الربح والخسارة في ميزان الضم الإسرائيلي
التاريخ: 
18/08/2020
سلسلة خاصة: 
مخطط الضم الاسرائيلي: أبعاده ومخاطره وإمكانيات مواجهته

بعيداً عن الاستغلال الإسرائيلي لموارد الضفة الغربية الاقتصادية المتنوعة الطبيعية وغير الطبيعية،  التي تدر على دولة الاحتلال مليارات الدولارات  سنوياً، فإن عملية الضم ونتائجها وانعكاساتها وخسائرها الاقتصادية لا تتوقف على المكتسبات التي ستحققها دولة الاحتلال جرّاء عملية الضم، المتأتية  من افتراض حل السلطة أو انهيارها، والتي بدأت معالمها تظهر للعيان خطوات سميت التحلل من الاتفاقيات الموقعة بين السلطة وإسرائيل والولايات المتحدة، ووقف التنسيق الأمني، وقرصنة أموال المقاصة، التي تُستخدم  للضغط وفرض عقوبات على الشعب الفلسطيني، وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية لمصلحة المستعمِرين.

وترسيم الضم، الذي قد يبدأ بالتدريج، وينتهي بضم كل الضفة الغربية له تكاليف اقتصادية باهظة الثمن في المجالين العسكري والمدني بحسب تقديرات إسرائيلية. ولا يُعتقد بأن موارد الضفة الغربية المحتلة كافية لتغطيتها، وخصوصاً أن هذه المنطقة تضم ما يقارب 3 ملايين فلسطيني إضافة إلى مليونين في قطاع غزة، وتتطلب من إسرائيل توفير الموارد  لغايات الصحة والتعليم والإعالة وتوفير لقمة العيش لهم.   

لن تتوقف الخسائر الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي في حال تحقق سيناريو الضم وانهيار السلطة على الخسائر المحلية، إذ سيتراجع النمو الاقتصادي والاستثمار، وستتراجع الصفقات التجارية مع الدول العربية، ولا سيما الموقعة على اتفاقيات السلام معها (مصر والأردن)، ومع بعض الدول الخليجية التي تطبّع علاقاتها مع دولة الاحتلال.

الاتحاد الأوروبي بدوره هدد بمجموعة من الإجراءات قد لا تقتصر على وسم منتوجات المستعمرات الإسرائيلية، وقد تشمل مجالات أُخرى، وأقلها توقف الاتحاد الأوروبي عن دعم ما لا يقل عن 200 مليون دولار يقدمها للسلطة الفلسطينية.   

 السيناريو المتوقع

على الرغم من تراجع التوقعات بضم نسبة 30% من الضفة الغربية دفعة واحدة، أفصح أكثر من مسؤول إسرائيلي بأن عملية الضم ستكون جزئية ومتدرجة، وستبدأ بضم مستعمرة معاليه أدوميم ومرفقاتها  المسماة منطقة E1،  وهذا الضم يقسم الضفة الغربية إلى قسمين ويقطع التواصل الجغرافي بينهما. على أن يتواصل ضم منطقة بعد أُخرى وصولاً إلى 30% من مساحة الضفة الغربية. مع العلم بأن السيطرة على هذه الأجزاء الحيوية المنتقاة،  يعني السيطرة على ما تبقى من جزر وأرخبيلات تضم الأغلبية الساحقة من المواطنين الفلسطينيين.

 وتتوقع أوساط أمنية إسرائيلية أن الضم سيقود إلى انهيار السلطة، وما يترتب على ذلك من تحمل سلطات الاحتلال مسؤوليتها المدنية عن السكان الفلسطينيين، الذين وصل عددهم سنة 2020 إلى ما يقارب3.05  ملايين نسمة في الضفة الغربية، علاوة على وجود 2.05 في قطاع غزة،[1]  الذي  تتحمل إسرائيل المسؤولية عنه كونه يخضع لسيطرة من جانبها منذ أكثر من 15 عاماً.

عودة الاحتلال تبدأ بعودة تمركز الجيش الإسرائيلي  في المدن والتجمعات الفلسطينية التي تسيطر عليها السلطة منذ عقدين ونصف، بفضل اتفاق أوسلو، وتقود إلى إعادة الحكم العسكري والإدارة المدنية لتلك المناطق، الذي سيكون مناطاً به تقديم خدمات التعليم والصحة والأمن والشؤون المدنية والاجتماعية، وغيرها من الخدمات التي ستصبح من مسؤولية  السلطة القائمة بالاحتلال.

