ما شئنا لا ما شاء إيليا سليمان
نبذة مختصرة: 

استأثر فيلم إيليا سليمان "إن شئت كما في السماء" باهتمام عالمي واسع، ونال عدداً من الجوائز العالمية، منها جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما في مهرجان كان السينمائي، فضلاً عن جائزة خاصة من لجنة تحكيم المهرجان، وقد اختير لتمثيل فلسطين في سياق الأوسكار لسنة 2020 عن فئة "أفضل فيلم أجنبي". وفي هذه المقالة، قراءة للفيلم بمختلف أبعاده: التقنية والفنية والسردية.

النص الكامل: 

هذا فيلم "كما يشاء" المشاهدون، بقدر ما هو "كما شاء" المخرج. يسعد إيليا سليمان، مثلما يعبّر في مقابلاته، إن أصر أحدنا على رؤية "إن شئت كما في السماء" مرة ثانية أو ثالثة أو أكثر، مكتشفاً في كل من تلك المرات شيئاً جديداً.

أنا، مجرد أحدنا، شغفني الفيلم خلال مشاهدتي له، وظل مُغوياً حتى بعد النهايه. وفور مغادرتي الصالة بحثت حالاً عن تاريخ وتوقيت العرض التالي له، وشاهدته ثانية بعد يومين، ولو كان ثمة عرض ثالث ورابع لربما واصلت المشاهدة والاكتشاف.

 

إيليا سليمان متسلماً شهادة الجائزة الخاصة من لجنة تحكيم مهرجان كان

 

ببساطة، يصعب استكناه أسرار هذا العمل الثعلبي وترميزاته من المشاهدة الأولى. نحن في مواجهة قصيدة باذخة في مخاتلةِ صورها المواربة على تخوم الانكشاف، متحدية القارىء المتمرس كي يفك تمنّع رموزها. هذا فيلم الملعنات اللذيذة التي تتراقص في عيون المشاهد لقراءة الكثير في الصمت... العميق والصاخب. هذا فيلم يجرجر مِزع الضحك المرير ويتركها منثورة ومشنوقة على مشاهد السخرية والتهكم.

القصيدة أو اللوحة المفتوحة على معانٍ عديدة تورط القارىء في التقاط صور ومغازٍ ربما عناها الشاعر وربما لم. وهكذا "إن شئت كما في السماء" يفيض بالانفتاحات وتعدد القراءات، مورّطاً إيانا في التجروء على رؤية ما لم يُقصد. هذا بذاته يحتل قلب الإبداع في أي عمل فني: أن يفتح دروباً لا حدود ولا اتجاه لها في خيال مُشاهد يُدفع كي يسبح في فضاء تنعتق فيه المعاني بلا قيد. قد يكمن إبداع فن ما في كثافة معنى واضح واحد محدد، في تقليب جوانبه، في الإبهار الخاص به، في التركيز الأحادي غير المشتت، كما في اللوحات الفنية الشهيرة التي نعرف جميعاً بعضاً منها. لكن ثمة إبداع آخر يقدم النقيض، لا تحبسه أي أحادية مفترضة لمعنى أو لفكرة، ويفيض فيه غموض ولّاد لمعانٍ وأفكار اشتغل الفنان على نصفها الأول، وترك للرائي، أو للرائين، مهمة الاشتغال على أنصافها الأُخرى العديدة والمحتملة. هنا يستكمل الرائي، أو المشاهد في حالة السينما، ما بدأه المخرج، فيضيف عليه ما شاء له من استحضار وجداني يبثّه الفيلم في جوّانيات مشاهديه.

 

أحد ملصقات الفيلم

 

في النقد أُعلن "موت الكاتب" وقيامة القارىء فور انفصال الكتاب عن كاتبه ووصوله إلى أيدي القراء. هنا، نعلن "موت المخرج"، أو بتعبير ألطف "استقالته"، وقيامة المُشاهد فور انفصال الفيلم عن مخرجه ووصوله إلى صالات العرض. هنا العجنة التواطئية البارعة بين مَن ينتج العمل الإبداعي: الكاتب أو المخرج، ومَن يتلقاه: القارىء أو المشاهد. جذر ذلك يكمن دوماً في إبداع المبدع لِما أبدع مكثِّفاً في العمل قصدية (intentionality) ومقامية (situationality) وتناصية (intertextuality) (تستدعي تأسيسات روبرت دو بوغراند ودريسلر في النقد الأدبي)، تفعل فِعلها في قارىء ومتلقّي العمل الأدبي ليكونا جزءاً منه، نقداً واستكمالاً. على ذلك وفي ضوئه، نعلن نحن مشاهدو فيلم "إن شئت كما في السماء" انتقالنا من موقع المشاهد إلى موقع المخرج المكمل للفيلم، نبحر فيه "كما نشاء"، ونشكر إيليا سليمان على إنشائه لنا بوابات حرة كي "نشاء" منها، ثم نناوله نص استقالته من الفيلم اللامكتمل، ونستكمل نحن الخيال، بينما يتابع هو مراقبتنا... بصمت!

هكذا إذاً، واحتلالاً للمساحة التي توفرها أول مفردتين في عنوان الفيلم: "إن شئت..."، تهدف هذه الأسطر إلى فهم وتحليل وتخيل وإطلاق قراءة موشّحية للفيلم عبر ثلاثة تداعيات: "الراحل"، و"الحائر"، و"العائد"، مقسمة على ترانيم الموشح الأندلسي المغناة بصوت صباح فخري، وقد افتتحت واختتمت الفيلم، وتلاحقت في ثلاثة أزمان مع حدث الفيلم: رحيل الشارد من مدينته؛ حيرته في مدن الاغتراب؛ ثم عودته إلى مدينته الأم. ابتداء، يخبرنا وشّاحو الأندلس أن أقفال "الموشح التام" تتكرر ست مرات، فإن نقصت لا يكون الموشح تاماً. "مطالع" و"خرجات" و"أغصان" الموشح و"أسماطه" هي إبداعاته المضبوطة بقياس دقيق. موشح إيليا سليمان متمرد ولا يتصف بالتمام، "مطلعه" المفتوح مدهش، أغصانه متوالده غير قياسية تتعربش في الهواء على غير هدى، أمّا أقفاله فتظل مشرعة لوشّاحين آخرين يستكملون العزف، ولمشاهدين يستنطقون المَشاهد ويرون فيها ما يرون.

