قراءة في دراسة "الاعتقال الإداري في فلسطين كجزء من المنظومة الاستعمارية" لعبد الرازق فراج
التاريخ: 
29/09/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
حول الاعتقال الإداري في فلسطين

كان للصديق عبد الرازق تجربة عميقة مع سياسات الاعتقال الإداري، فعلى مدار عقود تم احتجازه رهن الاعتقال الإداري عدة مرات، وتم تمديد اعتقاله فترات تجاوزت أحياناً العامين المتواصلين، وخاض نضالات متواصلة داخل الأسر ضد هذه السياسة، من مقاطعة لإجراءات المحاكم العسكرية إلى إضراب مفتوح عن الطعام، بهدف وضع حد لممارسة دولة الاحتلال هذا الشكل من الاعتقال التعسفي الذي يرقى إلى جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية.

وعلى الرغم من أن القانون الدولي الإنساني أجاز لدولة الاحتلال استخدام الاعتقال الإداري كاحتجاز موقت في ظروف محددة، حين يكون هناك خطر شديد يهدد أمن الدولة، فإنه فرض شروطاً صارمة لاستخدام هذا النوع من الاحتجاز، إلاّ إن دولة الاحتلال تخالف هذه الشروط بشكل منهجي، بل وتسيء استخدام الصلاحية التي منحت لها بموجب القانون الدولي وتستغلها لحماية مصالحها فقط من دون أي اعتبار لحقوق ومصالح السكان المدنيين الخاضعين للاحتلال، وهو ما يجعل ممارستها الاعتقال الإداري انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي وبالتالي قد يرقى ليكون جريمة حرب.

وفي الغالب تستخدم دولة الاحتلال الاعتقال الإداري أداة للسيطرة وفرض المزيد من العقوبات على الشعب الفلسطيني، وخصوصاً لقمع أي شكل من أشكال المقاومة السلمية للاحتلال، كما في الانتفاضة الأولى عندما تم اعتقال الآلاف إدارياً، أو في مرحلة اتفاق أوسلو عندما اعتقل مئات من معارضي الاتفاق، أو خلال الانتفاضة الثانية ولا سيما في أثناء إعادة احتلال المدن الرئيسية في آذار/مارس 2002، إذ اعتقل أكثر من 2500 شخص إدارياً في ظروف احتجاز قاسية جداً. كانت هذه بداية تجهيز معتقل عوفر ليستقبل آلاف المعتقلين حين كان مرآبا للآليات العسكرية لا يصلح ليكون مكان احتجاز. في هذه الفترة أيضاً قامت قوات الاحتلال بإجراء العديد من التعديلات على الأوامر العسكرية لتسهيل استخدام الاعتقال الإداري وإتاحة المجال أمام جهاز الاستخبارات والنيابة العسكرية لاحتجاز المئات من دون الالتزام بالإجراءات القانونية التي اشترطتها الأوامر العسكرية سابقاً، مثل إحضار المعتقل أمام المحكمة العسكرية خلال ثمانية أيام من تاريخ إصدار أمر الاعتقال وإلاّ يُعتبر الأمر باطلاً، لتصبح هذه المدة 18 يوماً. ولاحقاً تم إصدار قرار قانوني يعطي الغطاء لمَن احتُجز فترة أطول من دون المثول أمام قاضٍ عسكري، فتم تصديق أمر الاعتقال الإداري بحجة وجود مواد سرية خطرة تبرر الاحتجاز مدة أطول مما حدده الأمر العسكري المعدل.  

مع نهاية سنة 2015، ارتفع عدد المعتقلين الإداريين بحجة ازدياد الاحتجاجات ومناهضة الاحتلال، وطالت هذه الاعتقالات أطفالاً من مدينة القدس أول مرة منذ الاحتلال سنة 1967، فاحتجز أكثر من خمسة أطفال رهن الاعتقال الإداري فترات تراوحت بين ثلاثة أشهر وستة أشهر. وحالياً يقبع في سجون الاحتلال 340 معتقلاً إدارياً منهم 4 أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني.