 تكاليف إعادة احتلال مناطق  A وB

إن عودة مؤسسات الحكم العسكري والإدارة المدنية إلى تولي شؤون السكان في كل الضفة الغربية، لن تتسبب بخسائر اقتصادية كبيرة لدولة الاحتلال، في حال نجاحها في جباية 2.9 مليار دولار ضرائب ورسوم، كتلك التي تجمعها السلطة الوطنية الفلسطينية اليوم،[2]  لكنه سيعيد الصراع  إلى المربع الذي نشأ قبل البدأ بتنفيذ اتفاقيات أوسلو.

في المقابل، تزداد النفقات العسكرية نظراً إلى حاجة إسرائيل إلى بسط سيطرتها الدائمة على المناطق التي انسحبت منها قبل توقيع اتفاق أوسلو، إذ تحدثت المصادر الإسرائيلية في وقت مبكر من سنة 2016 أن التكاليف العسكرية لإعادة احتلال المدن الفلسطينية - مناطق A و B ذات الاكتظاظ السكاني والبقاء فيها-، ستكلف الخزينة الإسرائيلية مبلغ 5.5 مليارات دولار سنوياً، كنفقات في الأوقات العادية.[3] لكن هذه التكاليف ستزداد في حال اندلاع انتفاضة في الضفة الغربية، نظراً إلى حاجة إسرائيل إلى تجنيد المزيد من جنود الاحتياط وأدوات القمع المتعددة، للمحافظة على الأمن العام.

المشكلة الأساسية في حل صفقة القرن الذي أجاز فرض الضم والسيادة الإسرائيلية، تكمن في انعكاسه على قوى محلية وإقليمية ودولية رافضة لبقاء الاحتلال ولتكريس نظام أبارتهايد يسعى لتهميش السكان الأصليين وطردهم، إذ يبقى احتمال أن تتخذ تلك الدول إجراءات فردية او جماعية ­­­­­­­­­­­­­­­عبر المؤسسات الإقليمية والدولية وارداً وفي الحسبان.

من جهة أُخرى فإن الضم ومنح 66 ألف مواطن فلسطيني صفة "ساكن" في المناطق المضمومة ومن دون جنسية إسرائيلية، يكلف خزينة دولة الاحتلال 350 مليون دولار سنوياً بدل خدمات تعليمية وصحية، وبدل بطالة وغيرها من الخدمات الاجتماعية، كتلك المقدمة للمواطنين الفلسطينيين في مدينة القدس المحتلة الذين منحتهم إسرائيل صفة "ساكن"، وليس صفة مواطن يحمل الجنسية الإسرائيلية، وكانت السلطة تغطي حاجات هؤلاء.  

لكن وفي حال استجابة حكومة بنيامين نتنياهو لمطالب معسكر اليمين المتطرف، بضم كل مناطق C، ومنح سكان هذه المناطق، البالغ عددهم 300 ألف نسمة، صفة "ساكن" فإن إعادة تكاليف الضم ستصل إلى ما يقارب 3 مليار دولار سنوياً، يجبى من سكانها 500 مليون دولار على شكل ضرائب ورسوم متنوعة.[4]

لكن هذا الخيار، يتطلب إضافة تكاليف أمنية ستُدفع مرة واحدة تبلغ قيمتها 8 مليارات دولار لإنشاء جدار الفصل العنصري الشرقي، وتعزيز التحصينات العسكرية في مواجهة أي تسلل من الأردن. كما تحتاج المنطقة المذكورة إلى مصاريف صيانة وحماية سنوية للحدود الجديدة، تقدر بـ 650 مليون دولار.[5]

المشكلة الأكثر خطورة، التي سيواجهها الاقتصاد الإسرائيلي، مع احتمال انهيار السلطة ورفض المجتمع الدولي لمنطق عودة الحكم العسكري، ستظهر في حالة إقدام إسرائيل على ضم كل الضفة الغربية، ومنح سكانها البالغ عددهم ما يقارب 3 ملايين نسمة صفة "ساكن"، واضطرار إسرائيل إلى تقديم الخدمات الكاملة لهم.