التداعي السمعي الذي يثيره الموشح يتزامن مع البصري التي تشاء هذه الأسطر أن تراه عبر الحملقة اللصيقة لحركة الكاميرا وما تكشفه. "الراحل" و"الحائر" و"العائد" هو إيليا نفسه بصمته المذهل في المشاهد جميعها. فردانيته وحيرته، تردده وإصراره، فشله ورغبته، اغترابه ثم عودته، مطحونة بين مستويَي إيقاع بصريَّين: الأول أفقي الحدث، والثاني عمودي السيطرة. الأفقي هو اليومي والتفصيلي، فمستوى الكاميرا المنصوبة على الأرض المنبسطة في الشارع والحارة والمقهى، تكشف لـ "الشارد"، خلال تمرحلاته الثلاثة، وفي مستواه الإنساني المتسيج في ذاتيته، جوانب صغيرة وكاشفة من يوميات الأفراد الآخرين وحيواتهم: تشابههم معه؛ اختلافهم؛ بؤسهم؛ تشردهم؛ أحلامهم؛ غرورهم؛ ثم الأخطر وهو "روبوتتهم" [من كلمة robot] الآلية وتماهيهم مع ما هو ضدهم، أي مع أنظمة الضبط والإكراه، وهذان الأخيران يقعان في قلب المستوى الثاني: عمودي السيطرة الذي هو مستوى "حدث" السيطرة الدائم على البشر والأفراد وتفصيلات عيشهم، والذي يبدأ من احتلال السماء، متمثلاً في صوت الطائرات الحربية الدائم التكرار، المدوي والمنفر، المخيف واللاإنساني، والجاثم على صدر الحياة اليومية. هو العنف الفوقي المفرود فوقنا، والذي يذكّرنا بجلافته في كل وقت، ويمزق كل سكون متأمَّل. في هذا المستوى الفوقي، تكون الكاميرا منصوبة على شرفات عالية، ترصد ما يحدث فوق، فتكشفه وتفصّله وتعرّيه - وتعرّي أيضاً استسلامنا له، وتُلقي بخزينا في وجوهنا.

في تنقلات الشارد بين الترحال والحيرة والعودة، نستمتع بعمل فني متعالٍ في سخرية هازئة من عبثية الحياة. العبثية ذاتها يوظفها سليمان ممعناً في تدوير اللقطات، بلا بدايات صارمة، ولا نهايات تقليدية. على السطح تتنافر المَشاهد كأن لا علاقة بينها، وفي العمق ثمة وضوح أشد. تتبدى الصور والأحداث أجزاء من دائرة خفية تتدرج في الاكتمال، فتنغلق على بعضها بتؤدة حتى تصل إلى "قفلتها" الطبيعية. وفي تتالي المَشاهد العريضة، يحملنا هذا الفيلم المُلغز إلى ثلاث مدن: الناصرة وباريس ونيويورك، وفيها يصلبنا فوق شرفات مرتفعة تطل على تناقضات العالم وتفاهاته. إيقاع زمنه بطيء، وصامت، ومقطّع، يؤكد انتماء واضحاً إلى ما سبق أن أنتجه إيليا سليمان. هناك، في الشرفات تلك، يمارس سليمان لعبته المفضلة والبارعة: يماهي "المُشاهد" مع عيون "الشارد"، الشخصية الرئيسية والصامتة دوماً في الفيلم، سليمان نفسه، كاتب النص ومخرجه. مع "الشارد" و"المُشاهد" تتماهى أيضاً حركة الكاميرا، فتُظهر رأسياً من علو الشرفات ما لا يبوح به التأمل الأفقي: التعري السياسي والقيمي البشع هنا وهناك، وأسئلة اللامعنى الفادحة. الإطلالة من فوق، والبقاء فوق، في النقطة المختارة بعناية، هي التي تتيح التنقيب المفصل في تشابهات وتناقضات وجماليات وسفالات عالم اليوم. هذا من فوق، أمّا من تحت، فتدور الكاميرا أفقياً، وتحرث تعبيرات وجوه الناس، والأماكن، وحركة الحياة الصاخبة والصامتة. تصير تفصيلات الحيوات اليومية، والأحداث الصغيرة، وغرائبية الصدف، وعبثية العادي، كما الوجوه المحروثة بـ "الزووم إن"، استعراضات مكثفة لِما هو أكبر منها بكثير من "زووم آوت": اليوميات الصغرى لأفراد مطحونين، هي أصلاً ما تبصقه عليهم سياقات كبرى من سيطرة السياسة والمال والعنف.

 "الراحل": عبثُ "جدول لا ماء فيه"

لِنَعد إلى موشحنا، كما شئنا، متأملين من خلاله الفيلم منتشراً على حالات الشارد الثلاث: "الراحل"، و"الحائر"، و"العائد"، بادئين بأولها. في الصورة الكبيرة لِما قبل الرحيل نرى وجه النصراوي الصامت واقفاً على شرفة تطل على ليل المدينة الممزق بأنوار متفرقة. في شرود وداعي مرهَق تطوف عيناه أرجاء مدينته التي يرتبك ظهور معالمها وأضوائها واختفائها خلف أوراق شجر يحركها هواء ثقيل. هي ليلة ما قبل السفر، وعتبُ مدينةٍ أحست بقرار المغادرة. يوم السفر، يعلو صوت موسيقى أندلسية، تبدأ رائقة وشفيفة ثم يزداد علوّها وصخبها بالتدريج مالئاً الشاشة وأسماع المشاهدين، وعاكساً مقادير القلق في وجه وعقل وداخل شاردنا الذي صار على أهبة الرحيل. تتوازى الموسيقى التي تصرخ بالقلق مع كلمات غناء الموشح الأندلسي: "خمرة الحب اسقنيها، عيشة لا حب فيها، جدول لا ماء فيه."

 

ملصق ثان للفيلم

 

يظل الموشح يطرق عقل الشارد وقلبه: "عيشة لا حب فيها، جدول لا ماء فيه." لم يعد ثمة حب، جفّت الحياة، فهل وجَبَ الرحيل؟ الحدث الأكبر في هذا الجزء من الفيلم هو "الانفصال" ـ قرار السفر ومغادرة الناصرة. لا يكتمل المقطع الموشحي الذي يقول: "إن تجودي فصِليني أُسوة بالعاشقين."

مقطع الجود والوصل هذا علينا انتظار قدومه في المشاهد الأخيرة من الفيلم، إذ تمام الجود هو الحلول في تمام الوصل. الحدث الأكبر، في الجزء الأخير من الفيلم، وبعد الرحلة المتعبة سيكون "الوصل" (... فصِليني) من جديد متمثلاً في قرار العودة، والعودة إلى البداية. أمّا اليوم والآن، فإن المشهد ليس سوى انفصال، وإن كان ثمة عاشقان هنا، الشارد والمدينة مثلاً، فإنهما على خلاف غيرهم من العشاق ينفصلان.

