كراهية العرب حالة إجماع فوق حزبية في المشهد السياسي الإسرائيلي
النص الكامل: 

تمثلت كراهية العرب في جولات الانتخابات الإسرائيلية الثلاث خلال الفترة 2019 – 2020، في أشكال متعددة، وبلغت الذروة في الجولة الثالثة التي جرت في 2 آذار / مارس 2020، ففي ذلك اليوم نفسه، عمّم اليمين الإسرائيلي رسالة قصيرة على الهواتف النقالة هذا لسان حالها: "كارثة لإسرائيل! وسائل الإعلام تفيد: العرب يصوّتون بكمّ هائل، وهذا يقوّض حكم اليمين! اخرجوا إلى التصويت الآن. الأمر رهن ضمائركم. إذا لم تصوّتوا ستندمون على ذلك غداً. القرار في أيديكم: أغلبية يهودية أو أقلية عربية!" لقد أعادت هذه الرسالة التذكير بشريط الفيديو الذي بثّه رئيس الحكومة الإسرائيلية وزعيم اليمين بنيامين نتنياهو في يوم انتخابات 2015، والذي حذّر فيه من خطر تقويض حكم اليمين بسبب ارتفاع نسبة التصويت من طرف العرب.

قبل هذه الرسالة عاب نتنياهو على منافسه زعيم تحالف "أزرق أبيض" بيني غانتس، مرات من الصعب حصرها، أنه لن يكون في إمكانه تأليف حكومة إسرائيلية جديدة في إثر الانتخابات من دون دعم القائمة المشتركة التي تمثل الأحزاب الفاعلة في صفوف الفلسطينيين في مناطق 1948.

وردّ غانتس على هذه الإعابة بعنصرية مكملة وموازية في هيئة جزم بأن القائمة المشتركة لن تكون جزءاً من الحكومة التي سيؤلفها في حال نجاحه في الانتخابات العامة. واختار غانتس أن يدلي بتوضيحه هذا في سياق كلمة ألقاها خلال افتتاح مقر المجلس النسائي العربي في "أزرق أبيض" في بلدة البعنة العربية بالقرب من مدينة عكا في الفاتح من شباط / فبراير 2020، مشيراً إلى أن هناك خلافات عميقة غير قابلة للجسر بين تحالفه وبين القائمة المشتركة في كل ما يتعلق بالقضايا السياسية والقومية والأمنية التي تتصل بدولة إسرائيل. ومع أنه رأى وجوب العودة إلى رؤية إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، فقد شدد على أنها الوحيدة في العالم التي يجب أن تدافع عن نفسها من أعداء خارجيين، ولا يمكنها التسامح مع الإرهاب أو الامتناع من إدانته ومن إقصاء المتعاطفين معه، وهو ما عُدّ تبريراً لتأييد تحالفه شطب ترشيح عضو الكنيست هبة يزبك من حزب بلد (التجمع الوطني الديمقراطي) بزعم "تأييد إرهابيين"!

وعشية الانتخابات كُشف النقاب عن أقوال أدلى بها كبير مستشاري رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتان إيشل، في شريط تسجيل مُسرّب بثته إحدى قنوات التلفزة الإسرائيلية وجاء فيه أن الكراهية هي التي توحد معسكر اليمين بقيادة حزب الليكود، وأن الحملة الانتخابية السلبية التي نظمها اليمين تؤثر بشكل جيد في جمهور حزب الليكود الذي وصفه بأنه من غير الأشكينازيين، وبأنه يكره كل شيء.

وكي لا يُساء فهم هذه الوقائع على أنها تندرج في مظاهر استثنائية من الكراهية العنصرية المتفشية ضد العرب في إسرائيل، لا بد من الإشارة إلى أن ممارسة العنصرية إزاء الفلسطينيين في إسرائيل ليست جديدة، بل إن الجديد هو تحطيم جميع الحواجز التي كانت في السابق تحول دون الكشف علناً عن وجهها القبيح، وتسريع الخطوات الرامية إلى قوننتها، بما يحيل إلى أنها تبدو أقرب إلى حالة إجماع فوق حزبية في المشهد السياسي الإسرائيلي، تنشط بمبالغة ومغالاة في فترات الانتخابات التي تشكل أرضية لتطبيق مبدأ المساواة المنتهك في إسرائيل منذ قيامها.