عندها، تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي سيتكفل بصرف مبالغ سنوية تقدر بـ 19.2 مليار دولار سنوياً تغطي الضرائب بقيمة 4.2 مليارات دولار، تتوزع كالآتي: 8.2 مليارات دولار لمخصصات تأمين وطني، و4.2 مليارات دولار للتعليم و4.5 مليارات دولار للصحة، إضافة إلى مصاريف أُخرى تقدر بـ 1.7 مليار دولار و600 مليون دولار لمصاريف الأمن الداخي (خدمات شرطية).[6] إضافة إلى بناء جدار الفصل العنصري الشرقي.  إن تكاليف إعادة إدارة وحكم كل الضفة الغربية مع سكانها من جانب الاحتلال الإسرائيلي ستكلف خزينتها ما يقارب من 25 مليار دولار كخدمات مدنية وإعادة احتلال وتموضع عسكري في مناطق   AوB. يضاف إلى ذلك مبلغ 1.5 مليار دولار تكاليف اندلاع انتفاضة ثالثة، تمتد من 3 أسابيع حتى 6 أشهر.[7]

إضافة إلى التكاليف المستقبلية لا بد من الإشارة إلى الاستعداد الإسرائيلي، لمواجهة أي طارئ، إذ جندت إسرائيل 10 كتائب احتياط[8]  منذ منتصف سنة 2020 بتكلفة تصل إلى 220 مليون دولار في العام.[9]  وسيزداد تجنيد كتائب الاحتياط في حال اندلاع انتفاضة ثالثة، وسيصل عددها إلى ما يقارب 30 كتيبة أسوة بالانتفاضة الثانية التي جندت لها دولة الاحتلال من 20-25 كتيبة تصدت لمقاومة الفلسطينيين من دون البقاء في المدن، وبعيداً عن تكاليف "عملية السور الواقي" التي  بلغت أكثر من 900 مليون دولار.[10]

كما أن تكاليف إعادة احتلال المدن ستزداد نظراً إلى حاجة الجيش إلى إعادة تحصين المركبات التابعة للجيش وللمستعمرين الإسرائيليين المنتشرين في الضفة الغربية، كما تحتاج المستعمرات إلى إعادة تهيئتها لمواجهات جديدة مع الشعب الفلسطيني. إضافة إلى ذلك، فإن التصعيد العسكري مع قطاع غزة الذي يترافق مع تنفيذ عمليات الضم، يمكن أن يدفع في اتجاه عدوان جديد على القطاع. ويُذكر أن إسرائيل زجت 7 آلاف جندي في حرب 2014، وبلغت تكلفتها الإجمالية، ما يقارب 2.4 مليار دولار، وهو ما يعني أن تكلفة أي حرب قادمة على قطاع غزة ستكون في حدها الأدنى 2.4 مليار وفق معطيات حرب 2014.[11]  وهي تكاليف ستضاف إلى انعكاسات الضم على إسرائيل.

وسيواجه الاقتصاد الإسرائيلي، خسائر في مجالات متعددة مثل تراجع الاستثمار الأجنبي في مختلف القطاعات الإسرائيلية، وتراجع القطاع السياحي، والتراجع في التبادل التجاري مع دول الاتحاد الأوروبي، الذي هدد بفرض مقاطعة علمية على الأبحاث والدراسات التي تجريها الجامعات الإسرائيلية، بالتعاون مع مثيلاتها الأوروبية إذ قدرت هذه الخسائر بـ 20 مليون دولار سنوياً، مع حرمانها من المشاركة في برنامج الأبحاث الأوروبية، وهو ما يتسبب بتراجع مكانة جامعاتها في العالم، وفي وقت مبكر من الشهر الماضي طالب الاتحاد الأوروبي رئيس الاتحاد بإعداد قائمة بالعقوبات التي ستفرض على إسرائيل في حالة الضم.[12]

خلاصة

إن الضم الذي تخطط له دولة الاحتلال الإسرائيلي لن يشكل خسارة من الناحية الاقتصادية، فالأرباح التي تحققها إسرائيل جرّاء وجودها في الضفة الغربية، لا تقدر بثمن، بفضل سيطرتها على الموارد الطبيعية وغير الطبيعية في الضفة الغربية، علاوة على تأهيل هذه المنطقة، وخصوصاً الأغوار ومحيط القدس وبيت لحم والخليل لحل أزمات السكن في إسرائيل بدلاً من نقلها إلى النقب، المنطقة الصحراوية القاحلة التي تحتاج إلى عشرات مليارات الدولارات لتأهيلها للنمو الحضري والسكاني.