هذا المقطع المتعالي: "عيشة لا حب فيها، جدول لا ماء فيه"، صاخب وضاجّ بالموسيقى، تتكثف قراءته في ضوء المشهد البارع الذي تلاه. وفيه نرى صاحبنا "الراحل" يسوق سيارته في طريق زراعية متربة ملتوية تنتهي به إلى وادٍ طويل، كأنه جدول ماء على جانبَيه أشجار، لكنه من دون ماء. مشهد بدا جافاً في البداية، يقف الشارد وسطه، يتأمل الصبّار في جانب، والزيتون في جانب آخر، رمزَي الصبر والأخضر في معاندة الجفاف، وتحدّي غياب الماء. نضوب الوادي، للوهلة الأولى، هو الترجمة البصرية للقناعة التي يبدو أن الراحل توصل إليها: فبعد وفاة والدَيه، وانقطاعه عمّا حوله، صار بلا حب، ونضب جدول حياته من ماء، فلزمه الرحيل.

في مشهد الوادي الأجرد من الماء، وحيث تنتصب الأشجار، يتصاعد تحدٍّ صارخ لقناعة الراحل المتجمعة بحتمية السفر والرحيل. يهتز من الداخل أمام اخضرار الأشجار في واد لا ماء فيه، ويربكه طول التأمل فيها. في لحظة الشرود الطويل تلك تأتيه صدمة أُخرى تظل عالقة، احتمالاً في وجدانه، وفي مخيلة المشاهد: فلاحة شابة جميلة ممشوقة القوام ترتدي الثوب الفلسطيني التقليدي المطرز، تتناوب على حمل جرّتَي لبن على رأسها في طول الوادي. تحمل واحدة وتسير بها مسافة ثم تضعها على الارض، وتعود إلى الجرة الثانية فتحملها على رأسها وتسير بها متجاوزة الجرة الأولى، وقاطعة بها مسافة إضافية، وتضعها في نقطة جديدة، ثم ترجع كي تحمل الأولى وتسير بها وتتجاوز النقطة التي وضعت فيها الثانية، وهكذا. لا موسيقى هنا ولا صوت سوى هسيس قدمَي الفلاحة وهي تحرث أرض الوادي مشياً وئيداً بهدوءِ ورتابةِ مَن تملّك الكون. تسير وفق زمن خاص بها، تتجه نحو ما تريد. سكونها الداخلي المذهل تنقله لنا الكاميرا الأفقية التي تصبح قطة طيعة أليفة تدور نظراتها ورأسها وفقاً لسير وخطوات جفرا الكنعانية القوام. نتأملها، ننسى معها المدينة، والتفصيلات الأُخرى، والعالم كله، وحتى الفيلم ذاته، ونتابع سيرها، لا نعرف وجهتها، لكن نرغب في أن نتخيلها تنقل لبن الجرار إلى رأس الوادي، تجمعه هناك وراء سدّ ما، ثم تطلقه ليفيض ويملأ الوادي حياة من جديد.

في مشاهد ما قبل الرحيل، نتابع حياة الراحل الرتيبة، وحياة الناصرة. الناس لا يرون أو لا يريدون رؤية وطأة مؤسسة الدولة الاحتلالية. يبول شخص على مرأى رجال شرطة، ويقذف زجاجة بيرة في جدار فتتهشم أمامهم غير آبه بهم. هم أيضاً لا يرونه. هناك عدم رؤية متبادلة من طرف المحتل والناس الواقعين تحت الاحتلال. الناس يتواصلون في مناخ بالغ الغرائبية، ممزقين في حياة مملة وعبث وتواريخ وخيالات. وقتهم بطيء إلى درجة أن الراحل نفسه يقدم عقرب الساعات المتباطىء في ساعة حائط بيته بيده. هل يفعل ذلك كي يلحق بالتوقيت الصحيح، أم كي يحثّ الزمن على الإسراع؟ لا ندري!

جار "الراحل" مواظب على سرقة الليمون من أشجار حديقته، وفي كل مرة عندما يضبطه وهو يمارس سرقته اليومية يخترع الجار حجة مضحكة جديدة، إنه يسقي الشجر أو يقلّمه مثلاً. هنا ثمة تواصل شبه طبيعي لكنه مرتبك، فحدث التطبيع مع السرقة، سرقة الليمون، يرمز إلى الاستسلام لواقع مسروق، متمثلاً في "الراحل" الذي ينظر إليه ولا يفعل شيئاً سوى العجز. في قلب هذا التطبيع مع واقع مشوه هناك العنف المختزن، يترجمه مشهد مجموعة غاضبة من شبان يحملون البلطات ويركضون في اتجاه "الراحل" وهو يسير مطرقاً وصامتاً، يظنهم، ونظنهم، سينهالون عليه ضرباً وقتلاً، لكنهم يتجاوزونه راكضين ولا نعرف إلى أين. هل فضح هذا المشهد صمته وانكشف ما تخفيه مشيته البطيئة والرتيبة، حين فضح هؤلاء الغاضبين داخله المرتبك، والهارب، والغاضب، والعنيف؟ ربما. هنا، وفي هذا كله، ثمة انفجار يوشك أن يحدث، لكن لا يحدث. هو الانفجار ذاته الذي لا يحدث في مشهد تالٍ حين يجلس "الراحل" على طاولة في مطعم، في مقابل شقيقان يجلسان مع شقيقتهما على طاولة مواجهة. ينظر الشقيقان إليه بغضب، ويحملقان فيه من دون سبب، ويحتجّان بغضب مُوحٍ بعراك مقبل مع صاحب المطعم لأنه وضع نبيذاً في المرقة التي شربتها أختهم. يمتص صاحب المطعم غضبهما بتقديم قنينة ويسكي على حساب المطعم. قصة تافهة لكنها كانت كافية لشحن الجو الذي كاد ينفجر، ولم ينفجر.