وكان عالم الاجتماع الإسرائيلي النقدي الراحل باروخ كيمرلينغ تناول هذه الحالة في سياق مقالة مطولة عن إسرائيل والمسألة العربية نشرها في أواسط سنة 2005، وهو أحد السبّاقين في التلميح إلى أن هناك موضوعاً واحداً أضحى طاغياً على جدول أعمال معظم الناخبين اليهود الإسرائيليين، ولا سيما عقب فشل محادثات "كامب ديفيد" سنة 2000 وإعلان "لا شريك" الذي أطلقه إيهود باراك، رئيس الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت، وهذا الموضوع هو: كيف يمكن التخلص من المواطنين العرب؟ أو على الأقل كيف يمكن التخلص من أغلبيتهم، وترسيخ "الطابع اليهودي" لإسرائيل؟

بحث كيمرلينغ عن جذور طغيان هذا الموضوع / الهاجس ليس فيما استجدّ بعد سنة 2000 فحسب، بل في ثنايا الفكر العنصري الصهيوني أيضاً منذ أول تجلياته التي غلب عليها كذلك "هاجس" التخلص من العرب الفلسطينيين عامة. وعندما وصل في كلامه إلى ما حدث في إبان النكبة في سنة 1948، أشار إلى أنه مع أن العرب الذين بقوا في إسرائيل حصلوا على مواطنة (جنسية) إسرائيلية وعلى حقوق مواطنة كأفراد، إلّا إنهم اشتُبهوا دوماً بعدم الولاء للدولة، وبأنهم طابور خامس أو حصان طروادة.

ولغاية سنة 1966 كانت المناطق الريفية (القروية) العربية خاضعة للحكم العسكري الإسرائيلي، ولم يسمح بقبول العرب أعضاء في نقابة العمال العامة (الهستدروت) إلّا بدءاً من سنة 1965، وكان السبب هو قناعة وإيمان الدولة والسكان اليهود بأن المواطنين العرب يشكلون تهديداً أو خطراً أمنياً مع أنه لم يتوفر موضوعياً أي إثباتات حقيقية لهذا الادعاء.

وبعد إلغاء الحكم العسكري (في سنة 1966) ظل المواطنون العرب خاضعين لنظام مراقبة وملاحقة بوليسية صارمة، ترافق مع اتّباع سياسة مصادرة لمساحات واسعة من الأراضي العربية بمرور الأعوام، جرى تنفيذها تحت مسميات متعددة منها "تهويد الجليل"، وهي مسميات ميزت نظرة الدولة ومؤسساتها إلى المواطنين العرب في إسرائيل.

ففي التظاهرات التي جرت في 30 آذار / مارس 1976 ("يوم الأرض") قُتل برصاص الشرطة الإسرائيلية 6 مواطنين عرب، وفي "أحداث" تشرين الأول / أكتوبر 2000 (هبّة التضامن مع انتفاضة الأقصى والقدس) سقط 13 مواطناً عربياً وجُرح المئات (برصاص قوات الشرطة الإسرائيلية).

وسبق ذلك مذبحة كفر قاسم في 29 تشرين الأول / أكتوبر 1956، التي قُتل فيها 49 شخصاً من أهالي القرية معظمهم من النساء (إحداهن كانت حاملاً) والأطفال على يد وحدة تابعة لشرطة "حرس الحدود" الإسرائيلية، ومثلما هو معروف اكتفت المحكمة الإسرائيلية بإصدار عقوبات رمزية فقط على الضالعين في ارتكاب المذبحة.

وكان الأديب الإسرائيلي سامي ميخائيل، رئيس "جمعية حقوق المواطن"، قد توقف في مقدمة كتاب "درس للحياة" عند سيرورتَي التطور فيما يتعلق بمسألة العنصرية، واللتين شهدتهما الولايات المتحدة وإسرائيل بصفتهما دولتين كان فيهما منذ تأسيسهما عنصرية وفجوات اجتماعية عميقة، وقارن فيما بينهما. وخلال هذه المقارنة أشار إلى أنه فيما يتعلق بقيمة المساواة، فإنه لا يزال في إسرائيل نزعة متأصلة نحو التمسك بالنظرية التي ترى أن "الغير" أدنى. وهو يشمل ضمن هذا "الغير" كل مَن هو "غير يهودي" و"غير أشكينازي".

وقبل عدة أعوام كتبت عالمة الاجتماع الإسرائيلية إيفا إيلوز مقالة مطوّلـة في صحيفة "هآرتس" حلّلت فيها بكفاءة لافتة أسباب تحوّل إسرائيل إلى دولة عدوانية وعنصرية، وخلصت إلى استنتاج فحواه أن العنصرية باتت بنيوية.

