تداعيات فوز بايدن على إسرائيل
التاريخ: 
30/11/2020

بُعَيد إعلان وسائل الإعلام الأميركية فوز نائب الرئيس السابق جوزيف بايدن ونائبته كاميلا هاريس بالانتخابات الرئاسية، سارع مختلف زعماء العالم إلى الترحيب والتهنئة بالقادم الجديد إلى البيت الأبيض، باستثناء قلة من قادة العالم أحدهم رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونائبه بيني غانتس اللذان تأخرت تهنئتهما مدة نصف يوم، على غير ما جرت عليها الأمور حين كانت الحكومة الإسرائيلية من أوائل المرحبين والمهنئين بفوز أي رئيس أميركي بغض النظر عن انتمائه الحزبي إن كان ديمقراطياً أو جمهورياً، نظراً إلى دعم الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة لإسرائيل.

علاوة على التأخير، جاءت التهنئة الإسرائيلية بفوز بايدن ونائبته منقوصة، إذ لم يستخدم نتنياهو مصطلح السيد الرئيس في تهنئته، وذلك مراعاة لحليفه الحالي الرئيس دونالد ترامب الذي لم يعترف حتى اليوم بالهزيمة، وهو ما دفع بزعيم المعارضة الإسرائيلية عضو الكنيست يائير لبيد إلى اتهام رئيس الحكومة الإسرائيلية ونائبه بالجبن والتضحية بمصالح دولة إسرائيل الاستراتيجية.[1]  

لكن بعد اتصالات وضغوط من أطراف يهودية أميركية، اتصل نتنياهو، بالرئيس الأميركي المنتخب جوزيف بايدن مهنئاً ومتفقاً معه على مواصلة تعزيز التحالف القوي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين كرر الرئيس المنتخب دعمه الثابت لأمن إسرائيل ومستقبلها كدولة يهودية وديمقراطية.

ويعتقد البعض أن عدم تهنئة نتنياهو لبايدن تعود أساساً إلى رغبته في عدم إغضاب ترامب، على أمل تلقي المزيد من العطاءات الأميركية للدولة المحتلة، كتحويل صفقة القرن إلى مذكرات تفاهم إسرائيلية-أميركية أو اعتبارها رسائل متبادلة كتلك التي قدمها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق أريئيل شارون في نيسان/أبريل 2004،[2] بهدف تحويلها إلى سياسة رسمية للولايات المتحدة، أو الحصول على اعتراف أميركي جديد بالسيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية، وذلك في مواجهة ما قاله بعض المقربين من بايدن بأن إدارته لن تعترف بالصفقة، بينما يرغب نتنياهو في زيادة الضغوط على إيران، واستثمار تصريح إليوت أبرامز -المسؤول عن ملف إيران – فنزويلا، القائل: "لا أحد يمنع إسرائيل من الدفاع عن أمنها،" مانحاً بذلك ضوءاً أخضر لمهاجة إيران،[3] كما يرغب نتنياهو في ممارسة مزيد من الضغوط الأميركية من أجل تطبيع وتوقيع اتفاقيات سلام إسرائيلية عربية جديدة، وهو الموضوع الذي أصبح محل شك بعد هزيمة ترامب في الانتخابات، ونظراً إلى رغبة بعض الدول العربية في تقديم اتفاقيات التطبيع القادمة هدية للرئيس الأميركي الجديد.

سياسات أميركية جديدة

على عكس إدارة ترامب الذي سينهي ولايته في العشرين من كانون ثاني/ يناير المقبل، والذي حاول خلال فترة حكمه فرض حل نهائي إسرائيلي على الفلسطينيين، كـ"صفقة القرن" وتوقيع اتفاقيات "سلام" بين الدول العربية وإسرائيل، لا يبدو أن الرئيس الأميركي القادم جوزيف بايدن، سيغير آليات حل الصراع القائم بين الفلسطينيين وإسرائيل.