الجو المشحون المصلوب بين حدّي اللين الظاهر والغضب المكبوت، كان أساساً المطلع الموشحي المفاجىء والطريف والعبثي للفيلم. قداس ديني ناصري يقوده رجل دين يرتل بخشوع، ومصلّون كُثر وراءه يرددون صلوات دافئة. ينزلون درج الكنيسة حيث يطرق "أبونا" باب قبو أسفل الدرج، فيما بدا استكمالاً لطقس "الهجمة" في صبيحة عيد الفصح، ويطلب فتح الباب ممّن هم في داخل القبو. مَن كان يُفترض فيه فتح الباب من الداخل كسر خشوع الطقس كله بضحكة سكّير رقيعة اخترقت الباب، تستهزىء بـ "أبونا" وتقول له: "مش فاتحين الباب لو نزل الله، روح بلّط البحر." يقرّب الأب رأسه من الباب وعيونه يشتعل فيها غضب تجمّع بسرعة البرق، ويهمس لهم من دون أن يسمعه بقية المصلين: "بقولك افتح، وهاي قنينة النبيذ اللي في إيدك بفقعها براسك." لا يُفتح الباب، يخلع الأب ما اعتلى رأسه من قبعات وقلنسوات المنصب الديني، ويهرع إلى باب جانبي آخر، يخلعه برجله بقوة، ثم نسمع صوت صراخ وجلبة الصوت السكران وهو يتلوى من ضربات أبونا! يلخص هذا المشهد الافتتاحي العبقري الفيلم كله. إنه التوزيع التهكمي الساخر والساحر بين الشيء وضده، بين حلم وسكون التعبد مثلاً، وقسوة الركل تحت الأقدام. عندما نعيد رؤية المشهد بعدسة مكبرة، نرى علاقة الناصرة كلها مع النظام الكولونيالي القامع، ونرى وراءهما، مثلما سيظهر لاحقاً، باريس ونيويورك في رحلة الفيلم مشطورتين أيضاً بين حدّي اللين الظاهري والركل الفعلي.

نرى في الناصرة أيضاً "عدم الرؤية" تتوسط حدّي الصخب والصمت. لا أحد يرى الآخر. في "ساحة العين" في قلب المدينة، أفارقة مصلوبون عند "عين العذرا" يؤدون تراتيل صامتة، ولا يرون عاشقَين في مقهى قريب يتهامسان على خلفية موسيقى جميلة. وهؤلاء بدورهم لا يرون ذلك الشاب الذي ليس بعيداً عنهم، وهو يجلس مطرق الرأس على سور قديم، غارقاً في همومه وفي شرب زجاجة بيرة. شرطيان على دراجتين يدخلان المشهد، قريباً من الشاب، يتسلبطان على بائع متجول وينتزعان ناظورين من حاجاته ويبدآن النظر فيهما وتدوير رأسيهما في جميع الاتجاهات، لكنهما لا يريان أحداً على الرغم من الحملقة المتجولة في الناظورين المسروقين. يتكثف "عدم الرؤية"، واللااكتراث، والاستتفاه [من الإحساس بالتفاهة]، عند الشاب الغارق في همومه، فهو لا يرى الشرطيين القريبين منه، ولا يحفل بهما، ولا بأي شيء: يبادلهما "عدم الرؤية" والاستسخاف العميق، لا يراهما، ولا يرونه. في مناخ يشله الشلل، تصبح القدرة الوحيدة الممكن ممارستها ضد العدو هي نفيه بصرياً، وتجاوزه، ثم محوه من أمام العين، وشطبه من مجال الرؤية. يبول الشاب عند الجدار، ويرمي زجاجة البيرة بعنف في وجه الحائط، وجهيهما ووجهنا! ومع ذلك لا يرونه. يغادر المشهد ويدوس السلطة كلها التي فيه. "الراحل" الصامت تابع المشهد بدقة لكن بجمود حجري، جرجرنا معه إلى حالته الحجرية المضطربة.

يلحّ عليه الرحيل أكثر. جاره العجوز يتبادل الشتائم مع ابنه على بلكونتين متقابلتين. العجوز يكيل السباب لابنه الفاشل، والابن يذكّر أباه بأنه ورث الفشل عنه. بذاءات الحياة وحقارتها التي أودت بجيلين متلاحقين مرئية هنا، ولنا أن نستكمل المشهد ونبحث في الجذور. يتبرع "الراحل" بمقتنيات البيت إلى جمعية خيرية، فينفصل عن الواقع والحياة أكثر، ويتجهز للرحيل. شجيرة ليمون كان يسقيها ويهتم بها في زاوية غرفة الصالون في بيته نقلها إلى الحديقة. لم نعد نرى ساعة الحائط ووقتها الزاحف بملل، لقد تحرك الزمن وقرر الرحيل. بعدها تطل علينا ذروة الفيلم الأولى حين يزور الوادي ويرقب الفلاحة حاملة اللبن، يودع الصبر والزيتون، وتواشيح "عيشة لا حب فيها، جدول لا ماء فيه"، تملأ الشاشة وأسماعنا. يغادر إلى البحر، يقف في مواجهة الماء، يعطينا ظهره، ونتأمل معه زرقة سماء مشدوهة، ووداعاً قبيل المغادرة. سكون البحر يمزقه المشهد الأخير قبل السفر: يقود سيارته في طريق طويل، يلمح في المرآة سيارة أمن يسوقها جنديان شابان لا تلبث سيارتهما أن تجاور سيارته في مستوى السرعة نفسها، لكن لا يريانه، أو لا يريدان رؤيته. هو لا شيء لهم. هو يراهم. لا يلتفتان إليه، فهما مشغولان بتبادل وتجريب نظارات شمسية. في الكرسي الخلفي لسيارتهما هناك شابة معتقلة معصوبة العينين بشعر أشقر منكوش، في ترميز واضح للشابة الفلسطينية عهد التميمي. وعلى الرغم من العيون المعصوبة تلتفت إليه وتراه، يبادلها النظر ويحملق فيها، وهنا، ينكسر "عدم الرؤية".

 "الحائر": جفاف "ربّة الوجه الصبوح"

الشارد يمتطي الطائرة الآن صامتاً ومغادراً... شارداً وراحلاً. ينظر من النافذة، يرقب اقتراب الطائرة من الأرض... من مدينة المنفى، فيزداد اهتزازها، واهتزازه، وإحساسنا بخوفه. ركاب الطائرة لا يهتزون، ليس ثمة خوف إلّا خوفه هو. نظر حوله فرآهم جميعاً هادئين بلا اهتزاز، يواصلون متابعة فيلم، يتهامسون بحديث، ويتلذذون بشراب. هل اهتزت الطائرة حقاً، أم هو اهتزاز الجوّاني فيه؟ توتره الداخلي يهز الطائرة، ويهزنا، ويوترنا معه. تعبيرات وجهه، الصامتة والحيادية غالباً، خرجت من لامبالاتها وشرودها الحجري، واهتزت أيضاً... عكست الخوف، أم إن قراره بالمغادرة هو الذي اهتز، وخوفه من القادم مثلاً؟ هل أخطأ، هل تسرّع؟ لا نعرف ماذا قال في نفسه. يصل الشارد إلى باريس. الانطباع الأول: جمالها، والفتيات ربّات الوجه الصبوح والألوان الزاهية. كل شيء برّاق ومبهر، أنيق، متنوع، ومنسدل ظاهرياً على كتف كسلى، ليس مملاً بل مرغوب فيه، ويعج بالزبائن على طول مقاهي الأرصفة. شوارع طافحة بالأنوثة بخلاف مدينة الأصل الذكورية. لقطات مركزة تعكس تفصيلات مشهد غنائي لم يحدث في المشهد، نتخيل فيه صوت صباح فخري يتعالى متغازلاً في: "ربّة الوجه الصبوح".