يستهل الزميل عبد الرازق دراسته بعرض الجوانب القانونية المتعددة لسياسة الاعتقال الإداري ويسلط الضوء على الخلفية التاريخية لهذا الاعتقال وأنظمة الدفاع (الطوارئ) الانتدابية البريطانية لسنة 1945، وتَعارض هذه الإجراءات مع مبادئ القانون الدولي بشقيه الإنساني والقانون الدولي لحقوق الانسان.

كان لا بد من هذا المدخل القانوني المقتضب ليمهد للانتقال إلى الفصل الثاني فيفند الكاتب الادعاء بأن الاعتقال الإداري سهل إذ إنه لا يستند إلى تهمة محددة، وأمر الاعتقال يصدر في الغالب لمدة ستة أشهر، فيعرض بالتفصيل المعايير والإجراءات التي تتبعها المحاكم العسكرية وجهاز الاستخبارات ليثبت أن النية المبيتة من وراء استخدام هذا النوع من الاعتقالات هي تحويله إلى أداة للقمع والسيطرة وصهر الوعي الفلسطيني. كما يكشف أكذوبة استخدام المواد السرية حجة لاعتقال وقائي يهدف إلى منع خطر مستقبلي، وخدعة إجراء تحقيق قبل إصدار أمر الاعتقال الإداري لإقناع المحكمة بأن لا بينات كافية تقضي بتقديم لائحة اتهام ولا مناص من استخدام الاعتقال الإداري، فيشرح كيف يتحول الاعتقال الإداري عقاباً على أمر ارتكب سابقاً ولا علاقة له بادعاء منع أمر مستقبلي. ويسلط عبد الرازق الضوء على الألم والترقب الذي يعاني جرّاءه الأسير وعائلته بانتظار انتهاء أمر الاعتقال ليصدموا بإصدار أمر اعتقال جديد، فلا سقف لعدد مرات التجديد، وقد يقضي المعتقل خمس سنوات وأكثر يتلمس الأمل كل ستة أشهر.

يستشهد الكاتب بعشرات القصص والحالات لمعتقلين إداريين تمت ملاحقتهم مرات عديدة، وكانت له تجربة مشتركة مع بعضهم، ويقتبس من رسائل كتبها أطفال المعتقلين الإداريين. إن كل عنوان تناوله عبد الرازق في هذا الفصل يصلح ليكون دراسة بحد ذاتها، وخصوصاً لو أردنا توثيق تجربة المعتقلين الإداريين بصورة معمقة، وتخصيص حيز أكبر لصوت العائلات ومعاناتها خلال سنوات الاعتقال الإداري من ضغط نفسي وغياب قسري يلقي بظلاله على كل تفصيلات الحياة؛ صوت لميس وباسل ووديع، يتحدثون عن هذا الغياب والتغييب عن أهم الأحداث والمناسبات العائلية والاجتماعية، وكيف تستمر الحياة مع أمل الإفراج وسطوة التمديد القادم. ما يميز كتابة عبد الرازق هو هذا الدمج بين التحليل القانوني السياسي لاستخدام الاعتقال الإداري والأثر الاجتماعي في مكونات الشعب الفلسطيني كافة، من قادة سياسيين ونقابيين وطلاب وناشطين مجتمعيين وحتى الأطفال، وبهذا يتحول الاعتقال إلى أداة للسيطرة والهيمنة بيد المستعمر.

يركز عبد الرازق في الفصل الثالث على آليات المراجعة القضائية أمام المحاكم العسكرية والإجراءات القانونية الأُخرى في سياق الاعتقال الإداري ومنها التوجه إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. ويستند إلى تحليل بعض النصوص من قرارات المحاكم وأقوال القضاة، وإحصاءات تتعلق بنسبة مصادقة القضاة (بما في ذلك قضاة المحكمة العليا) على قرارات الاستخبارات في إصدار أوامر الاعتقال الإداري وتجديدها مرات عديدة. هذه المعلومات تشير بوضوح إلى الدور المتواطئ الذي يقوم به الجهاز القضائي العسكري والمدني مع سياسة الاعتقال الإداري ومحاولة إضفاء الشرعية القانونية على إحدى أهم استراتيجيات الاحتلال القمعية بحق ابناء الشعب الفلسطيني.

