portrait biographique de Benjamin Netanyahou (Paris: Editions Alphée, 2011), p. 22.

[2] Dominique Vidal, “Aux origines de la pensée de M. Nétanyahou”, Le Monde Diplomatique (Novembre 1996), p.4.

[3] Eytan, op. cit., p. 36.

[4] Ben Caspit and Ilan Kfir, Netanyahu: The Road to Power, translated and adapted from Hebrew by Ora Cummings (New York: Birch Lane Press, 1998), p. 75.

[5] Ibid.

[6] Ibid., p. 98.

[7] Ibid., p. 107.

[8] Etan, op. cit., p. 142.

[9] أنطوان شلحت، "الأحزاب الإسرائيلية"، في "دليل إسرائيل العام 2020" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تحت الطبع، ويمكن الاطلاع على بعض فصوله في موقع المؤسسة الإلكتروني).

[10] للمزيد، انظر: سليم سلامة، "تسجيلات مندلبليت وما حولها: حكومة نتنياهو مرشحة لمزيد من الأزمات!"، ورقة تقدير موقف صادرة عن "المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية / مدار"، ومنشورة في موقعه الإلكتروني في هذا الرابط

[11] للمزيد، انظر: أنطوان شلحت، "أزمة كورونا وسيناريوهات خروج إسرائيل منها اقتصادياً وسياسياً"، ورقة تقدير موقف صادرة عن "المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية / مدار"، ومنشورة في موقعه الإلكتروني في هذا الرابط.  

[12] رائف زريق، "إسرائيل خلفية أيديولوجية وتاريخية"، في "دليل إسرائيل 2020" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تحت الطبع)، والنص منشور في موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في هذا الرابط الإلكتروني.

السيرة الشخصية: 

رندة حيدر: باحثة لبنانية.

اقرأ المزيد