يجلس الشارد على رصيف واحد من تلك المقاهي يتأمل حيوية الحياة الفياضة المدهشة، والأضواء، والتأنق، والفاتنات. هنا كل شيء يتحرك بسرعة، بكثافة، بفرح، أو هكذا بدا. هناك في المدينة المتروكة، كان كل شيء يتحرك ببلادة، بتشتت، بشرود، أو هكذا كان يبدو. الكاميرا الأفقية تبطّىء زمن المدينة السريعة كأنها تريده متوائماً مع زمن المدينة البطيئة.

ليس ما بدا هو ما كان، وانزاح انبهار شاردنا إلى متابعة صدمات تعرّي الصورة الأولية، ومُخادعات الوجه الصبوح. الكاميرا وعيونه تفضح تراتبية المدينة وقسوتها. في الظل، بعيداً عن أضوائها الصاخبة الافتتاحية، هناك فقراء ومهاجرون يصطفون في طابور طويل على باب كنيسة ينتظرون صحن حساء مجانياً. معظم مَن في الطابور أفارقة وسود وحنطيون. لكن فيهم بِيض أيضاً لفظتهم المدينة إلى جزئها الحنطي الملون! يكسر حدة الرتابة صوت سيارة إسعاف عالٍ، نتابعها من شارع إلى شارع، ثم تصل إلى أحد المشردين ممّن يفترشون زاوية إحدى الطرقات. تتكشف لنا سيارة الإسعاف كأنها مطعم متنقل يقدم للمشرد طعاماً معقولاً: هي إدارة شؤون المشردين إذاً، تُبقي على تشردهم، وتستثمره ديكوراً خيرياً في تراتبية طبقات المدينة وحكامها.

ملوّنو المدينة يكنسون شوارعها، أمّا بِيضها فهم عماد مؤسستها الشرسة: شرطتها، ورأسمالها، وجحافل الاستعراض في جيشها. بيضاوات المدينة وسيقانهن الصقيلة هن وكيلات ربّات الوجه الصبوح الذي جفّ بالتدريج في عيون الشارد. سوداواتها ينظفن متجر الأزياء الكبير المقابل لشرفة الشارد، ومنها يراقب كل ليلة شاشة تلفزيون كبيرة يُعرض فيها شريط مكرر لعارضات أزياء جميلات يتمطّين على منصة العرض. مانيكانات المتجر الجامدة التي تحمل وتعرض آخر صرعات الموضة، هي أيضاً ذات بشرة سوداء! تتحول شرفة شقة الشارد في باريس إلى عين كاشفة، متلصصة، ومحدّقة فيما وراء الحُسن الظاهري. من بلكونته تلك تشده جلبة عالية وصوت مطاردة، يسرع ويطل مستطلعاً، فيرى شاباً حنطي البشرة يركض لاهثاً حاملاً شيئاً ما، ووراءه يركض بضعة رجال أمن على دراجات حديثة بلا مقود، مرتبو الهندام، بقمصان زرق، يلبسون أكفاً سوداء، يلاحقونه في حركات استعراضية منتظمة خطية ومتداخلة. يُلقي الشاب بـ "الشيء" تحت سيارة مركونة ويهرب. في لقطة لاحقة، يعود إلينا مشهد الجلبة ذاته في النقطة نفسها، ويهرع الشارد مستطلعاً، لنرى هذه المرة رجال الشرطة يجرون السيارة التي كانت مركونة وألقى تحتها الشاب ما كان يحمله. بعد جر السيارة نكتشف أن "الشيء الـ ما" الذي ألقاه الشاب تحتها كان باقة من الورد... لكنها آلت إلى التعفن مع الوقت. عبث منظّم، بعض جَمال مسروق لا أمل فيه يتعفن بعيداً عن الشمس.

تلاشت سريعاً الصبغة البراقة عن "ربّة الوجه الصبوح"، فاحتدمت الحيرة في عيون شاردنا. لم يرَ، ولم نعد نرى سوى الطحن اليومي، والعنف المختزن، وآليات السيطرة. الكاميرا الأفقية التي أدهشتنا في التنقل بين وجوه الحسان في الإبهار الأولي تختفي. تحل مكانها كاميرا عمودية، علوية، تلاحق منظومات الضبط الكبرى للمجتمع والأفراد، وتذكرهم يومياً وآنياً بضآلتهم.

 

 

ضبط كادر الكاميرا على وجه الممثل

 

يفشل الشارد في الحصول على تمويل لفيلمه من باريس. حتى الممولين المؤيدين لفلسطين يريدون شيئاً مباشراً، فجاً، لا ترميز فيه. الشارد يقدم لهم ما نظنه نظير الفيلم الذي نشاهده، أو ربما هو نفسه، يفيض فيه فيضان الغموض، ومشاهد تتنافس في ادّعاء البداية والنهاية: لعبة الكاميرا التي تُفتح على مشهد عريض تتوسطه بركة ماء دائرية كبيرة تحوطها مساحات خضراء ممتدة من الجهات كافة. صفّان من الأشجار الطويلة ينطلقان بهندسة ودقة بادية من جانبَي البركة، ويمتدان بعيداً عنها، في اتجاهين متعاكسين. المشهد الرائق والهادىء والأخضر المريح الحاضن للماء من الجهات الأربع والشجر الواقف بانتظام ينقضه فجأه صوت رعدي مزلزل لسرب من الطائرات الحربية يمزق السماء الساكنة. يتحطم الهدوء الرائق، وتمضي الطائرات لتحطم هدوءاً رائقاً آخر. يتكرر المشهد بتنويعات مختلفة تفضح التناقض الكبير بين براءة ظاهرية مدّعاة، وشر ما كامن في الأفق ينطلق فجأة من دون إنذار. ثمة سكون آخر نراقبه بصمت، مع الشارد، يحتضن دواراً عريقاً تلتقي عنده شوارع باريسية عريضة وفسيحة، أحدها ينتهي بواجهة بناية نقرأ فيها صرامة حكومية. ثم فجأة يزمجر صف دبابات طويل يقطع سكون الشوارع، ويكشف لنا كم كان مريباً. سكون السماء والهواء تمزقه طائرات الاستعراض الحربي، سكون الأرض وتناسق الأخضر تمزقه دبابات الاستعراض الحربي. الحرب وصناعتها ومؤسستها ماثلة هنا، تذكّرنا بهيمنتها حتى لو لم يكن هناك حرب فعلية. إمّا أن نكون في حرب، وإمّا أن نكون منهمكين في التحضير لها: استنطاق هوبزوي مريع لتشاؤمية فادحة تقبض بيدها الفولاذية على أعناقنا اللحمية التي لا تحتمل. لهذه الحرب وعنفها اللذين يريدان أن يمهرا توقيعهما على أرواح الناس، الكلمة النهائية في الأرض والسماء.