لكن السياسات الأميركية القادمة لن تكون مثل السياسات التي اتبعها ترامب، وستكون أقرب إلى سياسات الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، إذ ستشهد هذه السياسات نوعاً من الانفراج مع الفلسطينيين، عبر الدعوة إلى إقامة دولتين لشعبين، وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وإعادة برنامج المساعدات للسلطة، وربما لوكالة الغوث، في مقابل عودة منظمة التحرير إلى مسيرة السلام وإلى طاولة المفاوضات، التي أفشلتها إسرائيل سنة 2014 عندما رفضت المقترح الأميركي بترسيم حدود الدولة الفلسطينية في غور الأردن ووضع ترتيبات أمنية شارك في صوغها كبار ضباط الجيش الأميركي والإسرائيلي والتي أصبحت تعرف بخطة الجنرال آلن.[4]

وفي حين أسقطت إدارة ترامب كلمة احتلال من مشاريعها وخطابها السياسي، فإن باراك أوباما وهيلاري كلينتون وجو بايدن، سبق أن شددوا على إنهاء الاحتلال العسكري الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين.[5]

ويُعتقد أن الإدارة القادمة ستدفع مزيداً من الدول العربية إلى اتفاقيات سلام مع إسرائيل، وكان بعضها قد وعد بالانضمام كهدية للإدارة الأميركية الجديدة، وفق تصريحات بعض المسؤولين الأميركيين.[6]

علاوة على ذلك، يؤكد الخبراء في إسرائيل والولايات المتحدة على العلاقة الخاصة التي تجمع إدارة ترامب وحكومة نتنياهو التي تتفوق في متانتها على العلاقات القائمة بين الولايات المتحدة ومعظم دول العالم، بما في ذلك أوروبا. وقد استندت هذه العلاقة إلى مجموعة من الالتزامات السابقة كان من أهمها الالتزام بعدم طرح أي مقترح للسلام من دون التشاور مع إسرائيل، وعدم فرض أي حل سلمي لا توافق عليه إسرائيل، إضافة إلى المساعدات الاقتصادية والطارئة والتعاون الاستراتيجي الواسع في المجالين العسكري والاستخباري. وهي علاقات أكدها الرئيس القادم جوزيف بايدن في مناسبات متعددة، وخلال حملته الانتخابية.[7]

 أسباب الخلاف

الخلافات بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، والشخصيات المتنفذة في الحزب الديمقراطي ليست جوهرية، بل هي خلافات شخصية وقضية عدم ثقة بدأت مع انتخاب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، الذي أراد تغيير المعادلة السياسية بالضغط على إسرائيل للتقدم في الحل، بدلاً من الضغط على الفلسطينيين، الذي حرصت الإدارات الأميركية المتعاقبة على ممارسته. وقد وصلت هذه العلاقات إلى حدتها، عندما ألقى رئيس الحكومة الإسرائيلية خطاباً عما يُسمى التهديد الإيراني في الكونغرس الأميركي من دون موافقة الرئيس أوباما الذي رفض استقباله في البيت الأبيض، ودعا أعضاء الكونغرس من الحزب الديمقراطي إلى عدم استقباله والاستماع إليه، في معارضة اعتبرت الأولى من نوعها في الولايات المتحدة.[8]

كما ساهم الرفض الإسرائيلي للجهود الأميركية لترسيم حدود الدولتين سنة 2014، وإتمام مسيرة السلام، في دفع الولايات المتحدة إلى عدم الاعتراض على قرار مجلس الأمن 2334 الذي يدين الاستيطان في الضفة الغربية ومدينة القدس ويعتبر المستعمرات الإسرائيلية غير شرعية.

في المقابل، أهمل رئيس الحكومة الإسرائيلية، إلى حد ما، العلاقة باللجنة الأميركية-الإسرائيلية للشؤون العامة "الأيباك" والحزب الديمقراطي بجميع مكوناته، لمصلحة تعزيز العلاقة الإسرائيلية بالتيارات المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة التي تصوت تقليدياً للحزب الجمهوري، وبالرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تبنى بشكل مطلق الرواية الصهيونية للصراع مع الشعب الفلسطيني.[9]

ولم يتوقف الأمر على الإهمال فقط، ففي حين حافظت إسرائيل سابقاً على التوازن في العلاقات بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بغض النظر عن الطرف الحاكم، استجاب نتنياهو إلى مطالب ترامب في التقليل من شأن الحزب وقياداته المنتخبة، عندما أذعن لمطلبه بمنع دخول الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر وعضوي مجلس النواب رشيدة طليب وإلهان عمر إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. أمّا اجتماعاته مع قيادات الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة فقد كانت زيارات بروتوكولية لا أكثر، ولم تهدف إلى المحافظة على دعم الحزب لدولة إسرائيل والمحافظة على وجودها.[10]

ونتيجة للسياسات المذكورة، فقدت إسرائيل الإجماع في تأييدها داخل الحزب الديمقراطي إسوة بالحزب الجمهوري، وسيدفع فوز جوزيف بايدن حكومة إسرائيل إلى البحث عن الطرق والوسائل لإعادة العلاقة بالقيادة الجديدة للولايات المتحدة، التي لن تمنح نتنياهو الدعم الذي وفرته له إدارة ترامب، وخصوصاً في المجال الإسرائيلي الداخلي.