أمّا في الفصل الرابع فيعرض عبد الرازق بشكل مقتضب استراتيجيات المواجهة التي ابتدعها الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون على مدار سنوات لمواجهة سياسات الاعتقال الإداري: مقاطعة المحاكم في مراحل متعددة منذ التسعينيات وحتى مقاطعة سنة 2018؛ الإضرابات الجماعية عن الطعام كما في سنة 2014 أو الإضرابات الفردية لمعتقلين إداريين. وكمحامية رافقت المعتقلين الإداريين في كثير من هذه النضالات وخاضت نقاشات مطولة معهم، وبينهم كاتب الدراسة، كنت أتوقع أن يستفيض عبد الرازق أكثر في إطلاعنا على حيثيات نقاش الأسرى ومداولاتهم لاتخاذ القرارات بشأن خوض هذه الخطوات، وما هي توقعاتهم من مختلف صناع القرار، وما هي التجاذبات الداخلية التي كانت تدفعهم إلى اختيار التوقيت والأسلوب أو اتخاذ القرار بوقف الخطوات الاحتجاجية. وهنا أود أن أضيف أن مواجهة سياسات الاعتقال الإداري يجب أن تكون جزءاً من مواجهة شاملة للنظام القضائي العسكري، الذي لا يمكن اعتباره نظاماً موضوعياً عادلاً بل على العكس تماماً. وبما أن الأسرى والمعتقلين هم الفاعل الأساسي في عملية التقاضي أمام هذا النظام، فعليهم المشاركة جميعاً، وليس فقط الإداريون في تقييم الوضع وتقييم دورهم وتجاربهم في مواجهة هذا النظام.

أتفهم تماماً حذر الزميل عبد الرازق في الدخول في تفصيلات كثيرة عن سبل المواجهة ولا سيما أنه اختتم الدراسة في الفصل الخامس بطرح مسألة جوهرية، أعتقد أنها بحاجة إلى متابعة معمقة شاملة تتعلق بموقفنا الجوهري كشعب فلسطيني من التعامل مع الجهاز القضائي العسكري والجهاز القضائي المدني. لقد استنفدنا الإجراءات القانونية المتاحة في كلا النظامين وعلى مدار عقود طويلة، في انتهاكات طالت كل جوانب حياتنا اليومية، من سياسات القتل العمد، ومصادرة الأراضي، والاستيطان، وهدم المنازل، والتهجير القسري، والإبعاد، والاعتقالات وغيرها الكثير. لكننا لم نقم بعملية تقييم جادة لهذه الاستراتيجيات القانونية على الرغم من أننا نعلم علم اليقين أننا لم نحرز أي إنجاز حقيقي على صعيد وقف كامل لمنهجية محددة، ربما ننجح في قضية عينية بوقف هدم منزل أو مئة منزل، لكن سياسة الهدم ما زالت مستمرة منذ سنة 1948 وحتى اليوم.

قد ننجح أحياناً في إطلاق سراح أسير، أو تقصير مدة الاعتقال الإداري، وقد ينجح معتقل إداري يخوض الإضراب المفتوح عن الطعام ويعرض حياته للخطر بوضع حد لاعتقاله. لكننا بحاجة إلى استراتيجيا وطنية واضحة تجيب عن كثير من الأسئلة التي تتعلق باستراتيجيا المقاطعة الشاملة للنظام القضائي العسكري. وهنا يجب التأكيد أن هذا النقاش لا يقتصر على الأسرى والمعتقلين فقط بل هو في الأساس مسؤولية المستوى الرسمي الفلسطيني. لقد تُرك الأسرى أحياناً وحدهم يخوضون مواجهاتهم من دون تفاعل كبير من المجتمع الفلسطيني لمساندتهم، وكان لهذا أثر سلبي في تحقيق إنجازات، بل دفع في بعض الأحيان نتيجة الإحباط إلى تراجع الحركة الأسيرة عن دورها الريادي في مواجهة الانتهاكات في حقها.

نجح الزميل عبد الرازق في إثارة العديد من القضايا المتعلقة بسياسة الاعتقال الإداري، وقد يكون النقاش بشأن المقاطعة الشاملة للمحاكم العسكرية في سياق الاعتقال الإداري هو الخطوة الأولى لنقاش الخطة الوطنية الجامعة لمواجهة النظام القضائي العسكري.      

عن المؤلف: 

سحر فرنسيس: مديرة مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان في فلسطين.

اقرأ المزيد