 

إيليا سليمان في باريس

 

هنا باريس، اغتراب مركّب. اغتراب الغريب عن المكان، واغتراب المكان وأفراده عن ذواتهم. وراء الوجوه الصقيلة، وازدحام الشوارع بالناس المستعجلين في الاتجاهات كلها، والنظام المبهر الصارم، ثمة اغتراب مُلغز، عميق، يحوّل الناس إلى روبوتات تتحرك آلياً، كأنما تشتغل وفق برمجة مسبقة لا تسمح بتغيير الاتجاه، أو التكيف مع وضع جديد. يتجسد هذا الاغتراب في مشهد كاشف لسائحَين يابانيين، رجل وامرأة، يترجلان بهمّة من سيارة أجرة. وبمنتهى الأناقة والتأنق، يجرّان حقيبتَي سفر متشابهتين، ويسيران بخطوات روبوتية، ويتجهان نحو "الشارد" الذي كان يراقب المشهد بصمت، وربما ببلاهة. يباغتانه بالسؤال: "هل أنت بريجيت؟" يصدمه السؤال، لا يرد، يكرران السؤال: "نحن نبحث عن بريجيت، هل أنت بريجيت؟" غريبان هما في مدينة "الحب والجمال"، ويبحثان عنها. ليس مهماً من أين جاءا، ولا ماذا يريدان. ما هو مهم وتركته الصورة لنا هو الشعور المأسوي المختفي وراء الأناقة والترتيب والانضباط إزاء الطحن الذي بدا عليهما في ماكينة التهميش الكبرى. اختلط عليها وسط البرمجة المسبقة جنس المتحدث إليه، لا مجال لفردانية تُسائل الصغير من الأحداث. ما يحتل اللحظة المكثفة هو التماهي مع البرمجة والسؤال عن اسم "الشخص"، من دون تفكير في انطباقه على المسؤول. هو التذري الفظيع وسط جبروت "الروبتة" الخفي والكامن في عالم اليوم البائس. وسط الاغتراب والحيرة وفشل مهمة تمويل الفيلم وجفاف وجه ربّة الوجه الصبوح، يأتي مشهد رائق للشارد مع عصفور يناكفه على مكتبه وهو يحاول كتابة شيء ما على كمبيوتره المحمول. العصفور هو الكائن الوحيد الذي تآلف معه الشارد في رحلته وابتسم له، وانكسرت أمامه حيادية وجهه وشروده. العصفور رآه بحق، لم يحتقر وجوده، ظل يتنطنط حوله وعلى جهاز كمبيوتره. ناكفه العصفور بدلال زائد حتى قرر أن يطيّره من الشباك. لمّا أطلق سراحه كان الدخان الأبيض المنبعث من طائرات الاستعراض الحربية يرسم في الجو خطوطاً متقاطعة ظلت تتقاطع حتى رسمت في السماء مربعات مكتملة كأنها قفص: إلى أين يهرب العصفور؟ حتى السماء صارت قفصاً! في مشهد العصفور والشارد والكمبيوتر المحمول على المكتب، ربضت في الزاوية صورة لأمه وأبيه، وأُخرى ربما له أيام الشباب. حمل إلى هنا جزءاً من الماضي، نراه برّانياً، مثلما نحس به جوّانياً. الكائن الآخر الذي رآى الشارد بحق وتبادلا الرؤية والاعتراف كان عازف ساكسفون على رصيف مقهى كان الشارد يرتشف فيه القهوة. في أثناء جلسته تلك، جاء على عجل وسرعة رجال البلدية والشرطة وقاموا بقياس أطوال المطعم الخارجية على الرصيف، للتأكد من توافقها مع قوانين البلدية. بقي هو جالساً وسط الحدث، وهم يقيسون الأطوال من حوله. تصرفوا كأنه لم يكن موجوداً، لم يروه. حضرت القوانين، غاب البشر. بعدما غادروا، تقدم عازف الساكسون ووقف أمام الشارد، رآه، نظر إليه بعين الموسيقى وعزف له تبرعاً مقطوعة ما.

 

 الشرطة تقيس أطوال المطعم والشارد جالساً بهدوء.

 

يترك باريس وقد أكلت الحيرة نصف عقله، بينما ظل النصف الآخر يترنح وهو بالكاد صامد. به يسافر إلى نيويورك ليتآكل هناك، وفيها يتحول إلى "حائر" مكتمل ورسمي. إذاً، أهذه هي المدينة الكوزموبوليتانية الأولى والأكبر في العالم؟ أم هكذا تخادعه "ربّة وجهها الصبوح"؟ مرة ثانية: "زوووم إن"، ويسقط القناع! مجرد باريس أُخرى من التذرّي والطحن. الفرق هو أن عنفها ليس مختزناً خلف الأقنعة فحسب، بل طافح وفائض في الشوارع أيضاً. تحوم طائرة هليكوبتر فوق البنايات الطويلة. يتوتر "الحائر" ويسرع في مشيته من شارع إلى آخر. ينظر إلى أعلى فيرى الطائرة تنتقل فوق الشارع الذي يسير فيه كأنها تلاحقه. ترميز بديع لوطأة مدن مؤسسات الأمن والجيش ومراقبة الأفراد وتذرّيهم وغربتهم، تنتقل معه من مدينة إلى أُخرى.