وقد استهلتها بالإشارة إلى أن 800,000 شخص شاركوا في تشرين الأول / أكتوبر 2013 في مراسم دفن الحاخام عوفاديا يوسف (الزعيم الروحي لحزب شاس والحاخام السفارادي الأكبر السابق لإسرائيل)، وأن الساسة من جميع الكتل أثنوا عليه.

وقالت إنه في سنة 2010، عندما كان يوسف لا يزال محتفظاً بنشاطه، أي ماكينة سياسية فائقة القوة ذات تأثير واسع في السياسة والمجتمع في إسرائيل، تحدث في إحدى عظاته الأسبوعية عن العمل الذي يؤديه يهود وأغيار في يوم السبت، فقال: "لم يولد الأغيار إلّا لخدمتنا، وتلبية حاجاتنا. وإذا لم يكن كذلك، فلا مكان لهم في العالم. (إنهم موجودون) فقط من أجل خدمة شعب إسرائيل." وكي تكون النقطة واضحة أكثر، أضاف يوسف: "لماذا ينبغي للأغيار أن يعيشوا؟ لأنهم سيعملون، سيحرثون، سيزرعون وسيحصدون، ونحن نجلس كأفنديين ونأكل."

وتابعت إيلوز أن ملاحظات يوسف هذه يتبنّاها حاخامون كثر وجمهور كبير من أنصار شاس وقطاعات أُخرى من المجتمع الإسرائيلي، شرقيون وأشكيناز. وهنا يجدر التوقف عندما نقرأ عن الإعجاب بيوسف وأفكاره، فنقارنه بأي بريطاني أو فرنسي أو عربي يطلق مثل هذا الكلام على اليهود وكيف كان سيثير اشمئزازنا، لكن هذا الرجل الذي أطلق كثيراً من الأوصاف المثيرة ضد غير اليهود نال الجوائز والثناء والقبول الصامت أو اللامبالاة من جانب المجتمع الإسرائيلي واليهود في العالم.

وحاججت إيلوز الذين يبررون العنصرية الإسرائيلية بالقول إن العرب أو الأتراك يتعرضون أيضاً للتمييز في فرنسا أو ألمانيا، وإن إسرائيل ليست أسوأ من مثل تلك الدول، فقالت: إن العنصرية التي مصدرها السكان تختلف عن العنصرية التي مصدرها قوانين الدولة (أي البنيوية). وأكدت أنه عندما يرسخ مثل هذه المقارنة يسهل تسويغ العنصرية. لكن ما يتعيّن الانتباه له هو أنه بعد مأسسة العنصرية والمصادقة عليها من جانب الكيان الأقوى – الدولة - فإن القيم العامة ضد العنصرية تضعف كثيراً. وفي رأيها، بينما تبدو معارضة العنصرية وحماية حقوق الإنسان في إسرائيل كـ "مواقف يسارية متطرفة"، فإنها في الدول الليبرالية مجرد قيم أساسية مشتركة لليسار واليمين على حد سواء.

ويعتقد سامي ميخائيل أن التصريحات التنميطية التي يطلقها مصممو الرأي العام ذات تأثير كبير في تجذير العنصرية في إسرائيل، وأن المروّج للعنصرية ليس هو المسؤول فقط عن زرع بذور الفتنة، بل يشاركه في المسؤولية أيضاً أولئك الذين يُنكرون وجود جريمة العنصرية.

قبل ميخائيل وإيلوز ندّد البروفسور شلومو ساند، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة تل أبيب، في كتابه "كيف لم أعد يهودياً؟" بعنصرية إسرائيل اليهودية، مؤكداً أنه واعٍ جيداً لحقيقة كونه يعيش في واحد من أكثر المجتمعات عنصرية القائمة في العالم الغربي الذي تتباهى إسرائيل بالانتساب إليه.

ورأى ساند أن العنصرية موجودة في كل مكان من العالم تقريباً، لكنها في إسرائيل غدت بنيوية بروح القوانين التي جرى ويجري سنّها (و"تُوّجت" بقانون القومية)، ونظراً إلى كونها تدرّس في جهاز التربية والتعليم، ومنتشرة في وسائل الإعلام. وبحسب قراءته، فإن الأمر المروع أكثر من أي شيء هو أن العنصريين في إسرائيل لا يعرفون أنهم كذلك، ولا يشعرون أبداً بوجوب الاعتذار.

السيرة الشخصية: 

أنطوان شلحت: كاتب وباحث فلسطيني

اقرأ المزيد