 عودة طاقم أوباما

وفق الأعراف التقليدية في البيت الأبيض، سيعود الرئيس الأميركي القادم جوزيف بايدن، مع كثير من أعضاء الطاقم الذي حكم البيت الأبيض وتولى قيادة مجلس الأمن القومي في عهد باراك أوباما.[11]

وَيُكِنّ الطاقم المذكور نوعاً من الكراهية لنتنياهو، ويُعتقد أن هذا الطاقم لن يجعل جولات نتنياهو سهلة في الولايات المتحدة، إذ سيدقق في كثير من تفصيلات الزيارات وأهدافها، التي يقول الخبراء الإسرائيليون إن الشيطان يكمن في تفصيلاتها.

إضافة إلى طاقم الرئيس ستضطر إسرائيل إلى مواجهة تيار يساري متنامي في الحزب الديمقراطي، يتمتع بنفوذ قوي في أوساط الشباب والجامعات، وبعض الشخصيات المركزية في الحزب الممثلة في مجلسيْ النواب والكونغرس، الذين يقودهم بيرني ساندرز وغيره. وقد وجه هؤلاء انتقادات عنيفة، وأوجدوا نوعاً من العداء لإسرائيل خلال السنوات الماضية متهمينها بأنها آخر الدول الاستعمارية في العالم.[12]

ولمواجهة ذلك، ومن أجل عودة الإجماع في الولايات المتحدة بالنسبة إلى إسرائيل والمحافظة على مصالحها الاستراتيجية، يتحدث بعض الخبراء عن ضرورة اتخاذ الحكومة الإسرائيلية مجموعة من الإجراءات الضرورية من أجل تحسين العلاقات بالقيادة الجديدة في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها تغيير السفير رون درمر المحسوب على المؤسسة الجمهورية في الولايات المتحدة، الذي أمضى فترات طويلة في أوساطهم على حساب وجوده في السفارة الإسرائيلية في واشنطن.

كما أن الاستفادة من العلاقة اليهودية بالرئيس ونائبته، تفيد كثيراً في تحسين العلاقة بين القيادتين الإسرائيلية والأميركية، إذ إن زوجة الرئيس وزوجتي ولديه ينتمون إلى الديانة اليهودية، إضافة إلى الزوج الأميركي اليهودي لكاميلا هاريس.[13] ومطلوب من الحكومة الحالية، ترميم العلاقات باللجنة الأميركية-الإسرائيلية للشؤون العامة "الأيباك" التي تصدعت نتيجة إهمالها من جانب بنيامين نتنياهو لمصلحة التيارات الصهيونية-المسيحية، إذ تتمتع الأيباك بتأثير قوي داخل الحزب الديمقراطي، ولا سيما أن 77% من أصوات اليهود في الولايات المتحدة ذهبت إلى بايدن.[14]

 خلاصة

باستثناء موقف التيار اليساري في الحزب الديمقراطي الأميركي الرافض لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، لن تتعرض العلاقات الإسرائيلية-الأميركية لأي ضرر، وخصوصاً أن هذه العلاقة مبنية وفق معايير أيديولوجية ومصالح أميركية في المنطقة، قال عنها الرئيس المنتخب بايدن أنه لو لم تكن هناك إسرائيل لأوجدها من أجل المحافظة على مصالح الولايات المتحدة.

ولا شك في أن العلاقات الشخصية بين نتنياهو وإدارة بايدن برئيسها وطاقمها الذي سيدير السياسات الأميركية المتعددة، لن تكون كما كانت في عهد ترامب الذي استخدم انحيازه المطلق إلى إسرائيل في مواجهة محاولات إسقاطه المتعددة. غير أن سقوط ترامب وجّه ضربة موجعة لحليفه نتنياهو، ومن المتوقع أن يصب في حملة إضعافه داخلياً، وربما تسرع في سقوطه، وخصوصاً أن الائتلاف الحاكم في إسرائيل يعاني أزمة ثقة عميقة، نتيجة عدم إيفاء نتنياهو بوعوده التي قدمها لحزب أزرق-أبيض.