في ليل الوصول المزعج، استقل المقعد الخلفي في سيارة تكسي خلف مقودها سائق أسود ضخم الجسم يبادله نظرات عدائية عبر المرآة. يقوده إلى شوارع خلفية كابية كأنها خرابات، فيها تزمجر أصوات قطارات آخر الليل التي تمرق قريباً وسريعاً منها. نقرأ في تقاطيع وجه السائق نيات سوء واعتداء محتمل. يسأله من أين أنت؟ فجأة، والكاميرا تنقل تقاطيع وجه الشارد كلها على الشاشة، وهي متوترة، يخرج الشارد عن صمته للمرة الأولى والأخيرة خلال الفيلم ويرد: "الناصرة" (Nazareth)، كلمة واحدة فقط. يستفسر السائق أكثر، فيردّ "الشارد": "أنا فلسطيني"، كلمتان أُخريان وفقط، بهما يصير "النص" كله الذي تفوّه به "الشارد" في طول الفيلم وعرضه، ثلاث كلمات وحيدة ودالة. "الناصرة... أنا فلسطيني،" هذا كل ما حكاه الصامت في الفيلم. بقيه الحكاية سُردت في صمته وفي عينيه. يتفاجأ السائق ويتفاعل بحماسة مع "فلسطينية" الراكب وتختفي عدائيته المفترضة، ويسأل أكثر وأكثر، ويعبّر عن تأييده لفلسطين، وأنه يعرف "كرفات" (عرفات)، ويتصل بزوجته على الفور يخبرها بشغف وفرح أن فلسطينياً يركب معه في سيارته.

 

مشاهد من الفيلم

 

نيويورك مسلحة حتى العظم! الناس كلهم يحملون أسلحة، ومسدسات، وبنادق، ورشاشات، وراجمات، ويتزنرون بأحزمة مقنبلة، وحتى الأطفال الصغار يحملون أسلحة إلى المدارس تلائم أحجامهم وجسومهم الصغيرة. حسناوات نيويورك، ربّات الوجوه الصبوحة، يعبرن الشوارع سريعات، صارمات الطلعة، والرشاشات تتدلى على أكتافهن. يتسوق الناس في السوبرماركت مسلحين، يملأون عربات الشراء وأسلحتهم جاهزة للتصويب. المرأة التي تحاسب الشارين على كاونتر الخروج مسلحة، تقوم بعملها وحركات يديها وأيديهم تتنقل بين محفظات نقودهم، وأعقاب أسلحتهم تدفعها إلى هذه الزاوية أو تلك حول أجسامهم كي يتحركوا بسلاسة أكثر وسط زحام الرشاشات!

قريباً من نهاية مشاهد الحيرة في نيويورك، يطلع علينا مشهد مفاجىء. فتاة يافعة لها جناحان أبيضان مفرودان، وفي عينيها نظرة زائغة محيرة. على صدرها علم لفلسطين. تقف على حافة بحيرة صغيرة كأنها تريد أن تطير لكن لا تستطيع؛ تريد أن تسبح لكن لا تستطيع. كل ما تستطيع أن تفعله هو الهرب عندما تزعق سيارات الشرطة وتملأ المكان وينزل منها رجال مثقلون بالأسلحة والأحزمة وأجهزة الاتصالات ويبدأون بملاحقتها. لا نعرف ما هي جريمتها (فلسطين) ولا نعرف لماذا تطاردها الشرطة (أميركا، والعالم). قبل أن تهرب يحيطون بها، يتأملونها ويتربصون بأي حركة تقوم بها. تميل الفتاة بجسدها نحو اليمين، فتميل الشرطة كلها، والعالم كله نحو اليمين تراقب حركتها عن قرب؛ تميل إلى اليسار، فيميل العالم كله نحو اليسار يراقب عن قرب أيضاً... تهرب، فيلحقون بها. الناس في الحديقة لا يكترثون لِما يحدث: لماذا تطارد شرطتهم فتاة؟ لا أحد يسأل أو يهتم. يتابعون التلطي على العشب، ويواصل عشاق موزعون هنا وهناك الهمس إلى بعضهم، وتستكمل فرقة موسيقية محلية عزفها؛ ليس فيما يحدث من مطاردة أي دهشة للناس أو تأثير فيهم. شرطتهم، وجيشهم، ودولتهم، تعرف أكثر منهم، وتقوم بواجبها إزاء مطاردة الآخرين! في لقطة تلك المطاردة، جِماع السخرية والطرافة السوداء، ثمة شرطي مترهل الهيئة يشارك زملاءه المطاردة في آخر الطابور، لكن يقتله الملل. يقوم بواجبه الممل من دون أن يعرف "القضية" ولا سبب المطاردة، لكنه يشارك فيها. هو جزء من النظام المطارِد، وواجبه القيام بما هو مطلوب منه، فيطارد... وإن كان بملل. يقوم بواجب لا يعرف ما هو، وضد مَن لا يعرف مَن هي. يمسكون الفتاة ويتجمعون عليها مشكلين دائرة بشرية حولها وفوقها، لكنها تختفي كالساحرة. تترك وراءها جناحيها الأبيضين فقط، ومعها يطير علم فلسطين.

تتلاحق مشاهد نيويوركية تواصل خلع أقنعة ربّة الوجه الصبوح قناعاً وراء آخر. يتلقى الحائر دعوات إلى الحديث هنا وهناك، في مدرسة الفن الحديث، في نادي العرب الأميركيين، ويرافق صديقاً مكسيكياً لشركة إنتاج أفلام بأمل عرض فيلمه عليهم، وهذا كله يؤكد انغلاق دائرة الشارد إلى "حائر" تام. فذلكات أحاديث الفن، وسؤال المقدم عن تفصيلات شعوره المفترض بأنه غريب تام (perfect stranger)، يقودانه إلى غثيان صامت ينافسه غثيان طلبة الفن الشبان المستمعين إلى الثرثرة المتفطرة من فم المقدم، أو "العلاك" بحسب لهجة المدينة الأم. الغثيان ذاته رافقه وهو يتوسط صخب مؤيدي القضية في النادي الأميركي - العربي، حيث اصطفّ على منصة الحديث ما يزيد على عشرة متحدثين، فضلاً عن أصوات مشتَّتة لقضية يتعالى تصفيق التأييد لها في قاعة غاصة بالمؤيدين العرب! عبث الجهد والبوصلة، ربما. منتجة الأفلام الأميركية رحّبت بصديقه المخرج المكسيكي وأهملته، صفعه مرة ثانية "عدم الرؤية" والاستتفاه. كان قد جلس في انتظارها فترة طويلة في غرفة استقبال كبيرة وواسعة بشكل مقلق، في جانب منها سكرتيرة متعجرفة، وقبالتها في الجانب الآخر جلس هو وصديقه المكسيكي تفصلهم عنها مسافة كبيرة تعزز الاغتراب، والتفوق، والاستعلاء، وعدم المصافحة طبعاً!