المشكلة الأساسية في حساب الخسائر الإسرائيلية من وراء الضم، هي تجاهل الباحثين  والمعارضين لمثل هذه الخطوة، نهب واستغلال إسرائيل لكل الموارد الفلسطينية، وهو ما تسبب بفقر مدقع للفلسطينيين، ودفعهم إلى الاعتماد الكلي على الدعم الخارجي منذ سنة 1967 حتى اليوم. لكن يجب عدم تجاهل أن الاحتلال الإسرائيلي، وفي حال انهيار السلطة الوطنية الفلسطينية، سيتولى المسؤوليات المدنية وتقديم الخدمات المطلوبة بحدها الأدنى، التي كانت تقدمها مختلف دول العالم.

المخاوف الحقيقية لمعارضي الضم في إسرائيل لا تتعلق بالخسائر الاقتصادية التي ستواجهها إسرائيل، وهم محقون في ذلك، بل بالتهديد المباشر الذي يشكله بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه. وقد أثبتت التطورات خلال العامين الماضيين أن لا التهديد الإيراني ولا التهديد الذي يشكله حزب الله في لبنان، هو التهديد رقم واحد لدولة الاحتلال، بل التهديد الفلسطيني الناجم عن المساواة العددية الآخذه بالاختلال لمصلحة الفلسطينيين في فلسطين الانتدابية، وهو ما تعتبره دولة إسرائيل معضلة حقيقية في الحاضر والمستقبل.

وعليه فإن خطة الضم، لا تقررها الخسائر والأرباح على الرغم من أهميتها، بل ما يهم الإسرائيليين هو اتباع كل ما من شأنه إقصاء الشعب الفلسطيني أو القضاء على صموده في وطنه. كما يهم الإسرائيليين بقاء الاحتلال والاستيطان سواء بترسيم الضم أو من دون ترسيم. وما يهم الشعب الفلسطيني هو إنهاء الاحتلال والاستيطان وممارسة حقه في تقرير المصير وما يتطلبه ذلك من اعتماد استراتيجيا جديدة.

 

[1]. دولة فلسطين، الجهاز المركزي للإحصاء، "نحو 13.5 مليون فلسطيني في فلسطين التاريخية والشتات،" بيان صادر عن الجهاز بمناسبة اليوم العالمي للسكان، رابط الموقع الإلكتروني، 11/7/2020.   

[2] . ضباط من أجل أمن إسرائيل، إجراءات الضم في "يهودا والسامرة" – انعكاسات، ص 21، أيلول/ سبتمبر 2018.

[3]. عليان الهندي، "مستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية من وجهة نظر إسرائيلية،" المجلة الفصلية، "أوراق فلسطينية"، ص 50، العدد 14 (خريف 2016).          

[4]. ضباط من أجل أمن إسرائيل، مصدر سبق ذكره، ص 22.

[5]. المصدر نفسه، ص 22.

[6]. المصدر نفسه، ص 24.

[7]. "مستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية من وجهة نظر إسرائيلية،" مصدر سبق ذكره.

[8]. الكتيبة الواحدة في إسرائيل تضم من 300-1300 جندي، والاعتقاد السائد هو أن عدد أفراد الكتبية في إسرائيل يصل إلى 600-700 جندي يقودهم ضابط برتبة عقيد.

[9]. أورن أمير، "تراجع أخلاقي وجهل اقتصادي: التصعيد في أعقاب الضم سيكلف الاقتصاد الإسرائيلي مليار شيكل،" رابط موقع "واللا" الإلكتروني، 4/6/2020.

[10]. المصدر نفسه.

[11]. عليان الهندي، "قراءة أولية في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة - أســباب  ومـعطـيات  ونتـائـج،" تقرير داخلي لم يُنشر، جامعة الاستقلال-أريحا، 1/9/2014، ص 20.  

[12]. لاندو نوعاه، وزير الخارجية الهنغاري: "إسرائيل وهنغاريا أكثر دولتين تهاجمان في العالم،" "هآرتس،" ص 5، 21/7/2020. 

عن المؤلف: 

عليان الهندي: باحث في الشؤون الإسرائيلية رام الله- فلسطين.

اقرأ المزيد