وقد تتخذ إدارة بايدن خطوة متقدمة في خلافها مع نتنياهو، بفتح قنوات اتصال مع زعيمي حزب أبيض-أزرق بنيامين غانتس وغابي أشكنازي بهدف تعزيز مكانتهما الداخلية، للمساهمة في إسقاط نتنياهو من سدة الحكم في انتخابات عامة تتوقع جميع التقديرات أن تجري في شباط/ فبراير 2021. أو الدفع باستمرار الحكومة الحالية في إسرائيل، على أمل تولي غانتس رئاسة الحكومة الإسرائيلية بعد إخراج بنيامين نتنياهو من سدة الحكم لانشغاله بالتهم القضائية الموجهة ضده في المحكمة المركزية في القدس، التي ستعقد جلساتها مرة كل أسبوعين ابتداء من سنة 2021.

 

[1]. ايخنر ايتمار، "من دون القول سيدي الرئيس، مباركة نتنياهو لبييدن"، 8/11/2020، موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت".

[2]. ايخنر ايتمار، "إذا خسر ترامب سيضع حقائق على الأرض في الموضوع الفلسطيني،" 5/11/2020، موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت" .

[3]. قناة الجزيرة الفضائية، الحصاد، النشرة الإخبارية المسائية، تقرير عن زيارة المبعوث الأميركي لإيران وفنزويلا إليوت أبرامز إلى إسرائيل، 10/11/2020.

[4]. الحرة الليلة، نشرة أخبار الساعة العاشرة بالتوقيت المحلي لمدينة القدس، لقاء مع الدبلوماسي الأميركي السابق الذي تولى العديد من المناصب الدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط، 11/11/2020.

[5]. د. جيمس زغبي، "فلسطين وأجندة الحزب الديمقراطي الانتخابية،" عضو الحزب الديمقراطي ورئيس المعهد العربي -الأميركي، أخبار الخليج، الثلاثاء 4/2020.

[6]. الحرة الليلة، مصدر سبق ذكره، 11/11/2020.  

[7]. يهودا بن مئير وليمور سمحوني، محرران، "الالتزامات الأميركية اتجاه إسرائيل - الأبعاد القانونية والسياسية وتطبيقاتها،" ص 4، مذكرة خاصة صادرة عن مركز أبحاث الأمن القومي- جامعة تل أبيب، ترجمة عليان الهندي، وزعت كنشرة داخلية صادرة عن التوجيه السياسي، 2010.

[8]. عيران عوديد، "رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والكونغرس الأميركي: هل الهدف يبرر الوسيلة،" نشرة دورية بعنوان "نظرة من أعلى"، عدد 669، 6/2/2015.

[9]. د. رامون أمنون، "مسيحيون وصهاينة - العلاقات المتبادلة بين حركة الأنغلوساكسون وإسرائيل،" محاضرة قدمت بمناسبة نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، مركز القدس لدراسة السياسات، 18/2/2019.

[10]. هيئة التحرير، "قضية طاليب: أعضاء في الكونغرس الديمقراطيين يطالبون بالعمل ضد مندوبي إسرائيل،" صحيفة "إسرائيل اليوم"، 18/8/2019.

[11]. بن يشاي رون، "لا للانتظار حتى 20 يناير: الخطوات المطلوبة لمساعدة إسرائيل قبل تولي بايدن،" موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإخباري 9/11/2020.

[12]. المصدر نفسه.

[13]. غابي غاتس، أخبار العالم اليهودي، أخبار العاشرة من محطة إخبارية تابعة للمتدينين المتزمتين في مدينة القدس المحتلة، 9/11/2020.

[14]. مصدر سبق ذكره، لا للانتظار حتى 20 يناير: الخطوات المطلوبة لمساعدة إسرائيل قبل تولي بايدن، 9/11/2020.

عن المؤلف: 

عليان الهندي: باحث في الشئون الإسرائيلية ومترجم لغة عبرية، رام الله – فلسطين.

Read more