فشلت مهمة تمويل الفيلم في نيويورك، مثلما فشلت في باريس. لكن ثمة رهان ما على الأمل الأكبر، في ضربة الرمل الأخيرة قبل العودة. يذهب إلى عرّاف يقرأ ورق اللعب. ما دام الحاضر أُغلق، فليطرق جبين الأمل في المستقبل أقلّه. يتأمل قارىء الورق وجه الشارد الحائر، ثم يتمتم لنفسه مرتين أو أكثر: "هل هناك وجود لفلسطين"... يتأمل، يصمت، يغمض عينيه، ويحرك الأوراق في الاتجاهات كلها، يفتح عينيه، ويصوبهما في عينَي الشارد الحائر ويهتف بغبطة: "نعم سيكون هناك فلسطين" (there will be Palestine). ترتاح قسمات وجه الحائر، على الأقل لنحيل المسألة إلى المستقبل. قبل أن يمعن في ارتياحه، استدرك قارىء الأوراق: "لكن تمهل، هناك وجود لفلسطين وستحدث، لكن ليس في زمني أو زمنك." يهرب من تراكم الفشل إلى بار يرتشف فيه كأساً لينسى، برفقة مضيف لبناني عرفناه في النادي العربي - الأميركي المؤيد للقضية. في البار يعود إلينا الموشح الأندلسي معلناً بداية الخرجة النهائية، على تخوم نهاية الفيلم. صوت صباح فخري التلالي يحتل الشاشة، يحتل الهواء، يترنم سكران ومُسكِراً: "خمرة الروح القُبل، إن تجودي فصِليني."

صوت الموشح الفخم يذكّر الحائر الشارد بما أراد أن ينسى. آخر مرة سمعنا فيها مقاطع من هذا الموشح كان يوم غادر الناصرة. كأن المضيف اللبناني قرأ في عينَي الحائر خطوته المقبلة فقال له: "إنتو الفلسطينية غريبين: العالم كلّو بيشرب حتى ينسى، إنتو الشعب الوحيد اللي بيشرب ليتذكر." وبعدها قام يرقص على صوت الأغنية: "إن تجودي فصِليني، إن تجودي فصِليني"... الموسيقى ترتفع بقوة لتصل إلى ارتفاعها نفسه عندما غادر الناصرة... هذه المرة يُستكمل المقطع: "في ظلال الياسمين"... موسيقى عالية ثم... "صِليني.. صِليني". القفلة شبه التامة.

 العائد: ظمِئتُ فـ "جودي وصِليني"

الشارد الراحل الحائر... يعود. ما زلنا في صوفية الترداد الصلواتي لنداء الموشح والتوق إلى الجود والوصل، لينفتح مشهد العودة على لقطة ما زلنا نتذكرها جيداً في مطالع الفيلم. الشارد يجلس على سور بيته الحجري القديم يتأمل البيت والحديقة وربما اللاشيء أيضاً. كذلك يقفز في وجهنا الجار الأرعن الذي تعوّد على سرقة الليمون، نراه على حاله يزعم بأنه يسقي الشجر ويسقي كذلك الشجيرة الصغيرة التي نقلها الشارد من البيت إلى الحديقة عشية الرحيل. عبث الحياة الأولى من دون أصباغ تجميلية.

ثم، وهنا الـ "ثيمة" الأكبر في خاتمة الفيلم، يأتي المشهد الذرواتي الثري: الكنعانية التي راقبها في الوادي الخالي من الماء تحمل جرار اللبن في طول الوادي ما زالت هناك، وهذه المرة عائدة هي الأُخرى وقد أفرغت اللبن وباعته. عادا معاً! تحمل الجرار الفارغة بيدها وعلى رأسها. تسير وئيداً وبعيداً في قلب الشاشة وتختفي صورتها. تمنيتُ لو أنها كانت تسير في اتجاه المشاهدين، في اتجاهنا نحن الوشّاحين الذين أقالوا إيليا سليمان مبكراً واستكملوا إخراج الفيلم، فتكبر وتكبر، تملأ الشاشة كأنها تطلع منها. ومهما يكن، المهم هنا أن اللبن صار على رأس الوادي، وسيفيض فيه. بعد ترحاله الطويل ما عاد مقطع الموشح الذي ودّعه "عيشة لا حب فيها، جدول لا ماء فيه" قادراً على وصف الوادي بدقة. "العيشة اللي لا حب فيها"، المدينة الهاربة والصامتة والجار والليمون المسروق وأشياء أُخرى، هي الماء الذي أعاده. لكن فوق ذلك كله، فيض اللبن المتخيل في الوادي هو الجود والوصل الذي رآه قارىء ورق اللعب متوسداً الغيم الأبيض في مستقبل ما. هنا نظل ندندن مع الموشح في تعاليه البديع: "إن تجودي فصِليني، إن تجودي فصِليني."

نشاء أن يتوقف الفيلم هنا. عند هذه النقطة بالضبط والكنعانية تصعد رأس الوادي وتغيب فيه، والموشح يتواصل، صانعاً "الخرجة" الحقيقية للفيلم.

بعد الخرجة الأخيرة والحقيقية للفيلم، أقحم إيليا مشهداً ما بعد أخير، يتركنا في حيرة نحن المخرجين الاستكماليين إزاء إبقائه أو حذفه من الفيلم. هنا نرقب حملقة الشارد العائد جالساً في بار صاخب في حيفا، يتأمل بابتسامة خفية (أمل صاعد مع الموسيقى، مثلاً) شباباً وصبايا يرقصون ويشربون ويتذكرون (تبعاً للشعب اللي يشرب حتى يتذكر) المستقبل. تعبيرات باسمة في وجهه تلاحق الغناء: "عربي أنا... فنمت وحلمت وأشبعني." تناقض لافت: أغنية ديسكو بمذاق قومي وسياسي وهوياتي بامتياز، "عربي أنا"، يشدو بها سكارى؟ هنا، لو أبقينا هذا المشهد خاتمة للفيلم لاستدعينا ابن سناء الملك، أحد أشهر وشّاحي العرب، كي يتدخل برأيه بشأن هذا التناقض الصاعق الآمل والمبدع. فبحسب ابن سناء والوشّاحين والوشّاحات، فإن "الخرجة هي القفل الأخير من الموشح. والشرط فيها أن تكون حجاجية من قِبل السخف، قِزمانية من قبل اللحن، حارة محرقة، حادة منضجة، من ألفاظ العامة ولغات الخاصة... والمشروع، بل المفروض في الخرجة، أن يُجعل الخروج إليها وثباً واستطراداً وقولاً مستعاراً على بعض الألسنة، إمّا ألسنة الناطق أو الصامت... وأكثر ما تُجعل على ألسنة الصبيان والنسوان، والسكر والسكران..."

السيرة الشخصية: 

خالد الحروب: كاتب وباحث فلسطيني. زميل زائر في قسم الدراسات الشرق الأوسطية والإسلامية في جامعة كمبردج ــ بريطانيا.

اقرأ المزيد